انتقل إلى المحتوى

البداية والنهاية/الجزء الرابع/سرية بئر معونة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة



سرية بئر معونة


وقد كانت في صفر منها، وأغرب مكحول رحمه الله حيث قال: إنها كانت بعد الخندق.

قال البخاري: حدثنا أبو معمر، حدثنا عبد الوارث، حدثنا عبد العزيز، عن أنس بن مالك قال:

بعث رسول الله سبعين رجلا لحاجة يقال لهم القراء، فعرض لهم حيان من بني سليم رعل وذكوان عند بئر يقال لها بئر معونة، فقال القوم: والله ما إياكم أردنا، وإنما نحن مجتازون في حاجة للنبي فقتلوهم، فدعا النبي عليهم شهرا في صلاة الغداة، وذاك بدء القنوت وما كنا نقنت.

ورواه مسلم من حديث حماد بن سلمة، عن ثابت، عن أنس بنحوه.

ثم قال البخاري: حدثنا عبد الأعلى بن حماد، حدثنا يزيد بن زريع، حدثنا سعد، عن قتادة، عن أنس بن مالك أن رعلا وذكوان وعصية وبني لحيان استمدوا رسول الله على عدو، فأمدهم بسبعين من الأنصار كنا نسميهم القراء في زمانهم، كانوا يحتطبون بالنهار، ويصلون بالليل، حتى إذا كانوا ببئر معونة قتلوهم وغدروا بهم، فبلغ النبي فقنت شهرا يدعو في الصبح على أحياء من العرب على رعل وذكوان وعصية وبني لحيان.

قال أنس: فقرأنا فيهم قرأنا، ثم إن ذلك رفع، بلغوا عنا قومنا أنا قد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.

ثم قال البخاري: حدثنا موسى بن إسماعيل، حدثنا همام، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، حدثني أنس بن مالك أن النبي بعث حراما أخا لأم سليم في سبعين راكبا، وكان رئيس المشركين عامر بن الطفيل، خير رسول الله بين ثلاث خصال فقال:

يكون لك أهل السهل ولي أهل المدر، أو أكون خليفتك، أو أغزوك بأهل غطفان بألف وألف، فطعن عامر في بيت أم فلان فقال: غدة كغدة البكر في بيت امرأة من آل فلان، ائتوني بفرسي فمات على ظهر فرسه، فانطلق حرام أخو أم سليم وهو رجل أعرج، ورجل من بني فلان فقال: كونا قريبا حتى آتيهم، فإن أمنوني كنتم قريبا، وإن قتلوني أتيتم أصحابكم.

فقال: أتؤمنوني حتى أبلغ رسالة رسول الله ؟ فجعل يحدثهم وأومأوا إلى رجل فأتاه من خلفه فطعنه.

قال همام: أحسبه حتى أنفذه بالرمح، فقال: الله أكبر فزت ورب الكعبة، فلحق الرجل فقتلوا كلهم غير الأعرج، وكان في رأس جبل، فأنزل الله علينا، ثم كان من المنسوخ: أنا لقد لقينا ربنا فرضي عنا وأرضانا.

فدعا النبي ثلاثين صباحا على رعل وذكوان وبني لحيان وعصية الذين عصوا الله ورسوله.

وقال البخاري: حدثنا حبان، حدثنا عبد الله، أخبرني معمر، حدثني ثمامة بن عبد الله بن أنس أنه سمع أنس بن مالك يقول لما طعن حرام بن ملحان - وكان خاله - يوم بئر معونة قال بالدم هكذا، فنضحه على وجهه ورأسه وقال: فزت ورب الكعبة.

وروى البخاري، عن عبيد بن إسماعيل، عن أبي أسامة، عن هشام بن عروة أخبرني أبي قال: لما قتل الذين ببئر معونة، وأسر عمرو بن أمية الضمري قال له عامر بن الطفيل: من هذا؟ وأشار إلى قتيل.

فقال له عمرو بن أمية: هذا عامر بن فهيرة.

قال: لقد رأيته بعد ما قتل رفع إلى السماء، حتى إني لأنظر إلى السماء بينه وبين الأرض، ثم وضع فأتي النبي خبرهم فنعاهم، فقال: «إن أصحابكم قد أصيبوا وإنهم قد سألوا ربهم فقالوا: ربنا أخبر عنا إخواننا بما رضينا عنك ورضيت عنا» فأخبرهم عنهم.

وأصيب يومئذ فيهم عروة بن أسماء بن الصلت فسمي عروة به، ومنذر بن عمرو وسمي به منذر.

هكذا وقع في رواية البخاري مرسلا عن عروة.

وقد رواه البيهقي من حديث يحيى بن سعيد، عن أبى أسامة، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة فساق من حديث الهجرة، وأدرج في آخره ما ذكره البخاري ههنا فالله أعلم.

وروى الواقدي، عن مصعب بن ثابت، عن أبي الأسود وعن عروة، فذكر القصة وشأن عامر بن فهيرة، وأخبار عامر بن الطفيل أنه رفع إلى السماء، وذكر أن الذي قتله جبار بن سلمى الكلابي، قال: ولما طعنه بالرمح قال: فزت ورب الكعبة، ثم سأل جبار بعد ذلك: ما معنى قوله فزت؟ قالوا: يعني بالجنة.

فقال: صدق والله، ثم أسلم جبار بعد ذلك لذلك.

وفي (مغازي) موسى بن عقبة، عن عروة أنه قال: لم يوجد جسد عامر بن فهيرة، يرون أن الملائكة وارته.

وقال يونس، عن ابن إسحاق: فأقام رسول الله - يعني بعد أحد - بقية شوال، وذا القعدة، وذا الحجة، والمحرم، ثم بعث أصحاب بئر معونة في صفر على رأس أربعة أشهر من أحد، فحدثني أبي إسحاق بن يسار، عن المغيرة بن عبد الرحمن بن الحارث بن هشام، وعبد الرحمن بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، وغيرهما من أهل العلم قالوا:

قدم أبو براء عامر بن مالك بن جعفر ملاعب الأسنة على رسول الله بالمدينة، فعرض عليه الإسلام ودعاه إليه فلم يسلم ولم يبعد، وقال: يا محمد لو بعثت رجالا من أصحابك إلى أهل نجد فدعوهم إلى أمرك، رجوت أن يستجيبوا لك.

فقال : إني أخشى عليهم أهل نجد، فقال أبو براء: أنا لهم جار، فبعث رسول الله المنذر بن عمرو أخا بني ساعدة المعنق ليموت في أربعين رجلا من أصحابه من خيار المسلمين، فيهم: الحارث بن الصمة، وحرام بن ملحان أخو بني عدي بن النجار، وعروة بن أسماء بن الصلت السلمي، ونافع بن بديل بن ورقاء الخزاعي، وعامر بن فهيرة مولى أبي بكر في رجال من خيار المسلمين.

فساروا حتى نزلوا بئر معونة - وهي بين أرض بني عامر وحرة بني سليم - فلما نزلوا بعثوا حرام بن ملحان بكتاب رسول الله إلى عامر بن الطفيل، فلما أتاه لم ينظر في الكتاب حتى عدا على الرجل فقتله، ثم استصرخ عليهم بني عامر فأبوا أن يجيبوا إلى ما دعاهم، وقالوا: لن نخفر أبا براء.

وقد عقد لهم عقدا وجوارا فاستصرخ عليهم قبائل من بني سليم - عصية ورعلا وذكوان والقارة - فأجابوه إلى ذلك فخرجوا حتى غشوا القوم، فأحاطوا بهم في رحالهم، فلما رأوهم أخذوا أسيافهم، ثم قاتلوا القوم حتى قتلوا عن آخرهم إلا كعب بن زيد أخا بني دينار بن النجار، فإنهم تركوه به رمق، فارتث من بين القتلى، فعاش حتى قتل يوم الخندق.

وكان في سرح القوم عمرو بن أمية الضمري، ورجل من الأنصار من بني عمرو بن عوف، فلم ينبئهما بمصاب القوم إلا الطير تحوم حول العسكر، فقالا: والله إن لهذه الطير لشأنا، فأقبلا لينظرا فإذا القوم في دمائهم، وإذا الخيل التي أصابتهم واقفة.

فقال الأنصاري لعمرو بن أمية: ماذا ترى؟

فقال: أرى أن نلحق برسول الله فنخبره الخبر، فقال الأنصاري: لكني لم أكن لأرغب بنفسي عن موطن قتل فيه المنذر بن عمرو، وما كنت لأخبر عنه الرجال.

فقاتل القوم حتى قتل، وأخذ عمرو أسيرا، فلما أخبرهم أنه من مضر أطلقه عامر بن الطفيل، وجز ناصيته وأعتقه عن رقبة كانت على أمه فيما زعم.

قال: وخرج عمرو بن أمية، حتى إذا كان بالقرقرة من صدر قناة، أقبل رجلان من بني عامر حتى نزلا في ظل هو فيه، وكان مع العامريين عهد من رسول الله ، وجوار لم يعلمه عمرو بن أمية، وقد سألهما حين نزلا: ممن أنتما؟

قالا: من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما وقتلهما، وهو يرى أن قد أصاب بهما ثأرا من بني عامر فيما أصابوا من أصحاب رسول الله .

فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله أخبره الخبر، فقال رسول الله : «لقد قتلت قتيلين لأدينهما» ثم قال رسول الله : «هذا عمل أبي براء، قد كنت لهذا كارها متخوفا».

فبلغ ذلك أبا براء فشق عليه إخفار عامر إياه، وما أصاب أصحاب رسول الله بسببه وجواره.

فقال حسان بن ثابت في إخفار عامر أبا براء، ويحرض بني أبي براء على عامر:

بني أم البنين ألم يرعكم * وأنتم من ذوائب أهل نجد

تهكم عامر بأبي براء * ليخفره وما خطأ كعمد

ألا أبلغ ربيعة ذا المساعي * فما أحدثت في الحدثان بعدي

أبوك أبو الحروب أبو براء * وخالك ماجد حكم بن سعد

قال ابن هشام: أم البنين أم أبي براء، وهي بنت عمرو بن عامر بن ربيعة بن عامر بن صعصعة.

قال: فحمل ربيعة بن عامر بن مالك على عامر بن الطفيل، فطعنه في فخذه فأشواه، ووقع عن فرسه وقال: هذا عمل أبي براء، إن أمت فدمي لعمي فلا يتبعن به، وإن أعش فسأرى رأيي.

وذكر موسى بن عقبة، عن الزهري نحو سياق محمد بن إسحاق، قال موسى: وكان أمير القوم المنذر بن عمرو، وقيل مرثد بن أبي مرثد.

وقال حسان بن ثابت يبكي قتلى بئر معونة، فيما ذكره ابن إسحاق رحمه الله، والله أعلم:

على قتلى معونة فاستهلي * بدمع العين سحا غير نزر

على خيل الرسول غداة لاقوا * ولاقتهم مناياهم بقدر

أصابهم الفناء بعقد قوم * تخوَّن عقد حبلهم بغدر

فيالهفي لمنذر إذ تولى * وأعنق في منيته بصبر

وكائن قد أصيب غداة ذاكم * من أبيض ماجد من سر عمرو

البداية والنهاية - الجزء الرابع
سنة ثلاث من الهجرة غزوة نجد | غزوة الفرع من بحران | خبر يهود بني قينقاع في المدينة | سرية زيد بن حارثة إلى ذي القردة | مقتل كعب بن الأشرف | غزوة أحد في شوال سنة ثلاث | مقتل حمزة رضي الله عنه | فصل نصر الله للمسلمين يوم بدر | فصل فيما لقي النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ من المشركين قبحهم الله | فصل رد رسول الله عين قتادة بن النعمان عندما سقطت يوم أحد | فصل مشاركة أم عمارة في القتال يوم أحد | فصل في أول من عرف رسول الله بعد الهزيمة كعب بن مالك | دعاء النبي صلى الله عليه وسلم يوم أحد | فصل سؤال النبي عليه السلام عن سعد بن الربيع أهو حي أم ميت | الصلاة على حمزة وقتلى أحد | فصل في عدد الشهداء | فصل نعي رسول الله لحمنة بنت جحش أخيها وخالها وزوجها يوم أحد | خروج النبي صلى الله عليه وسلم بأصحابه على ما بهم من القرح والجراح في أثر أبي سفيان | فصل فيما تقاول به المؤمنون والكفار في وقعة أحد من الأشعار | آخر الكلام على وقعة أحد | سنة أربع من الهجرة النبوية | غزوة الرجيع | سرية عمرو بن أمية الضمري | سرية بئر معونة | غزوة بني النضير وفيها سورة الحشر | قصة عمرو بن سعدي القرظي | غزوة بني لحيان | غزوة ذات الرقاع | قصة غورث بن الحارث | قصة الذي أصيبت امرأته يومذاك | قصة جمل جابر | غزوة بدر الآخرة | فصل في جملة من الحوادث الواقعة سنة أربع من الهجرة | سنة خمس من الهجرة النبوية غزوة دومة الجندل | غزوة الخندق أو الأحزاب | فصل نزول قريش بمجتمع الأسيال يوم الخندق | فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب | فصل في غزوة بني قريظة | وفاة سعد بن معاذ رضي الله عنه | فصل الأشعار في الخندق وبني قريظة | مقتل أبي رافع اليهودي | مقتل خالد بن سفيان الهذلي | قصة عمرو بن العاص مع النجاشي | فصل في تزويج النبي صلى الله عليه وسلم بأم حبيبة | تزويجه بزينب بنت جحش | نزول الحجاب صبيحة عرس زينب | سنة ست من الهجرة | غزوة ذي قرد | غزوة بني المصطلق من خزاعة | قصة الإفك | غزوة الحديبية | سياق البخاري لعمرة الحديبية | فصل في السرايا التي كانت في سنة ست من الهجرة | فصل فيما وقع من الحوادث في هذه السنة | سنة سبع من الهجرة غزوة خيبر في أولها | فصل فتح رسول الله عليه السلام للحصون | ذكر قصة صفية بنت حيي النضرية | فصل محاصرة النبي عليه السلام أهل خيبر في حُصنيهم | فصل فتح حصونها وقسيمة أرضها | فصل تخصيص شيء من الغنيمة للعبيد والنساء ممن شهدوا خيبر | ذكر قدوم جعفر بن أبي طالب ومسلمو الحبشة المهاجرون | قصة الشاة المسمومة والبرهان الذي ظهر | فصل انصراف رسول الله إلى وادي القرى ومحاصرة أهله | فصل من استشهد بخيبر من الصحابة | خبر الحجاج بن علاط البهزي | فصل مروره صلى الله عليه وسلم بوادي القرى ومحاصرة اليهود ومصالحتهم | فصل تقسيم الثمار و الزروع في خيبر بين المسلمين و اليهود بالعدل | سرية أبي بكر الصديق إلى بني فزارة | سرية عمر بن الخطاب إلى تُرَبَة وراء مكة بأربعة أميال | سرية عبد الله بن رواحة إلى يسير بن رزام اليهودي | سرية أخرى مع بشير بن سعد | سرية بني حدرد إلى الغابة | السرية التي قتل فيها محلم بن جثامة عامر بن الأضبط | سرية عبد الله بن حذافة السهمي | عمرة القضاء | قصة تزويجه عليه السلام بميمونة | ذكر خروجه صلى الله عليه وسلم من مكة بعد قضاء عمرته | فصل إرسال سرية ابن أبي العوجاء إلى بني سليم | فصل رد رسول الله عليه السلام ابنته زينب على زوجها أبي العاص | سنة ثمان من الهجرة النبوية | طريق إسلام خالد بن الوليد | سرية شجاع بن وهب الأسدي إلى هوازن | سرية كعب بن عمير إلى بني قضاعة | غزوة مؤتة | فصل إصابة جعفر وأصحابه | فصل عطف رسول الله عليه السلام على ابن جعفر عند إصابة أبيه | فصل في فضل زيد وجعفر وعبد الله رضي الله عنهم | فصل في من استشهد يوم مؤتة | ما قيل من الأشعار في غزوة مؤتة | كتاب بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الآفاق وكتبه إليهم | إرساله صلى الله عليه وسلم إلى ملك العرب من النصارى بالشام | بعثه إلى كسرى ملك الفرس | بعثه صلى الله عليه وسلم إلى المقوقس صاحب مدينة الإسكندرية واسمه جريج بن مينا القبطي | غزوة ذات السلاسل | سرية أبي عبيدة إلى سيف البحر | غزوة الفتح الأعظم وكانت في رمضان سنة ثمان | قصة حاطب بن أبي بلتعة | فصل استخلاف كلثوم بن حصين الغفاري على المدينة | فصل إسلام العباس عم النبي صلى الله عليه وسلم | فصل نزول النبي عليه السلام إلى مر الظهران | صفة دخوله صلى الله عليه وسلم مكة | فصل عدد الذين شهدوا فتح مكة | بعثه عليه السلام خالد بن الوليد بعد الفتح إلى بني جذيمة من كنانة | بعث خالد بن الوليد لهدم العزى | فصل في مدة إقامته عليه السلام بمكة | فصل فيما حكم عليه السلام بمكة من الأحكام | فصل مبايعة رسول الله الناس يوم الفتح على الإسلام والشهادة | غزوة هوازن يوم حنين | الوقعة وما كان أول الأمر من الفرار ثم العاقبة للمتقين | فصل هزيمة هوازن | فصل في الغنائم | فصل أمره صلى الله عليه وسلم أن لا يقتل وليدا | غزوة أوطاس | من استشهد يوم حنين وأوطاس | ما قيل من الأشعار في غزوة هوازن | غزوة الطائف | مرجعه عليه السلام من الطائف | قدوم مالك بن عوف النصري على الرسول | اعتراض بعض أهل الشقاق على الرسول | مجيء أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة عليه بالجعرانة | عمرة الجعرانة في ذي القعدة | إسلام كعب بن زهير بن أبي سلمى وذكر قصيدته بانت سعاد | الحوادث المشهورة في سنة ثمان والوفيات