البداية والنهاية/الجزء الثالث/فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البداية والنهايةالجزء الثالث
فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم
ابن كثير


فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم


وتعنتهم له في الأسئلة.

فيما اعترض به المشركون على رسول الله ﷺ، وما تعنتوا له في أسئلتهم إياه أنواعا من الآيات، وخرق العادات على وجه العناد، لا على وجه طلب الهدي والرشاد.

فلهذا لم يجابوا إلى كثير مما طلبوا، ولا ما إليه رغبوا، لعلم الحق سبحانه أنهم لو عاينوا وشاهدوا ما أرادوا لاستمروا في طغيانهم يعمهون، ولظلوا في غيهم وضلالهم يتردون.

قال الله تعالى: { وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ جَاءتْهُمْ آيَةٌ لَيُؤْمِنُنَّ بِهَا قُلْ إِنَّمَا الْآيَاتُ عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لَا يُؤْمِنُونَ * وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَنَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ * وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلا مَا كَانُوا لِيُؤْمِنُوا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ يَجْهَلُونَ } [الأنعام: 109- 111] .

وقال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ * وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } [يونس: 96-97] ..

وقال تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفا } [الإسراء: 59] .

وقال تعالى: { وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعا * أَوْ تَكُونَ لَكَ جَنَّةٌ مِنْ نَخِيلٍ وَعِنَبٍ فَتُفَجِّرَ الْأَنْهَارَ خِلَالَهَا تَفْجِيرا * أَوْ تُسْقِطَ السَّمَاءَ كَمَا زَعَمْتَ عَلَيْنَا كِسَفا أَوْ تَأْتِيَ بِاللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ قَبِيلا * أَوْ يَكُونَ لَكَ بَيْتٌ مِنْ زُخْرُفٍ أَوْ تَرْقَى فِي السَّمَاءِ وَلَنْ نُؤْمِنَ لِرُقِيِّكَ حَتَّى تُنَزِّلَ عَلَيْنَا كِتَابا نَقْرَؤُهُ قُلْ سُبْحَانَ رَبِّي هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَرا رَسُولا } [الإسراء: 90- 93] .

وقد تكلمنا على هذه الآيات، وما يشابهها في أماكنها في التفسير ولله الحمد.

وقد روى يونس، وزياد، عن ابن إسحاق، عن بعض أهل العلم - وهو شيخ من أهل مصر، يقال له: محمد بن أبي محمد - عن سعيد بن جبير، وعكرمة عن ابن عباس.

قال: اجتمع عليه من أشراف قريش - وعدّد أسماءهم - بعد غروب الشمس عند ظهر الكعبة، فقال بعضهم لبعض: ابعثوا إلى محمد فكلموه، وخاصموه حتى تعذروا فيه، فبعثوا إليه: إن أشراف قومك قد اجتمعوا لك ليكلموك، فأتهم.

فجاءهم رسول الله ﷺ سريعا وهو يظن أنه قد بدا لهم في أمره بدء، وكان حريصا يحب رشدهم، ويعز عليه عنتهم، حتى جلس إليهم.

فقالوا: يا محمد، إنا قد بعثنا إليك لنعذر فيك، وإنا والله لا نعلم رجلا من العرب أدخل على قومه ما أدخلت على قومك، لقد شتمت الآباء، وعبت الدين، وسفهت الأحلام، وشتمت الآلهة، وفرقت الجماعة، وما بقي من قبيح إلا وقد جئته فيما بيننا وبينك.

فإن كنت إنما جئت بهذا الحديث تطلب مالا جمعنا لك من أموالنا حتى تكون أكثرنا مالا، وإن كنت إنما تطلب الشرف فينا سودناك علينا، وإن كنت تريد ملكا ملكناك علينا، وإن كان هذا الذي يأتيك بما يأتيك رئيا تراه قد غلب عليك - وكان يسمون التابع من الجن الرئي - فربما كان ذلك؛ بذلنا لك أموالنا في طلب الطب حتى نبرئك منه، أو نعذر فيك؟

فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بي ما تقولون، ما جئتكم بما جئتكم به أطلب أموالكم، ولا الشرف فيكم، ولا الملك عليكم، ولكن الله بعثني إليكم رسولا، وأنزل علي كتابا، وأمرني أن أكون لكم بشيرا نذيرا، فبلغتكم رسالة ربي، ونصحت لكم، فإن تقبلوا مني ما جئتكم به فهو حظكم من الدنيا والآخرة، وإن تردوه عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».

أو كما قال رسول الله ﷺ - فقالوا: يا محمد فإن كنت غير قابل منا ما عرضنا عليك فقد علمت أنه ليس أحد من الناس أضيق بلادا، ولا أقل مالا، ولا أشد عيشا منا.

فسل لنا ربك الذي بعثك بما بعثك به فليسير عنا هذه الجبال، التي قد ضيقت علينا، وليبسط لنا بلادنا، وليجر فيها أنهارا كأنهار الشام والعراق، وليبعث لنا من مضى من آبائنا، وليكن فيما يبعث لنا منهم: قصي بن كلاب، فإنه كان شيخا صدوقا، فنسألهم عما تقول: أحق هو أم باطل؟ فإن فعلت ما سألناك وصدقوك صدقناك، وعرفنا به منزلتك عند الله، وأنه بعثك رسولا كما تقول.

فقال لهم رسول الله ﷺ: «ما بهذا بعثت إليكم إنما جئتكم من عند الله بما بعثني به، فقد بلغتكم ما أرسلت به إليكم، فإن تقبلوه فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوا عليَّ أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».

قالوا: فإن لم تفعل لنا هذا فخذ لنفسك، فسل ربك أن يبعث لنا ملكا يصدقك بما تقول، ويراجعنا عنك، وتسأله فيجعل لنا جنانا وكنوزا وقصورا من ذهب وفضة، ويغنيك عما نراك تبتغي، فإنك تقوم في الأسواق وتلتمس المعايش كما نلتمسه، حتى نعرف فضل منزلتك من ربك إن كنت رسولا كما تزعم.

فقال لهم: «ما أنا بفاعل، ما أنا بالذي يسأل ربه هذا، وما بعثت إليكم بهذا، ولكن الله بعثني بشيرا ونذيرا، فإن تقبلوا ما جئتكم به فهو حظكم في الدنيا والآخرة، وإن تردوه علي أصبر لأمر الله حتى يحكم الله بيني وبينكم».

قالوا: فأسقط السماء كما زعمت أن ربك إن شاء فعل، فإنا لن نؤمن لك إلا أن تفعل.

فقال: «ذلك إلى الله إن شاء فعل بكم ذلك»

فقالوا: يا محمد ما علم ربك أنا سنجلس معك ونسألك عما سألناك عنه، ونطلب منك ما نطلب، فيتقدم إليك ويعلمك ما تراجعنا به، ويخبرك ما هو صانع في ذلك بنا إذا لم نقبل منك ما جئتنا به؟ فقد بلغنا أنه إنما يعلمك هذا رجل باليمامة يقال له: الرحمن، وإنا والله لا نؤمن بالرحمن أبدا، فقد أعذرنا إليك يا محمد، أما والله لا نتركك وما فعلت بنا حتى نهلكك أو تهلكنا.

وقال قائلهم: نحن نعبد الملائكة، وهي: بنات الله.

وقال قائلهم: لن نؤمن لك حتى تأتينا بالله والملائكة قبيلا.

فلما قالوا ذلك قام رسول الله ﷺ عنهم، وقام معه عبد الله بن أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن مخزوم - وهو ابن عمته عاتكة بنت عبد المطلب - فقال له: يا محمد، عرض عليك قومك ما عرضوا فلم تقبله، ثم سألوك لأنفسهم أمورا ليعرفوا بها منزلتك من الله ويصدقوك ويتبعوك فلم تفعل، ثم سألوك أن تأخذ لنفسك ما يعرفون به فضلك عليهم ومنزلتك من الله، فلم تفعل، ثم سألوك أن تعجل ما تخوفهم به من العذاب.

فوالله لا أؤمن لك أبدا حتى تتخذ إلى السماء سلما ثم ترقى منه، وأنا أنظر حتى تأتيها وتأتي معك بنسخة منشورة، ومعك أربعة من الملائكة يشهدون لك أنك كما تقول، وأيم الله لو فعلت ذلك لظننت أني لا أصدقك.

ثم انصرف عن رسول الله ﷺ، وانصرف رسول الله ﷺ إلى أهله حزينا أسفا لما فاته بما طمع فيه من قومه حين دعوه، ولما رأى من مباعدتهم إياه.

وهذا المجلس الذي اجتمع عليه هؤلاء الملأ مجلس ظلم وعدوان وعناد، ولهذا اقتضت الحكمة الإلهية، والرحمة الربانية، ألا يجابوا لي ما سألوا لأن الله علم أنهم لا يؤمنون بذلك فيعاجلهم بالعذاب.

كما قال الإمام أحمد: حدثنا عثمان بن محمد، حدثنا جرير عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جبير، عن ابن عباس.

قال: سأل أهل مكة رسول الله ﷺ أن يجعل لهم الصفا ذهبا، وأن ينحي عنهم الجبال فيزدرعوا

فقيل له: إن شئت أن تستأني بهم، وإن شئت أن تؤتيهم الذي سألوا، فإن كفروا هلكوا كما أهلكت من قبلهم الأمم.

قال: «لا بل أستأني بهم»، فأنزل الله تعالى: { وَمَا مَنَعَنَا أَنْ نُرْسِلَ بِالْآيَاتِ إِلَّا أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ وَآتَيْنَا ثَمُودَ النَّاقَةَ مُبْصِرَةً فَظَلَمُوا بِهَا } [الإسراء: 59] الآية.

وهكذا رواه النسائي من حديث جرير.

وقال أحمد: حدثنا عبد الرحمن، حدثنا سفيان، عن سلمة بن كهيل، عن عمران بن حكيم، عن ابن عباس.

قال: قالت قريش للنبي ﷺ: ادع لنا ربك يجعل لنا الصفا ذهبا ونؤمن بك.

قال: «وتفعلون؟».

قالوا: نعم.

قال: فدعا فأتاه جبريل فقال: إن ربك يقرأ عليك السلام ويقول لك: إن شئت أصبح الصفا لهم ذهبا، فمن كفر منهم بعد ذلك أعذبه عذابا لا أعذبه أحدا من العالمين، وإن شئت فتحت لهم باب الرحمة والتوبة.

قال: «بل التوبة والرحمة».

وهذان إسنادان جيدان، وقد جاء مرسلا، عن جماعة من التابعين منهم: سعيد بن جبير، وقتادة، وابن جريج، وغير واحد.

وروى الإمام أحمد، والترمذي من حديث عبد الله بن المبارك، حدثنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زحر، عن علي بن يزيد، عن القاسم، عن أبي أمامة، عن النبي ﷺ قال: «عرض عليَّ ربي عز وجل أن يجعل لي بطحاء مكة ذهبا، فقلت: لا يا رب أشبع يوما وأجوع يوما، - أو نحو ذلك - فإذا جعت تضرعت إليك وذكرتك، وإذا شبعت حمدتك وشكرتك» لفظ أحمد.

وقال الترمذي: هذا حديث حسن، وعلي بن يزيد يضعف في الحديث.

وقال محمد بن إسحاق: حدثني شيخ من أهل مصر - قدم علينا منذ بضع وأربعين سنة - عن عكرمة، عن ابن عباس.

قال: بعثت قريش النضر بن الحارث، وعقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود بالمدينة.

فقالوا لهما: سلوهم عن محمد، وصفا لهم صفته، وأخبراهم بقوله: فإنهم أهل الكتاب الأول، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء.

فخرجا حتى قدما المدينة، فسألا أحبار يهود عن رسول الله ﷺ ووصفا لهم أمره، وبعض قوله، وقالا: إنكم أهل التوراة وقد جئناكم لتخبرونا عن صاحبنا هذا.

قال: فقالت لهم أحبار يهود: سلوه عن ثلاث نأمركم بهن، فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل، وإن لم يفعل فهو رجل متقول، فروا فيه رأيكم، سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان من أمرهم؟ فإنه قد كان لهم حديث عجيب..

وسلوه عن رجل طواف طاف مشارق الأرض ومغاربها ما كان نبؤه، وسلوه عن الروح ما هي؟ فإن أخبركم بذلك فهو نبي فاتبعوه، وإن لم يخبركم فإنه رجل متقول، فاصنعوا في أمره ما بدا لكم.

فأقبل النضر وعقبة حتى قدما على قريش فقالا: يا معشر قريش قد جئناكم بفصل ما بينكم وبين محمد، قد أمرنا أحبار يهود أن نسأله عن أمور فأخبراهم بها، فجاؤوا رسول الله ﷺ فقالوا: يا محمد أخبرنا، فسألوه عما أمروهم به.

فقال لهم رسول الله ﷺ: «أخبركم غدا بما سألتم عنه» ولم يستثن.

فانصرفوا عنه، ومكث رسول الله ﷺ خمس عشرة ليلة لا يحدث له في ذلك وحيا، ولا يأتيه جبريل حتى أرجف أهل مكة وقالوا: وعدنا محمد غدا، واليوم خمس عشرة ليلة قد أصبحنا فيها لا يخبرنا بشيء مما سألناه عنه، وحتى أحزن رسول الله ﷺ مكث الوحي عنه، وشقَّ عليه ما يتكلم به أهل مكة.

ثم جاءه جبريل عليه السلام من الله عز وجل بسورة أصحاب الكهف فيها معاتبته إياه على حزنه عليهم، وخبر ما سألوه عنه من أمر الفتية والرجل الطواف.

وقال الله تعالى: { وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلا } [الإسراء: 85] وقد تكلمنا على ذلك كله في التفسير مطولا فمن أراده فعليه بكشفه من هناك.

ونزل قوله: { أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجبا }.

ثم شرع في تفصيل أمرهم، واعترض في الوسط بتعليمه الاستثناء تحقيقا لا تعليقا في قوله: { ولا تقولن لشيء إني فاعل ذلك غدا إلا أن يشاء الله واذكر ربك إذا نسيت }.

ثم ذكر قصة موسى لتعلقها بقصة الخضر، ثم ذي القرنين، ثم قال: { ويسألونك عن ذي القرنين قل سأتلو عليكم منه ذكرا } ثم شرح أمره وحكى خبره.

وقال في سورة سبحان: { ويسألونك عن الروح قل الروح من أمر ربي } أي: خلق عجيب من خلقه، وأمر من أمره، قال لها: كوني فكانت.

وليس لكم الاطلاع على كل ما خلقه، وتصوير حقيقته في نفس الأمر يصعب عليكم بالنسبة إلى قدرة الله تعالى وحكمته، ولهذا قال: { وما أوتيتم من العلم إلا قليلا }.

وقد ثبت في (الصحيحين): أن اليهود سألوا عن ذلك رسول الله ﷺ بالمدينة، فتلا عليهم هذه الآية - فإما أنها نزلت مرة ثانية أو ذكرها جوابا - وإن كان نزولها متقدما، ومن قال: إنها إنما نزلت بالمدينة، واستثناها من سورة سبحان ففي قوله نظر، والله أعلم..

قال ابن إسحاق: ولما خشي أبو طالب دهم العرب أن يركبوه مع قومه، قال قصيدته التي تعوذ فيها بحرم مكة وبمكانها منها، وتودد فيها أشراف قومه، وهو على ذلك يخبرهم وغيرهم في شعره أنه غير مسلم لرسول الله ﷺ، ولا تاركه لشيء أبدا حتى يهلك دونه، فقال:

ولما رأيت القوم لاودَّ فيهم * وقد قطعوا كلَّ العُرى والوسائل

وقد صارَحُونا بالعداوةِ والأذى * وقد طاوعوا أمر العدوِّ المزايل

وقد حالفوا قوما علينا أظنّةً * يعضون غيظا خلفنا بالأنامل

صبرت لهم نفسي بسمراء سمحةٍ * وأبيضٍ غضبٍ من تراث المقاول

وأحضرت عند البيت رهطي وأخوتي * وأمسكت من أثوابه بالوصائل

قياما معا مستقبلين رتاجه * لدى حيث يقضي حلفه كلَّ نافل

وحيث ينيخ الأشعرون ركابهم * بمفضى السيول من إسافٍ ونائل

موسمة الأعضاد أو قصراتها * مخيَّسة بين السديس وبازل

ترى الودْعَ فيها والرخامَ وزينةً * بأعناقها معقودةً كالعثاكل

أعوذ برب الناس من كلّ طاعنٍ * علينا بسوءٍ أو ملحٍ بباطل

ومن كاشح يسعى لنا بمعيبةٍ * ومن ملحقٍ في الدين مالم نحاول

وثورٍ ومن أرسى ثبيرا مكانه * وراقٍ ليرقى في حراءَ ونازل

وبالبيت حق البيت من بطن مكةٍ * وبالله إن الله ليس بغافل

وبالحجر المسودّ إذ يمسحونه * إذا اكتنفوه بالضحى والأصائل

وموطئ إبراهيم في الصخر رطبةً * على قدميه حافيا غير ناعل

وأشواط بين المروتين إلى الصفا * وما فيهما من صورةٍ وتماثل

ومن حج بيت الله من كل راكب * ومن كل ذي نذرٍ ومن كل راجل

وبالمشعر الأقصى إذا عمدوا له * الإل إلى مفضي الشراج القوابل

وتوقافهم فوق الجبال عشيةً * يقيمون بالأيدي صدور الرواحل

وليلة جمعٍ والمنازل من منى * وهل فوقها من حرمةٍ ومنازل

وجمعٍ إذا ما المقربات أجزنه * سراعا كما يخرجن من وقع وابل

وبالجمرة الكبرى إذا صمدوا لها * يؤمون قذفا رأسها بالجنادل

وكندةَ إذ هم بالحصاب عشية * تجيز بهم حجَّاجُ بكرِ بن وائل

حليفانِ شدَّا عقد ما احتلفا له * وردَّا عليه عاطفات الوسائل

وحطمهمُ سُمرَ الرماحِ وسرحه * وشبرقه وخدُ النعامِ الجوافل

فهل بعدَ هذا من معاذٍ لعائذ * وهل من معيذٍ يتقي الله عادل

يطاع بنا أمر العدا ودّ أننا * يسد بنا أبواب ترك وكابل

كذبتم وبيت الله نترك مكةً * ونظعن إلا أمركم في بلابل

كذبتم وبيت الله نبذي محمدا * ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرَّع حوله * ونذهل عن أبنائنا والحلائل

وينهض قومٌ بالحديد إليكم * نهوض الروايا تحت ذات الصلاصل

وحتى نرى ذا الضغن يركب ردعه * من الطعن فعل الأنكب المتحامل

وإنا لعمر الله إن جدَّ ما أرى * لتلتبسن أسيافنا بالأماثل

بكفي فتى مثل الشهاب سميْدعٍ * أخي ثقةً حامي الحقيقة باسل

شهورا وأياما وحولا محرما * علينا وتأتي حجة بعد قابل

وما تركُ قوم -لا أبالك - سيدا * يحوط الذمار غير ذرب مواكل

وأبيضُ يستسقي الغمام بوجهه * تمالِ اليتامى عصمةٍ للأرامل

يلوذُ به الهلاك من آل هاشمٍ * فهم عنده في رحمةٍ وفواضل

لعمري لقد أجرى أسيد وتكره * إلى بغضنا وجزآنا لآكل

وعثمانُ لم يربَع علينا وقنفذٌ * ولكن أطاعا أمرَ تلك القبائل

أطاعا أبيّا وابن عبدِ يغوثِهم * ولم يرقبا فينا مقالةَ قائل

كما قد لقينا من سبينع ونوفلٍ * وكل تولى معرضا لم يجامل

فإن يلفيا أو يمكِن الله منهما * نكل لهما صاعا بصاع المكايل

وذاك أبو عمرو أبي غير بغضنا * ليظعننا في أهل شاءٍ وجامل

يناجي بنا في كل ممسى ومصبحٍ * فناجِ أبا عمرٍو بنا ثم خاتل

ويؤلي لنا بالله ما أن يغشنا * بلى قد تراه جهرةً غير خائل

أضاق عليه بغضنا كل تلعةٍ * من الأرض بين أخشبٍ فمجادل

وسائل، أبا الوليد ماذا حبوتنا * بسعيك فينا معرضا كالمخاتل

وكنت امرءا ممن يعاش برأيه * ورحمته فينا ولست بجاهل

فعتبة لا تسمع بنا قولَ كاشحٍ * حسودٍ كذوبٍ مبغض ذي دغاول

ومرَّ أبو سفيان عني معرضا * كما مرَّ قيل من عظام المقاول

يفرُّ إلى نجدٍ وبرد مياهه * ويزعم أني لست عنكم بغافل

ويخبرنا فعل المناصح أنه * شفيقٌ ويخفي عارماتِ الدواخل

أمطعمُ لم أخذلك في يوم نجدةٍ * ولا معظمٍ عند الأمور الجلائل

ولا يومَ خصمٍ إذ أتوك ألدة * أولى جدلٍ من الخصومِ المساجل

أمطعم إن القوم ساموك خطةً * وإني متى أوكل فلست بوائل

جزى الله عنا عبدُ شمس ونوفلا * عقوبة شرٍ عاجلا غير آجل

يميران قسطٍ لا يخيس شعيرةً * له شاهدَ من نفسهِ غيرُ عائل

لقد سفهت أحلام قوم تبدلوا * بني خلفٍ قيضا بنا والغياطل

ونحن الصميمُ من ذؤابةِ هاشم * وآل قصي في الخطوب الأوائل

وسهمٍ ومخزوم تمالوا وألَّبوا * علينا العِدى من كل طملٍ وخامل

فعبدُ منافٍ أنتم خيرُ قومكم * فلا تشركوا في أمركم كل واغل

لعمري لقد وهنتم وعجزتم * وجئتم بأمرٍ مخطئٍ للمفاصل

وكنتم حديثا حَطبَ قدْرٍ وأنتم * الآن أحطابُ أقدرٍ ومراجل

ليهن بني عبد مناف عقوقنا * وخذلاننا وتركنا في المعاقل

فإن نك قوما نتَّئر ما صنعتم * وتحتلبوها لقحة غير باهل

فأبلغ قصيا أن سينشرَ أمرُنا * وبشِّر قصيا بعدنا بالتخاذل

ولو طرقتُ ليلا قصيا عظيمةٌ * إذا ما لجأنا دونهم في المداخل

ولو صدقوا ضربا خلال بيوتهم * لكنَّا أسىً عند النساء المطافل

فكل صديقٍ وابن أختٍ نعدَّه * لعمري وجدنا غُبَّةً غير طائل

سوى أن رهطا من كلاب بن مرة * براء إلينا من معقَّةِ خاذل

ونعم ابن أختِ القوم غير مكذب * زهير حساما مفردا من حمائل

أشمَّ من الشمِّ البهاليلِ ينتمي * إلى حسب في حومةِ المجد فاضل

لعمري لقد كلفِّتُ وجدا بأحمد * وإخوته دأب المحبِّ المواصل

فمن مثلُه في الناس أي مؤمَّل * إذا قاسه الحكَّام عند التفاضل

حليمٌ رشيد عادل غير طائش * يوالي إلها ليس عنه بغافل

كريمُ المساعي ماجدٌ وابن ماجد * له إرثُ مجدٍ ثابتٍ غير ناصل

وأيَّده ربُّ العباد بنصره * وأظهر دينا حقه غير زائل

فوالله لولا أن أجيء بسُبَّةٍ * تجرُّ على أشياخِنا في المحافل

لكنّا تبعناه على كل حالةٍ * من الدهر جدا غير قول التهازل

لقد علموا أن ابننا لا مكذبٌ * لدينا ولا يعنى بقولِ الأباطل

فأصبح فينا أحمدٌ في أرومةٍ * يقصر عنها سورةُ المتطاول

حدبت بنفسي دونه وحميته * ودافعت عنه بالذَّرى والكلاكل

قال ابن هشام: هذا ما صح لي من هذه القصيدة، وبعض أهل العلم بالشعر ينكر أكثرها.

قلت: هذه قصيدة عظيمة بليغة جدا لا يستطيع يقولها إلا من نسبت إليه، وهي أفحل من المعلقات السبع، وأبلغ في تأدية المعنى فيها جميعها، وقد أوردها الأموي في مغازيه مطولة بزيادات أخر والله أعلم.

البداية والنهاية - الجزء الثالث
باب كيفية بدء الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم | عمره صلى الله عليه وسلم وقت بعثته وتاريخها | فصل حزن النبي صلى الله عليه وسلم عندما فترعنه الوحي | فصل في منع الجان ومردة الشياطين من استراق السمع حين أنزل القرآن | فصل في كيفية إتيان الوحي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل ولا تعجل بالقرآن من قبل أن يقضى إليك وحيه | فصل تتابع الوحي إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام | فصل أول من أسلم من متقدمي الإسلام والصحابة وغيرهم | إسلام حمزة بن عبد المطلب عم النبي صلى الله عليه وسلم | ذكر إسلام أبي ذر رضي الله عنه | ذكر إسلام ضماد | باب الأمر بابلاغ الرسالة | قصة الأراشي | فصل أشد ما صنعه المشركون برسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل تأليب الملأ من قريش على رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه | فصل في مبالغتهم في الأذية لآحاد المسلمين المستضعفين | فصل اعتراض المشركين على رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل تعذيب قريش للمسلمين لاتباعهم النبي عليه الصلاة والسلام | باب مجادلة النبي صلى الله عليه وسلم الكفار وإقامة الحجة الدامغة عليهم | باب هجرة أصحاب رسول الله من مكة إلى أرض الحبشة | فصل كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى النجاشي | فصل ذكر مخالفة قبائل قريش بني هاشم وعبد المطلب في نصر رسول الله | المستهزئون بالنبي صلى الله عليه وسلم وما ظهر فيهم | عزم الصديق على الهجرة إلى الحبشة | فصل تعليق على القصص | فصل ذكر عداوة قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم وتنفير أحياء العرب والقادمين إلى مكة | قصة أعشى بن قيس | قصة مصارعة ركانة وكيف أراه صلى الله عليه وسلم الشجرة التي دعاها فأقبلت | فصل دعاء النبي صلى الله عليه وسلم على قريش حين استعصت عليه | فصل قصة فارس والروم | فصل الإسراء برسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى بيت المقدس | فصل نزول فرضية الصلاة صبيحة الإسراء | فصل في انشقاق القمر في زمان النبي صلى الله عليه وسلم | فصل في وفاة أبي طالب عم رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل موت خديجة بنت خويلد | فصل في تزويجه صلى الله عليه وسلم بعد خديجة رضي الله عنها بعائشة بنت الصديق وسودة بنت زمعة رضي الله عنهما | فصل اجتراء قريش على رسول الله بعد وفاة عمه أبي طالب | فصل في ذهابه صلى الله عليه وسلم إلى أهل الطائف يدعوهم إلى دين الله | فصل سماع الجن لقراءة رسول الله عليه الصلاة والسلام | فصل في عرض رسول الله صلى الله عليه وسلم نفسه الكريمة على أحياء العرب | فصل قدوم وفد الأنصار لمبايعة رسول الله عليه الصلاة والسلام | حديث سويد بن صامت الأنصاري | إسلام إياس بن معاذ | باب بدء إسلام الأنصار رضي الله عنهم | قصة بيعة العقبة الثانية | فصل إظهار الأنصار إسلامهم بعد بيعة العقبة الثانية | فصل يتضمن أسماء من شهد بيعة العقبة الثانية ثلاثة وسبعون رجلا وامرأتان | باب الهجرة من مكة إلى المدينة | فصل في سبب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة | باب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم بنفسه الكريمة من مكة إلى المدينة ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه | قصة أم معبد الخزاعية | فصل في دخوله عليه السلام المدينة وأين استقر منزله بها | فصل تشريف المدينة بهجرته عليه السلام | وقائع السنة الأولى من الهجرة | فصل تأسيس مسجد قباء | فصل في إسلام عبد الله بن سلام | فصل خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ | ذكر خطبة رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ | فصل في بناء مسجده الشريف ومقامه بدار أبي أيوب | تنبيه على فضل هذا المسجد الشريف | فصل بناء الحجرات لرسول الله حول مسجده الشريف | فصل فيما أصاب المهاجرين من حمى المدينة | فصل في عقده عليه السلام الألفة بين المهاجرين والأنصار بالكتاب | دستور المدينة | فصل في مؤاخاة النبي صلى الله عليه وسلم بين المهاجرين والأنصار | فصل في موت أبي أمامة أسعد بن زرارة | فصل في ميلاد عبد الله بن الزبير في شوال سنة الهجرة | فصل بناؤه صلى الله عليه وسلم بعائشة | فصل الزيادة في صلاة الحضر في السنة الأولى من الهجرة | فصل في الأذان ومشروعيته | فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه | فصل في سرية عبيدة بن الحارث بن عبد المطلب | فصل في سرية سعد بن أبي وقاص إلى الخرار | فصل ميلاد عبد الله بن الزبير وهو أول مولود ولد في الإسلام | من توفي في السنة الأولى من الصحابة | ذكر ما وقع في السنة الثانية من الهجرة | كتاب المغازي | فصل كفر بعض المنافقين من الأوس والخزرج بعد إسلامهم | فصل في إسلام بعض أحبار يهود نفاقا | أول المغازي وهي غزوة الأبواء أو غزوة ودان | سرية عبيدة بن الحارث | فصل في سرية حمزة بن عبد المطلب | غزوة بواط من ناحية رضوى | غزوة العشيرة | غزوة بدر الأولى | باب سرية عبد الله بن جحش | فصل في تحويل القبلة في سنة ثنتين من الهجرة قبل وقعة بدر | فصل في فريضة شهر رمضان سنة ثنتين قبل وقعة بدر | غزوة بدر العظمى يوم الفرقان يوم التقى الجمعان | مقتل أبي البختري بن هشام | فصل في مقتل أمية بن خلف | مقتل أبي جهل لعنه الله | ردُّه عليه السلام عين قتادة | فصل قصة أخرى شبيهة بها | طرح رؤوس الكفر في بئر يوم بدر | فصل اختلاف الصحابة في الأسارى على قولين | فصل عدد القتلى والأسرى من المشركين يوم بدر سبعون | فصل اختلاف الصحابة يوم بدر في المغانم لمن تكون | فصل رجوع النبي عليه السلام من بدر إلى المدينة | مقتل النضر بن الحارث وعقبة بن أبي معيط لعنهما الله | ذكر فرح النجاشي بوقعة بدر رضي الله عنه | وصول خبر مصاب أهل بدر إلى أهاليهم بمكة | بعث قريش إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فداء أسراهم | فصل نزول سورة الأنفال في بدر | فصل تسمية من شهد بدرا من المسلمين | أسماء أهل بدر مرتبة على حروف المعجم وأوله حرف الألف | حرف الباء | حرف التاء | حرف الثاء | حرف الجيم | حرف الحاء | حرف الخاء | حرف الذال | حرف الراء | حرف الزاي | حرف السين | حرف الشين | حرف الصاد | حرف الضاد | حرف الطاء | حرف الظاء | حرف العين | حرف الغين | حرف الفاء | حرف القاف | حرف الكاف | حرف الميم | حرف النون | حرف الهاء | حرف الواو | حرف الياء | باب الكنى | فصل عدد الذين شهدوا بدرا ثلثمائة وأربعة عشر رجلا | فصل في فضل من شهد بدرا من المسلمين | قدوم زينب بنت الرسول صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة | ما قيل من الأشعار في بدر العظمى | فصل رثاء المشركين قتلاهم يوم بدر | غزوة بني سليم في سنة ثنتين من الهجرة | فصل في غزوة السويق | فصل في دخول علي بن أبي طالب على زوجته فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم | فصل جمل من الحوادث سنة ثنتين من الهجرة