الفتاوى الكبرى/كتاب الجنائز/4

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

392 - 32 سئل: عن زيارة النساء القبور: هل ورد في ذلك عن النبي ﷺ أم لا؟

الجواب: الحمد لله رب العالمين صح عن رسول الله ﷺ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال [ لعن الله زوارت القبور ] رواه أحمد وابن ماجه والترمذي وصححه وعن ابن عباس رضي الله عنه قال [ لعن رسول الله ﷺ زوارات القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ] رواه أهل السنن الأربعة: أبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجه وقال الترمذي: حديث حسن وأخرجه أبو حاتم في صحيحه وعلى هذا العمل في أظهر قولي أهل العلم أنه نهى زوارت القبور عن ذلك فإن النبي ﷺ قال: [ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزورها فإنها تذكركم الآخرة ] فإن قيل: فالنهي عن ذلك منسوخ كما قال ذلك أهل القول الآخر قيل: هذا ليس بجيد لان قوله [ كنت نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها ] هذا خطاب للرجال دون النساء فإن اللفظ لفظ مذكر وهو مختص بالذكور أو متناول لغيرهم بطريق التبع فإن كان مختصا بهم فلا ذكر للنساء وإن كان متناولا لغيرهم كان هذا اللفظ عاما وقوله [ لعن الله زوارات القبور ] خاص بالنساء دون الرجال ألا تراه يقول: [ لعن الله زوارت القبور والمتخذين عليها المساجد والسرج ] فالذين يتخذون عليها المساجد والسرج لعنهم الله سواء كانوا ذورا أو إناثا وأما الذين يزورون فإنما لعن النساء الزوارت دون الرجال وإذا كان هذا خاصا ولم يعلم أنه متقدم على الرخصة كان متقدما على العام عند عامة أهل العلم كذلك لو علم أنه كان بعدها

وهذا نظير قوله ﷺ: [ ومن صلى على جنازة فله قيراط ومن تبعها حتى تدفن فله قيراطان ] فهذا عام والنساء لم يدخلن في ذلك لان ثبت عنه في الصحيح أنه نهى النساء عن اتباع الجنائز عن عبد الله بن عمر قال: سرنا مع رسول الله ﷺ يعني ( نشيع ) ميتا فلما فرغنا انصرف رسول الله ﷺ وانصرفنا معه فلما توسطنا الطريق إذا نحن بأمرأة مقبلة فلما دنت إذا هي فاطمة فقال لها رسول الله ﷺ [ ما أخرجك يا فاطمة من بيتك؟ قالت: أتيت يارسول الله أهل هذا البيت فعزيناهم بميتهم فقال رسول الله ﷺ: لعلك بلغت معهم الكدى أما إنك لو بلغت معهم الكدى ما رأيت الجنة حتى يراها جد أبيك ] رواه أهل السنن ورواه أبو حاتم في صحيحه وقد فسر الكدى بالقبور والله أعلم

393 - 33 سئل: هل الميت يسمع كلام زائره ويرى شخصه؟ وهل تعاد روحه إلى جسده في ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره؟ وهل تصل إليه القراءة والصدقة من ناحية وغيرهم سواء كان من المال الموروث عنه وغيره؟ وهل تجمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه الذين ماتوا قبله سواء كان مدفونا قريبا منهم أو بعيدا؟ وهل تنقل روحه إلى جسده في ذلك الوقت أو يكون بدنه إذا مات في بلد بعيد؟ ودفن بها ينقل إلى الارض التى ولد بها وهل يتأذى ببكاء أهله عليه؟ والمسؤول من أهل العلم رضي الله عنهم الجواب عن هذه الفصول فصلا فصلا جوابا واضحا مستوعبا لما ورد فيه من الكتاب والسنة وما نقل فيه عن الصحابة رضى الله عنهم وشرح مذاهب الأئمة والعلماء: أصحاب المذاهب واختلافهم وما الراجح من أقوالهم مأجورين إن شاء الله تعالى

الجواب: الحمد لله رب العالمين نعم يسمع الميت في الجملة كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ يسمع خفق نعالهم حين يولونن عنه ] وثبت عن النبي ﷺ: [ أنه ترك قتلى بدر ثلاثا ثم أتاهم فقال: يا أبا جهل بن هشام يا أمية بن خلف يا عتبة بن ربيعة يا شيبة بن ربيع هل وجدتم ما وعدكم ربكم حقا؟ فإني وجدت ما وعدني ربي حقا ] فسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال: يا رسول الله كيف يسمعون وأنى يجيبون وقد جيفوا؟ فقال: [ والذي نفسي بيده ما أنت بأسمع لما أقول منهم ولكنهم لا يقدرون أن يجيبوا ] ثم أمر بهم فسحبوا في قليب بدر وكذلك في الصحيحين عن عبد الله بن عمر [ أن النبي ﷺ وقف على قليب بدر فقال: هل وجدتم ما وعدم ربكم حقا؟ وقال إنهم يسمعون الأن ما أقول ]

وقد ثبت عنه في الصحيحين من غير وجه أنه كان يأمر بالسلام على أهل القبور ويقول: [ قولوا السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين وأنا إن شاء الله بكم لاحقون ويرحم الله المستقدمين منا والمستأخرين نسأل الله لنا ولكم العافية اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم واغفر لنا ولهم ] فهذا خطاب لهم وإنما يخطب من يسمع وروى ابن عبد البر عن النبي ﷺ أنه قال: [ ما من رجل يمر بقبر رجل كان يعرفه في الدنيا فيسلم عليه إلا رد الله عليه روحه حتى يرد عليه السلام ]

وفي السنن عنه أنه قال: [ أكثروا من الصلاة علي يوم الجمعة وليلة الجمعة فإن صلاتكم معروضة علي فقالوا يا رسول الله وكيف تعرض صلاتنا عليك؟ وقد أرمت يعني صرت رميما فقال: إن الله تعالى حرم على الأرض أن تأكل لحوم الأنبياء ] وفي السنن أنه قال [ إن الله وكل بقبرى ملائكة يبلغوني عن أمتي السلام ]

فهذه النصوص وأمثالها تبين أن الميت يسمع في الجملة كلام الحي ولايجب أن يكون السمع له دائما بل قد يسمع في حال دون حال كما قد يعرض للحي فإنه قد يسمع أحيانا خطاب من يخاطبه وقد لا يسمع لعارض يعرض له وهذا السمع سمع إدراك ليس يترتب عليه جزاء ولا هو السمع المنفى بقوله { إنك لا تسمع الموتى } فإن المراد بذلك سمع القبور والامتثال فإن الله جعل الكافر كالميت الذي لا يستجيب لمن دعاه وكالبهائم التي تسمع الصوت ولا امتثال ما أمر به ونهى عنه فلا ينتفع بالأمر والنهي وكذلك الكافر لا ينتفع بالأمر والنهي سمع الخطاب وفهم المعنى كما قال تعالى { ولو علم الله فيهم خيرا لأسمعهم }

وأما رؤية الميت: فقد روي في ذلك آثار عن عائشة وغيرها

فصل

وأما قول القائل: هل تعاد روحه إلى بدنه ذلك الوقت أم تكون ترفرف على قبره في ذلك الوقت وغيره؟ فإن روحه تعاد إلى البدن فيى ذلك الوقت كما جاء في الحديث وتعاد أيضا في غير ذلك وأرواح المؤمنين في الجنة كما في الحديث الذي رواه النسائي ومالك والشافعي وغيرهم: [ أن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه ] وفي لفظ [ ثم تأوي إلى قناديل معلقة بالعرش ] ومع ذلك فتتصل بالبدن متى شاء الله وذلك في اللحظة بمنزلة نزول الملك وظهور الشعاع في الارض وانتباه النائم

وهذا جاء في عدة أثار أن الأرواح تكون في أفنية القبور قال مجاهد: الأرواح تكون على أفنية القبور سبعة أيام من يوم دفن الميت لا تفارقه فهذا يكون أحيانا وقال مالك بن أنس: بلغني أن الارواح مرسلة تذهب حيث شاءت والله أعلم

فصل

وأما القراءة والصدقة وغيرهما من أعمال البر فلا نزاع بين علماء السنة والجماعة في وصول ثواب العبادات المالية كالصدقة والعتق كما يصل إليه أيضا الدعاء والاستغفار والصلاة عليه صلاة الجنازة والدعاء عند قبره

وتنازعوا في وصول الأعمال البدنية: كالصوم والصلاة والقراءة والصواب أن الجميع يصل إليه فقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال: [ من مات وعليه صيام صام عنه وليه ] وثبت أيضا: [ أنه أمر أمرأة ماتت أمها وعليها صوم أن تصوم عن أمها ] وفي المسند عن النبي ﷺ أنه قال لعمر بن العاص: [ لو أن أباك أسلم فتصدقت عنه أو صمت أو اعتقت عنه نفعه ذلك ] وهذا مذهب أحمد وأبي حنيفة وطائفة من أصحاب مالك والشافعي

وأما احتجاج بعضهم بقوله تعالى { وأن ليس للإنسان إلا ما سعى } فيقال له قد ثبت بالسنة المتواترة وإجماع الأمة: أنه يصلى عليه ويدعى له ويستغفر له وهذا من سعي غيره وكذلك قد ثبت ما سلف من أنه ينتفع بالصدقة عنه والعتق وهو من سعى غيره وما كان من جوابهم في موارد الإجماع فهو جواب الباقين في مواقع النزاع وللناس في ذلك أجوبة متعددة

لكن الجواب المحقق في ذلك أن الله تعالى لم يقل: إن الإنسان لا ينتفع إلا بسعى نفسه وإنما قال: { ليس للإنسان إلا ما سعى } فهو لا يملك إلا سعيه ولا يستحق غير ذلك وأما ما سعى غيره فهو له كما أن الإنسان لا يملك إلا مال نفسه ونفع نفسه فمال غيره ونفع غيره وهو كذلك للغير لكن إذا تبرع له الغير بذلك جاز

وهكذا هذا إذا تبرع له الغير بسعيه نفعه الله بذلك كما ينفعه بدعائه له والصدقة عنه وهو ينتفع بكل ما يصل إليه من كل مسلم سواء كان من أقاربه أو غيرهم كما ينتفع بصلاة المصلين عليه ودعائهم له عند قبره

فصل

وأما قوله: هل تجتمع روحه مع أرواح أهله وأقاربه؟ ففي الحديث عن أبي أيوب الانصاري وغيره من السلف ورواه أبو حاتم في الصحيح عن النبي ﷺ [ أن الميت إذا عرج بروحه تلقته الأرواح يسألونه عن الإحياء فيقول بعضهم لبعض: دعوه حتى يستريح فيقولون له: ما فعل فلان؟ فيقول: عمل عمل صلاح فيقولون: ما فعل فلان؟ فيقول: ألم يقدم عليكم؟ فيقولون: لا فيقولون ذهب به إلى الهاوية ] ولما كانت أعمال الأحياء تعرض على الموتى كان أبو الدرداء يقول: اللهم إنى أعوذ بك أن أعمل عملا أخزي به عند عبد الله بن رواحة فهذا اجتماعهم عند قدومه يسألونه فيجيبهم

وما استقرارهم فبحسب منازلهم عند الله فن كان من المقربين كانت منزلته أعلى من منزلة من كان من أصحاب اليمين لكن الاعلى ينزل إلى الاسفل والأسفل لا يصعد إلى الأعلى فيجتمعوا إذا شاء الله كما يجتمعون في الدنيا مع تفاوت منازلهم ويتزاورون

وسواء كانت المدافن متباعدة فى الدنيا أو متقاربة قد تجتمع الأرواح مع تباعد المدافن وقد تفترق مع تقارب المدافن يدفن المؤمن عند الكافر وروح هذا في الجنة وروح هذا في النار، والرجلان يكونان جالسين أو نائمينن في موضع واحد وقلب هذا ينعم وقلب هذا يعذب وليس بين الروحين اتصال فالأرواح كما قال النبي ﷺ [ جنود مجندة: فمن تعارف منها ائتلف وما تتناكر منها اختلف ]

والبدن لا ينقل إلى موضع الولادة بل قد جاء [ إن الميت يذر عليه من تراب حفرته ] ومثل هذا لا يجزم به ولا يحتج به بل أجود منه حديث آخر فيه [ إنه ما من ميت يموت في غير بلده إلا قيس له من مسقط رأسه إلى منقطع أثره في الجنة ] والإنسان يبعث من حيث مات وبدنه في قبره مشاهد فلا تدفع المشاهدة بظنون لا حقيقة لها بل هى مخالفة في العقل والنقل

فصل

وأما قول السائل: هل يؤذيه البكاء عليه؟

فهذه مسألة فيها نزاع بين السلف والخلف والعلماء والصواب أنه يتأذى بالبكاء عليه كما نطقت به الأحاديث الصحيحة عن النبي ﷺ أنه قال: [ إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه وفي لفظ من ينح عليه يعذب بما نيح عليه ] وفي الحديث الصحيح أن عبد الله بن رواحة لما أغمي عليه جعلت أخته تندب وتقول: وأعضداه وأناصراه فلما افاق قال: ما قلت لي شيئا إلا قيل لي: أكذلك أنت؟

وقد أنكر ذلك طوائف من السلف والخلف واعتقدوا أن ذلك من باب تعذيب الإنسان بذنب غيره فهو مخالف لقوله تعالى: { ولا تزر وازرة وزر أخرى } ثم تنوعت طرقهم في تلك الأحاديث الصحيحة

فمنهم من غلط الرواه لها كعمر بن الخطاب وغيره وهذه طريقة عائشة والشافعي وغيرهما

ومنهم من حمل ذلك على ما إذ أوصى به فيعذب على إيصائه وهو قول طائفة: كالمزني وغيره

ومنهم منن حمل ذلك على ما اذا كانت عادتهم فيعذب على ترك النهي عن المنكر وهو اختيار طائفة منهم جدي أبو البركات وكل هذه الأقوال ضعيفة جدا

والأحاديث الصحيحة الصريحة التي يرويها مثل عمر بن الخطاب وابنه عبد الله وأبي موسى الاشعري وغيرهم لا ترد بمثل هذا وعائشة أم المؤمنين رضي الله عنها لها مثل هذا نظائر ترد الحديث بنوع من التأويل والاجتهاد لاعتقادها بطلان معناه ولا يكون الأمر كذلك ومن تدبر هذا الباب وجد هذا الحديث الصحيح الصريح الذي يرويه الثقة لا يرده أحد بمثل هذا إلا كان مخطئا

وعائشة رضي الله عنه روت عن النبي ﷺ لفظين وهي الصادقة فيما نقلته فروت عن النبي ﷺ قوله: [ إن الله ليزيد الكافر عذابا ببكاء أهله عليه ] وهذا موافق لحديث عمر فإنه إذا جاز أن يزيده عذابا ببكاء أهله جاز أن يعذب غيره ابتداء ببكاء أهله ولهذا رد الشافعي في مختلف الحديث هذا الحديث نظرا إلى المعنى قال الأشبة روايتها الأخرى [ إنهم يبكون عليه وإنه ليعذب في قبره ]

والذين أقروا هذا الحديث على مقتضاه ظن بعضهم أن هذا من باب عقوبة الإنسان بذنب غيره وإن الله يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد واعتقد هؤلاء أن الله يعاقب الإنسان بذنب غيره فجوزوا أن يدخلوا أولاد الكفار النار بذنوب آبائهم وهذا وإن كان قد قاله طوائف منتسبة إلى السنة فالذي دل عليه الكتاب والسنة أن الله لا يدخل النار إلا من عصاه كما قال: { لأملأن جهنم منك وممن تبعك منهم أجمعين } فلا بد أن يملأ جهنم من أتباع إبليس فإذا امتلأت لم يكن لغيرهم فيها موضع فمن لم يتبع إبليس لم يدخل النار

وأطفال الكفار أصح الأقوال فيهم: أن يقال فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين كما قد أجاب بذلك النبي ﷺ فطائفة من أهل السنة وغيرهم قالوا: إنهم كلهم في النار واختار ذلك القاضي أبو يعلى وغيره وذكر أنه منصوص عن أحمد وهو غلط على أحمد وطائفة جزموا أنهم كلهم في الجنة واختار ذلك أبو الفرج بن الجوزي وغيره واحتجوا بحديث فيه رؤيا النبي ﷺ [ لما رأى إبراهيم الخليل وعنده أطفال المؤمنين قيل: يا رسول الله وأطفال المشركين؟ قال وأطفال المشركين ]

والصواب أن يقول فيهم: الله أعلم بما كانوا عاملين ولا يحكم لمعين منهم بجنة ولا نار وقد جاء في عدة أحاديث أنهم يوم القيامة في عرصات القيامة يؤمرون وينهون فمن أطاع دخل الجنة ومن عصى دخل النار وهذا هو الذى ذكره أبو الحسن الإشعري عن أهل السنة والجماعة

والتكليف إنما ينقطع بدخول دار الجزاء وهي الجنة والنار وأما عرصات القيامة فيمتحنون فيها كما يمتحنون في البرزخ فيقال لأحدهم: من ربك؟ وما دين:؟ ومن نبيك؟ وقال تعالى: { يوم يكشف عن ساق ويدعون إلى السجود فلا يستطيعون * خاشعة أبصارهم ترهقهم ذلة وقد كانوا يدعون إلى السجود وهم سالمون } وقد ثبت في الصحيح من غير وجه عن النبي ﷺ أنه قال: [ يتجلى الله لعباده في الموقف إذا قيل: ليتبع كل قوم ما كانوا يعبدون فيتبع المشركون آلهتهم وتبقى المؤمنون فيتجلى لهم الرب الحق في غير الصورة التي كانوا يعرفون فينكرونه ثم يتجلى لهم في الصورة التي يعرفون فيسجد له المؤمنون وتبقى ظهر المنافقين كقرون البقر فيريدون أن يسجدوا فلا يستطيعون وذلك قوله: { يوم يكشف عن ساق } الآية ] والكلام على هذه الأمور مبسوط في غير هذا الموضوع

والمقصود ههنا أن الله لا يعذب أحدا في الآخرة بذنبه وأنه لا تزر وازرة وزر أخرى ن وقوله [ إن الميت يعذب ببكاء أهله عليه ] ليس فيه أن النائحة لا تعاقب بل النائحة تعاقب على النياحة كما في الحديث الصحيح: [ أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران ] فلا يحمل عمل بنوح وزره أحد

وأما تعذيب الميت: فهو لم يقل: إن الميت يعاقب ببكاء أهله عليه بل قال يعذب والعذاب أعم من العقاب فإن العب هو الألم وليس كل من تألم بسبب كان ذلك عقابا له على ذلك السبب فإن النبي ﷺ قال: [ السفر قطعة من العذاب يمنع أحدكم طعامه وشرابه ] فسمى السفر عذابا وليس هو عقابا على ذنب

والإنسان يعذب بالأمور المكروهة التي يشعر بها مثل الأصوات الهائلة والأرواح الخبيثة والصور القبيحة فهو يتعذب بسماع هذا وشم هذا ورؤية هذا ولم يكن ذلك عملا له عوقب عليه فكيف ينكر أن يعذب الميت بالنياحة وإن لم تكن النياحة عملا له يعاقب عليه؟

والإنسان في قبره يعذب بكلام بعض الناس ويتألم برؤية بعضهم وبسماع كلامه ولهذا أفتى القاضي أبو يعلى: بأن الموتى إنما عمل عندهم المعاصي فإنهم يتألمون بها كما جاءت بذلك الآثار فتعذيبهم بعمل المعاصي عند قبورهم كتعذيبهم بنياحة من ينوح عليهم ثم النياحة سبب العذاب

وقد يندفع حكم السبب بما يعارضه فقد يكون في الميت من قوة الكرامة ما يدفع عنه من العذاب كما يكون في بعض الناس من القوة ما يدفع ضرر الاصوات الهائلة والارواح والصور القبيحة

وأحاديث الوعيد يذكر فيها السبب وقد يتخلف موجبه لموانع تدفع ذلك إما بتوبة مقبولة وإما بحسنات ماحية وإما بمصائب مكفرة وإما بشفاعة شفيع مطاع وإما بفضل الله ورحمته ومغفرته فإنه ( لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء )

وما يحصل للمؤمن في الدنيا والبرزخ والقيامة من الألم التي هي عذاب فإن ذلك يكفر الله به خطاياه كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال [ ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب ولاهم ولا حزن ولا أذى حتى الشوكة يشاكها إلا كفر الله بها خطاياه ]

وفي المسند لما نزلت هذه الآية { من يعمل سوءا يجز به } قال أبو بكر يارسول الله جاءت قاصمة الظهر وأينا لم يعمل سوءا؟ فقال [ يا أبابكر ألست تحزن؟ ألست يصيبك الأذى؟ فإن الجنة طيبة لا يدخلها إلا طيب كما قال تعالى { طبتم فادخلوها خالدين } ] وفي الحديث الصحيح [ أنهم إذا عبروا على الصراط وقفوا على قنطرة بين الجنة والنار فيقتص لبعضهم من بعض فإذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة ] والكلام في هذه المسألة مبسوط في غر هذا الجواب والله أعلم بالصواب

وما ذكرنا في أن الموتى يسمعون الخطاب ويصل إليهم الثواب ويعذبون بالنياحة بل وما لم يسأل عنه السائل من عقابهم في قبورهم وغير ذلك فقد يكشف لكثير من أبناء زماننا يقظة ومناما ويعملون ذلك ويتحققونه وعندنا في ذلك أمور كثير لكن الجواب في المسائل العلمية يعتمد فيه على ما جاء به الكتاب والسنة فإنه يجب على الخلق التصديق به وما كشف للإنسان من ذلك أو أخبره به من هو صادق عنده فهذا ينتفع به من علمه ويكون ذلك مما يزيده إيمانا وتصديقا بما جاءت به النصوص ولكن لا يجب على جميع الخلق الايمان بغير ما جاءت به الأنبياء فإن الله عز وجل أوجب التصديق بما جاءت به الأنبياء كما في قوله تعالى: { قولوا آمنا بالله } الآية وقال تعالى: { ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين } الآية وقد ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ أنه قال [ وقد كان في الأمم قبلكم محدثون فإن يكن في أمتي أحد فعمر ]

فالمحدث الملهم المكاشف من هذه الأمة يجب عليه أن يزن ذلك بالكتاب والسنة فإن وافق ذلك صدق ما ورد عليه وإن خالف لم يلتفت إليه كما كان يجب على عمر رضي الله عنه وهو سيد المحدثين إذا ألقي في قلبه شيء وكان مخالفا للسنة لم يقبل منه فإنه ليس معصوما وإنما العصمة للنبوة

ولهذا كان الصديق أفضل من عمر فإن الصديق لا يتلقى من قلبه بل منن مشكاة النبوة وهى معصومة والمحدث يتلقى تارة عن قلبه وتارة عن النبوة فما تلقاه عن النبوة فهو معصوم يجب اتباعه وما ألهم في قلبيه: فإن وافق ما جاءت به النبوة فهو حق وإن خالف ذلك فهو باطل

فلهذا لا يعتمد أهل العلم والإيمان في مثل مسائل العلم والدين إلا على نصوص الكتاب والسنة وإجماع الأمة وإن كان عندهم في بعض ذلك شواهد وبينات مما شاهدوه ووجدوه ومما عقلوه وعملوه وذلك ينتفعون به هم في أنفسهم وأما حجة الله تعالى على عباده فهم رسله وإلا فهذه المسائل فيها من الدلائل والاعتبارات العقلية والشواهد الحسية الكشفية ما ينتفع به من وجد ذلك وقياس بيني آدم وكشفهم تابع لما جاءت به الرسل عن الله تعالى فالحق في ذلك موافق لما جاءت به الرسل عن الله تعالى لا مخالف له ومع كونه حقا فلا يفصل الخلاف بين الناس ولا يجب على من لم يحصل له ذلك التصديق به كما يجب التصديق بما عرف أنه معصوم وهو كلام الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم

ولكن من حصل له في مثل هذه الأمور بصيرة أو قياس أو برهان كان ذلك نورا على نور قال بعض السلف: بصيرة المؤمن تنطق بالحكمة وإن لم يسمع فيها بأثر فإذا جاء الاثر كان نورا على نور { ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور } قال تعالى { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }

394 - 34 سئل: هل يتكلم الميت في قبره؟ أم لا؟

الجواب: يتكلم وقد يسمع أيضا من كلمه كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ إنهم يسمعون قرع نعالهم ] وثبت عنه في الصحيح [ أن الميت يسأل في قبره: فيقال له: من ربك؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله المؤمن بالقول الثابت فيقول: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي ويقال له: ما تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: المؤمن هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به واتبعناه ] وهذا تأويل قوله تعالى { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } وقد صح عن النبي ﷺ أنها نزلت في عذاب القبر

وكذلك يتكلم المنافق فيقول: آه أه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضر بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شيء إلا الإنسان

وثبت عنه في الصحيح أنه قال [ لولا أن لا تدفنوا لسألت الله أن يسمعكم من عذاب القبر مثل الذي أسمع ] وثبت عنه في الصحيح أنه نادى المشركين يوم بدر لما ألقاهم في القليب وقال [ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ] والآثار في هذا كثيرة منتشرة والله أعلم

395 - 35 سئل: عن بكاء الأم والأخوة على الميت: هل فيه بأس على الميت؟

اجاب: أما دمع العين وحزن القلب فلا إثم فيه لكن الندب والنياحة منهي عنه وأى صدقة تصدق بها عن الميت نفعه ذلك

396 - 36 سئل: عما يتعلق بالتعزية؟

الجواب: التعزية مستحبة ففي الترمذى عن النبي ﷺ أنه قال [ من عزى مصابا فله مثل أجره ]

وأما قول القائل: ما نقص من عمره زاد في عمرك فغير مستحب بل المستحب أن يدعي له بما ينفع مثل أن يقول: أعظم الله أجرك وأحسن عزائك وغفر لميتك

وأما نقص العمر وزيادته فمن الناس من يقول: أنه لا يجوز بحال ويحمل ما ورد على زيادة البركة والصواب أنه يحصل نقص وزيادة عما كتب في صحف الملائكة وأما علم الله القديم فلا يتغير

واما اللوح المحفوظ: فهل يغير ما فيه؟ على قولين وعلى هذا يتفق ما ورد في هذا الباب من النصوص

وأما صنعة الطعام لأهل الميت فمستحبة كما قال النبي ﷺ [ اصنعوا لآل جعفر طعاما فقد أتاهم ما يشغلهم ] لكن إنما يطيب إذا كان بطيب نفس المهدي وكان على سبيل المعاوضة مثل أن يكون مكافأة عن معروف مثله فإن علم الرجل أنه ليس بمباح لم يأكل منه وإن اشتبه أمره فلا بأس بتناول اليسير منه إذا كان فيه مصلحة راجحة مثل تأليف القلوب ونحو ذلك والله أعلم

397 - 37 سئل: عمن يقرأ القرآن وينوح على القبر ويذكر شيئا لا يليق والنساء مكشفات الوجوه والرجال حولهم؟

الجواب: الحمد لله النياحة محرمة على الرجال والنساء عند الأئمة المعروفين

وقد ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ [ أن النائحة إذا لم تتب قبل موتها فإنها تلبس يوم القيامة درعا من جرب وسربالا من قطران ] وفي السنن عنه [ أنه لعن النائحة والمستمعة ] وفي الصحيح عنه قال [ ليس منا من لطم الخدود وشق الجيوب ودعا بدعوى الجاهلية ]

وكشف النساء وجوههن بحيث يراهن الأجانب غير جائز وعلى ولي الأمر بالمعروف والنهي عن هذا المنكر وغيره ومن لم يرتدع فإنه يعاقب على ذلك بما يزجره لا سيما النواح للنساء عند القبور فإن ذلك من المعاصي التي يكرهها الله ورسوله من الجزع والندب والنياحة وإيذاء الميت وفتنة الحي وأكل أموال الناس بالباطل وترك ما أمر الله به ورسوله من الصبر والاحتساب وفعل أسباب الفواحش وفتح بابها وما يجب على المسلمين أن ينهوا عنه والله أعلم وصلى الله على محمد وآله وصحبه وسلم

398 - 38 مسألة: ما معنى قول النبي ﷺ [ لا تجعلوا بيوتكم قبورا ] وهل يتكلم الميت في قبره أم لا؟

الجواب: وأما لفظ الحديث [ اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورا ] يعني: أن القبور موضع الموتى فإذا لم تصلوا في بيوتكم ولم تذكروا الله فيها كنتم كالميت وكانت كالقبور فإن في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال [ مثل الذي يذكر ربه والذي لا يذكر ربه كمثل الحي والميت ] وفي لفظ: مثل البيت الذي يذكر الله فيه والذي لا يذكر الله فيه مثل الحي والميت

وأما سؤال السائل: هل يتكلم الميت في قبره؟ فجوابه: أنه يتكلم وقد يسمع أيضا من كلمه كما ثبت في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال [ إنهم يسمعون قرع نعالهم ] وثبت عنه في الصحيح [ أن الميت يسأل في قبره فيقال له من ربك؟ وما دين:؟ ومن نبيك؟ فيثبت الله المؤمنين بالقول الثابت فيقول: الله ربي والإسلام ديني ومحمد نبيي ويقال له ماتقول في هذا الرجل الذى بعث فيكم؟ فيقول المؤمن: هو عبد الله ورسوله جاءنا بالبينات والهدى فآمنا به وأتبعناه ]

وهذا تأويل قوله تعالى: { يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة } وقد صح عن النبي ﷺ [ أنها نلت في عذاب القبر ] وكذلك يتكلم المنافق فيقول آه أه لا أدري سمعت الناس يقولون شيئا فقلته فيضرب بمرزبة من حديد فيصيح صيحة يسمعها كل شىء إلا الإنسان

وثبت عنه في الصحيح أنه قال: [ لولا أن لا تدفنوا لسألت الله أن يسمعكم عذاب القبر مثل الذي أسمع ] وثبت عنه في الصحيح انه نادى المشركين يوم بدر لما ألقاهم في القليب قال [ ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ] والآثار في هذا كثيرة منتشرة والله أعلم

الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16