الفتاوى الكبرى/مسائل منثورة/10

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

فصل

وأما قول السائل: هل الاعتراف بالخطيئة بمجرده مع التوحيد موجب لغفرانها وكشف الكربة الصادرة عنها أم يحتاج إلى شيء آخر؟؟

فجوابه: أن الموجب للغفران مع التوحيد هو التوبة المأمور بها فإن الشرك لا يغفره الله إلا بتوبة كما قال تعالى: { إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } في موضعين من القرآن وما دون الشرك فهو مع التوبة مغفور وبدون التوبة معلق بالمشيئة كما قال تعالى: { قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعا } فهذا في حق التائبين ولهذا عمم وأطلق وختم أنه يغفر الذنوب جميعا فهذا في حق التائبين ولهذا عم وأطلق وختم أنه يغفر الذنوب جميعا وقال في تلك الآية: { ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء } فخص ما دون الشرك وعلقه بالمشيئة فإذا كان الشرك لا يغفر إلا بتوبة وأما ما دونه فيغفره الله للتائب وقد يغفره بدون التوبة لمن يشاء

فالاعتراف بالخطيئة مع التوحيد إن كان متضمنا للتوبة أوجب المغفرة وإذا غفر الذنب زالت عقوبته فإن المغفرة هي وقاية شر الذنب

ومن الناس من يقول الغفر الستر ويقول: إنما سمي المغفرة والغفار لما فيه من معنى الستر وتفسير اسم الله الغفار بأنه الستار وهذا تقصير في معنى الغفر فإن المغفرة معناها وقاية شر الذنب بحيث لا يعاقب على الذنب فمن غفر ذنبه لم يعاقب عليه وأما مجرد ستره فقد يعاقب عليه في الباطن ومن عوقب على الذنب باطنا أو ظاهرا فلم يغفر له وإنما يكون غفران الذنب إذا لم يعاقب عليه العقوبة المستحقة بالذنب

وأما إذا ابتلى مع ذلك بما يكون سببا في حقه لزيادة أجره فهذا لا ينافي المغفرة

وكذلك إذا كان من تمام التوبة أن يأتي بحسنات يفعلها فإن من يشترط في التوبة من تمام التوبة وقد يظن الظان أنه تائب ولا يكون تائبا بل يكون تاركا والتارك غير التائب فإنه قد يعرض عن الذنب لعدم خطوره بباله أو المقتضى لعجزه عنه أو تنتفي إرادته له بسبب غير ديني وهذا ليس بتوبة بل لا بد من أن يعتقد أنه سيئة ويكره فعله لنهي الله عنه ويدعه لله تعالى: لا لرغبة مخلوق ولا لرهبة مخلوق فإن التوبة من أعظم الحسنات والحسنات كلها يشترط فيها الإخلاص لله وموافقة أمره كما قال الفضيل بن عياض في قوله: { ليبلوكم أيكم أحسن عملا } قال: أخلصه وأصوبه قالوا: يا أبا علي ! ما أخلصه وأصوبه؟ قال: إن العمل إذا كان خالصا ولم يكن صوابا لم يقبل وإذا كان صوابا ولم يكن خالصا لم يقبل حتى يكون خالصا صوابا والخالص أن يكون لله والصواب أن يكون على السنة

وكان عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول في دعائه: اللهم اجعل عملي كله صالحا واجعله لوجهك خالصا ولا تجعل لأحد فيه شيئا

وبسط الكلام في التوبة له موضع آخر

وأما الاعتراف بالذنب على وجه الخضوع لله من غير إقلاع عنه فهذا في نفس الاستغفار المجرد الذي لا توبة معه وهو كالذي يسأل الله تعالى أن يغفر له الذنب مع كونه لم يتب منه وهذا يأس من رحمة الله ولا يقطع بالمغفرة له فإنه داع دعوة مجردة وقد ثبت في الصحيحين: عن النبي ﷺ أنه قال: [ ما من داع يدعو بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا كان بين إحدى ثلاث: إما أن يعجل له دعوته وإما أن يدخر له من الجزاء مثلها وإما أن يصرف من الشر مثلها قالوا: يا رسول الله إذا نكثر قال: الله أكثر ] فمثل هذا الدعاء قد تحصل معه المغفرة وإذا لم تحصل فلا بد أن يحصل معه صرف شر آخر أو حصول خير آخر فهو نافع كما ينفع كل دعاء

وقول من قال من العلماء: الاستغفار مع الاصرار توبة الكذابين فهذا إذا كان المستغفر يقوله على وجه التوبة أو يدعي أن استغفاره توبة وأنه تائب بهذا الاستغفار فلا ريب أنه مع الإصرار لا يكون تائبا فإن التوبة والإصرار ضدان: الإصرار يضاد التوبة لكن لا يضاد الاستغفار بدون التوبة

وقول القائل: هل الاعتراف بالذنب المعين يوجب دفع ما حصل بذنوب متعددة أم لا بد من استحضار جميع الذنوب؟

فجواب هذا مبني على أصول:

أحدهما: أن التوبة تصح من ذنب مع الإصرار على ذنب آخر إذا كان المقتضي للتوبة من أحدهما أقوى من المقتضى للتوبة من الآخر أو كان المانع من أحدهما أشد وهذا هو القول المعروف عند السلف والخلف

وذهب طائفة من أهل الكلام كأبي هاشم إلى أن التوبة لا تصح من قبيح مع الإصرار على الآخر قالوا: لأن الباعث على التوبة إن ل يكن من خشية الله لم يكن توبة صحيحة والخشية مانعة من جميع الذنوب لا من بعضها وحكى القاضي أبو يعلى وابن عقيل هذا رواية عن أحمد لأن المرذوي نقل عنه أنه سئل عمن تاب من الفاحشة وقال: لو مرضت لم أعد لكن لا يدع النظر فقال أحمد: أي توبة هذه؟ ! [ قال جرير بن عبد الله سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: اصرف بصرك ]

والمعروف عن أحمد وسائر الأئمة هو القول بصحة التوبة وأحمد في هذه المسألة إنما أراد أن هذه ليست توبة عامة يحصل بسببها من التائبين توبة مطلقا لم يرد أن ذنب هذا كذنب المصر على الكبائر فإن نصوصه المتواترة عنه وأقواله الثابتة تنافي ذلك وحمل كلام الإمام على ما يصدق بعضه بعضا أولى من حمله على التناقض لا سيما إذا كان القول الآخر مبتدعا لم يعرف عن أحد من السلف وأحمد يقول: إياك أن تتكلم في مسألة ليس لك فيها إمام وكان في المحنة يقول: كيف أقول ما لم يقل واتباع أحمد للسنة والآثار وقوة رغبته في ذلك وكراهته لخلافه من الأمور المتواترة عنه يعرفها من يعرف حاله من الخاصة والعام وما ذكروه من أن الخشية توجب العموم

فجوابه: أنه قد يعلم قبح أحد الذنبين دون الآخر وإنما يتوب ما يعلم قبحه

وأيضا: فقد يعلم قبحها ولكن هواه يغلبه في إحداهما دون الآخر فيتوب من هذا دون ذاك كمن أدى بعض الواجبات دون بعض فإن ذلك يقبل منه

ولكن المعتزلة لهم أصل فاسد وافقوا فيه الخوارج في الحكم وإن خالفهم في الاسم فقالوا: إن أصحاب الكبائر يخلدون في النار ولا يخرجون منها بشفاعة ولا غيرها وعندهم يمتنع أن يكون الرجل الواحد ممن يعاقبه الله ثم يثيبه ولهذا يقولون: بحبوط جميع الحسنات بالكبيرة

وأما الصحابة وأهل السنة والجماعة فعلى أن أهل الكبائر يخرجون من النار ويشفع فيهم وإن الكبيرة الواحدة لا تحبط جميع الحسنات ولكن قد يحبط ما يقابلها عند أكثر أهل السنة ولا يحبط جميع الحسنات إلا الكفر كما لا يحبط جميع السيئات إلا التوبة فصاحب الكبيرة إذا أتى بحسنات يبتغي بها رضا الله أثابه الله على ذلك وإن كان مستحقا للعقوبة على كبيرته

وكتاب الله عز وجل يفرق بين حكم السارق والزاني وقتال المؤمنين بعضهم بعضا وبين حكم الكفار في الأسماء والأحكام والسنة المتواترة عن النبي ﷺ وإجماع الصحابة يدل على ذلك كما هو مبسوط في غير هذا الموضع

وعلى هذا تنازع الناس في قوله: { إنما يتقبل الله من المتقين } فعلى قول الخوارج والمعتزلة لا تقبل حسنة إلا ممن أتقاه مطلقا فلم يأت كبيرة وعند المرجئة إنما يتقبل ممن اتقى الشرك فجعلوا أهل الكبائر داخلين في اسم المتقين وعند أهل السنة والجماعة يتقبل العمل ممن اتقى الله فيه فعمله خالصا لله موافقا لأمر الله فمن اتقاه في عمل تقبله منه وإن كان عاصيا في غيره ومن لم يتقه فيه لم يتقبله منه وإن كان مطيعا في غيره

والتوبة من بعض الذنوب دون بعض كفعل بعض الحسنات المأمور بها دون بعض إذا لم يكن المتروك شرطا في صحة المفعول كالإيمان المشروط في غيره من الأعمال كما قال الله تعالى: { ومن أراد الآخرة وسعى لها سعيها وهو مؤمن فأولئك كان سعيهم مشكورا } وقال تعالى { من عمل صالحا من ذكر أو أنثى وهو مؤمن فلنحيينه حياة طيبة } وقال: { ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة وأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون }

الأصل الثاني: أن من له ذنوب فتاب من بعضها دون بعض فإن التوبة إنما تقتضي مغفرة ما تاب منه أما ما لم يتب منه فهو باق فيه على حكم من لم يتب لا على حكم من تاب وما علمت في هذا نزاعا إلا في الكافر إذا أسلم فإن إسلامه يتضمن التوبة من الكفر فيغفر له بالإسلام الكفر الذي تاب منه وهل تغفر له الذنوب التي فعلها في حال الكفر ولم يتب منها في الإسلام؟ هذا فيه قولان معروفان

أحدهما: يغفر له الجميع لإطلاق قوله ﷺ: [ الإسلام يهدم ما كان قبله ] رواه مسلم مع قوله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف }

والقول الثاني: إنه لا يستحق أن يغفر له بالإسلام إلا ما تاب منه فإذا أسلم وهو مصر على كبائر دون فحكمه في ذلك حكم أمثاله من أهل الكبائر وهذا القول هو الذي تدل عليه الأصول والنصوص فإن في الصحيحين: أن النبي ﷺ: [ قال له حكيم بن حزام: يا رسول الله أنؤاخذ بما عملنا في الجاهلية؟ فقال: من أحسن منكم في الإسلام لم يؤاخذ بما عمل في الجاهلية ومن أساء في الإسلام أخذ بالأول والآخر ] فقد دل هذا النص على أنه إنما ترفع المؤاخذة بالأعمال التي فعلت في حال الجاهلية عمن أحسن لا عمن لا يحسن وإن لم يحسن أخذ بالأول والآخر ومن لم يتب منه فلم يحسن

وقوله تعالى: { قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف } يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما قد سلف منه لا يدل على أن المنتهي عن شيء يغفر له ما سلف من غيره وذلك لأن قول القائل لغيره: إن انتهيت غفرت لك ما تقدم ونحو ذلك يفهم منه عند الإطلاق إنك إن انتهيت عن هذا الأمر غفر لك ما تقدم وإذا انتهيت عن شيء غفر لك ما تقدم منه كما يفهم مثل ذلك في قوله: إن تبت لا يفهم منه إنك بالانتهاء عن ذنب يغفر لك ما تقدم من غيره

وأما قول النبي ﷺ: [ الإسلام يهدم ما قبله ] وفي رواية [ يجب ما كان قبله ] فهذا قاله لما أسلم عمرو بن العاص وطلب أن يغفر له ما تقدم من ذنبه فقال له: [ يا عمرو أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله وأن التوبة تهدم ما كان قبلها وأن الهجرة تهدم ما كان قبلها ] ومعلوم أن التوبة إنما توجب مغفرة ما تاب منه لا توجب التوبة غفران جميع الذنوب

الأصل الثالث: إن الإنسان قد يستحضر ذنوبا فيتوب منها وقد يتوب توبة مطلقة لا يستحضر معها ذنوبه لكن إذا كانت نيته التوبة العامة فهي تتناول كل ما يراه ذنبا لأن التوبة العامة تتضمن عزما عاما بفعل المأمور وترك المحظور وكذلك تتضمن ندما عاما على كل محظور

والندم سواء قيل: إنه من باب الاعتقادات أو من باب الإرادات أو قيل: إنه من باب الآلام التي تلحق النفس بسبب فعل ما يضرها فإذا استشعر القلب أنه فعل ما يضره حصل له معرفة بأن الذي فعله كان من السيئات وهذا من باب الاعتقادات وكراهية لما كان فعله وهو من جنس الإرادات وحصل له أذى وغم لما كان فعله وهذا من باب الآلام كالغموم والأحزان كما أن الفرح والسرور هو من باب اللذات ليس هو من باب الاعتقادات والإرادات

ومن قال من المتفلسفة ومن اتبعهم: إن اللذة هي إدراك الملائم من حيث هو ملائم وإن الألم هو إدراك المنافر من حيث هو منافر فقد غلط في ذلك فإن اللذة والألم حالان يتعقبان إدراك الملائم والمنافر فإن الحب لما يلائمه كالطعام المشتهى مثلا له ثلاثة أحوال

أحدها: الحب كالشهوة للطعام

والثاني: إدراك المحبوب كأكل الطعام

والثالث: اللذة الحاصلة بذلك واللذة أمر مغاير للشهوة ولذوق المشتهي بل هي حاصلة لذوق المشتهي ليست نفس ذوق المشتهى

وكذلك المكروه كالضرب مثلا فإن كراهته شيء وحصوله شيء آخر والألم الحاصل به ثالث

وكذلك ما للعارفين أهل محبة الله من النعيم والسرور بذلك فإن حبهم لله شيء ثم ما يحصل من ذكر المحبوب شيء ثم اللذة الحاصلة بذلك أمر ثالث ولا ريب أن الحب مشروط بشعور المحبوب كما أن الشهوة مشروطة بشعور المشتهى لكن الشعور المشروط في اللذة غير الشعور المشروط في المحبة فهذا الثاني يسمى إدراكا وذوقا ونيلا ووجدا ووصالا ونحو مما يعبر به عن إدراك المحبوب سواء كان بالباطن أو الظاهر ثم هذا الذوق يستلزم اللذة واللذة أمر يحسه الحي باطنا وظاهرا

وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح [ ذاق طعم الإيمان من رضي الله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد ﷺ نبيا ] وفي الصحيحين: عنه ﷺ أنه قال: [ ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه من سواهما ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد إذ أنقذه الله منه كما يكره أن يلقى في النار ]

فبين ﷺ أن ذوق الإيمان لمن رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وإن وجد حلاوة الإيمان حاصل لمن كان حبه لله ورسوله أشد من حبه لغيرهما ومن كان يحب شخصا لله لا لغيره ومن كان يكره ضد الإيمان كما يكره أن يلقى في النار فهذا الحب للإيمان والكراهية للكفر استلزم حلاوة الإيمان كما استلزم الرضى المتقدم ذوق طعم الإيمان وهذا هو اللذة وليس هو نفس التصديق والمعرفة الحاصلة في القلب ولا نفس الحب الحاصل في القلب بل هذا نتيجة ذاك وثمرته ولازم له وهي أمور متلازمة فلا توجد اللذة إلا بحب وذوق وإلا فمن أحب شيئا ولم يذق منه شيئا لم يجد لذة كالذي يشتهي الطعام ولم يذق منه شيئا ولو ذاق ما لا يحبه لم يجد لذة كمن ذاق ما لا يريده فإذا اجتمع حب الشيء وذوقه حصلت اللذة بعد ذلك

وإن حصل بغضه وذوق البغيض حصل الألم فالذي يبغض الذنب ولا يفعله لا يندم والذي لا يبغضه لا يندم على فعله فإذا فعله وعرف أن هذا مما يبغضه ويضره ندم على فعله إياه وفي المسند عن ابن مسعود عن النبي ﷺ أنه قال: [ الندم توبة ]

إذا تبين هذا فمن تاب توبة عامة كانت هذه التوبة مقتضية لغفران الذنوب كلها وإن لم يستحضر أعيان الذنوب إلا أن يعارض هذا العام معارض يوجب التخصيص مثل أن يكون بعض الذنوب لو استحضره لم يتب منه لقوة إرادته إياه أو لاعتقاده أنه حسن ليس بقبيح فما كان لو استحضره لم يتب منه لم يدخل في التوبة وأما ما كان لو حضر بعينه لكان مما يتوب منه فإن التوبة العامة شاملته

وأما التوبة المطلقة: وهي أن يتوب توبة مجملة ولا تستلزم التوبة من كل ذنب فهذه لا توجب دخول كل فرد من أفراد الذنوب فيها ولا تمنع دخوله كاللفظ المطلق لكن هذه تصلح أن تكون سببا لغفران المعين كما تصلح أن تكون سببا لغفران الجميع بخلاف العامة فإنها مقتضية للغفران العام كما تناولت الذنوب تناولا عاما

وكثير من الناس لا يستحضر عند التوبة إلا بعض المتصفات بالفاحشة أو مقدماتها أو بعض الظلم باللسان أو اليد وقد يكون ما تركه من المأمور الذي يجب له عليه في باطنه وظاهره من شعب الإيمان وحقائقه أعظم ضررا عليه مما فعله من بعض الفواحش فإن ما أمر الله به من حقائق الإيمان التي بها يصير العبد من المؤمنين حقا أعظم نفعا من نفع ترك بعض الذنوب الظاهرة كحب الله ورسوله فإن هذا أعظم الحسنات الفعلية حتى ثبت في الصحيح [ أنه كان على عهد النبي ﷺ رجل يدعى حمارا وكان يشرب الخمر وكان كلما أتي به إلى النبي ﷺ جلده الحد فلما كثر ذلك منه أتي به مرة فأمر بجلده فلعنه رجل فقال النبي ﷺ: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ]

فنهى عن لعنه مع إصراره على الشرب لكونه يحب الله ورسوله مع أنه ﷺ لعن في الخمر عشرة: [ لعن الخمر وعاصرها ومعتصرها وشاربها وساقيها وحاملها والمحمولة إليه وبائعها ومبتاعها وآكل ثمنها ]

ولكن لعن المطلق لا يستلزم لعن المعين الذي قام به ما يمنع لحوق اللعنة له

وكذلك التكفير المطلق والوعيد المطلق ولهذا كان الوعيد المطلق في الكتاب والسنة مشروطا بثبوت شروط وانتفاء موانع فلا يلحق التائب من الذنب باتفاق المسلمين ولا يلحق منله حسنات تمحو سيئاته ولا يلحق المشفوع له والمغفور له فإن الذنوب تزول عقوبتها التي هي جهنم بأسباب التوبة والحسنات المادية والمصائب المكفرة - لكنها من عقوبات الدنيا - وكذلك ما يحصل في البرزخ من الشدة وكذلك ما يحصل في عرصات القيامة وتزول أيضا بدعاء المؤمنين: كالصلاة عليه وشفاعة الشفيع المطاع كم يشفع فيه سيد الشفعاء محمد ﷺ تسليما

وحينئذ فأي ذنب تاب منه ارتفع موجبه وما لم يتب منه فله حكم الذنوب التي لم يتب منها فالشدة إذا حصلت بذنوب وتاب من بعضها خفف منه بقدر ما تاب منه بخلاف ما لم يتب منه بخلاف صاحب التوبة العامة

والناس في غالب أحوالهم لا يتوبون توبة عامة مع حاجتهم إلى ذلك فإن التوبة واجبة على كل عبد في كل حال لأنه دائما يظهر له ما فرط فيه من ترك مأمور أو ما اعتدى فيه من فعل محظور فعليه أن يتوب دائما والله أعلم

وأما قول السائل: ما السبب في أن الفرج يأتي عند انقطاع الرجاء عن الخلق؟ وما الحيلة في صرف القلب عن التعلق بهم وتعلقه بالله؟

فيقال: سبب هذا تحقيق التوحيد: توحيد الربوبية وتوحيد الإلهية

فتوحيد الربوبية أنه لا خالق إلا الله فلا يستقل شيء سواه بإحداث أمر من الأمور بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن فكل ما سواه إذا قدر سببا فلا بد له من شريك معاون وضد معوق فإذا طلب مما سواه إحداث أمر من الأمور طلب فيه ما لا يستقل به ولا يقدر وحده عليه حتى ما يطلب من العبد من الأفعال الاختيارية لا يفعلها إلا بإعانة الله له كأن يجعله فاعلا لها بما يخلقه فيه من الإرادة الجازمة ويخلقه له من القدرة التامة وعند وجود القدرة التامة والإرادة الجازمة يجب وجود المقدور

فمشيئة الله وحده مستلزمة لكل مايريده فما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن وما سواه لا تستلزم إرادته شيئا بل ما أراده لا يكون إلا بأمور خارجة عن مقدوره إن لم يعنه الرب بها لم يحصل مراده ونفس إرادته لا تحصل إلا بمشيئة الله تعالى كما قال تعالى: { لمن شاء منكم أن يستقيم * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين } وقال تعالى: { فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا * وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليما حكيما * يدخل من يشاء في رحمته والظالمين أعد لهم عذابا أليما } وقال: { فمن شاء ذكره * وما يذكرون إلا أن يشاء الله هو أهل التقوى وأهل المغفرة }

والراجي لمخلوق طالب بقلبه لما يريده من ذلك المخلوق وذلك المخلوق عاجز عنه ثم هذا من الشرك الذي لا يغفره الله فمن كمال نعمته وإحسانه إلى عباده المؤمنين أن يمنع حصول مطالبهم بالشرك حتى يضرف قلوبهم إلى التوحيد ثم إن وحده العبد توحيد الإلهية حصلت له سعادة الدنيا والآخرة

وإن كان ممن قيل فيه: { وإذا مس الإنسان الضر دعانا لجنبه أو قاعدا أو قائما فلما كشفنا عنه ضره مر كأن لم يدعنا إلى ضر مسه كذلك زين للمسرفين ما كانوا يعملون } وفي قوله: { وإذا مسكم الضر في البحر ضل من تدعون إلا إياه فلما نجاكم إلى البر أعرضتم وكان الإنسان كفورا } كان ما حصل له من وحدانيته حجة عليه

كما احتج سبحانه على المشركين الذين يقرون بأنه خالق كل شيء ثم يشركون ولا يعبدونه وحده لا شريك له قال تعالى: { قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل أفلا تذكرون * قل من رب السماوات السبع ورب العرش العظيم * سيقولون لله قل أفلا تتقون * قل من بيده ملكوت كل شيء وهو يجير ولا يجار عليه إن كنتم تعلمون * سيقولون لله قل فأنى تسحرون } وقال تعالى: { ولئن سألتهم من خلق السماوات والأرض وسخر الشمس والقمر ليقولن الله فأنى يؤفكون } وهذا قد ذكر في اقرآن في غير موضع

فمن تمام نعمة الله على عباده المؤمنين أن ينزل بهم الشدة والضر وما يلجئهم إلى توحيده فيدعونه مخلصين له الدين ويرجونه لا يرجون أحدا سواه وتتعلق قلوبهم به لا لغيره فيحصل لهم من التوكل عليه والإنابة إليه وحلاوة الإيمان وذوق طعمه والبراءة من الشرك ما هو أعظم نعمة عليهم من زوال المرض والخوف أو الجدب أو حصول اليسر وزوال العسر في المعيشة فإن ذلك لذات بدنية ونعم دنيوية قد يحصل للكافر منها أعظم مما يحصل للمؤمن

وأما ما يحصل لأهل التوحيد المخلصين لله الدين فأعظم من أن يعبر عن كنهه مقال أو يستحضر تفصيله بال ولكل مؤمن من ذلك نصيب بقدر إيمانه ولهذا قال بعض السلف: يا بن آدم ! لقد بورك لك في حاجة أكثرت فيها من قرع باب سيدك وقال بعض الشيوخ: إنه ليكون لي إلى الله حاجة فأدعوه فيفتح لي من لذيذ معرفته وحلاوة مناجاته ما لا أحب معه أن يعجل قضاء حاجتي خشية أن تنصرف نفسي عن ذلك لأن النفس لا تريد إلا حظها فإذا قضى انصرفت وفي بعض الإسرائيليات يا بن آدم ! البلاء يجمع بيني وبينك والعافية تجمع بينك وبين نفسك

وهذا المعنى كثير وهو موجود مذوق محسوس بالحس الباطن للمؤمن وما من مؤمن إلا وقد وجد من ذلك ما يعرف به ما ذكرناه فإن ذلك من باب الذوق والحس لا يعرفه إلا من كان له ذوق وحس بذلك

ولفظ الذوق وإن كان قد يظن أنه في الأصل مختص بذوق اللسان فاستعماله في الكتاب والسنة يدل على أنه أعم من ذلك مستعمل في الإحساس بالملائم والمنافر كما أن لفظ الإحساس في عرف الاستعمال عام فيما يحس بالحواس الخمس بل وبالباطن

وأما في اللغة فأصله الرؤيا كما قال: { هل تحس منهم من أحد }

والمقصود لفظ الذوق قال تعالى: { فأذاقها الله لباس الجوع والخوف } فجعل الخوف والجوع مذوقا وأضاف إليهما اللباس ليشعر أنه لبس الجائع والخائف فشمله وأحاط به إحاطة اللباس باللباس بخلاف من كان الألم لا يستوعب مشاعره بل يختص ببعض المواضع وقال تعالى: { فذوقوا العذاب } وقال تعالى: { ذق إنك أنت العزيز الكريم } وقال تعالى: { ذوقوا مس سقر } وقال: { لا يذوقون فيها الموت } وقال تعالى: { لا يذوقون فيها بردا ولا شرابا * إلا حميما وغساقا } وقال: { ولنذيقنهم من العذاب الأدنى دون العذاب الأكبر } وقد قال النبي ﷺ [ ذاق طعم الإيمان من رضي بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا ]

فاستعمال لفظ الذوق في إدراك الملائم والمنافر كثير وقال النبي ﷺ: [ ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان ] كما تقدم ذكر الحديث فوجود المؤمن حلاوة الإيمان في قلبه وذوق طعم الإيمان أمر يعرفه من حصل له هذا الوجد

وهذا الذوق أصحابه فيه يتفاوتون فالذي يحصل لأهل الإيمان عند تجريد توحيد قلوبهم إلى الله وإقبالهم عليه دون ما سواه بحيث يكونون حنفاء له مخلصين له الدين لا يحبون شيئا إلا له ولا يتوكلون إلا عليه ولا يوالون إلا فيه ولا يعادون إلا له ولا يسألون إلا إياه ولا يرجون إلا إياه ولا يخافون إلا إياه يعبدونه ويستعينون له وبه بحيث يكونون عند الحق بلا خلق وعند الخلق بلا هوى قد فنيت عنهم إرادة ما سواه بإرادته ومحبة ما سواه بمحبته وخوف ما سواه بخوفه ورجاء ما سواه برجائه ودعاء ما سواه بدعائه هو أمر لا يعرفه بالذوق والوجد إلا من له نصيب وما من مؤمن إلا له منه نصيب

وهذا هو حقيقة الإسلام الذي بعث الله به الرسل وأنزل به الكتب وهو قطب القرآن الذي تدور عليه رحاه والله سبحانه أعلم

1062 - / 38 - وسئل: عن من كان عليه دين هل يجوز له أن يأخذ من زكاة أبيه لقضاء دينه أم لا؟

فأجاب: إذا كان على الولد دين ولا وفاء له أن يأخذ من زكاة أبيه في أظهر القولين في مذهب أحمد وغيره وأما إن كان محتاجا إلى النفقة وليس لأبيه ما ينفق عليه ففيه نزاع وإلا ظهر أنه يجوز له أخذ زكاة أبيه وأما إن كان مستغنيا بنفقة أبيه فلا حاجة به إلا زكاته والله أعلم

1063 - / 39 - مسألة: في رجل نوى زيارة قبر نبي من الأنبياء مثل نبينا محمد ﷺ وغيره فهل يجوز له في سفره أن يقصر الصلاة؟ وهل هذه الزيارة شرعية أم لا؟ وقد روي عن النبي ﷺ أنه قال [ من حج ولم يزرني فقد جفاني ومن زارني بعد مماتي فكأنما رآني في حياتي ] وقد روي عنه أنه قال [ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مواضع: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ]

الجواب: الحمد لله رب العالمين أما من سافر لمجرد زيارة قبور الأنبياء والصالحين فهل يجوز له قصر الصلاة؟ على قولين معروفين:

أحدهما: وهو قول متقدمي العلماء الذين لا يجوزون القصر في سفر المعصية كأبي عبد الله بن بطة وأبي الوفا بن عقيل وطوائف كبيرة من العلماء المتقدمين أنه لا يجوز القصر في مثل هذا السفر لأنه سفر منهى عنه وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد أن السفر المنهى عنه في الشريعة لا يقصر فيه

والقول الثاني: أنه يقصر وهذا يقوله من يجوز القصر في السفر المحرم كأبي حنيفة ويقوله بعض المتأخرين من أصحاب الشافعي وأحمد ممن يجوز السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين: كأبي حامد الغزالي وأبي الحسن بن عبدوس الحراني وأبي محمد بن قدامة المقدسي وهؤلاء يقولون أن هذا السفر ليس بمحرم لعموم قوله [ فزوروا القبور ]

وقد يحتج بعض من لا يعرف الحديث بالأحاديث المروية في زيارة قبر النبي ﷺ كقوله [ ممن زارني بعد مماتي فكأنما زارني في حياتي ] رواه الدارقطني وابن ماجه وأما ما يذكره بعض الناس من قوله من حج ولم يزرني فقد جفاني فهذا لم يروه أحد من العلماء وهو مثل قوله من زارني وزار أبي ضمنت له على الله الجنة فإن هذا أيضا باطل باتفاق العلماء لم يروه أحد ولم يحتج به أحد وإنما يحتج بعضهم بحديث الدارقطني

وقد احتج أبو محمد المقدسي على جواز السفر لزيارة القبور بأن النبي ﷺ كان يزور مسجد قباء وأجاب عن حديث لا تشد الرحال بأن ذلك محمول على نفي الاستحباب

وأما الأولون فإنهم يحتجون بما في الصحيحين: عن النبي ﷺ قال: [ لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام والمسجد الأقصى ومسجدي هذا ] وهذا الحديث اتفق الأئمة على صحته والعمل به فلو نذر الرجل أن يصلي في مسجد أو مشهد أو يعكف فيه أو يسافر إليه غير هذه الثلاثة لم يجب عليه ذلك باتفاق الأئمة ولو نذر أن يأتي المسجد الحرام لحج أو عمرة وجب عليه ذلك باتفاق العلماء ولو نذر أن يأتي مسجد النبي ﷺ أو المسجد الأقصى لصلاة أو اعتكاف وجب عليه الوفاء بهذا النذر عند مالك والشافعي وأحمد ولم يجب عند أبي حنيفة لأنه لا يجب عنده بالنذر إلا ما كان من جنسه واجب بالشرع

وأما الجمهور فيوجهون الوفاء بكل طاعة كما ثبت في صحيح البخاري: [ عن عائشة أن النبي ﷺ قال من نذر أن يطيع الله فليطعه ومن نذر أن يعصي الله فلا يعصه ] والسفر إلى المسجد هو طاعة فلهذا وجب الوفاء به

وأما السفر إلى بقعة غير المساجد الثلاثة فلم يوجب أحد من العلماء السفر إليه إذا نذره حتى نص العلماء على أنه لا يسافر إلى مسجد قباء لأنه ليس من الثلاثة مع أن مسجد قباء تستحب زيارته لمن كان بالمدينة لأن ذلك ليس بشد رحل كما في الصحيح [ من تطهر في بيته ثم أتي مسجد قباء لا يريد إلا الصلاة فيه كان كعمرة ]

قالوا: ولأن السفر إلى زيارة قبور الأنبياء والصالحين بدعة لم يفعلها أحد من الصحابة ولا التابعين ولا أمر بها رسول الله ﷺ ولا استحب ذلك أحد من أئمة المسلمين لمن اعتقد ذلك عبادة وفعلها فهو مخالف للسنة ولإجماع الأئمة وهذا مما ذكره أبو عبد الله بن بطة في إبانته الصغرى من البدع المخالفة للسنة والإجماع وبهذا يظهر ضعف حجة أبي محمد فإن زيارة النبي ﷺ لمسجد قباء لم تكن بشد الرحل وهو يسلم لهم أن السفر إليه لا يجب بالنذر وقوله إن قوله [ لا تشد الرحال ] محمول على نفي الاستحباب يجاب عنه من وجهين:

أحدهما: أن هذا تسليم منه أن هذا السفر ليس بعمل صالح ولا قربة ولا طاعة ولا هو من الحسنات ومن اعتقد في السفر لزيارة قبور الأنبياء والصالحين أنه قربة وعبادة وطاعة فقد خالف الإجماع وإذا سافر لاعتقاده أنه طاعة فإن ذلك محرم بإجماع المسلمين فصار التحريم من جهة اتخاذ قربة ومعلوم أن أحدا لا يسافر إليها إلا لذلك وأما إذا قدر أن شد الرحل إليها لغرض مباح فهذا جائز من هذا الباب

الوجه الثاني: أن النفي يقتضي النهي والنهي يقتضي التحريم وما ذكروه من الأحلديث في زيارة قبر النبي ﷺ فكلها ضعيفة باتفاق أهل العلم بالحديث بل هي موضوعة لم يرو أحد من أهل السنن المعتمدة شيئا منها ولم يحتج أحد من الأئمة بشيء منها بل مالك إمام أهل المدينة النبوية الذين هم أعلم الناس بحكم هذه المسألة كره أن يقول الرجل: زرت قبر النبي ولو كان هذا اللفظ معروفا عندهم أو مشروعا أو مأثورا عن النبي ﷺ لم يكرهه عالم المدينة

والإمام أحمد رضي الله عنه أعلم الناس في زمانه بالسنة لما سئل عن ذلك لم يكن عنده ما يعتمده عليه في ذلك إلا حديث أبي هريرة أن النبي ﷺ قال [ ما من رجل يسلم علي إلا رد الله علي روحي حتى أرد عليه السلام ] وعلى هذا اعتمد أبو داود في سننه وكذلك مالك في الموطأ: روى عن عبد الله بن عمر أنه كان إذا دخل المسجد قال السلام عليك يا رسول الله السلام عليك يا أبا بكر السلام عليك يا أبت ثم ينصرف

وفي سنن أبي داود عن النبي ﷺ أنه قال: [ لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ] وفي سنن سعيد بن منصور أن عبد الله بن حسن بن حسين بن علي بن أبي طالب رأى رجلا يختلف إلى قبر النبي ﷺ ويدعوه عنده فقال: يا هذا إن رسول الله ﷺ قال: [ لا تتخذوا قبري عيدا وصلوا علي أينما كنتم فإن صلاتكم تبلغني ] فما أنت ورجل بالأندلس منه إلا سواء

وفي الصحيحين: [ عن عائشة عن النبي ﷺ أنه قال في مرض موته لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد ] يحذر ما فعلوا قالت عائشة ولولا ذلك لأبرز قبره ولكن كره أن يتخذ مسجدا فهم دفنوه في حجرة عائشة بخلاف ما اعتادوه من الدفن في الصحراء لئلا يصل أحد إلى قبره ويتخذه مسجدا فيتخذ قبره وثنا وكان الصحابة والتابعون لما كانت الحجرة النبوية منفصلة عن المسجد إلى زمن الوليد بن عبد الملك لا يدخل أحداعنده لا لصلاة هناك ولا لتمسح بالقبر ولا دعاء هناك بل هذا جميعه إنما يفعلونه في المسجد وكان السلف من الصحابة والتابعين إذا سلموا عليه أو أرادوا الدعاء دعوا مستقبلي القبلة ولم يستقبلوا القبر

وأما وقت السلام عليه فقال أبو حنيفة يستقبل القبلة أيضا ولا يستقبل القبر وقال أكثر الأئمة بل يستقبل القبر عند السلام خاصة ولم يقل أحد من الأئمة أنه يستقبل القبر عند الدعاء إلا حكاية مكذوبة تروى عن مالك ومذهبه بخلافها

واتفق الأئمة على أن لا يتمسح بقبر النبي ﷺ ولا يقبله وهذا كله محافظة على التوحيد فإن من أصول الشرك بالله اتخاذ القبور مساجد كما قال طائفة من السلف في قوله تعالى: { وقالوا لا تذرن آلهتكم ولا تذرن ودا ولا سواعا ولا يغوث ويعوق ونسرا } قالوا: هؤلاء كانوا قوما صالحين في قوم نوح فلما ماتوا عكفوا على قبورهم ثم صوروا على صورهم تماثيل ثم طال عليهم الأمد فعبدوها وقد ذكر هذا المعنى البخاري في صحيحه عن ابن عباس وذكره محمد بن جرير الطبري وغيره في التفسير عن غير واحد من السلف وذكره وثيمة وغيره في قصص الأنبياء من عدة طرق وقد بسط الكلام على أصول هذه المسائل في غير هذا الموضع

وأول من وضع الأحاديث في السفر لزيارة المشاهد التي على قبورهم أهل البدع الرافضة ونحوهم الذين يعطلون المساجد ويعظمون المشاهد يدعون بيوت الله التي أمر أن يذكر فيها اسمه ويعبد وحده لا شريك له ويعظمون المشاهد التي يشرك فيها ويكذب فيها ويبتدع فيها دين لم ينزل الله به سلطانا فإن الكتاب والسنة إنما فيهم ذكر المساجد دون المشاهد كما قال: { قل أمر ربي بالقسط وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد وادعوه مخلصين له الدين } وقال: { إنما يعمر مساجد الله من آمن بالله } وقال تعالى: { وأن المساجد لله فلا تدعو مع الله أحدا } وقال تعالى: { ولا تباشروهن وأنتم عاكفون في المساجد } وقال تعالى: { ومن أظلم ممن منع مساجد الله أن يذكر فيها اسمه وسعى في خرابها }

وقد ثبت عنه ﷺ في الصحيح: أنه كان يقول [ إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد ألا فلا تتخذوا القبور مساجد فإني أنهاكم عن ذلك ] والله أعلم

1064 - / 40 - مسألة: في رجل حبس خصما له عليه دين بحكم الشرع فحضر إليه رجل يشفع فيه فلم يقبل شفاعته فتخاصما بسبب ذلك فشهد الشافع على الرجل بأنه صدر منه كلام يقتضي الكفر وخاف الرجل غائلة ذلك فأحضر إلى حاكم شافعي وادعى عليه رجل من المسلمين بأنه تلفظ بما قيل عنه وسأل حكم الشرع في ذلك فقال الحاكم للخصم عن ذلك فلم يعترف فلقن أن يعترف ليتم له الحكم بصحة إسلامه وحقن دمه فاعترف بأن ذلك صدر منه جاهلا بما يترتب عليه ثم أسلم ونطق بالشهادتين وتاب واستغفر الله تعالى ثم سأل الحاكم المذكور أن يحكم له بإسلامه وحقن دمه وتوبته وبقاء ماله عليه فأجابه إلى سؤاله وحكم بإسلامه وحقن دمه وبقاء ماله عليه وقبول توبته وعزره تعزير مثله وحكم بسقوط تعزيز ثان عنه وقضى بموجب ذلك كله ثم نفذ ذلك حاكم آخر حنفي فهل الحكم المذكور صحيح في جميع ما حكم له به أم لا؟ وهل يفتقر حكم الشافعي إلى حضور خصم من جهة بيت المال أم لا؟ وهل يحل لأحد أن يتعرض بما صدر منه من أخذ ماله أو شيء منه بعد إسلامه أم لا؟ وهل يحل لحاكم آخر بعد الحكم والتنفيذ المذكورين أن يحكم في ماله بخلاف الحكم الأول وتنفيذه أم لا؟ وهل يثاب ولي الأمر على منع من يتعرض إليه بأخذ ماله أو شيء منه بما ذكر أم لا؟

الجواب: الحمد لله نعم المذكور صحيح وكذلك تنفيذه وليس لبيت المال في مال مثل هذا حق باتفاق المسلمين ولا يفتقر الحكم بإسلامه وعصمة ماله إلى حضور خصم من جهة بيت المال فإن ذلك لا يتوقف على الحكم إذ الأئمة متفقون على أن المرتد إذا أسلم عصم بإسلامه دمه وماله وإن لم يحكم بذلك حاكم ولا كلام لولي بيت المال في مال من أسلم بعد ردته بل مذهب الشافعي وأبي حنيفة وأحمد أيضا في المشهور عنه إن من شهدت عليه بينة بالردة فأنكر وتشهد الشهادتين المعتبرتين حكم بإسلامه ولا يحتاج أن يقر بما شهد به عليه فكيف إذا لم يشهد عليه عدل فإنه من هذه الصورة لا يفتقر الحكم بعصمة دمه وماله إلى إقراره باتفاق المسلمين ولا يحتاج عصمة دم مثل هذا إلى أن يقر ثم يسلم بعد إخراجه إلى ذلك فقد يكون فيه إلزام له بالكذب على نفسه أنه كفر ولهذا لا يجوز أن يبني على مثل هذا الإقرار حكم الإقرار الصحيح فإنه قد علم أنه لقن الإقرار وأنه مكره عليه في المعنى فإنه إنما فعله خوف القتل

ولو قدر أن كفر المرتد كفر سب فليس في الحكام بمذهب الأئمة الأربعة من يحكم بأن ماله لبيت المال بعد إسلامه إنما يحكم من يحكم بقتله لكونه يقتل حدا عندهم على المشهور ومن قال يقتل لزندقته فإن مذهبه أنه لا يؤخذ بمثل هذا الإقرار

وأيضا فمال الزنديق عند أكثر من قال بذلك لورثته من المسلمين فإن المنافقين الذين كانوا على عهد النبي ﷺ كانوا إذا ماتوا ورثهم المسلمون مع الجزم بنفاقهم كعبد الله بن أبي وأمثاله ممن ورثهم ورثتهم الذين يعلمون بنفاقهم ولم يتوارث أحد من الصحابة غير ميراث منافق والمنافق هو الزنديق في اصطلاح الفقهاء الذين تكلموا في توبة الزنديق

وأيضا فحكم الحاكم إذا نفذ في دمه الذي قد يكون فيه نزاع نفذ في ماله بطريق الأولى إذ ليس في الأمة من يقول: يؤخذ ماله ولا يباح دمه فلو قيل بهذا كان خلاف الإجماع فإذا لم يتوقف الحكم بعصمة دمه على دعوى من جهة ولي الأمر فماله أولى

وقد تبين أن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال غير ممكن من وجوه:

أحدها: أنه لم يثبت عليه ما يبيح دمه لا ببينة ولا بإقرار متعين ولكن بإقرار قصد به عصمة ماله ودمه من جنس الدعوى على الخصم المسخر

الثاني: أن الحكم بعصمة دمه وماله واجب في مذهب الشافعي والجمهور وإن لم يقر بل هو واجب بالإجماع مع عدم البينة والإقرار

الثالث: أن الحكم صحيح بلا ريب

الرابع: أنه لو حكم مجتهد فيه لزال ذلك بتنفيذ المنفذ له

الخامس: أنه ليس في الحكام من يحكم بمال هذا لبيت المال ولو ثبت عليه الكفر ثم الإسلام ولو كان الكفر سبا فكيف إذا لم يثبت عليه أم كيف إذا حكم بعصمة ماله بل مذهب مالك وأحمد الذي يستند إليهما في مثل هذه من أبعد المذاهب عن الحكم بمال مثل هذا لبيت المال لأن مثل هذا الإقرار عندهم إقرار تلجئة لا يلتفت إليه ولما عرف من مذهبهما في الساب والله أعلم

1065 - / 41 - مسألة: عن العمرة هل هي واجبة؟ وإن كان فما الدليل عليه؟

فصل

العمرة في وجوبها قولان للعلماء وهما قولان في مذهب الشافعي وأحمد والمشهور عنهما وجوبها والقول الآخر: لا تجب وهو مذهب أبي حنيفة ومالك وهذا القول أرجح فإن الله إنما أوجب الحج بقوله تعالى { ولله على الناس حج البيت } لم يوجب العمرة كما أوجب إتمامها بقوله: { وأتموا الحج والعمرة لله } إيجاب الإتمام وأوجب اتمامها وفي الابتداء إنما أوجب الحج وهكذا سائر الأحاديث الصحيحة ليس فيها إلا إيجاب الحج ولأن العمرة ليس فيها جنس غير ما في الحج فإنها إحرام وإحلال وطواف بالبيت وبين الصفا والمروة وهذا كله داخل في الحج وإذا كان كذلك فأفعال الحج لم يفرض الله منها شيئا مرتين فلم يفرض وقوفين ولا طوافين ولا سعيين ولا فرض الحج مرتين فطواف الوداع ليس بركن بل هو واجب وليس هو من تمام الحج ولكن كل من خرج من مكة عليه أن يودع ولهذا من أقام بمكة لا يودع على الصحيح فوجوبه ليكون آخر عهد الخارج بالبيت كما وجب الدخول بالإحرام في أحد قولي العلماء لسبب عارض لا لكون ذلك واجبا بالإسلام كوجوب الحج ولأن الصحابة المقيمين بمكة لم يكونوا يعتمرون بمكة لا على عهد النبي ﷺ ولا على عهد خلفائه بل لم يعتمر أحد عمرة بمكة على عهد النبي ﷺ إلا عائشة وحدها لسبب عارض وقد بسطنا الكلام على ذلك في غير هذا الموضع

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16