الفتاوى الكبرى/كتاب الأطعمة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

كتاب الأطعمة

والأصل فيها الحل لمسلم يعمل صالحا لأن الله تعالى إنما أحل الطيبات لمن يستعين بها على طاعته لا معصيته لقوله تعالى: { ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا } الآية ولهذا لا يجوز أن يعان بالمباح على المعصية كمن يعطي اللحم والخبز لمن يشرب عليه الخمر ويستعين به على الفواحش ومن أكل من الطيبات ولم يشكر فهو مذموم قال الله تعالى: { لتسألن يومئذ عن النعيم } أي عن الشكر عليه

وما يأكل الجيف فيه روايتان الجلالة وعامة أجوبة أحمد ليس فيها تحريم ولا اثر لاستحباب العرب فما لم يحرمه الشرع فهو حل وهو قول أحمد وقدماء أصحابه ويحرم متولد من مأكول وغيره ولو تغير كحيوان من نعجة نصفه خروف ونصفه كلب والمضطر يجب عليه أكل الميتة في ظاهر مذهب الأئمة الأربعة وغيرهم لا السؤال وقوله تعالى: { فمن اضطر غير باغ ولا عاد }

قد قيل إنهما صفة للشخص مطلقا فالبغي كالباغي على إمام المسلمين وأهل العدل منهم كما قال الله تعالى: { فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء } والعادي كالصائل قاطع الطريق الذي يريد النفس والمال وقد قيل إنهما صفة لضرورته فالباغي الذي يبغي المحرم مع قدرته على الحلال والعادي الذي يتجاوز قدر الحاجة كما قال: { فمن اضطر في مخمصة غير متجانف لإثم }

وهذا قول أكثر السلف وهو الصواب بلا ريب وليس في الشرع ما يدل على أن العاصي بسفره لا يأكل الميتة ولا يقصر بل نصوص الكتاب والسنة عامة مطلقة كما هو مذهب كثير من السلف وهو مذهب أبي حنيفة وأهل الظاهر وهو الصحيح والمضطر إلى طعام الغير إن كان فقيرا فلا يلزمه عوض إذ إطعام الجائع كسوة العاري فرض كفاية ويصيران فرض عين المعين إذا لم يقم به غيره

وإن لم يكن بيده إلا مال لغيره كوقف ومال يتيم ووصية ونحو ذلك فهل يجب أن يجوز صرفه في ذلك أو يفرق بين ما يكون من جنس الجهة فيصرف وبين ما يكون من غير جنسها فلا

تردد نظر أبي العباس في ذلك كله وإن كان غنيا لزمه العوض إذ الواجب معاوضته وإذا وجد المضطر طعاما لا يعرف مالكه وميتة فإنه يأكل الميتة فإنه يعرف مالك الطعام وأمكن رده إليه بعينه أما إذا تعذر رده إلى مالكه بحيث يحب أن يصرف إلى الفقراء كالمغصب والأمانات التي لا يعرف مالكها فإنه يقدم ذلك على الميتة وإذا كانت الحاجة إلى عين قد بيعت ولم يتمكن المشتري من قبضها فينبغي أن يخير المشتري بين الإمضاء والفسخ كما لو غصبها غاصب لأنها في كلا الموضعين أخذت ثم اختياره على وجه يتمكن من أخذ عوضها إلا أن الأخذ كان في أحد الموضعين بحق وفي الآخر بباطل وهذا إنما تأثيره في الأخذ لا في المأخوذ منه لكن يحتاج إلى الفرق بين ذلك وبين استحقاق أخذ التنقيص بالشفعة فيقال الفرق بينهما أن المشتري هناك يعلم أن الشريك يستحق الانتزع فقد رضي بهذا الإستحقاق بخلاف المشتري لغير اضطرار ثم يحدث اضطرار إليها

ولو كانت الضرورة إلى منافع مؤجرة ثم ظهرت دابة وسكنى أو دار أو نحو ذلك مما يحتاج إليه المؤجر أو المستأجر فإن قلنا بوجوب القيمة فهي كالأعيان وإن قلنا تؤخذ مجانا فإنها تكون من ضمان المؤجر لا المتأجر لأنه لما استحق أخذها بغير عوض كان ذلك بمنزلة تلفها بأمر سماوي ولو تلفت بأمر سماوي كانت من ضمان المؤجر وحيث أوجبنا الضمان فالواجب المعروف عادة كالزوجة والقريب والرقيق ومن امتنع من أكل الطيبات بلا سبب شرعي فمبتدع مذموم وما نقل عن الإمام أحمد أنه امتنع من أكل البطيخ لعدم علمه بكيفية أكل النبي ﷺ له فكذب ويكره ذبح الفرس الذي ينتفع به في الجهاد بلا نزاع

كتاب الذكاة

وإذا لم يقصد المذكي الأكل بل قصد مجرد حل ميتة لم تبح الذبيحة وما أصابه بسبب الموت كأكيلة السبع ونحوها فيه نزاع بين العلماء هل يشترط أن لا يتقي موتها بذلك السبب أو أن يبقى معظم اليوم أن أن يبقى فيها حياة بقدر حياة المذبوح أو أزيد من حياته أو يمكن أن يزيد فيه خلاف وإلا ظهر أنه لا يشترط شيء من ذلك بل متى ذبح فخرج منه الدم الأحمر الذي يخرج من المذكي المذبوح في العادة ليس هو دم الميتة فإنه يحل أكله وإن لم يتحرك في أظهر قولي العلماء

وتقطع الحلقوم والمريء والودجان والأقوى أن قطع ثلاثة من الأربع يبيح سواء كان فيها الحلقوم أو لم يكن فإن قطع الودجين أبلغ من قطع الحلقوم وأبلغ من أنهار الدم والقول بأن أهل الكتاب المذكورين في القرآن هم من كان أبوه وأجداده في ذلك الدين قبل النسخ والتبديل قول ضعيف بل المقطوع به بأن كون الرجل كتابيا أو غير كتابي هو حكم يستفيده بنفسه لا بنسبه فكل من تدين بدين أهل الكتاب فهو منهم سواء كان أبوه أو جده قد دخل في دينهم أو لم يدخل وسواء كان دخوله بعد النسخ والتبديل أو قبل ذلك وهو المنصوص الصريح عن أحمد وإن كان بين أصحابه خلاف معروف وهو الثابت بين الصحابة بلا نزاع بينهم

وذكر الطحاوي أن هذا إجماع قديم والمأخذ الصحيح المنصوص عن أحمد في تحريم ذبائح بني تغلب أنهم لم يتدينوا بدين أهل الكتاب في واجباتهم ومحظوراتهم بل أخذوا منهم حل المحرمات فقط ولهذا قال علي أنهم لم يتمسكوا من دين أهل الكتاب إلا بشرب الخمر لا أنا لم نعلم أن أبائهم دخلوا في دين أهل الكتاب قبل النسخ والتبديل فإذا شككنا فيهم هل كان أجدادهم من أهل الكتاب أم لا فأخذنا بالاحتياط فحقنا دمائهم بالجزية وحرمنا ذبيحتهم ونساءهم احتياطا

وهذا ما أخذ الشافعي وبعض أصحابنا وقال النبي ﷺ: [ إن الله كتب الإحسان على كل شيء فإذا قتلتم فاحسنوا القتلة وإذا ذبحتهم فاحسنوا الذبحة ] ز

وفي هذا دليل على أن الإحسان واجب على كل حال حتى في إزهاق النفس ناطقها وبهيمها فعلى الإنسان أن يحسن القتلة للآدمين والذبيحة للبهائم ويحرم ما ذبحه الكتابي لعيده أو ليتقرب به إلى شيء يعظمه وهو رواية عن أحمد والذبيح إسماعيل وهو رواية عن أحمد واختيار ابن حامد وابن أب موسى وذلك أمر قطعي

فصل

والصيد لحاجة جائز وأما الصيد الذي ليس فيه إلا اللهو واللعب فمكروه وإن كان فيه ظلم للناس بالعدوان على زرعهم وأموالهم فحرام والتحقيق أن المرجع في تعليم الفهد إلى أهل الخبرة فإن قالوا إنه من جنس تعليم الصقر بالأكل الحق به وإن قالوا إنه تعلم بترك الأكل كالكلب إلحق به وإذا أكل بعد تعلمه لم يحرم ما تقدم من صيده ولم يبح ما أكل منه

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16