الفتاوى الكبرى/كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة/1

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة

قال شيخنا الإمام العالم العلامة شيخ الإسلام أبو العباس أحمد بن تيمية رحمه الله تعالى: الحمد لله نستعينه ونستغفره ونعوذ بالله عمن شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له وممن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ

أما بعد: فإنه في آخر شهر رمضان سنة ست وعشرين وسبعمائة جاء أميران رسولان من عند الملأ المجتمعين من الأمراء والقضاة ومن معهم وذكرا رسالة من عند الأمراء مضمونها طلب الحضور ومخاطبة القضاة لتخرج وتنفصل القضية وأن المطلوب خروجك وأن يكون الكلام مختصرا ونحو ذلك فقلت سلم على الأمراء وقل لهم لكم سنة وقبل السنة مدة أخرى تسمعون كلام الخصوم الليل وإلى الساعة لم تسمعوا مني كلمة واحدة وهذا من أعظم الظلم فلو كان الخصم يهوديا أو نصرانيا أو عدوا آخر للإسلام ولدولتكم لما جاز أن تحكموا عليه حتى تسمعوا كلامه وأنتم قد سمعتم كلام الخصوم وحدهم في مجالس كثيرة فاسمعوا كلامي وحدي في مجلس واحد وبعد ذلك نجتمع ونتخاطب بحضوركم فإن هذا من أقل العدل الذي أمر الله به في قوله: { إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل إن الله نعما يعظكم به إن الله كان سميعا بصيرا } فطلب الرسولان أن أكتب ذلك في ورقة فكتبته فذهبا ثم عادا وقالا: المطلوب حضورك لتخاطبك القضاة بكلمتين وتنفصل

وكان في أوائل النصف من الشهر المذكور جاءنا هذان الرسولان بورقة كتبها لهم المحكم من القضاة وهي طويلة طلبت منهم نسخا فلم … من أنه على العرش حقيق… ولا تشبيه

قلت: في خطي وخاطبني بخطاب فيه طول قد ذكر في غير هذا الموضع فندموا على كتابة تلك الورقة وكتبوا هذه فقلت: أنا لا أحضر إلى من يحكم في بحكم الجاهلية وبغير ما أنزل الله ويفعل بي ما لا تستحله اليهود ولا النصارى كما فعلتم في المجلس الأول وقلت للرسول: قد كان ذلك بحضوركم أتريدون أن تمكروا بى كما مكروا في العام الماضي هذا لا أجيب إليه ولكن من زعم أني قلت قولا باطلا فليكتب خطه بما أنكره من كلامي ويذكر حجته وأنا أكتب جوابي مع كلامه ويعرض كلامي وكلامه على علماء الشرق والغرب فقد قلت هذا بالشام وأنا قائله هنا وهذه عقيدتي التي بحثت بالشام بحضرة قضاتها ومشايخها وعلمائها وقد أرسل إليكم نائبكم النسخة التي قرئت وأخبركم بصورة ما جرى وإن كان قد وقع من التقصير في حقي والعدوان والإغضاء عن الخصوم ما قد علمه الله والمسلمون فانظروا النسخة التي عندكم وكان قد حضر عندي نسخة أخرى بها فقلت: خذ هذه النسخة فهذا اعتقادي فمن أنكر منه شيئا فليكتب ما ينكره وحجته لأكتب جوابي فأخذا العقيدة وذهبا ثم عادا ومعهما ورقة لم يذكر فيها شيء من الاعتراض على كلامي بل قد أنشأوا فيها كلاما طلبوه وذكر الرسول أنهم كتبوا ورقة ثم قطعوها ثم كتبوا هذه

ولفظها: الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز وأن لا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته وأنه سبحانه لايشار إليه بالأصابع إشارة حسية ويطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها

فلما أراني الورقة كتبت جوابها فيها مرتجلا مع استعجال الرسول

أما قول القائل: الذي نطلب منه أن يعتقده أن ينفي الجهة عن الله والتحيز فليس في كلامي إثبات لهذا اللفظ لأن إطلاق هذا اللفظ نفيا وإثباتا بدعة وأنا لا أقول إلا ما جاء به الكتاب والسنة واتفق عليه سلف الأمة فإن أراد قائلي هذا القول أنه ليس فوق السموات رب ولا فوق العرش إله وأن محمدا ﷺ لم يعرج به إلى ربه وما فوق العالم إلا العدم المحض فهذا باطل مخالف لإجماع الأمة وأئمتها وإن أراد بذلك أن الله لا تحيط به مخلوقاته ولا يكون في جوف الموجودات فهذا مذكور فهذا في كلامي فأي فائدة في تجديده؟

وأما قول القائل: لا يقول أن كلام الله حرف وصوت قائم به بل هو معنى قائم بذاته فليس في كلامي هذا أيضا ولا قلته قط بل قول القائل: إن القرآن حرف والصوت قائم به بدعة وقوله: إنه معنى قائم بذاته بدعة لم يقله أحد من السلف لا هذا ولا هذا وأنا ليس في كلامي شيء من البدع بل في كلامي ما أجمع عليه السلف أن القرآن كلام الله غير مخلوق

أما قول القائل: إنه لا يشار إليه بالأصابع إشارة حسية فليس هذا اللفظ في كلامي بل في كلامي إنكار ما ابتدعه المبتدعون من الألفاظ النافية مثل قولهم: إنه لا يشار إليه فإن هذا النفي أيضا بدعة فإن أراد القائل أنه لا يشار إليه أنه محصورا في المخلوقات أو غير ذلك من المعاني الصحيحة فهذا حق

وإن أراد أن من دعى الله لا يرفع إليه يديه فهذا خلاف ما تواترت به السنن عن النبي ﷺ وما فطر الله عليه عباده من رفع الأيدي إلى الله في الدعاء وقد قال النبي ﷺ: [ إن الله حي كريم يستحي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما إليه صفرا ] وإذا سمى المسمي ذلك إشارة حسية وقال: إنه لا يجوز لم يقبل منه

وأما قول القائل: أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العامة فما فاتحت عاميا في شيء من ذلك قط

وأما الجواب بما بعث الله به رسوله المسترشد المستهدى فقد قال النبي ﷺ: [ من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله بلجام من نار ] وقد قال تعالى: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى } الآية فلا يؤمر العالم بما يوجب لعنة الله عليه فأخذا الجواب وذهبا فأطالا الغيبة ثم رجعا ولم يأتيا بكلام محصل إلا طلب الحضور فأغلظت لهم في الجواب وقلت لهم بصوت رفيع: يا مبدلين يا مرتدين عن الشريعة يا زنادقة وكلاما آخر كثيرا ثم قمت وطلبت فتح الباب والعود إلى مكاني

وقد كتبت هنا بعض ما يتعلق بهذه المحنة التي طلبوها مني في هذا اليوم وبينت بعض ما فيها من تبديل الدين واتباع غير سبيل المؤمنين لما في ذلك من المنفعة للمسلمين وذلك من وجوه كثيرة نكتب منها ما يسره الله تعالى:

الوجه الأول: إن هذا الكلام أمر فيه بهذا المبتدع الذي لم يؤثر عن الله ولا عن أحد من سلف الأمة وأئمتها بل هو من ابتداع بعض المتكلمين الجهمية الذي وصف ربه فيه بما وصفه ونهى فيه عن كلام الله وكلام رسوله الذي وصف به نفسه ووصفه به رسوله أن يفتي به أو يكتب به أويبلغه لعموم الأمة وهذا نهي عن القرآن والشريعة والسنة والمعروف والهدى والرشاد وطاعة الله ورسوله وعن ما تنزلت به الملائكة من عند الله على أنبيائه وأمر بالنفاق والحديث المفترى من دون الله والبدعة والمنكر والضلال والغي وطاعة أولياء من دون الله واتباع لما تنزلت به الشياطين وهذا من أعظم تبديل دين الرحمن بدين الشيطان واتخاذ أنداد من دون الله قال الله تعالى: { والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر } وقال تعالى: { المنافقون والمنافقات بعضهم من بعض } الآية

وهذا الكلام نهى فيه عن سبيل المؤمنين وأمر بسبيل المنافقين وقال تعالى: { ولما جاءهم رسول من عند الله مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب الله وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون } - إلى قوله: - { ولكن الشياطين كفروا } فذم سبحانه منكان من أهل الكتاب نبذ كتاب الله وراء ظهره واتبع ما تقوله الشياطين ومن أمر بهذا الكلام فقد مر بنبذ كتاب الله وراء الظهرحيث أمر بترك التعرض لما وصف الله به نفسه وصفه به رسوله وذلك آيات الصفات وأحاديث الصفات فأمر بأن لا يفتي بها ولايكتب بها ولا تبلغ لعموم الأمة وهذا من أعظم الإعراض عنها والنبذ لها وراء الظهر وأمرمع ذلك باعتقاد هذه الكلمات المتضمنة لمخالفة ما جاءت به الرسل كما سنبينه إن شاء الله تعالى وقد قال تعالى: { وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا شياطين الإنس والجن } { وإن الشياطين ليوحون إلى أوليائهم ليجادلوكم } فبين سبحانه وتعالى أن للأنبياء عدوا من شياطين الإنس والجن يعلم بعضهم بعضا بالقول المزخرف غرورا وأخبر أن الشياطين توحي إلىأوليائها بمجادلة المؤمنين فالكلام الذي يخالف ما جاءت به الرسل هو من وحي الشياطين وتلاوتهم فمن أعرض عن كتاب الله واتباعه فقد نبذ كتاب الله وراء ظهره واتبع ما تتلوه شياطين الإنس والجن

الوجه الثاني: إن قول القائل: نطلب منه أن لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها يتضمن إبطال أعظم أصول الدين ودعائم التوحيد فإن من أعظم آيات الصفات آية الكرسي التي هي أعظم آية في القرآن كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح وقل هو الله أحد التي هي تعدل ثلث القرآن كما استفاضت بذلك الأحاديث عن النبي ﷺ وكذلك فاتحة الكتاب التي لم ينزل في التوراة ولا في الإنجيل ولا في الزبور ولافي الفرقان مثلها كما ثبت ذلك في الصحيح أيضا: وهي أم القرآن التي لاتجزئ الصلاة إلابها فإن قوله: { الحمد لله رب العالمين * الرحمن الرحيم * مالك يوم الدين } كل ذلك من آيات الصفات باتفاق المسلمين وقل هو الله أحد قد ثبت في الصحيحينعن عائشة أن رسول الله ﷺ بعث رجلا على سرية وكان يقرأ لأصحابه في صلاتهم فيختم بقل هو الله أحد فلما رجعوا ذكروا ذلك لرسول الله ﷺ - فقال: سلوه لأي شيء يصنع ذلك فسألوه فقال: لأنها صفة الرحمن فأنا أحب أن أقرأ بها فقال رسول الله ﷺ: أخبروه أن الله يحبه

وهذا يقتضي أن ما كان صفة لله من الآيات فإنه يستحب قراءته والله يحب ذلك ويحب من يحب ذلك ولا خلاف بين المسلمين في استحباب قراءة آيات في الصفات للصلاة الجهرية التي لم يسمعها العامي وغيره بل بسم الله الرحمن الرحيم من آيات الصفات وكذلك أول سورة الحديد إلى قوله: { والله بما تعملون بصير } هي من آيات الصفات

وكذلك آخر سورة الحشر هي من أعظم آيات الصفات بل جميع أسماء الله الحسنى هي مما وصف به نفسه كقوله: الغفور الرحيم العزيز الحكيم العليم القدير العلي العظيم الكبير المتعال العزيز القوي الرزاق ذو القوة المتين الغفور الودود ذو العرش المجيد فعال لما يريد وما أخبر الله بعلمه وقدرته ومشيئته ورحمته وعفوه ومغفرته ورضاه وسخطه ومحبته وبغضه وسمعه وبصره وعلوه وكبريائه وعظمته وغير ذلك من آيات الصفات فهل يأمر من آمن بالله ورسوله بأن يعرض عن هذا كله وأن لا يبلغ المؤمنين من أمة محمد ﷺ هذه الآيات ونحوها من الأحاديث وأن لا يكتب بكلام الله وكلام رسوله الذي هو آيات الصفات وأحاديثها إلى البلاد ولا يفتي في ذلك ولاية

وقد قال الله تعالى: { هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة } وأسوأ أحوال العامة أن يكونوا أميين فهل يجوز أن ينهى أن يتلى على الأميين آيات الله أو عن أن يعلم الكتاب والحكمة ومعلوم أن جميع من أرسل إليه الرسول من العرب كانوا قبل معرفة الرسالة أجهل من عامة المؤمنين اليوم فهل كان النبي ﷺ ممنوعا من تلاوة ذلك عليهم وتعليمهم إياه أومأمورا به أوليس هذا من أعظم الصد عن سبيل الله؟

وقد قال الله تعالى: { قل يا أهل الكتاب لم تصدون عن سبيل الله من آمن } الآية وقال: { فبظلم من الذين هادوا حرمنا عليهم طيبات أحلت لهم وبصدهم عن سبيل الله كثيرا } أو ليس هذا نوعا من الأمر بهجر القرآن والحديث وترك استماعه وقد قال تعالى: { وقال الرسول يا رب إن قومي اتخذوا هذا القرآن مهجورا * وكذلك جعلنا لكل نبي عدوا من المجرمين } الآية وقال تعالى: { وقال الذين كفروا لا تسمعوا لهذا القرآن والغوا فيه لعلكم تغلبون } وقال تعالى: { والذين إذا ذكروا بآيات ربهم لم يخروا عليها صما وعميانا } وقال تعالى: { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا لعلكم ترحمون } فهلا قال فاستمعوا له لا لأعظم ما فيه وهو ما وصفت به نفسي فلا تستمعوه أو لا تسمعوه لعامتكم وقال تعالى: { إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيمانا } وقال تعالى: { الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه أولئك الذين هداهم الله وأولئك هم أولو الألباب } وقال تعالى: { وإذا سمعوا ما أنزل إلى الرسول ترى أعينهم تفيض من الدمع مما عرفوا من الحق } الآية وقال تعالى: { الله نزل أحسن الحديث كتابا متشابها مثاني تقشعر منه جلود الذين يخشون ربهم ثم تلين جلودهم وقلوبهم إلى ذكر الله } الآية وقال تعالى: { ومن أظلم ممن ذكر بآيات ربه فأعرض عنها ونسي ما قدمت يداه إنا جعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } وقال تعالى: { وقرآنا فرقناه لتقرأه على الناس على مكث } إلى قوله: { ويخرون للأذقان يبكون ويزيدهم خشوعا }

الوجه الثالث: إن أعظم ما يحذره المنازع من آيات الصفات ما يزعم أن ظاهرها كفر وتجسيم كقوله تعالى: { وما قدروا الله حق قدره والأرض جميعا قبضته يوم القيامة والسموات مطويات بيمينه سبحانه وتعالى عما يشركون } وقوله تعالى: { وقالت اليهود يد الله مغلولة غلت أيديهم ولعنوا بما قالوا بل يداه مبسوطتان } وقوله تعالى: { ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي أستكبرت أم كنت من العالين } وقوله تعالى: { كل من عليها فان * ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام } وقال تعالى: { وألقيت عليك محبة مني ولتصنع على عيني } وقال تعالى: { وناديناه من جانب الطور الأيمن وقربناه نجيا } { وناداهما ربهما ألم أنهكما عن تلكما الشجرة } الآية فهل سمع أن أحدا ممن يؤمن بالله ورسوله منع أن يقرأ هذه وتتلى على العامة وهل ذلك إلا بمنزلة من منع من سائر الآيات التي يزعم أن ظاهرها كفر وتجسيم وخبر يخالف رأيه كقوله: { إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين } وقوله: { ربنا وسعت كل شيء رحمة وعلما } وقوله: { لكن الله يشهد بما أنزل إليك أنزله بعلمه } وقوله: { ولا يحيطون بشيء من علمه إلا بما شاء } وقوله تعالى: { فعال لما يريد } وقوله: { ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها } وقوله: { من يضلل الله فلا هادي له ويذرهم في طغيانهم يعمهون } وقوله: { فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقا حرجا } وكذلك آيات الوعد والوعيد وأحاديث الوعد والوعيد هل يترك تبليغهما لمخالفتها له أو الوعيدية أو المرجئة وآيات التنزيه والتقديس كقوله: { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } وقوله: { هل تعلم له سميا } وقوله: { فكبكبوا فيها هم والغاوون } إلى قوله: { إذ نسويكم برب العالمين } وقوله: { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } وقوله: { فلا تجعلوا لله أندادا } ونحو ذلك هل يترك تلاوتها وتبليغها لمخالفتهما لرأي أهل التشبيه والتمثيل؟

الوجه الرابع: إن كتب الصحاح والسنن والمسانيد هي المشتملة على أحاديث الصفات بل قد بوب فيها أبواب مثل كتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية الذي هو آخر كتاب صحيح البخاري ومثل كتاب الرد على الجهمية في سنن أبي داود وكتاب النعوت في سنن النسائي فإن هذه مفردة لجمع أحاديث الصفات وكذلك قد تضمن كتاب السنة من سنن ابن ماجه ما تضمنه

وكذلك تضمن صحيح مسلم وجامع الترمذي وموطأ مالك ومسند الشافعي ومسند أحمد بن حنبل ومسند موسى بن قرة الزبيدي ومسند أبي داود الطيالسي ومسند ابن وهب ومسند أحمد بن منيع ومسند مسدد ومسند إسحاق بن راهويه ومسند محمد بن أبي عمر العدني ومسند أبي بكر بن أبي شيبة ومسند بقي بن مخلد ومسند الحميدي ومسند الدارمي ومسند عبد بن حميد ومسند أبي يعلى الموصلي ومسند الحسن بن سفيان ومسند أبي بكر البزار ومعجم البغوي والطبراني وصحيح أبي حاتم بن حبان وصحيح الحاكم وصحيح الاسماعيلي والبرقاني وأبي نعيم والجوزقي وغير ذلك من المصنفات الأمهات التي لايحصيها إلا الله: دع ما قبل ذلك من مصنفات حماد بن سلمة وعبد الله بن المبارك وجامع الثوري وجامع ابن عيينة ومصنفات وكيع وهشيم وعبد الرزاق وما لايحصيه إلا الله فهل امتنع الأئمة من قراءة هذه الأحاديث على عامة المؤمنين أومنعوا من ذلك أم ما زالت هذه الكتب يحضر قراءتها ألوف مؤلفة من عوام المؤمنين قديما وحديثا وأيضا فهذه الأحاديث لما حدث بها الصحابة والتابعون ومن اتبعهم من الخالفين هل كانوا يخفونها عن عموم المؤمنين ويتكاتمونها ويوصون بكتمانها أم كانوا يحدثون بها كما كانوا يحدثون بسائر سنن رسول الله ﷺ وإن نقل عن بعضهم أنه امتنع من رواية بعضها في بعض الأوقات فهذا كما قد كان هذا يمتنع عن رواية بعض أحاديث في الفقه والأحكام وبعض أحاديث القدر والأسماء والأحكام والوعيد وغير ذلك في بعض الأوقات ليس ذلك عنده مخصوصا بهذا الباب وهذا كان يفعله بعضهم ويخالفه فيه غيره وذلك لأنه قد يرى أن روايتها تضر بعض الناس في بعض الأوقات ويرى الآخر أن ذلك لا يضر بل ينفع فكان هذا مما قد يتنازعون فيه في بعض الأوقات فأما المنع من تبليغ عموم أحاديث الصفات لعموم الأمة فهذا ما ذهب إليه من يؤمن بالله واليوم الآخر

وإنما هذا ونحوه رأي الخارجين المارقين من شريعة الإسلام كالرافضة والجهمية والحرورية ونحوهم وهو عادة أهل الأهواء ثم الأحاديث التي يتنازغ العلماء في روايتها أو العمل بها ليس لأحد المتنازعين أن يكره الآخر على قوله بغير حجة من الكتاب والسنة باتفاق المسلمين لأن الله تعالى يقول: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا }

الوجه الخامس: إنه إذا قدر في ذلك نزاع فقد قال الله تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } فأمر الله الأمة عند التنازع بالرد إليه وإلى رسوله ووصف المعرضين عن ذلك بالنفاق والكفر فقال تعالى: { ألم تر إلى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما أنزل إليك وما أنزل من قبلك يريدون أن يتحاكموا إلى الطاغوت وقد أمروا أن يكفروا به ويريد الشيطان أن يضلهم ضلالا بعيدا * وإذا قيل لهم تعالوا إلى ما أنزل الله وإلى الرسول رأيت المنافقين يصدون عنك صدودا * فكيف إذا أصابتهم مصيبة بما قدمت أيديهم ثم جاؤوك يحلفون بالله إن أردنا إلا إحسانا وتوفيقا } إلى قوله: { بليغا } فوصف سبحانه من دعى إلى الكتاب والسنة فأعرض عن ذلك بالنفاق وإن زعم أنه يريد التوفيق بذلك بين الدلائل العقلية والنقلية أو نحو ذلك وأنه يريد إحسان العلم أو العمل وقال تعالى: { وإذا قيل لهم اتبعوا ما أنزل الله قالوا بل نتبع ما ألفينا عليه آباءنا } الآية وقال تعالى: { يوم تقلب وجوههم في النار } إلى قوله: { والعنهم لعنا كبيرا }

الوجه السادس: إن الله تعالى يقول في كتابه: { إن الذين يكتمون ما أنزلنا من البينات والهدى من بعد ما بيناه للناس في الكتاب } الآية ويقول في كتابه: { إن الذين يكتمون ما أنزل الله من الكتاب ويشترون به ثمنا قليلا أولئك ما يأكلون في بطونهم إلا النار ولا يكلمهم الله يوم القيامة ولا يزكيهم ولهم عذاب أليم } وقال تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس } الآية فمن أمر بكتم ما وصف الله به نفسه ووصفه به رسوله فقد كتم ما أنزل الله من البينات والهدى من بعد ما بينه للناس في الكتاب وهذا مما ذم الله به علماء اليهود وهو من صفات الزائغين من المنتسبين إلى العلم من هذه الأمة وقال النبي ﷺ: [ من سئل عن علم يعلمه فكتمه ألجمه الله يوم القيامة بلجام من نار ] وقد قال تعالى: { ومن أظلم ممن كتم شهادة عنده من الله }

الوجه السابع: إن كل من أمر بكتمان ما بعث الله به رسوله من القرآن والحديث كالآيات والأحاديث التي وصف الله بها نفسه ووصفه بها رسوله وأمر مع ذلك بوصف الله بصفات أحدثها المبتدعون تحتمل الحق والباطل أو تجمع حقا وباطلا وزعم أن ذلك هو الحق الذي يجب اعتقاده هو أصل الدين وهو الإيمان الذي أمر الله به رسوله فهذا مضاهاة لما ذم الله به من حال أهل الكتاب حيث قال: { فبدل الذين ظلموا قولا غير الذي قيل لهم } وقال: { أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون } إلى قوله: { مما يكسبون }

فإن هؤلاء كتبوا هذه المقالات التي ابتدعوها وقالوا للعامة هذ أمر الله الذي أمركم به وهذا كذب وافتراء على الله فإذا جمعوا إلى ذلك كتمان ما أنزل الله من الكتاب والحكمة فقد ضاهوا أهل الكتاب في لبس الحق بالباطل وكتمان الحق قال تعالى: { يا بني إسرائيل اذكروا نعمتي التي أنعمت عليكم } إلى قوله: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون } وقال تعالى: { وإن منهم لفريقا يلوون ألسنتهم بالكتاب لتحسبوه من الكتاب وما هو من الكتاب ويقولون هو من عند الله وما هو من عند الله ويقولون على الله الكذب وهم يعلمون }

الوجه الثامن: إن هذا خلاف إجماع سلف الأمة وأئمتها فإنهم اجمعوا في هذا الباب وفي غيره على وجوب اتباع الكتاب والسنة وذم ما أحدثه أهل الكلام من الجهمية ونحوهم مثل ما رواه أبو القاسم اللالكائي في أصول السنة عن محمد بن الحسن صاحب أبي حنيفة قال: اتفق الفقهاء كلهم من المشرق إلى المغرب على الإيمان بالقرآن والأحاديت التي جاءت بها الثقات عن رسول الله ﷺ في صفة الرب عز وجل من غير تفسير ولا وصف ولاتشبيه فمن فسر اليوم شيئا من ذلك فقد خرج مما كان عليه النبي ﷺ - وفارق الجماعة فإنهم لم يصفوا ولم يفسروا ولكن أفتوا بما في الكتاب والسنة ثم سكتوا فمن قال بقول جهم فقد فارق الجماعة لأنه قد وصفه بصفة لاشيء

الوجه التاسع: فقد ذكر محمد بن الحسن الاجماع على وجوب الافتاء في باب الصفات بما في الكتاب والسنة دون قول جهم المتضمن للنفي فمن قال لا يتعرض لأحاديث الصفات وآياتها عند العوام ولايكتب بها إلىالبلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بل يعتقد ما ذكره من النفي فقد خالف هذا الاجماع ومن أقل ما قيل فيهم قول الشافعي - رضي الله عنه - حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال وأن يطاف بهم في القبائل والعشائر ويقال هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام

الوجه العاشر: إن قول القائل: لا يتعرض لأحاديث الصفات آياتها عند العوام ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها

إما أن يريد بذلك أنه لا تتلى هذه الآيات وهذه الأحاديث عند عوام المؤمنين فهذا مما يعلم بطلانه بالاضطرار من دين المسلمين بل هذا القول إن أخذ على إطلاقه فهو كفر صريح فإن الأمة مجمعة على ما علموه بالاضطرار من تلاوة هذه الآيات في الصلوات فرضها ونفلها واستماع جميع المؤمنين لذلك وكذلك تلاوتها وإقرائها واستماعها خارج الصلاة هو من الدين الذي لا نزاع فيه بين المسلمين وكذلك تبليغ الأحاديث في الجملة هو مما اتفق عليه المسلمون وهو معلوم بالاضطرار من دين المسلمين إذ ما من طائفة من السلف والخلف إلا ولا بد أن تروي عن النبي ﷺ شيئا من صفات الاثبات أو النفي فإن الله يوصف بالاثبات وهو إثبات محامده بالثناء عليه وتمجيده ويوصف بالنفي وهو نفي العيوب والنقائص عنه سبحانه وتعالى عما يقولون علوا كبيرا

وأما أن يريد أنه لا يقال حكمها كذا وكذا إما إقرار وتأويل أو غير ذلك فإن أراد هذا فينبغي لقائل ذلك أن يلتزم ما الزم به غيره فلا ينطق في حكم هذه الآيات والأحاديث بشيء ولا يقول الظاهر مراد أو غير مراد ولا التأويل سائغ ولا هذه النصوص لها معان أخر ونحو ذلك إذ هذا تعرض لآيات الصفات وأحاديثها على هذا التقدير وإذا التزم هو ذلك وقال لغيره التزم ما لتزمته ولا تزد عليها ولا تنقص منها فإن خذا عدل بخلاف ما إذا نهى غيره عن الكلام عليها مع تكلمه هو عليها كما هو الواقع وكذلك قوله: ولا يكتب بها إلى البلاد ولا في الفتاوى المتعلقة بها إن أراد أنها أنفسها لا تكتب ولا يفتى بها فهذا مما يعلم فساده بالاضطرار من دين الإسلام كما تقدم وإن أراد لا يكتب بحكمها ولا يفتي المستفتي عن حكمها فيقال له: فعليك أيضا أن تلتزم ذلك ولا تفتي أحدا فيها بشيء من الأمور النافية وحينئذ يكون أمرك لغيرك بمثل ما فعلته عدلا أما أن يجيء الرجل إلى هذه النصوص فيتصرف فيها بأنواع التحريفات والتأويلات جملة أو تفصيلا ويقول لأهل العلم والإيمان أنتم لاتعارضون ولا تكلموا فيها فهذا من أعظم الجهل والظلم والإلحاد في أسماء الله وآياته

الوجه الحادي عشر: إن سلف الأمة وأئمتها ما زالوا يتكلمون ويفتون ويحدثون العامة والخاصة بما في الكتاب والسنة من الصفات وهذا في كتب التفسير والحديث والسنن أكثر من أن يحصيه إلا الله حتى أنه لما جمع الناس العلم وبوبوه في الكتب فصنف ابن جريج التفسير والسنن وصنف معمر أيضا وصنف مالك بن أنس وصنف حماد بن سلمة وهؤلاء من أقدم من صنف في العلم صنفوا هذا الباب فصنف حماد بن سلمة كتابه في الصفات كما صنف كتبه في سائر أبواب العلم

وقد قيل: إن مالكا إنما صنف الموطأ تبعا له وقال: جمعت هذا خوفا من الجهمية أن يضلوا الناس لما ابتدعت الجهمية النفي والتعطيل حتى أنه لما صنف الكتب الجامعة صنف العلماء فيها كما صنف نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري كتابه في الصفات والرد على الجهمية وصنف عبد الله بن محمد الجعفي شيخ البخاري كتابه في الصفات والرد على الجهمية وصنف عثمان بن سعيد الدارمي كتابه في الصفات والرد على الجهمية وكتابه في النقض على المريسي وصنف الإمام أحمد رسالته في إثبات الصفات والرد على الجهمية وأملى في أبواب ذلك حتى جمع كلامه أبو بكر الخلال في كتاب السنة وصنف عبد العزيز الكناني صاحب الشافعي كتابه في الرد على الجهمية وصنف كتب السنة في الصفات طوائف مثل عبد الله بن أحمد وحنبل بن إسحاق وأبي بكر الاثرم وخشيش بن أصرم شيخ أبي داود ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبي بكر بن أبي عاصم والحكم بن معبد الخزاعي لأبي بكر الخلال وأبي القاسم الطبراني وأبي الشيخ الأصبهاني وأبي أحمد العسال وأبي بكر الآجري وأبي الحسن الدارقطني كتاب الصفات وكتاب الرؤية وأبي عبد الله بن منده وأبي عبد الله بن بطة وأبي قاسم اللالكائي وأبي عمر الطلمنكي وغيرهم

وأيضا فقد جمع العلماء من أهل الحديث والفقه والكلام والتصوف هذه الايات والأحاديث وتكلموا في إثبات معانيها وتقرير صفات الله دلت عليها هذه النصوص لما ابتدعت الجهمية جحد ذلك والتكذيب له كما فعل عبد العزيز الكناني وأحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وكما فعل عثمان بن سعيد الدارمي ومحمد بن إسحاق بن خزيمة وأبو عبد الله بن حامد والقاضي أبو يعلى وكما فعل أبو محمدعبد الله بن سعيد بن كلاب وأبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري وأبوالحسن علي بن مهدي الطبري والقاضي أبو بكر الباقلاني

الوجه الثاني عشر: إن الله تعالى بعث رسوله بالهدى ودين الحق وأكمل له ولأمته الدين وأتم عليهم النعمة وترك أمته على البيضاء ليلها كنهارها وبين لهم جميع ما يحتاجون إليه وكان أعظم ما يحتاجون إليه تعريفهم ربهم بما يستحقه من أسمائه الحسنى وصفاته العليا وما يجب وما يجوز عليه ويثبت له ويحمد ويثني به عليه ويمجد به وما يمتنع عليه فينزه عنه ويقدس

ثم حدث بعد المائة الأولى الجهم بن صفوان وأتباعه الذين عطلوا حقيقة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وسلكوا مسلك إخوانهم المعطلة الجاحدين للصانع وصار أغلب ما يصفون به الرب هو الصفات السلبية العدمية ولا يقرون إلا بوجود مجمل ثم يقرنونه بسلب ينفي الوجود ومن أبلغ العلوم الضرورية إن الطريقة التي بعث الله بها أنبياءه ورسله وأنزل بها كتبه مشتملة على الاثبات المفصل والنفي المجمل كما يقرر في كتابه وعلمه وقدرته وسمعه وبصره ومشيئته ورحمته وغير ذلك ويقول في النفي: { ليس كمثله شيء } { هل تعلم له سميا } { لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } وعلى أهل العلم والإيمان اتباع المرسلين من الأولين والآخرين وأما طريقة هؤلاء فهي نفي مفصل ليس بكذا ولا كذا وإثبات مجمل يقولون: هو الوجود المطلق لا يوصف إلا بسلب أو إضافة أو مركب منهما ونحو ذلك وكل من علم ما جاءت به الرسل وما يقوله هؤلاء علم أن هؤلاء في غاية المشاقة والمحادة والمحاربة لله ورسله وانتدب هؤلاء في تقرير شبه عقلية ينفون بها الحق وتأولوا كتاب الله على غيرتأويله فحرفوا الكلم عن مواضعه وألحدوا في أسماء الله وآياته بحيث حملوها على مايعلم بالإضطرار أنه خلاف مراد الله ورسوله كما فعل إخوانهم القرامطة والباطنية وجحدوا الحقائق العقلية كما فعل إخوانهم السوفسطائية فجمعوا بين السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات فلهذا انتدب سلف الأمة وأئمتها وغيرهم للرد عليهم وتقرير ما اثبته الله ورسوله ورد تكذيبهم وتعطيلهم وذكروا دلائل الكتاب والسنة على بيان الحق ورد باطلهم ولما احتج أولئك بشبه عقلية بينوا أيضا لهم أن العقل يدل على فساد قولهم وصحة ما جاءت به الرسل كما قال تعالى: { ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق } وإن كان الأمر كذلك فمن نهى عن بيان ما بعث الله به رسوله من الإثبات وأمر بما أحدث من النفي الذي لا يؤثر عن الرسل كان قد أخذ من مشاقة الله ورسوله ومحادة الله ورسوله ومحاربة الله ورسوله بحسب ما سعى فيه من ذلك حيث أمر بترك ما بعث به الرسول وبإظهار ما يشتمل على مخالفته

الوجه الثالث عشر: إن الناس عليهم أن يجعلوا كلام الله ورسوله هو الأصل المتبع والإمام المقتدى به سواء علموا معناه أو لم يعلموه فيؤمنون بلفظ النصوص وإن لم يعرفوا حقيقة معناها وأما ما سوى كلام الله ورسوله فلا يجوز أن يجعل أصلا بحال ولا يجب التصديق بلفظ له حتى يفهم معناه فإن كان موافقا لما جاء به الرسول كان مقبولا وإن كان مخالفا كان مردودا وإن كان مجملا مشتملا على حق وباطل لم يجز إثباته أيضا ولا يجوز نفي جميع معانيه بل يجب المنعع من إطلاق نفيه وإثباته والتفصيل والاستفسار وهؤلاء جعلوا هذه الألفاظ المبتدعة المجملة أصلا أمروا بها وجعلوا ما جاء به الرسول من الآيات والأحاديث فرعا يعرض عنها ولا يتكلم بها ولا فيها فكيف يكون تبديل الدين إلا هكذا؟

الوجه الرابع عشر: ليس لأحد من الناس يلزم الناس ويوجب عليهم إلا ما أوجبه الله ورسوله ولا يحظر عليهم إلا ما حظره الله ورسوله فمن وجب ما لم يوجبه الله ورسوله وحرم ما لم يحرمه الله ورسوله فقد شرع من الدين ما لم يأذن به الله وهو مضاه لما ذمه الله في كتابه من حال المشركين وأهل الكتاب الذين اتخذوا دينا لم يأمرهم الله به وحرموا ما لم يحرمه الله عليهم وقد بين ذلك في سورة الأنعام والأعراف وبراءة وغيرهن من السور ولهذا كان من شعار أهل البدع أحداث قول أو فعل والزام الناس به وإكراههم عليه والموالاة عليه والمعاداة على تركه كما ابتدعت الخوارج رأيها وألزمت الناس به ووالت وعادت عليه وابتدعت الرافضة رأيها وألزمت الناس به ووالت وعادت عليه وابتدعت الجهمية رأيها وألزمت الناس به ووالت وعادت عليه لما كان لهم قوة في دولة الخلفاء الثلاثة الذين امتحن في زمنهم الأئمة لتوافقهم على رأي جهم الذي مبدؤه أن القرآن مخلوق وعاقبوا من لم يوافقهم على ذلك ومن المعلوم أن هذا من المنكرات المحرمة بالعلم الضروري من دين المسلمين فإن العقاب لا يجوز أن يكون إلا على ترك واجب أو فعل محرم ولا يجوز إكراه أحد إلا على ذلك والإيجاب والتحريم ليس إلا لله ولرسوله فمن عاقب على فعل أو ترك بغير أمر الله وشرع ذلك دينا فقد جعل لله ندا ولرسوله نظيرا بمنزلة المشركين الذين جعلوا لله أندادا أو بمنزلة المرتدين الذين آمنوا بمسيلمة الكذاب وهو ممن قيل فيه: أم لهم شركاء شرعوا لهم من الدين ما لم يأذن به الله

ولهذا كان أئمة أهل السنة والجماعة لا يلزمون الناس بما يقولونه من موارد الاجتهاد ولا يكرهون أحدا عليه ولهذا لما اسشار هارون الرشيد مالك بن أنس في حمل الناس على موطئه قال له: لا تفعل يا أمير المؤمنين فإن أصحاب رسول الله ﷺ تفرقوا في الأمصار فأخذ كل قوم عمن كان عندهم وإنما جمعت علم أهل بلدي أو كما قال وقال مالك أيضا: إنما أنا بشر أصيب وأخطىء فاعرضوا قولي على الكتاب والسنة

قال أبو حنيفة: هذا رأي فما جاءنا برأي أحسن منه قبلناه قال الشافعي: إذا صح الحديث فاضربوا بقولي الحائط وقال: إذا رأيت الحجة موضوعة على الطريق فإني أقول بها وقال المزني في أول مختصره هذا كتاب اختصرته من علم أبي عبد الله الشافعي لمن أراد معرفة مذهبه مع إعلامية نهيه عن تقليده وتقليد غيره من العلماء

وقال الإمام أحمد: ما ينبغي للفقيه أن يحمل الناس على مذهبه ولا يشدد عليهم قال: لا تقلد دينك الرجال فإنهم لن يسلموا من أن يغلطوا

فإذا كان هذا قولهم في الأصول العلمية وفروع الدين لا يستجيزون الزام الناس بمذاهبهم مع استدلالهم عليها بالأدلة الشرعية فكيف بالزام الناس وإكراههم على أقوال لا توجد في كتاب الله ولا في حديث عن رسول الله ﷺ ولا تؤثر عن الصحابة والتابعين ولا عن أحد من أئمة المسلمين

ولهذا قال الإمام أحمد لابن أبي دؤاد الجهمي الذي كان قاضي القضاة في عهد المعتصم لما دعى الناس إلى التجهم وأن يقولوا القرآن مخلوق وأكرههم عليه بالعقوبة وأمر بعزل من لم يجبه وقطع رزقه إلى غير ذلك مما فعله في محنته المشهورة فقال له في مناظرته لما طلب منه الخليفة أن يوافقه على أن القرآن مخلوق

ائتوني بشيء من كتاب الله أو سنة رسوله حتى أجيبكم به فقال له ابن أبي داؤد: وأنت لا تقول إلا بما في كتاب الله أو سنة رسوله؟

فقال له: هب أنك تأولت تأويلا فأنت أعلم وما تأولت فكيف تستجيز أن تكره الناس عليه بالحبس والضرب

فبين أن العقوبة لا تجوز إلا على ترك ما أوجبه الله أو فعل ما حرمه الله فإذا كان القول ليس في كتاب الله وسنة رسوله لم يجب على الناس أن يقولوه لأن الإيجاب إنما يتلقى من الشارع وإن كان للقول في نفسه حقا أو اعتقد قائله أنه حق فليس له أن يلزم الناس أن يقولوا ما لم يلزمهم الرسول أن يقولوه لا نصا ولا استنباطا وإن كان كذلك

فقول القائل المطلوب من فلان أن يعتقد كذا وكذا وأن لا يتعرض لكذا وكذا إيجاب عليه لهذا الاعتقاد وتحريم عليه لهذا الفعل وإذا كانوا لا يرون خروجه من السجن إلا بالموافقة على ذلك فقد استحلوا عقوبته وحبسه حتى يطيعهم في ذلك فإذا لم يكن ما أمروا به قد أمر الله به ورسوله وما نهوا عنه قد نهى الله عنه ورسوله كانوا بمنزلة من ذكر من الخوارج والروافض والجهمية المشابهين للمشركين والمرتدين

ومعلوم أن هذا الذي قالوه لا يوجد في كلام الله ورسوله بحال وهم أيضا يبينوا أنه يوجد في كلام الله ورسوله فلو كان هذا موجودا في كلام الله ورسوله لكان عليهم بيان ذلك لأن العقوبات لا تجوز إلا بعد إقامة الحجة كما قال تعالى: { وما كنا معذبين حتى نبعث رسولا } فإذا لم يقيموا حجة الله التي يعاقب من خالفها بل لا يوجد ما ذكروه في حجة الله وقد نهوا عن تبليغ حجة الله ورسوله كان هذا من أعظم الأمور مماثلة لما ذكر من حال الخوارج المارقين المضاهين للمشركين والمرتدين والمنافقين

الوجه الخامس عشر: إن القول الذي قالوه إن لم يكن حقا يجب اعتقاده لم يجز الإلزام به وإن كان حقا يجب اعتقاده فلا بد من بيان دلالته فإن العقوبة لاتجوز قبل إقامة الحجة باتفاق المسلمين فإن كان القول مما أظهره الرسول وبينه فقد قامت الحجة ببيان رسوله وإن لم يكن ذلك فلا بد من بيان حجته وإظهارها التي يجب موافقتها ويحرم مخالفتها ولهذا قال الفقهاء في أهل البغي المتأولين: إن ذكروا مظلمة أزالها الإمام وإن ذكروا شبهة بينوها له فإذا لم يبينوا صواب القول أصلا بل ادعوه دعوى مجردة حوربوا فكيف يجب التزام مثل ذلك القول من غير الرسول وهل يفعل هذا من له عقل أودين؟

الوجه السادس عشر: إنهم لو بينوا صواب ما ذكروه من القول لم يكن ذلك موجبا لعقوبة تاركه فليس كل مسألة فيها نزاع إذا أقام أحد الفريقين الحجة على صواب قوله مما يسيغ له عقوبة مخالفه بل عامة المسائل التي تنازعت فيها الأمة لايجوز لأحد الفريقين المتنازعين أن يعاقب الاخر على ترك اتباع قوله فكيف إذا لم يذكروا حجة أصلا ولم يظهروا صواب قولهم

الوجه السابع عشر: إنه لو فرض أن هذا القول الذي الزموا به حق وصواب قد ظهرت حجته ووجبت عقوبة تارك التزامه فهدا لم يذكروه إلا في هذا الوقت بعد هذا الطلب والحبس والنداء على الشخص المعين بالمنع من موافقته ونسبته إلى البدعة والضلالة ومخالفة جميع العلماء والحكام وخروجه عما كان عليه الصحابة والتابعون إلى أنواع أخر مما قالوه وفعلوه في حقه من الإيذاء والعقوبة والضرر زاعمين أن ما صدر عنه من الفتاوى والكتب يتضمن ذلك فإذا أعرضوا عن ذلك بالكلية ولم يبينوا في كلامه المتقدم شيئا من الخطأ والضلال الموجب للعقوبة لم يكن ابتداؤهم بالدعاء إلى مقالة إنشاؤها مبيحا لما فعلوه قبل ذلك من الظلم والكذب والبهتان والصد عن سبيل الله والتبديل لدين الله وإنما هذا انتقال من ظلم إلى ظلم ليقرروا بالظلم المتأخر حسن الظلم المتقدم كمن يستجير من الرمضاء بالنار وهذا يزيدهم إثما وعذابا فهب أن هذا الشخص وافقهم الآن على ما أنشأه من القول أي شيء في ذلك مما يدل على خطئه وضلاله في أقواله المتقدمة إذا لم تناف هذا القول؟ دع استحقاق العقوبة والكذب والبهتان فما لم يبينوا أن فيما صدر عنه قبل طلبه وحبسه وإعلام ما ذكروه من أمره ما يوجب ذلك لم ينفعهم هذا وهم قد عجزوا عن إبداء خطأ أو ضلال فيما صدر عنه من المقال وهم دائما يستعفون من المحاقة والمناظرة بلفظ أو خط

وقد قيل لهم مرات متعددة: من أنكر شيئا فليكتب ما ينكره بخطه ويذكر حجته ويكتب جوابه ويعرض الأمران على علماء المشرق والمغرب فأبلسوا وبهتوا وطلب منهم غير مرة المخاطبة في المحاضرة والمحاقة والمناظرة فظهر منهم من العي في الخطاب والنكوص على الأعقاب والعجز عن الجواب ما قد اشتهر واستفاض بين أهل المدائن والأعراب ومن قضاتهم الفضلاء من كتب اعتراضا على الفتيا الحموية وضمنه أنواعا من الكذب وأمورا لا تتعلق بكلام المعترض عليه وقد كتبت جوابه في مجلدات

ومنهم من كتب شيئا ثم خبأه وطواه عن الأبصار وخاف من شره ظهور العار وخزي أهل الجهل والصغار إذ مدار القوم على أحد أمرين: إما الكذب الصريح وإما الاعتقاد القبيح فهم لن يخلوا من كذب كذبه بعضهم وافتراه وظن باطال خاب من تقلده وتلقاه وهذه حال سائر المبطلين من المشركين وأهل الكتاب الكفار والمنافقين


الفتاوى الكبرى لابن تيمية
كتاب السنة والبدعة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطهارة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | كتاب الصلاة: | 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | كتاب الذكر والدعاء | 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب الصيام: 1 | 2 | 3 | كتاب الجنائز: 1 | 2 | 3 | 4 | كتاب النكاح: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الطلاق: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | | كتاب النفقات | كتاب الحدود: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الجهاد: 1 | 2 | كتاب البيوع: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | كتاب الشهادة والأقضية والأموال: 1 | 2 | كتاب الوقف: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | كتاب الوصايا | كتاب الفرائض | كتاب الفضائل: 1 | 2 | كتاب الملاهي | مسائل منثورة: 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | كتاب الطهارة2 | كتاب الصلاة2: 1 | 2 | كتاب الجنائز2 | كتاب الزكاة2 | كتاب الصوم2 | كتاب الحج | كتاب البيع: 1 | 2 | كتاب الوصية | كتاب الفرائض | كتاب العتق | كتاب النكاح2: 1 | 2 | كتاب الخلع | كتاب الطلاق2 | كتاب الرجعة | كتاب الظهار | كتاب الجنايات | كتاب الأطعمة | كتاب الأيمان | باب القضاء | كتاب إقامة الدليل على إبطال التحليل | كتاب في الرد على الطوائف الملحدة والزنادقة والجهمية والمعتزلة والرافضة: 1 |2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16