الفتاوى الكبرى/كتاب الحدود/5

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

746 - 100 - مسألة: في أقوام لم يصلوا ولم يصوموا والذي يصوم لم يصل ومالهم حرام ويأخذون أموال الناس ويكرمون الجار والضعيف ولم يعرف لهم مذهب وهم مسلمون؟

الجواب: الحمد لله هؤلاء وإن كانوا تحت حكم ولاة الأمور فإنه يجب أن يأمرهم بإقامة الصلاة ويعاقبوا على تركها وكذلك الصيام وإن أقروا بوجوب الصلاة الخمس وصيام رمضان والزكاة المفروضة وإلا فمن لم يقر بذلك فهو كافر وإن أقروا بوجوب الصلاة وامتنعوا عن إقامتها عوقبوا حتى يقيموها ويجب قتل كل من لم يصل إذا كان بالغا عاقلا عند جماهير العلماء كمالك والشافعي وأحمد وكذلك تقام عليهم الحدود

وإن كانوا طائفة ممتنعة ذات شوكة فإنه يجب قتالهم حتى يلتزموا أداء الواجبات الظاهرة والمتواترة: كالصلاة والصيام والزكاة وترك المحرمات كالزنا والربا وقطع الطريق ونحو ذلك ومن لم يقر بوجوب الصلاة والزكاة فإنه كافر يستتاب فإن تاب وإلا قتل ومن لم يؤمن بالله ورسوله واليوم الآخر والجنة والنار فهو كافر أكفر من اليهود والنصارى وعقوق الوالدين من الكبائر الموجبة للنار

101 - 747 - مسألة: في أقوام مقيمون في الثغور يغيرون على الأرمن وغيرهم ويكسبون المال ينفقون على الخمر والزنا: هل يكونون شهداء إذا قتلوا؟

الجواب: الحمد لله إن كانوا إنما يغيرون على الكفار المحاربين فإنما الأعمال بالنيات وقد قالوا يا رسول الله ! الرجل يقاتل شجاعة ويقاتل حمية ويقاتل رياء: فأي ذلك في سبيل الله؟ فقال: [ من قاتل لتكون كلمة الله هي العليا فهو في سبيل الله ] فإن كان أحدهم لا يقصد إلا أخذ المال وانفاقه في المعاصي: فهؤلاء فساق مستحقون للوعيد وإن كان مقصودهم أن تكون كلمة الله هي العليا ويكون الدين لله: فهؤلاء مجاهدون لكن إذا كانت لهم كبائر كان لهم حسنات وسيئات وأما إن كانوا يغيرون على المسلمين الذين هناك: فهؤلاء مفسدون في الأرض محاربون لله ورسوله ومستحقون للعقوبة البليغة في الدنيا والآخرة والله أعلم

102 - 748 - مسألة: في جندي مع أمير وطلع السلطان إلى الصيد ورسم السلطان بنهب ناس من العرب وقتلهم فطلع إلى الجبل فوجد ثلاثين نفرا فهربوا فقال الأمير: سوقوا خلفهم فردوا عليهم ليحاربوا فوقع من الجندي ضربة في واحد فمات: فهل عليه شيء أم لا؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين إذا كان هذا المطلوب من الطائفة المفسدة الظلمة الذين خرجوا عن الطاعة وفارقوا الجماعة وعدوا على المسلمين في دمائهم وأموالهم بغير حق وقد طلبوا ليقام فيهم أمر الله ورسوله: فهذا الذي عاد منهم مقاتلا يجوز قتاله ولا شيء على من قتله على الوجه المذكور بل المحاربون يستوي فيهم المعاون والمباشر عند جمهور الأئمة: كأبي حنيفة ومالك وأحمد فمن كان معاونا كان حكمه حكمهم

103 - 749 - مسألة: في الأخوة التي يفعلها بعض الناس في هذا الزمان والتزام كل مهنم بقوله: إن مالي مالك ودمي دمك وولدي ولدك ويقول الآخر كذلك ويشرب أحدهم دم الآخر: فهل هذا الفعل مشروع أم لا؟ وإذا لم يكن مشروعا مستحسنا: فهل هو مباح أم لا؟ وهل يترتب على ذلك شيء من الأحكام الشرعية التي تثبت بالأخوة الحقيقية أم لا؟ وما معنى الأخوة التي آخى بها النبي ﷺ بين المهاجرين والأنصار؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين هذا الفعل على هذا الوجه المذكور ليس مشروعا باتفاق المسلمين وإنما كان أصل الأخوة أن النبي ﷺ آخى بين المهاجرين والأنصار وحالف بينهم في دار أنس بن مالك كما آخى بين سعد بن الربيع وعبد الرحمن بن عوف حتى قال سعد لعبد الرحمن: خذ شطر مالي واختر إحدى زوجتي حتى أطلقها وتنكحها فقال عبد الرحمن: بارك الله لك في مالك وأهلك دلوني على السوق وكما آخى بين سلمان الفارسي وأبي الدرداء وهذا كله في الصحيح

وأما ما يذكر بعض المصنفين في السيرة من أن النبي ﷺ آخى بين علي وأبي بكر ونحو ذلك: فهذا باطل باتفاق أهل المعرفة بحديثه فإنه لم يؤاخ بين مهاجر ومهاجر وأنصاري وأنصاري وإنما أخى بين المهاجرين والأنصار وكانت المواخاة

والمحالفة يتوارثون بها دون أقاربهم حتى أنزل الله تعالى: { وأولو الأرحام بعضهم أولى ببعض في كتاب الله } فصار الميراث بالرحم دون هذه المؤاخاة والمحالفة

وتنازع العلماء في مثل هذه المحالفة والمؤاخاة: هل يورث بها عند عدم الورثة من الأقارب والموالي؟ على قولين:

أحدهما: يورث بها وهو مذهب أبي حنيفة وأحمد في إحدى الروايتيتن لقوله تعالى: { والذين عقدت أيمانكم فآتوهم نصيبهم }

الثاني: لا يورث بها بحال وهو مذهب مالك والشافعي وأحمد في الرواية المشهورة عند أصحابه وهؤلاء يقولون هذه الآية منسوخة

وكذلك تنازع الناس هل يشرع في الإسلام أن يتآخى إثنان ويتحالفا كما فعل المهاجرون والأنصار؟ فقيل: إن ذلك منسوخ لما رواه مسلم في صحيحه عن جابر أن النبي ﷺ قال: [ لا حلف في الإسلام وما كان من حلف في الجاهلية فلم يزده الإسلام إلا شدة ] ولأن الله قد جعل المؤمنين إخوة بنص القرآن وقال ﷺ: [ المسلم أخو المسلم لا يسلمه ولا يظلمه والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه من الخير ما يحبه لنفسه ] فمن كان قائما بواجب الايمان كان أحب لكل مؤمن ووجب على كل مؤمن أن يقوم بحقوقه وإن لم يجر بينهما عقد خاص فإن الله ورسوله قد عقدا الأخوة بينهما بقوله: { إنما المؤمنون إخوة } وقال النبي ﷺ: وددت أني قد رأيت إخواني

ومن لم يكن خارجا عن حقوق الإيمان وجب أن يعامل بموجب ذلك فيحمد على حسناته ويوالى عليها وينهى عن سيئاته ويجانب عليها بحسب الإمكان وقد قال النبي ﷺ: [ أنصر أخاك ظالما أو مظلوما قلت يا رسول الله ! أنصره مظلوما فكيف أنصره ظالما؟ قال: تمنعه من الظلم فذلك نصرك إياه ]

والواجب على كل مسلم أن يكون حبه وبغضه وموالاته ومعاداته تابعا لأمر الله ورسوله فيحب ما أحبه الله ورسوله ويبغض ما أبغضه الله ورسوله ويوالي من يوالي الله ورسوله ويعادي من يعادي الله ورسوله ومن كان فيه ما يوالى عليه من حسنات وما يعادى عليه من سيئات عومل بموجب ذلك كفساق أهل الملة إذ هم مستحقون للثواب والعقاب والموالاة والمعاداة والحب والبغض بحسب ما فيهم من البر والفجور فإن { فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره * ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره } وهذا مذهب أهل السنة والجماعة بخلاف الخوارج والمعتزلة وبخلاف المرجئة والجهمية فإن أولئك يميلون إلى جانب وهؤلاء إلى جانب وأهل السنة والجماعة وسط ومن الناس من يقول: تشرع تلك المؤاخاة والمحالفة وهو يناسب من يقول بالتوارث بالمحالفة

لكن لا نزاع بين المسلمين في أن ولد أحدهما لا يصير ولد الآخر بإرثه مع أولاده والله سبحانه قد نسخ التبني الذي كان في الجاهلية حيث كان يتبنى الرجل ولد غيره قال الله تعالى: { ما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه وما جعل أزواجكم اللائي تظاهرون منهن أمهاتكم وما جعل أدعياءكم أبناءكم } وقال تعالى: { ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله فإن لم تعلموا آباءهم فإخوانكم في الدين }

وكذلك لا يصير مال كل واحد منها مالا للآخر يورث عنه ماله فإن هذا ممتنع من الجانبين ولكن إذا طابت نفس كل واحد منهما بما يتصرف فيه الآخر من ماله فهذا جائز كما كان السلف يفعلون وكان أحدهما يدخل بيت الآخر ويأكل من طعامه مع غيبته لعلمه بطيب نفسه بذلك كما قال تعالى: { أو صديقكم }

وأما شرب كل واحد منهما دم الآخر فهذا لا يجوز بحال وأقل ما في ذلك مع النجاسة التشبيه بالذين يتآخيين متعاونين على الاثم والعدوان إما على فواحش أو محبة شيطانية كمحبة المردان ونحوهم وإن أظهروا خلاف ذلك من اشتراك في الصنائع ونحوها وأما تعاون على ظلم الغير وأكل مال الناس بالباطل فإن هذا من جنس مؤاخاة بعض من ينتسب إلى المشيخة والسلوك للنساء فيواخي أحدهم المرأة الأجنبية ويخلو بها وقد أقر طوائف من هؤلاء بما يجري بينهم من الفواحش فمثل هذه المؤاخاة وأمثالها مما يكون فيه تعاون على ما نهى الله عنه كائنا ما كان: حرام باتفاق المسلمين

وإنما النزاع في مواخاة يكون مقصودهما بها التعاون على البر والتقوى بحيث تجمعهما طاعة الله وتفرق بينهما معصية الله كما يقولون: تجمعنا السنة وتفرقنا البدعة فهذه التي فيها النزاع فأكثر العلماء لا يرونها استغناء بالمواخاة الايمانية التي عقدها الله ورسوله فإن تلك كافية محصلة لكل خير فينبغي أن يجتهد في تحقيق أداء واجباتها إذ قد أوجب الله للمؤمن على المؤمن من الحقوق ما هو فوق مطلوب النفوس ومنهم من سوغها على الوجه المشروع إذا لم تشتمل على شيء من مخالفة الشريعة

وأما أن تقال على المشاركة في الحسنات والسيئات فمن دخل منهما الجنة أدخل صاحبه ونحو ذلك مما قد يشرطه بعضهم على بعض: فهذه الشروط وأمثالها لا تصح ولا يمكن الوفاء بها فإن الشفاعة لا تكون إلا بإذن الله والله أعلم بما يكون من حالهما وما يستحقه كل واحد منهما فكيف يلزم المسلم ما ليس إليه فعله ولا يعلم حاله فيه ولا حال الآخر؟؟ ولهذا نجد هؤلاء الذين يشترطون هذه الشروط لا يدرون ما يشرطون ولو استشعر أحدهم أنه يؤخذ منه بعض ماله في الدنيا فالله أعلم هل كان يدخل فيها أم لا؟

وبالجملة فجميع ما ينفع بين الناس من الشروط والعقود والمحالفات في الأخوة وغيرها ترد إلى كتاب الله وسنة رسول الله فكل شرط يوافق الكتاب والسنة يوفى به ومن اشترط شرطا ليس في كتاب الله فهو باطل وإن كان مائة شرط كتاب الله أحق وشرطه أوثق فمتى كان الشرط يخالف شرط الله ورسوله كان باطلا: مثل أن يشترط أن يكون ولد غيره ابنه أو عتق غير مولاه أو أن ابنه أو قريبه لا يرثه أو أنه يعاونه على كل ما يريد وينصره على كل من عاداه سواء كان بحق أو بباطل أو يطيعه في كل ما يأمره به أو أنه يدخله الجنة ويمنعه من النار مطلقا ونحو ذلك من الشروط وإذا وقعت هذه الشروط وفى منها بما أمر الله به ورسوله: ولم يوف منها بما نهى الله عنه ورسوله وهذا متفق عليه بين المسلمين وفي المباحات نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه

وكذا في شروط البيوع والهبات والوقوف والنذور وعقود البيعة للأئمة وعقود المشايخ وعقود المتآخيين وعقود أهل الأنساب والقبائل وأمثال ذلك فإنه يجب على كل أحد أن يطيع الله ورسوله في كل شيء ويجتنب معصية الله ورسوله في كل شيء ولا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ويجب أن يكون الله ورسوله أحب إليه من كل شيء ولا يطيع إلا من آمن بالله ورسوله والله أعلم

104 - 750 - مسألة: في قوم ذوي شوكة مقيمين بأرض وهم لا يصلون الصلوات المكتوبات وليس عندهم مسجد ولا أذان ولا إقامة وإن صلى أحدهم صلى الصلاة غير المشروعة ولا يؤدون الزكاة مع كثرة أموالهم من المواشي والزروع وهم يقتتلون فيقتل بعضهم بعضا وينهبون مال بعضهم بعضا ويقتلون الأطفال وقد لا يمتنعون عن سفك الدماء وأخذ الأموال لا في شهر رمضان ولا في الأشهر الحرام ولا غيرها وإذا أسر بعضهم بعضا باعوا أسراهم للأفرنج ويبيعون رقيقهم من الذكور والإناث للأفرنج علانية ويسوقونهم كسوق الدواب ويتزوجون المرأة في عدتها ولا يورثون النساء ولا ينقادون لحاكم المسلمين وإذا دعي أحدهم إلى الشرع قال أنا الشرع إلى غير ذلك فهل يجوز قتالهم والحالة هذه وكيف الطريق إلى دخولهم في الإسلام مع ما ذكر

الجواب: نعم يجوز بل يجب بإجماع المسلمين قتال هؤلاء وأمثالهم من كل طائفة ممتنعة عن شريعة من شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة مثل الطائفة الممتنعة عن الصلوات الخمس أو عن أداء الزكاة المفروضة إلى الأصناف الثمانية التي سماها الله تعالى في كتابه وعن صيام شهر رمضان أو الذين لا يمتنعون عن سفك دماء المسلمين وأخذ أموالهم أو لا يتحاكمون بينهم بالشرع الذي بعث الله به رسوله كما قال أبو بكر الصديق وسائر الصحابة رضي الله عنهم في مانع الزكاة وكما قاتل علي ابن أبي طالب وأصحاب النبي ﷺ الخوارج الذين قال فيهم النبي ﷺ: [ يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ] وذلك بقوله تعالى: { وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله } وبقوله تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين * فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله } والربا آخر ما حرمه الله ورسوله

فكيف بما هو أعظم تحريما ويدعون قبل القتال إلى التزام شرائع الإسلام فإن التزموها استوثق منهم ولم يكتف منهم بمجرد الكلام كما فعل أبو بكر بمن قاتلهم بعد أن أذلهم وقال اختاروا إما الحرب وإما السلم المخزية وقال أنا خليفة رسول الله ﷺ فقالوا هذه حرب الحيلة قد عرفناها فما السلم المخزية قال تشهدون أن قتلانا في الجنة وقتلاكم في النار وننزغ منكم الكراع يعني الخيل والسلاح حتى يرى خليفة رسول الله ﷺ والمؤمنون أمرا بعد فهكذا الواجب في مثل هؤلاء إذا أظهروا الطاعة يرسل إليهم من يعلمهم شرائع الإسلام ويقيم بهم الصلوات وما ينتفعون به من شرائع الإسلام وإما بأن يستخدم بعض المطيعين منهم في جند المسلمين ويجعلهم في جماعة المسلمين وإما بأن ينزع منهم السلاح الذي يقاتلون به ويمنعون من ركوب الخيل وإما أنهم يضعونه حتى يستقيموا وإما أن يقتل الممتنع منهم التزام الشريعة وإن لم يستجيبوا لله ولرسوله وجب قتالهم حتى يلتزموا شرائع الإسلام الظاهرة المتواترة وهذا متفق عليه بين علماء المسلمين والله أعلم

حكم المرتد

155 - 751 - سئل: عن رجلين تكلما في مسألة التأبير فقال أحدهما: من نقص الرسول ﷺ أو تكلم بما يدل على نقص الرسول كفر لكن تكفير المطلق لا يستلزم تكفير المعين فإن بعض العلماء قد يتكلم في مسألة باجتهاده فيخطئ فيها فلا يكفر وأن كان قد يكفر من قال ذلك القول إذا قامت عليه الحجة المكفرة ولو كفرنا كل عالم بمثل ذلك لزمنا أن نكفر فلانا - وسمى بعض العلماء المشهورين الذين لا يستحقون التكفير وهو الغزالي - فإنه ذكر في بعض كتبه تخطئة الرسول في مسألة تأبير النخل: فهل يكون هذا تنقيصا بالرسول بوجه من الوجوه؟ وهل عليه في تنزيه العلماء من الكفر إذا قالوا مثل ذلك تعزير أم لا؟ وإذا نقل ذلك وتعذر عليه في الحال نفس الكتاب الذي نقله منه وهو معروف بالصدق: فهل عليه في ذلك تعزير أم لا؟ وسواء أصاب في النقل عن العالم أم أخطأ؟ وهل يكون في ذلك تنقيص بالرسول ﷺ ومن اعتدى على مثل هذا أو نسبه إلى تنقيص بالرسول أو العلماء وطلب عقوبته على ذلك: فما يجب عليه؟ أفتونا مأجورين

الجواب: الحمد لله ليس في هذا الكلام تنقيص بالرسول ﷺ بوجه من الوجوه باتفاق علماء المسلمين ولا فيه تنقيص لعلماء المسلمين بل مضمون هذا الكلام تعظيم الرسول وتوقيره وأنه لا يتكلم في حقه بكلام فيه نقص بل قد أطلق القائل تكفير من نقص الرسول ﷺ أو تكلم بما يدل على نقصه وهذا مبالغة في تعظيمه ووجوب الاحتراز من الكلام الذي فيه دلالة على نقصه

ثم هو مع هذا بين أن علماء المسلمين المتكلمين في الدنيا باجتهادهم لا يجوز تكفير أحدهم بمجرد خطأ أخطأه في كلامه وهذا كلام حسن تجب موافقته عليه فإن تسليط الجهال على تكفير علماء المسلمين من أعظم المنكرات وإنما أصل هذا من الخوارج والروافض الذين يكفرون أئمة المسلمين لما يعتقدون أنهم أخطأوا فيه من الدين وقد اتفق أهل السنة والجماعة على أن علماء المسلمين لا يجوز تكفيرهم بمجرد الخطأ المحظ بل كل أحد يؤخذ من قوله ويترك إلا رسول الله ﷺ وليس كل من يترك بعض كلامه لخطأ أخطأه يكفر ولا يفسق بل ولا يأثم فإن الله تعالى قال في دعاء المؤمنين: { ربنا لا تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأنا } وفي الصحيح عن النبي ﷺ: أن الله تعالى قال قد فعلت

واتفق علماء المسلمين على أنه لا يكفر أحد من علماء المسلمين المنازعين في عصمة الأنبياء والذين قالوا: إنه يجوز عليهم الصغائر والخطأ ولا يقرون على ذلك لم يكفر أحد منهم باتفاق المسلمين فإن هؤلاء يقولون: إنهم معصومون من الاقرار على ذلك ولو كفر هؤلاء لزم تكفير كثير من الشافعية والمالكية والحنفية والحنبلية والأشعرية وأهل الحديث والتفسير والصوفية: الذين ليسوا كفارا باتفاق المسلمين بل أئمة هؤلاء يقولون بذلك

فالذي حكاه عن الشيخ أبي حامد الغزالي قد قال مثله أئمة أصحاب الشافعي أصحاب الوجوه الذين هم أعظم في مذهب الشافعي من أبي حامد كما قال الشيخ أبو حامد الأسفرائيني الذي هو إمام المذهب بعد الشافعي وابن سريج في تعليقه:

وذلك أن عندنا أن النبي ﷺ يجوز عليه الخطأ كما يجوز علينا ولكن الفرق بيننا أنا نقر على الخطأ والنبي ﷺ لا يقر عليه وإنما يسهو ليسن وروي عنه أنه قال: إنما أسهو لأسن لكم

وهذه المسألة قد ذكرها في أصول الفقه هذا الشيخ أبو حامد وأبو الطيب الطبري والشيخ أبو إسحاق الشيرازي وكذلك ذكرها بقية طوائف أهل العلم: من أصحاب مالك والشافعي وأحمد وأبي حنيفة ومنهم من ادعى إجماع السلف على هذا القول كما ذكر ذلك عن أبي سليمان الخطابي ونحوه ومع هذا فقد اتفق المسلمون على أنه لا يكفر أحد من هؤلاء الأئمة ومن كفرهم بذلك استحق العقوبة الغليظة التي تزجره وأمثاله عن تكفير المسلمين وإنما يقال في مثال ذلك: قولهم صواب أو خطأ فمن وافقهم قال: إن قولهم الصواب ومن نازعهم قال: إن قولهم خطأ والصواب قول مخالفهم

وهذا المسؤول عنه كلامه يقتضي أنه لا يوافقهم على ذلك لكنه ينفي التكفير عنهم ومثل هذا تجب عقوبة من اعتدى عليه ونسبه إلى تنقيص الرسول ﷺ أو العلماء فإنه مصرح بنقيض هذا وهذا

وقد ذكر القاضي عياض هذه المسألة وهو من أبلغ القائلين بالعصمة قسم الكلام في هذا الباب إلى أن قال:

الوجه السابع: أن يذكر ما يجوز على النبي ﷺ ويختلف في إقراره عليه وما يطرأ من الأمور البشرية منه ويمكن إضافتها إليه أو يذكر ما امتحن به وصبر في ذات الله على شدته من مقاسات أعدائه وأذاهم له ومعرفة ابتداء حاله وسيرته وما لقيه

من بؤس زمنه ومر عليه من معانات عيشه كل ذلك على طريق الرواية ومذاكرة العلم ومعرفة ما صحت به العصمة أصلا للأنبياء وما يجوز عليهم فقال: هذا فن خارج من هذه الفنون الستة ليس فيه غمض ولا نقص ولا إزراء ولا استخفاف ولا في ظاهر اللفظ ولا في مقصد اللفظ لكن يجب أن يكون الكلام مع أهل العلم وطلبة الدين ممن يفهم مقاصده ويحققون فوائده ويجنب ذلك ممن عساه لا يفقه أو يخشى به فتنة

وقد ذكر القاضي عياض قبل هذا أن يقول القائل شيئا من أنواع السب حاكيا له عن غيره آثرا له عن سواه قال: فهذا ينظر في صورة حكايته وقرينة مقالته ويختلف الحكم باختلاف ذلك على أربعة وجوه الوجوب والندب والكراهة والتحريم ثم ذكر أنه يحمل من ذلك ما ذكره على وجه الشهادة ونحوها مما فيه إقامة الحكم الشرعي على القاتل أو على وجه الرذالة والنقص على قائله بخلاف من ذكره لغير هذين قال: وليس التفكه بعرض النبي ﷺ والتمضمض بسوء ذكره لأحد لا ذاكرا ولا آثرا لغير غرض شرعي مباح

فقد تبين من كلام القاضي عياض إن ما ذكره هذا القائل ليس من هذا الباب فإنه من مسائل الخلاف وإن ما كان من هذا الباب ليس لأحد أن يذكره لغير غرض شرعي مباح

وهذا القائل إنما ذكر لدفع التكفير عن مثل الغزالي وأمثاله من دعاء المسلمين ومن المعلوم أن المنع من تكفير علماء المسلمين الذين تكلموا في هذا الباب بل دفع التكفير عن علماء المسلمين وإن أخطأوا: هو من أحق الأغراض الشرعية حتى لو فرض أن دفع التكفير عن القائل يعتقد أنه ليس بكافر حماية له ونصرا لأخيه المسلم لكان هذا غرضا شرعيا حسنا وهو إذا اجتهد في ذلك فأصاب فله أجران وإن اجتهد فيه فأخطأ فله أجر واحد

فبكل حال هذا القائل محمود على ما فعل مأجور على ذلك مثاب عليه إذا كانت له فيه نية حسنة والمنكر لما فعله أحق بالتعزير منه فإن هذا يقتضي قوله القدح في علماء المسلمين من الكفر ومعلوم أن الأول أحق بالتعزير من الثاني إن وجب التعزير لأحدهما وإن كان كل منهما مجتهدا اجتهادا سائغا بحيث يقصد طاعة الله ورسوله بحسب استطاعته فلا إثم على واحد منهما وسواء أصاب في هذا النقل أو أخطأ فليس في ذلك تنقيص للنبي ﷺ

وكذلك أحضر النقل أو لم يحضره فإنه ليس في حضوره فائدة إذ ما نقله عن الغزالي قد قال مثله من علماء المسلمين من لا يحصي عددهم إلا الله تعالى وفيهم من هو أجل من الغزالي وفيهم من هو دونه ومن كفر هؤلاء استحق العقوبة باتفاق المسلمين بل أكثر علماء المسلمين وجمهور السلف يقولون مثل ذلك حتى المتكلمون فإن أبا الحسن الأشعري قال: أكثر الأشعرية والمعتزلة يقولون بذلك ذكره في أصول الفقه وذكره صاحبه أبو عمرو بن الحاجب والمسألة عندهم من الظنيات كما صرح بذلك الاستاذ أبو المعالي وأبو الحسن الآمدي وغيرهما فكيف يكفر علماء المسلمين في مسائل الظنون؟ أم كيف يكفر جمهور علماء المسلمين أو جمهور سلف الأئمة وأعيان العلماء بغير حجة أصلا؟ ! والله تعالى أعلم

106 - 752 - سئل: ما تقول السادة العلماء أئمة الدين رضي الله عنهم أجمعين في رجل قال أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ولم يصل ولم يقم بشيء من الفرائض وأنه لم يضره ويدخل الجنة وأنه قد حرم جسمه على النار؟ وفي رجل يقول: أطلب حاجتي من الله ومنك: فهل هذا باطل أم لا؟ وهل يجوز هذا القول أم لا؟

أجاب: الحمد لله إن من لم يعتقد وجوب الصلوات الخمس والزكاة المفروضة وصيام شهر رمضان وحج البيت العتيق ولا يحرم ما حرم الله ورسوله من الفواحش والظلم والشرك والافك: فهو كافر مرتد يستتاب فإن تاب وإلا قتل باتفاق أئمة المسلمين ولا يغني عنه التكلم بالشهادتين

وإن قال: أنا أقر بوجوب ذلك علي وأعلم أنه فرض وأن من تركه كان مستحقا لذم الله وعقابه لكني لا أفعل ذلك: فهذا أيضا مستحق للعقوبة في الدنيا والآخرة باتفاق المسلمين ويجب أن يصلي الصلوات الخمس باتفاق العلماء وأكثر العلماء يقولون: يؤمر بالصلاة فإن لم يصل وإلا قتل فإذا أصر على الجحود حتى قتل كان كافرا باتفاق الأئمة لا يغسل ولا يصلى عليه ولا يدفن في مقابر المسلمين

ومن قال: إن كل من تكلم بالشهادتين ولم يؤد الفرائض ولم يجتنب المحارم: يدخل الجنة ولا يعذب أحد منهم بالنار: فهو كافر مرتد يجب أن يستتاب فإن تاب وإلا قتل بل الذين يتكلمون بالشهادتين أصناف منهم منافقون في الدرك الأسفل من النار كما قال تعالى: { إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار ولن تجد لهم نصيرا * إلا الذين تابوا وأصلحوا واعتصموا بالله وأخلصوا دينهم لله فأولئك مع المؤمنين } الآية وقال تعالى: { إن المنافقين يخادعون الله وهو خادعهم وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى } الآية

وفي صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: [ تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق تلك صلاة المنافق يرقب الشمس حتى إذا كانت بين قرني شيطان قام فنقر أربعا لا يذكر الله فيها إلا قليلا ] فبين النبي ﷺ أن الذي يؤخر الصلاة وينقرها منافق فكيف بمن لا يصلي؟ ! ! وقد قال تعالى: { فويل للمصلين * الذين هم عن صلاتهم ساهون * الذين هم يراؤون } قال العلماء: الساهون عنها: الذين يؤخرونها عن وقتها والذين يفرطون في واجباتها فإذا كان هؤلاء المصلون الويل لهم فكيف بمن لا يصلي؟

وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ: [ أنه يعرف أمته بأنهم غر محجلون من آثار الوضوء ] وإنما تكون الغرة والتحجيل لمن توضأ وصلى فابيض وجهه بالوضوء وأبيضت يداه ورجلاه بالوضوء فصلى أغر محجلا فمن لم يتوضأ ولم يصل لم يكن أغر ولا محجلا فلا يكون عليه سيما المسلمين التي هي الرنك للنبي ﷺ مثل الرنك الذي يعرف به المقدم أصحابه ولا يكن هذا من أمة محمد ﷺ وثبت في الصحيح [ أن النار تأكل من ابن آدم كل شيء إلا آثار السجود ] فمن لم يكن من أهل السجود للواحد المعبود الغفور الودود ذو العرش المجيد: أكلته النار وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ ليس بين العبد وبين الشرك إلا ترك الصلاة ] وقال: [ العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر ] وقال: [ أول ما يحاسب عليه العبد من عمله الصلاة ]

ولا ينبغي للعبد أن يقول: ما شاء الله وشاء فلان ومالي إلا الله وفلان وأطلب حاجتي من الله ثم من فلان كما في الحديث عن النبي ﷺ أنه قال: [ لا تقولوا ما شاء الله وشاء محمد: ولكن قولوا ما شاء الله ثم شاء محمد ] وقال له رجل: ما شاء الله وشئت فقال: أجعلتني لله ندا؟ ! بل ما شاء الله وحده والله أعلم وصلى الله على محمد

107 - 753 - مسألة: ما تقول السادة العلماء رضي الله عنهم في الحلاج الحسين ابن منصور هل كان صديقا؟ أو زنديقا؟ وهل كان وليا لله متقيا له؟ أم كان له حال رحماني؟ أو من أهل السحر والخزعبلات؟ وهل قتل على الزندقة بمحضر من علماء المسلمين؟ أو قتل مظلوما؟ أفتونا مأجورين؟

أجاب: شيخ الإسلام أبو العباس تقي الدين أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية قدس الله روحه:

الحمد لله رب العالمين الحلاج قتل على الزندقة التي ثبتت عليه بإقراره وبغير إقراره والأمر الذي ثبت عليه بما يوجب القتل باتفاق المسلمين ومن قال إنه قتل بغير حق فهو إما منافق ملحد وأما جاهل ضال والذي قتل به ما استفاض عنه من أنواع الكفر وبعضه يوجب قتله فضلا عن جميعه ولم يكن من أولياء الله المتقين بل كان له عبادات ورياضات ومجاهدات: بعضها شيطاني وبعضها نفساني وبعضها موافق للشريعة من وجه دون وجه فلبس الحق بالباطل

وكان قد ذهب إلى بلاد الهند وتعلم أنواعا من السحر وصنف كتابا في السحر معروفا وهو موجود إلى اليوم وكان له أقوال شيطانية ومخاريق بهتانية

وقد جمع العلماء أخباره في كتب كثيرة أرخوها الذين كانوا في زمنه والذين نقلوا عنهم مثل أبي علي الحطي ذكره في تاريخ بغداد والحافظ أبو بكر الخطيب ذكر له ترجمة كبيرة في تاريخ بغداد وأبو يوسف القزويني صنف مجلدا في أخباره وأبو الفرج بن الجوزي له فيه مصنف سماه رفع اللجاج في أخبار الحلاج وبسط ذكره في تاريخه أبو عبد الرحمن السلمي في طبقات الصوفية أن كثيرا من المشايخ ذموه وأنكروا عليه ولم يعدوه من مشايخ الطريق وأكثرهم حط عليه وممن ذمه وحط عليه أبو القاسم الجنيد ولم يقتل في حياة الجنيد بل قتل بعد موت الجنيد فإن الجنيد توفي سنة ثمان وتسعين ومئتين

والحلاج قتل سنة بضع وثلاثمائة وقدموا به إلى بغداد راكبا على جمل ينادى عليه: هذا داعي القرامطة ! وأقام في الحبس مدة حتى وجد من كلامه الكفر والزندقة واعترف به: مثل أنه ذكر في كتاب له: من فاته الحج فإنه يبني في داره بيتا ويطوف به كما يطوف بالبيت ويتصدق على ثلاثين يتيما بصدقة ذكرها وقد أجزأه ذلك عن الحج فقالوا له: أنت قلت هذا؟ قال نعم فقالوا له: من أين لك هذا؟ قال ذكره الحسن البصري في كتاب الصلاة فقال له القاضي أبو عمر: تكذب يا زنديق ! أنا قرأت هذا الكتاب وليس هذا فيه فطلب منهم الوزير أن يشهدوا بما سمعوه ويفتوا بما يجب عليه فاتفقوا على وجوب قتله

لكن العلماء لهم قولان في الزنديق إذا أظهر التوبة هل تقبل توبته فلا يقتل؟ أم يقتل لأنه لا يعلم صدقه فإنه ما زال يظهر ذلك؟ فأفتى طائفة بأنه يستتاب فلا يقتل وأفتى الأكثرون بأنه يقتل وأن أظهر التوبة فإن كان صادقا في توبته نفعه ذلك عند الله وقتل في الدنيا وكان الحد تطهيرا له كما لو تاب الزاني والسارق ونحوهما بعد أن يرفعوا إلى الإمام فإنه لا بد من إقامة الحد عليهم: فإنهم إن كانوا صادقين كان قتلهم كفارة لهم ومن كان كاذبا في التوبة كان قتله عقوبة له

فإن كان الحلاج وقت قتله تاب في الباطن فإن الله ينفعه بتلك التوبة وإن كان كاذبا فإنه قتل كافرا

ولما قتل لم يظهر له وقت القتل شيء من الكرامات وكل من ذكر أن دمه كتب على الأرض اسم الله وأن رجله انقطع ماؤها أو غير ذلك فإنه كاذب وهذه الأمور لا يحكيها إلا جاهل أو منافق وإنما وضعها الزنادقة وأعداء الإسلام حتى يقول قائلهم: إن شرع محمد بن عبد الله يقتل أولياء الله حتى يسمعوا أمثال هذه الهذيانات وإلا فقد قتل أنبياء كثيرون وقتل من أصحابهم وأصحاب نبينا ﷺ والتابعين وغيرهم من الصالحين من لا يحصى عددهم إلا الله قتلوا بسيوف الفجار والكفار والظلمة وغيرهم ولم يكتب دم أحدهم اسم الله والدم أيضا نجس فلا يجوز أن يكتب به اسم الله تعالى فهل الحلاج خير من هؤلاء ودمه أطهر من دمائهم؟ ! ! وقد جزغ وقت القتل وأظهر التوبة والسنة فلم يقبل ذلك منه ولو عاش افتتن به كثير من الجهال لأنه كان صاحب خزعبلات بهتانية وأحوال شيطانية

ولهذا إنما يعظمه من يعظم الأحوال الشيطانية والنفسانية والبهتانية وأما أولياء الله العالمون بحال الحلاج فليس منهم واحد يعظمه ولهذا لم يذكره القشيري في مشائخ رسالته وإن كان قد ذكر من كلامه كلمات استحسنها وكان الشيخ أبو يعقوب النهرجوري قد زوجه بابنته فلما اطلع على زندقته نزعها منه وكان عمرو بن عثمان يذكر أنه كافر ويقول: كنت معه فسمع قارئا يقرأ القرآن فقال: أقدر أن أصنف مثل هذا القرآن أو نحو هذا من الكلام

كان يظهر عند كل قوم ما يستجلبهم به إلى تعظيمه فيظهر عند أهل السنة أنه سني وعند أهل الشيعة أنه شيعي ويلبس لباس الزهادة تارة ولباس الأجناد تارة

وكان من مخاريقه أنه بعث بعض أصحابه إلى مكان في البرية يخبأ فيه شيئا من الفاكهة والحلوى ثم يجيء بجماعة من أهل الدنيا إلى قريب من ذلك المكان فيقول لهم: ما تشتهون أن آتيكم به من هذه البرية فيشتهي أحدهم فاكهة أو حلاوة فيقول: امكثوا ثم يذهب إلى ذلك المكان ويأتي بما خبأ أو ببعضه فيظن الحاضرون أن هذه كرامة له ! ! وكان صاحب سيما وشياطين تخدمه أحيانا كانوا معه على جبل أبي قبيس فطلبوا منه حلاوة فذهب إلى مكان قريب منهم وجاء بصحن حلوى فكشفوا الأمر فوجدوا ذلك قد سرق من دكان حلاوي باليمن حمله شيطان من تلك البقعة

ومثل هذا يحصل كثيرا لغير الحلاج ممن له حال شيطاني ونحن نعرف كثيرا من هؤلاء في زمننا وغير زماننا: مثل شخص هو الآن بدمشق كان الشيطان يحمله من جبل الصالحية إلى قرية حول دمشق فيجيء من الهوى إلى طاعة البيت الذي فيه الناس فيدخل وهم يرونه ويجيء بالليل إلى باب الصغير فيعبر منه هو ورفقته وهو من أفجر الناس

وآخر كان بالشويك في قرية يقال لها: الشاهدة يطير في الهوى إلى رأس الجبل والناس يرونه وكان شيطان يحمله كان يقطع الطريق وأكثرهم شيوخ الشر يقال لأحدهم البوي أي المخبث ينصبون له حركات في ليلة مظلمة ويصنعون خبزا على سبيل القربات فلا يذكرون الله ولا يكون عندهم من يذكر الله ولا كتاب فيه ذكر الله ثم يصعد ذلك البوي في الهوى وهم يرونه ويسمعون خطابه للشيطان وخطاب الشيطان له ومن ضحك أو شرق بالخبز ضربه الدف ولا يرون من يضرب به

ثم إن الشيطان يخبرهم ببعض ما يسألونه عنه ويأمرهم بأن يقربوا له بقرا وخيلا وغير ذلك وأن يخنقوها خنقا ولا يذكرون اسم الله عليها فإذا فعلوا قضى حاجتهم

وشيخ آخر أخبر عن نفسه أنه كان يزني بالنساء ويتلوط بالصبيان الذين يقال لهم الحوارات وكان يقول: يأتيني كلب أسود بين عينيه نكتتان بيضاوان فيقول لي: فلان ! إن فلانا نذر لك نذرا وغدا يأتيك به وأنا قضيت حاجته لأجلك فيصبح ذلك الشخص يأتيه بذلك النذر ويكاشفه هذا الشيخ الكافر قال: وكنت إذا طلب مني تغيير مثل اللاذن أقول حتى أغيب عن عقلي وإذ باللاذن في يدي أو في فمي وأنا لا أدري من وضعه ! ! قال: وكنت أمشي وبين يدي عمود أسود عليه نور فلما تاب هذا الشيخ وصار يصلي ويصوم ويجتنب المحارم ذهب الكلب الأسود وذهب التغيير فلا يؤتى بلاذن ولا غيره

وشيخ آخر كان له شياطين يرسلهم يصرعون بعض الناس فيأتي أهل ذلك المصروع إلى الشيخ يطلبون منه إبراءه فيرسل إلى أتباعه فيفارقون ذلك المصروع ويعطون ذلك الشيخ دراهم كثيرة وكان أحيانا تأتيه الجن بدراهم وطعام تسرقه من الناس حتى إن بعض الناس كان له تين في كوارة فيطلب الشيخ من شياطينه تينا فيحضرونه له فيطلب أصحاب الكوارة التين فوجدوه قد ذهب

وآخر كان مشتغلا بالعلم والقراءة فجاءته الشياطين أغرته وقالوا له: نحن نسقط عنك الصلاة ونحضر لك ما تريد فكانوا يأتونه بالحلوى والفاكهة حتى حضر عند بعض الشيوخ العارفين بالسنة فاستتابه وأعطى أهل الحلاوة ثمن حلاوتهم التي أكلها ذلك المفتون بالشيطان

فكل من خرج عن الكتاب والسنة وكان له حال من مكاشفة أو تأثير فإنه صاحب حال نفساني أو شيطاني وإن لم يكن له حال بل هو يتشبه بأصحاب الأحوال فهو صاحب محال بهتاني وعامة أصحاب الأحوال الشيطانية يجمعون بين الحال الشيطاني والحال البهتاني كما قال تعالى: { هل أنبئكم على من تنزل الشياطين * تنزل على كل أفاك أثيم }

والحلاج كان من أئمة هؤلاء أهل الحال الشيطاني والحال البهتاني وهؤلاء ظوائف كثيرة

فأئمة هؤلاء هم شيوخ المشركين الذين يعبدون الأصنام مثل الكهان والسحرة الذين كانوا للعرب المشركين ومثل الكهان الذين هم بأرض الهند والترك وغيرهم

ومن هؤلاء من إذا مات لهم ميت يعتقدون أنه يجيء بعد الموت فيكلمهم ويقضي ديونه ويرد ودائعه ويوصيهم بوصايا فإنهم تأتيهم تلك الصورة التي كانت في الحياة وهو شيطان يتمثل في صورته فيظنونه إياه

وكثير ممن يستغيث بالمشائخ فيقول: يا سيدي فلان ! أو يا شيخ فلان ! أقض حاجتي فيرى صورة ذلك الشيخ تخاطبه ويقول: أنا أقضي حاجتك وأطيب قلبك فيقضي حاجته أو يدفع عنه عدوه ويكون ذلك شيطانا تمثل في صورته لما أشرك بالله فدعى غيره

وأنا أعرف من هذا وقائع متعددة حتى إن طائفة من أصحابي ذكروا أنهم استغاثوا بي في شدائد أصابتهم أحدهم كان خائفا من الأرمن والآخر كان خائفا من التتر فذكر كل منهم أنه لما استغاث بي رآني في الهوى وقد رفعت عنه عدوه فأخبرتهم أني لم أشعر بهذا ولا دفعت عنكم شيئا وإنما هذا الشيطان تمثل لأحدهم فأغواه لما أشرك بالله تعالى وهكذا جرى لغير واحد من أصحابنا المشائخ مع أصحابهم يستغيث أحدهم بالشيخ فيرى الشيخ قد جاء وقضى حاجته ويقول ذلك الشيخ: إني لم أعلم بهذا فيعرف أن ذلك كان شيطانا وقد قلت لبعض أصحابنا لما ذكر لي أنه استغاث بهما كان يعتقدهما وأنهما أتياه في الهوى وقالا له طيب قلبك نحن ندفع عنك هؤلاء ونفعل ونصنع قلت له: فهل كان من ذلك شيء؟ فقال: لا فكان هذا مما دله على أنهما شيطانان فإن الشياطين وإن كان يخبرون الإنسان بقضية أو قصة فيها صدق فإنهم يكذبون أضعاف ذلك كما كانت الجن يخبرون الكهان

ولهذا من اعتمد على مكاشفته التي هي من أخبار الجن كان كذبه أكبر من صدقه كشيخ يقال له: الشياح توبناه وجددنا إسلامه كان له قرين من الجن يقال له: عنتر يخبره بأشياء فيصدق تارة ويكذب تارة فلما ذكرت له أنك تعبد شيطانا من دون الله اعترف بأنه يقول له: يا عنتر ! لا سبحانك إنك إله قذر وتاب من ذلك في قصة مشهورة

وقد قتل سيف الشرع من قتل من هؤلاء مثل الشخص الذي قتلناه سنة خمس عشرة وكان له قرين يأتيه ويكاشفه فيصدق تارة ويكذب تارة وقد انقاد له طائفة من المنسوبين إلى أهل العلم والرئاسة فيكاشفهم حتى كشف الله لهم وذلك أن القرين كان تارة يقول له: أنا رسول الله ويذكر أشياء تنافي حال الرسول فشهد عليه أنه قال: إن الرسول يأتيني ويقول لي كذا وكذا من الأمور التي يكفر من أضافها إلى الرسول فذكرت لولاة الأمور أن هذا من جنس الكهان وإن الذي يراه شيطانا ولهذا لا يأتيه في الصورة المعروفة للنبي ﷺ بل يأتيه في صورة منكرة ويذكر عنه أنه يخضع له ويبيح له أن يتناول المسكر وأمورا أخرى وكان كثير من الناس يظنون أنه كاذب فيما يخبر به من الرؤية ولم يكن كاذبا في أنه رأى تلك الصورة لكن كان كافرا في اعتقاده أن ذلك رسول الله ومثل هذا كثير

ولهذا يحصل لهم تنزلات شيطانية بحسب ما فعلوه من مراد الشيطان فكلما بعدوا عن الله ورسوله ﷺ وطريق المؤمنين قربوا من الشيطان فيطيرون في الهواء والشيطان طار بهم ومنهم من يصرع الحاضرين وشياطينه صرعتهم ومنهم من يحظر طعاما وإداما وملأ الإبريق ماء من الهوى والشياطين فعلت ذلك فيحسب الجاهلون أن هذه كرامات أولياء الله المتقين وإنما هي من جنس أحوال السحرة والكهنة وأمثالهم

ومن لم يميز بين الأحوال الرحمانية والنفسانية اشتبه عليه الحق بالباطل ومن لم ينور الله قلبه بحقائق الإيمان واتباع القرآن لم يعرف طريق المحق من المبطل والتبس عليه الأمر والحال كما التبس على الناس حال مسيلمة صاحب اليمامة وغيره من الكذابين في زعمهم أنهم أنبياء وإنما هم كذابون وقد قال ﷺ: [ لا تقوم الساعة حتى يكون فيكم ثلاثون دجالون كذابون كلهم يزعم أنه رسول الله ]

وأعظم الدجاجلة فتنة الدجال الكبير الذي يقتله عيسى بن مريم: فإنه ما خلق الله من لدن آدم إلى قيام الساعة أعظم من فتنته وأمر المسلمين أن يستعيذوا من فتنته في صلاتهم وقد ثبت أنه يقول للسماء: أمطري: فتمطر وللأرض أنبتي فتنبت وأنه يقتل رجلا مؤمنا ثم يقول له قم فيقوم فيقول أنا ربك فيقول له كذبت بل أنت الأعور الكذاب الذي أخبرنا عنه رسول الله ﷺ والله ما ازددت فيك إلا بصيرة فيقتله مرتين فيريد أن يقتله في الثالثة فلا يسلطه الله عليه وهو يدعي الإلهية وقد [ بين له النبي ﷺ ثلاث علامات تنافي ما يدعيه: أحدها: أنه أعور وأن ربكم ليس بأعور والثاني: أنه مكتوب بين عينيه كافر يقرأه كل مؤمن من قارئ وغير قارئ والثالثة قوله: واعلموا أن أحدكم لا يرى ربه حتى يموت ]

فهذا هو الدجال الكبير ودونه دجاجلة منهم من يدعي النبوة ومنهم من يكذب بغير ادعاء النبوة كما قال ﷺ: [ يكون في آخر الزمان دجالون كذابون يحدثونكم بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم فإياكم وإياهم ]

فالحلاج كان من الدجاجلة بلا ريب ولكن إذا قيل: هل تاب قبل الموت أم لا؟ قال: الله أعلم فلا يقول ما ليس له به علم ولكن ظهر عنه من الأقوال والأعمال ما أوجب كفره وقتله باتفاق المسلمين والله أعلم به

108 - 754 - مسألة: عن المعز معد بن تميم الذي بنى القاهرة والقصرين: هل كان شريفا فاطميا؟ وهل كان هو وأولاده معصومين؟ وأنهم أصحاب العلم الباطن وإن كانوا ليسوا أشرافا: فما الحجة على القول بذلك؟ وإن كانوا على خلاف الشريعة: فهل هم بغاة أم لا؟ وما حكم من نقل ذلك عنهم من العلماء المعتمدين الذين يحتج بقولهم؟ ولتبسطوا القول في ذلك

الجواب: الحمد لله أما القول بأنه هو أو أحد من أولاده أو نحوهم كانوا معصومين من الذنوب والخطأ كما يدعيه الرافضة في الاثني عشرة فهذا القول شر من قول الرافضة بكثير فإن الرافضة ادعن ذلك فيمن لا شك في إيمانه وتقواه بل فيمن لا يشك أنه من أهل الجنة: كعلي والحسن والحسين رضي الله عنهم ومع هذا فقد اتفق أهل العلم والإيمان على أن هذا القول من أفسد الأقوال وأنه من أقوال أهل الإفك والبهتان فإن العصمة في ذلك ليست لغير الأنبياء عليهم السلام

بل كان من سوى الأنبياء يؤخذ من قوله ويترك ولا تجب طاعة من سوى الأنبياء والرسل في كل ما يقول ولا يجب على الخلق اتباعه والإيمان به في كل ما يأمر به ويخبر به ولا تكون مخالفته في ذلك كفرا بخلاف الأنبياء بل إذا خالفه غيره من نظرائه وجب على المجتهد النظر في قوليهما وأيهما كان أشبه بالكتاب والسنة تابعه كما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } فأمر عند التنازع بالرد إلى الله وإلى الرسول إذ المعصوم لا يقول إلا حقا ومن علم أنه قال الحق في موارد النزاع وجب اتباعه كما لو ذكر آية من كتاب الله تعالى أو حديثا ثابتا عن رسول الله ﷺ يقصد به قطع النزاع

أما وجوب اتباع القائل في كل ما يقوله من غير ذكر دليل يدل على صحة ما يقول فليس بصحيح بل هذه المرتبة هي مرتبة الرسول التي لا تصلح إلا له كما قال تعالى: { فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وقال تعالى: { وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقال تعالى: { قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقال تعالى: { وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم } وقال تعالى: { إنما كان قول المؤمنين إذا دعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا وأولئك هم المفلحون } وقال: { ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا } وقال تعالى: { تلك حدود الله ومن يطع الله ورسوله يدخله جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها وذلك الفوز العظيم * ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وله عذاب مهين } وقال تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } وقال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } وقال تعالى: { لئن أقمتم الصلاة وآتيتم الزكاة وآمنتم برسلي وعزرتموهم وأقرضتم الله قرضا حسنا لأكفرن عنكم سيئاتكم } وأمثال هذه في القرآن كثير بين فيه سعادة من آمن بالرسل واتبعهم وأطاعهم وشقاوة من لم فلو كان غير الرسول معصوما فيما يأمر به وينهي عنه لكان حكمه في ذلك حكم الرسول والنبي المبعوث إلى الخلق رسول إليهم بخلاف من لم يبعث إليهم فمن كان آمرا ناهيا للخلق: من إمام وعالم وشيخ وأولي أمر غيرهؤلاء من أهل البيت أو غيرهم وكان معصوما: كان بمنزلة الرسول في ذلك وكان من أطاعه وجبت له الجنة ومن عصاه وجبت له النار كما يقوله القائلون بعصمة علي أوغيره من الأئمة بل من أطاعه يكون مؤمنا ومن عصاه يكون كافرا وكان هؤلاء كأنبياء بني إسرائيل فلا يصح حينئذ قول النبي ﷺ: لا نبي بعدي وفي السنن عنه ﷺ أنه قال: [ العلماء ورثة الأنبياء أن الأنبياء لم يورثوا درهما ولا دينارا إنما ورثوا العلم فمن أخذه فقد أخذ بحظ وافر ] فغاية العلماء من الأئمة وغيرهم من هذه الأمة أن يكونوا ورثة أنبياء

وأيضا فقد ثبت بالنصوص الصحيحة والاجماع أن النبي ﷺ قال للصديق في تأول رؤيا عبرها: أصبت بعضا وأخطأت بعضا وقال الصديق: أطيعوني ما أطعت الله فإذا عصيت الله فلا طاعة لي عليكم وغضب مرة على رجل فقال له أبو بردة: دعني أضرب عنقه فقال له: أكنت فاعلا؟ ! قال: نعم فقال: ما كانت لأحد بعد رسول الله ﷺ ولهذا اتفق الأئمة على أن من سب نبيا قتل ومن سب غير النبي لا يقتل بكل سب سبه بل يفصل في ذلك فإن من قذف أم النبي ﷺ قتل مسلما كان أو كافرا: لأنه قدح في نسبه ولو قذف غير أم النبي ﷺ ممن لم يعلم براءتها لم يقتل

وكذلك عمر بن الخطاب كان يقر على نفسه في مواضع بمثل هذه فيرجع عن أقوال كثيرة إذا تبين له الحق في خلاف ما قال ويسأل الصحابة عن بعض السنة حتى يستفيدها منهم ويقول في مواضع: والله ما يدري عمر أصاب الحق أو أخطأه ويقول: امرأة أصابت ورجل أخطأ ومع هذا فقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ قد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ] وفي الترمذي: [ لو لم أبعث فيكم لبعث فيكم عمر ] وقال: [ إن الله ضرب الحق على لسان عمر وقلبه ] فإذا كان المحدث الملهم الذي ضرب الله الحق على لسانه وقلبه بهذه المنزلة يشهد على نفسه بأنه ليس بمعصوم فكيف بغيره من الصحابة وغيرهم الذين لم يبلغوا منزلته؟ !

فإن أهل العلم متفقون على أن أبا بكر وعمر أعلم من سائر الصحابة وأعظم طاعة لله ورسوله من سائرهم وأولى بمعرفة الحق واتباعه منهم وقد ثبت بالنقل المتواتر الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ خير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر ثم عمر ] روي ذلك عنه من نحو ثمانين وجها وقال علي رضي الله عنه: لا أوتي بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حد المفتري والأقوال المأثورة عن عثمان وعلي وغيرهما من الصحابة [ كثيرة ]

بل أبو بكر الصديق لا يحفظ له فتيا أفتى فيها بخلاف نص النبي ﷺ وقد وجد لعلي وغيره من الصحابة من ذلك أكثر مما وجد لعمر وكان الشافعي رضي الله عنه يناظر بعض فقهاء الكوفة في مسائل الفقه فيحتجون عليه بقول علي فصنف كتاب اختلاف علي وعبد الله بن مسعود وبين فيه مسائل كثيرة تركت من قولهما لمجيء السنة بخلافها وصنف بعده محمد بن نصر الثوري كتابا أكبر من ذلك كما ترك من قول علي رضي الله عنه أن المعتدة المتوفى عنها إذا كانت حاملا فإنها تعتد أبعد الأجلين ويروى ذلك عن ابن عباس أيضا واتفقت أئمة الفتيا على قول عثمان وابن مسعود وغيرهما في ذلك وهو أنها إذا وضعت حملها حلت لما ثبت عن النبي ﷺ: أن سبيعة الأسلمية كانت قد وضعت بعد زوجها بليال فدخل عليها أبو السنابل بن بعكك فقال: ما أنت بناكح حتى تمر عليك أربعة أشهر وعشرا فسألت النبي ﷺ عن ذلك؟ فقال: كذب أبو السنابل حللت فانكحي فكذب النبي من قال هذه الفتيا وكذلك المفوضة التي تزوجها زوجها ومات عنها ولم يفرض لها مهر قال فيها علي وابن عباس إنها لا مهر لها وأفتى فيها ابن مسعود وغيره إن لها مهر المثل فقام رجل من أشجع فقال: تشهد أن رسول الله ﷺ قضى في بروع بنت واشق بمثل ما قضيت به في هذه ومثل هذا كثير

وقد كان علي وابناه وغيرهم يخالف بعضهم بعضا في العلم والفتيا كما يخاف سائر أهل العلم بعضهم بعضا ولو كانوا معصومين لكانت مخالفة المعصوم للمعصوم ممتنعة وقد كان الحسن في أمر القتال يخالف أباه ويكره كثيرا مما يفعله ويرجع علي رضي الله عنه في آخر الأمر إلى رأيه وكان يقول:

( لئن عجزت عجزة لا أعتذر سوف أكيس بعدها وأستمر )

( وأجبر الرأي النسيب المنتثر )

وتبين له في آخر عمره أن لو فعل غير الذي كان فعله لكان هو الأصوب وله فتاوى رجع بعضها عن بعض كقوله في أمهات الأولاد فإن له فيها قولين:

أحدهما: المنع من بيعهن

والثاني: إباحة ذلك والمعصوم لا يكون له قولان متناقضان إلا أن يكون أحدهما ناسخا للآخر كما في قول النبي ﷺ السنة استقرت فلا يرد عليها بعده نسخ إذ لا نبي بعده

وقد وصى الحسن أخاه الحسين بأن لا يطيع أهل العراق ولا يطلب هذا الأمر وأشار عليه بذلك ابن عمر وابن عباس وغيرهما ممن يتولاه ويحبه ورأوا أن مصلحته ومصلحة المسلمين أن لايذهب إليهم لا يجيبهم إلى ما قالوه من المجيء إليهم والقتال معهم

وإن كان هذا هو المصلحة له وللمسلمين ولكنه رضي الله عنه قال ما رآه مصلحة والرأي يصيب ويخطئ والمعصوم ليس لأحد أن يخالف معصوما آخر إلا أن يكونا على شريعتين كالرسولين ومعلوم أن شريعتها واحدة وهذا باب واسع مبسوط في غير هذا الموضع

والمقصود أن من ادعى عصمة هؤلاء السادة المشهور لهم بالإيمان والتقوى والجنة هو في غاية الضلال والجهالة ولم يقل هذا القول من له في الأمة لسان صدق بل ولا من له عقل محمودا

فكيف تكون العصمة في ذرية عبد الله بن ميمون القداح مع شهرة النفاق والكذب والضلال؟ ! وهب أن الأمر ليس كذلك: فلا ريب أن سيرتهم من سيرة الملوك وأكثرهم ظلما وانتهاكا للمحرمات وأبعدها عن إقامة الأمور والواجبات وأعظم إظهارا للبدع المخالفة للكتاب والسنة وإعانة لأهل النفاق والبدعة

وقد اتفق أهل العلم على أن دولة بني أمية وبني العباس أقرب إلى الله ورسوله من دولتهم وأعظم علما وإيمانا من دولتهم وأقل بدعا وفجورا من بدعتهم وأن خليفة الدولتين أطوع لله ررسوله من خلفاء دولتهم ولم يكن في خلفاء الدولتين من يجوز أن يقال فيه أنه معصوم فكيف يدعي العصمة من ظهرت عنه الفواحش والمنكرات والظلم والبغي والعدوان والعداوة لأهل البر والتقوى من الأمة والاطمئنان لأهل الكفر والنفاق؟ ! فهم من أفسق الناس ومن أكفر الناس وما يدعي العصمة في النفاق والفسوق إلا جاهل مبسوط الجهل أو زنديق يقول بلا علم

ومن المعلوم الذي لا ريب فيه أن من شهد لهم بالإيمان والتقوى أو بصحة النسب فقد شهد لهم بما لا يعلم وقد قال الله تعالى: { ولا تقف ما ليس لك به علم } وقال تعالى: { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } وقال عن أخوة يوسف: { وما شهدنا إلا بما علمنا } وليس أحد من الناس يعلم صحة نسبهم ولا ثبوت إيمانهم وتقواهم فإن غاية ما يزعمه أنهم كانوا يظهرون الإسلام والتزام شرائعه وليس كل من أظهر الإسلام يكون مؤمنا في الباطن إن قد عرف في المظهرين للإسلام المؤمن والمنافق قال الله تعالى: { ومن الناس من يقول آمنا بالله وباليوم الآخر وما هم بمؤمنين } وقال تعالى: { إذا جاءك المنافقون قالوا نشهد إنك لرسول الله والله يعلم إنك لرسوله والله يشهد إن المنافقين لكاذبون } وقال تعالى: { قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا ولما يدخل الإيمان في قلوبكم } وهؤلاء القوم يشهد عليهم علماء الأمة وأئمتها وجماهيرها أنهم كانوا منافقين زنادقة يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر فإذا قدر أن بعض الناس خالفهم في ذلك صار في أيمانهم نزاع مشهور فالشاهد لهم بالإيمان شاهد لهم بما لا يعلمه إذ ليس معه شيء يدل على إيمانهم مثل ما مع منازعيه ما يدل على نفاقهم وزندقتهم

وكذلك النسب قد علم أن جمهور الأمة تطعن في نسبهم ويذكرون أنهم من أولاد المجوس أو اليهود هذا مشهور من شهادة علماء الطوائف: من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وأهل الحديث وأهل الكلام وعلماء النسب والعامة وغيرهم وهذا أمر قد ذكره عامة المصنفين لأخبار الناس وأيامهم حتى بعض من قد يتوقف في أمرهم كابن الأثير الموصلي في تاريخه ونحوه فإنه ذكر ما كتبه علماء المسلمين بخطوطهم في القدح في نسبهم

وأما جمهور المصنفين من المتقدمين والمتأخرين حتى القاضي ابن خلكان في تاريخه فإنهم ذكروا بطلان نسبهم وكذلك ابن الجوزي وأبو شامة وغيرهم من أهل العلم بذلك حتى صنف العلماء في كشف أسرارهم وهتك أستارهم كما صنف القاضي أبو بكر الباقلاني كتابه المشهور في كشف أسرارهم وهتك أستارهم وذكر أنهم من ذرية المجوس وذكر من مذاهبهم ما بين فيه أن مذاهبهم شر من مذاهب اليهود والنصارى بل ومن مذاهب الغالية الذين يدعون إلهية علي أو نبوته فهم أكفر من هؤلاء وكذلك ذكر القاضي أبو يعلى في كتابه المعتمد فصلا طويلا في شرح زندقتهم وكفرهم وكذلك ذكر أبو حامد الغزالي في كتابه الذي سماه فضائل المستظهرية وفضائح الباطنية قال: ظاهر مذهبهم الرفض وباطنه الكفر المحض

وكذلك القاضي عبد الجبار بن أحمد وأمثاله من المعتزلة المتشيعة الذين لا يفضلون على علي غيره بل يفسقون من قاتله ولم يتب من قتاله: يجعلون هؤلاء من أكابر المنافقين الزنادقة فهذه مقالة المعتزلة في حقهم فكيف تكون مقالة أهل السنة والجماعة؟ ! ! والرافضة الأمامية - مع أنهم من أجهل الخلق وأنهم ليس لهم عقل ولا نقل ولا دين صحيح ولا دنيا منصورة نعم - يعلمون أن مقالة هؤلاء مقالة الزنادقة المنافقين ويعلمون أن مقالة هؤلاء الباطنية شر من مقالة الغالبة الذين يعتقدون إلهية علي رضي الله عنه وأما القدح في نسبهم فهو مأثور عن جماهير علماء الأمة من علماء الطوائف

وقد تولى الخلافة غيرهم طوائف وكان في بعضهم من البدعة والعلم ما فيه فلم يقدح الناس في نسب أحد من أولئك كما قدحوا في نسب هؤلاء ولا نسبوهم إلى الزندقة والنفاق كما نسبوا هؤلاء وقد قام من ولد علي طوائف من ولد الحسن وولد الحسين كمحمد بن عبد الله بن حسن وأخيه إبراهيم بن عبد الله بن حسن وأمثالهما ولم يطعن أحد لا من أعدائهم ولا من غير أعدائهم لافي نسبهم ولافي إسلامهم وكذلك الداعي القائم بطبرستان وغيره من العلويين وكذلك بنو حمود الذين تغلبوا بالأندلس مدة وأمثال هؤلاء لم يقدح أحد في نسبهم ولا في إسلامهم وقد قتل جماعة من الطالبين من على الخلافة لا سيما في الدولة العباسية وحبس طائفة كموسى بن جعفر وغيره ولم يقدح أعداؤهم في نسبهم ولا دينهم

وسبب ذلك أن الأنساب المشهورة أمرها ظاهر متدارك مثل الشمس لا يقدر العدو أن يطفئه وكذلك إسلام الرجل وصحة إيمانه بالله والرسول أمر لا يخفى وصاحب النسب والدين لو أراد عدوه أن يبطل نسبه ودينه وله هذه الشهرة لم يمكنه ذلك فإن هذا مما تتوفر الهمم والدواعي على نقله ولا يجوز أن تتفق على ذلك أقوال العلماء

وهؤلاء بنو عبيد القداح ما زالت علماء الأمة المأمونون علما ودينا يقدحون في نسبهم ودينهم لا يذمونهم بالرفض والتشيع فإن لهم في هذا شركاء كثيرين بل يجعلونهم من القرامطة الباطنية الذين منهم الإسماعيلية والنصيرية ومن جنسهم الخرمية المحمرة وأمثالهم من الكفار المنافقين الذين كانوا يظهرون الإسلام ويبطنون الكفر ولا ريب أن اتباع هؤلاء باطل وقد وصف العلماء أئمة هذا القول بأنهم الذين ابتدعوه ووضعوه وذكروا ما بنوا عليه مذاهبهم وأنهم أخذوا بعض قول المجوس وبعض قول الفلاسفة فوضعوا لهم السابق والتاليوالأساسوالحجج والدعاوي وأمثال ذلك من المراتب وترتيب الدعوة سبع درجات آخرها البلاغ الأكبر والناموس الأعظم مما ليس هذا موضع تفصيل ذلك

وإذا كان كذلك فمن شهد لهم بصحة نسب أو إيمان فأقل ما في شهادته أنه شاهد بلا علم قاف ما ليس له به علم وذلك حرام باتفاق الأمة بل ما ظهر عنهم من الزندقة والنفاق ومعاداة ما جاء به الرسول ﷺ: دليل على بطلان نسبهم الفاطمي فإن من يكون من أقارب النبي ﷺ القائمين بالخلافة في أمته لا تكون معاداته لدينه كمعاداة هؤلاء فلم يعرف في بني هاشم ولا ولد أبي طالب ولا بني أمية: من كان خليفة وهو معاد لدين الإسلام فضلا عن أن يكون معاديا كمعاداة هؤلاء بل أولاد الملوك الذين لا دين لهم فيكون فيهم نوع حمية لدين آبائهم وأسلافهم فمن كان من ولد سيد ولد آدم الذي بعثه الله بالهدى ودين الحق كيف يعادي دينه هذه المعاداة ولهذا نجد جميع المأمونين على دين الإسلام باطنا وظاهرا معادين لهؤلاء إلا من هو زنديق عدو لله ورسوله أو جاهل لا يعرف ما بعث به رسوله وهذا مما يدل على كفرهم وكذبهم في نسبهم

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16