مجموع الفتاوى/المجلد الرابع عشر/فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى
ابن تيمية

فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى[عدل]

ولما كان الأمر كما أخبر الله به في قوله: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِكَ } [1]، أوجب هذا ألا يطلب العبد الحسنات والحسنات تدخل فيها كل نعمة إلا من الله، وأن يعلم أنها من الله وحده، فيستحق الله عليها الشكر الذي لا يستحقه غيره، ويعلم أنه لا إله إلا هو، كما قال تعالى: { وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللهِ } [2].

فهذا يوجب على العبد شكره وعبادته وحده، ثم قال: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ } [3]، وهذا إخبار عن حالهم، والجؤار: يتضمن رفع الصوت.

والإنسان إنما يجأر إذا أصابه الضر، وأما في حال النعمة فهو ساكن، إما شاكرا وإما كفورا: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [4].

وهذا المعنى قد ذكره الله في غير موضع، يذم من يشرك به بعد كشف البلاء عنه، وإسباغ النعماء عليه، فيضيف العبد بعد ذلك الإنعام إلى غيره، ويعبد غيره تعالى، ويجعل المشكور غيره على النعم، كما قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُم مُّنِيبِينَ إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا أَذَاقَهُم مِّنْهُ رَحْمَةً إِذَا فَرِيقٌ مِّنْهُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ لِيَكْفُرُوا بِمَا آتَيْنَاهُمْ فَتَمَتَّعُوا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [5]، وقال تعالى: { قُلْ مَن يُنَجِّيكُم مِّن ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ تَدْعُونَهُ تَضَرُّعا وَخُفْيَةً لَّئِنْ أَنجَانَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ قُلِ اللهُ يُنَجِّيكُم مِّنْهَا وَمِن كُلِّ كَرْبٍ ثُمَّ أَنتُمْ تُشْرِكُونَ } [6]، وقال تعالى: { وَإِذَا مَسَّ الْإِنسَانَ ضُرٌّ دَعَا رَبَّهُ مُنِيبًا إِلَيْهِ ثُمَّ إِذَا خَوَّلَهُ نِعْمَةً مِّنْهُ نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ مِن قَبْلُ وَجَعَلَ لِلَّهِ أَندَادًا لِّيُضِلَّ عَن سَبِيلِهِ قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا إِنَّكَ مِنْ أَصْحَابِ النَّارِ } [7].

وقوله: { نَسِيَ مَا كَانَ يَدْعُو إِلَيْهِ } أي: نسى الضر الذي كان يدعو الله لدفعه عنه، كما قال: في سورة الأنعام: { قُلْ أَرَأَيْتُكُم إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللهِ تَدْعُونَ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاء وَتَنسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ } [8].

فذم الله سبحانه حزبين: حزبا لا يدعونه في الضراء، ولا يتوبون إليه، وحزبا يدعونه ويتضرعون إليه ويتوبون إليه. فإذا كشف الضر عنهم أعرضوا عنه، وأشركوا به ما اتخذوهم من الأنداد من دونه.

فهذا الحزب نوعان كالمعطلة، والمشركة حزب إذا نزل بهم الضر لم يدعو الله ولم يتضرعوا إليه، ولم يتوبوا إليه، كما قال: { وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِّن قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاء وَالضَّرَّاء لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ فَلَوْلا إِذْ جَاءهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُواْ وَلَكِن قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [9]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ أَخَذْنَاهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اسْتَكَانُوا لِرَبِّهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ } [10]، وقال تعالى: { أَوَلاَ يَرَوْنَ أَنَّهُمْ يُفْتَنُونَ فِي كُلِّ عَامٍ مَّرَّةً أَوْ مَرَّتَيْنِ ثُمَّ لاَ يَتُوبُونَ وَلاَ هُمْ يَذَّكَّرُونَ } [11]، وقال تعالى: { وَلَنُذِيقَنَّهُمْ مِنَ الْعَذَابِ الْأَدْنَى دُونَ الْعَذَابِ الْأَكْبَرِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ } [12]. وحزب يتضرعون إليه في حال الضراء، ويتوبون إليه، فإذا كشفها عنهم أعرضوا عنه، كما قال تعالى: { وَإِذَا مَسَّ الإِنسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَآئِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَن لَّمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَّسَّهُ كَذَلِكَ زُيِّنَ لِلْمُسْرِفِينَ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [13]، وقال تعالى: { وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنسَان أَعْرَضَ وَنَأى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعَاء عَرِيضٍ } [14]، وقال تعالى: { وَإِذَا مَسَّكُمُ الْضُّرُّ فِي الْبَحْرِ ضَلَّ مَن تَدْعُونَ إِلاَّ إِيَّاهُ فَلَمَّا نَجَّاكُمْ إِلَى الْبَرِّ أَعْرَضْتُمْ وَكَانَ الإِنْسَانُ كَفُورًا } [15]، وقال في المشركين ما تقدم: { ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ ثُمَّ إِذَا كَشَفَ الضُّرَّ عَنكُمْ إِذَا فَرِيقٌ مِّنكُم بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ } [16].

والممدوح هو القسم الثالث، وهم الذين يدعونه، ويتوبون إليه ويثبتون على عبادته، والتوبة إليه في حال السراء، فيعبدونه ويطيعونه في السراء والضراء، وهم أهل الصبر والشكر، كما ذكر ذلك عن أنبيائه عليهم السلام فقال تعالى: { وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنجِي الْمُؤْمِنِينَ } [17]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ } [18]، وقال تعالى: { وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إِلَى سَوَاء الصِّرَاطِ إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إِلَى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآب } [19]، وقال تعالى عن آدم وحواء: { فَدَلاَّهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْءَاتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِن وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَن تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُل لَّكُمَا إِنَّ الشَّيْطَآنَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُّبِينٌ قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ } [20] وقال: { فَتَلَقَّى آدَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ } [21].

وقال تعالى عن المؤمنين الذين قتل نبيهم: { وَكَأَيِّن مِّن نَّبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا وَثَبِّتْ أَقْدَامَنَا وانصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [22].

وقوله { قُتِل } أي: النبي قُتِل. وهذا أصح القولين. وقوله: { مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ } جملة في موضع الخبر، صفة للنبي صفة بعد صفة أي كم من نبي معه ربيون كثير قُتل، ولم يقتلوا معه، فإنه كان يكون المعنى: أنه قتل وهم معه، والمقصود: أنه كان معه ربيون كثير، وقُتِل في الجملة، وأولئك الربيون { مَا وَهَنُواْ لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُواْ وَمَا اسْتَكَانُواْ } .

والربيون: الجموع الكثيرة، وهم الألوف الكثيرة.

وهذا المعنى هو الذي يناسب سبب النزول، وهو ما أصابهم يوم أُحُد، لما قيل: «إن محمدا قد قتل»، وقد قال قبل ذلك: { وَمَا مُحَمَّدٌ إِلاَّ رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِن مَّاتَ أَوْ قُتِلَ انقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَن يَنقَلِبْ عَلَىَ عَقِبَيْهِ فَلَن يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ } [23] وهى التي تلاها أبو بكر الصديق رضى الله عنه يوم مات النبي ﷺ، وقال: من كان يعبد محمدا فإن محمدا قد مات و من كان يعبد الله فإن الله حى لا يموت.

فإنه عند قتل النبي وموته، تحصل فتنة عظيمة للناس المؤمنين والكافرين وتحصل رِدَّة ونفاق؛ لضعف قلوب أتباعه لموته، ولما يلقيه الشيطان في قلوب الكافرين: إن هذا قد انقضى أمره، وما بقى يقوم دينه، وإنه لو كان نبيا لما قتل وغلب، ونحو ذلك. فأخبر الله تعالى؛ أنه كم من نبي قتل.

فإن بنى إسرائيل قتلوا كثيرا من الأنبياء، والنبي معه ربيون كثير أتباع له، وقد يكون قتله في غير حرب ولا قتال، بل يقتل وقد اتبعه ربيون كثير، فما وهن المؤمنون لما أصابهم بقتله، وما ضعفوا وما استكانوا، والله يحب الصابرين، ولكن استغفروا لذنوبهم التي بها تحصل المصائب فما أصابهم من سيئة فمن أنفسهم وسألوا الله أن يغفر لهم، وأن يثبت أقدامهم، فيثبتهم على الإيمان والجهاد لئلا يرتابوا، ولا ينكلوا عن الجهاد، قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [24]، وسألوه أن ينصرهم على القوم الكافرين. سألوا ربهم ما يفعل لهم في أنفسهم من التثبيت، وما يعطيهم من عنده من النصر؛ فإنه هو الناصر وحده، وما النصر إلا من عند الله. وكذا أنزل الملائكة عونا لهم، قال تعالى لما أنزل الملائكة: { وَمَا جَعَلَهُ اللهُ إِلاَّ بُشْرَى وَلِتَطْمَئِنَّ بِهِ قُلُوبُكُمْ وَمَا النَّصْرُ إِلاَّ مِنْ عِندِ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ } [25] وقال تعالى: { فَآتَاهُمُ اللهُ ثَوَابَ الدُّنْيَا وَحُسْنَ ثَوَابِ الآخِرَةِ وَاللهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ } [26]، وهذا مبسوط في موضع آخر.

والمقصود هنا أنه لما كانت الحسنة من إحسانه تعالى والمصائب من نفس الإنسان وإن كانت بقضاء الله وقدره وجب على العبد أن يشكر ربه سبحانه وأن يستغفره من ذنوبه، وألا يتوكل إلا عليه وحده، فلا يأتى بالحسنات إلا هو، فأوجب ذلك للعبد توحيده، والتوكل عليه وحده، والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب.

وهذه الأمور كان النبي ﷺ يجمعها في الصلاة، كما ثبت عنه في الصحيح: أنه ﷺ كان إذا رفع رأسه من الركوع، يقول: «ربنا ولك الحمد، ملء السماء وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد». فهذا حمد، وهو شكر لله تعالى وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد، ثم يقول بعد ذلك: «اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجد منك الجد».

وهذا تحقيق لوحدانيته، لتوحيد الربوبية خلقا وقدرا وبداية وهداية هو المعطى المانع، لا مانع لما أعطى ولا معطى لما منع، ولتوحيد الإلهية شرعا وأمرا ونهيا وهو أن العباد، وإن كانوا يعطون ملكا وعظمة، وبختا ورياسة في الظاهر أو في الباطن، كأصحاب المكاشفات والتصرفات الخارقة، فلا ينفع ذا الجد منك الجد، أي: لا ينجيه ولا يخلصه من سؤلك وحسابك حظه وعظمته وغناه.

ولهذا قال: «لا ينفعه منك» ولم يقل: «لا ينفعه عندك»، فإنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك، لكن قد لا يضره. فيقول صاحب الجد: إذا سلمت من العذاب في الآخرة فما أبالى، كالذين أوتوا النبوة والملك، لهم ملك في الدنيا وهم من السعداء، فقد يظن ذو الجد الذي لم يعمل بطاعة الله من بعده أنه كان كذلك، فقال: «ولا ينفع ذا الجد منك»، ضمن ينفع معنى ينجي ويخلص، فبين أن جده لا ينجيه من العذاب، بل يستحق بذنوبه ما يستحقه أمثاله ولا ينفعه جده منك، فلا ينجيه ولا يخلصه.

فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد، وتحقيق قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِين } [27]، وقوله: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [28] وقوله: { عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ } [29] وقوله: { وَاذْكُرِ اسْمَ رَبِّكَ وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلًا رَبُّ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَاتَّخِذْهُ وَكِيلًا } [30].

فقوله: «لا مانع لما أعطيت، ولا معطي لما منعت»: توحيد الربوبية الذي يقتضى أنه سبحانه هو الذي يسأل ويدعى، ويتوكل عليه.

وهو سبب لتوحيد الإلهية، ودليل عليه، كما يحتج به في القرآن على المشركين؛ فإن المشركين كانوا يقرون بهذا التوحيد توحيد الربوبية ومع هذا يشركون بالله، فيجعلون له أندادا، يحبونهم كحب الله، ويقولون: إنهم شفعاؤنا عنده، وإنهم يتقربون بهم إليه. فيتخذونهم شفعاء وقربانا، كما قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ } [31]، وقال تعالى: { وَالَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى } [32]، وقال تعالى: { وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا مَا حَوْلَكُم مِّنَ الْقُرَى وَصَرَّفْنَا الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ فَلَوْلَا نَصَرَهُمُ الَّذِينَ اتَّخَذُوا مِن دُونِ اللَّهِ قُرْبَانًا آلِهَةً بَلْ ضَلُّوا عَنْهُمْ وَذَلِكَ إِفْكُهُمْ وَمَا كَانُوا يَفْتَرُون } [33].

وهذا التوحيد هو عبادة الله وحده لا شريك له، وألا نعبده إلا بما أحبه وما رضيه، وهو ما أمر به وشرعه على ألسن رسله صلوات الله عليهم فهو متضمن لطاعته وطاعة رسوله، وموالاة أوليائه، ومعاداة أعدائه، وأن يكون الله ورسوله أحب إلى العبد من كل ما سواهما.

وهو يتضمن أن يحب الله حبا لا يماثله ولا يساويه فيه غيره، بل يقتضى أن يكون رسوله ﷺ أحب إليه من نفسه.

فإذا كان الرسول لأجل أنه رسول الله يجب أن يكون أحب إلى المؤمن من نفسه، فكيف بربه سبحانه وتعالى؟

وفى صحيح البخاري أن عمرقال: يا رسول الله، والله إنك لأحب إلى من كل شيء، إلا من نفسى. فقال: «لا يا عمر، حتى أكون أحب إليك من نفسك». قال: فوالذي بعثك بالحق، إنك لأحب إلي من نفسى. قال: «الآن يا عمر».

وقد قال تعالى: { النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنفُسِهِمْ } [34]، وقال تعالى: { قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ اللهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ اللهُ بِأَمْرِهِ وَاللهُ لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ } [35].

فإن لم يكن الله ورسوله، والجهاد في سبيله، أحب إلى العبد من الأهل والمال على اختلاف أنواعه فإنه داخل تحت هذا الوعيد.

فهذا التوحيد توحيد الإلهية يتضمن فعل المأمور وترك المحظور.

ومن ذلك: الصبر على المقدور، كما أن الأول يتضمن الإقرار بأنه لا خالق ولا رازق، ولا معطى ولا مانع، إلا الله وحده، فيقتضى ألا يسأل العبد غيره، ولا يتوكل إلا عليه، ولا يستعين إلا به، كما قال تعالى في النوعين: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [36]، وقال: { فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ } [37].

وهذا التوحيد هو الفارق بين الموحدين والمشركين، وعليه يقع الجزاء والثواب في الأولى والآخرة، فمن لم يأت به كان من المشركين الخالدين، فإن الله لا يغفر أن يشرك به، ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء.

أما توحيد الربوبية، فقد أقر به المشركون، وكانوا يعبدون مع الله غيره، ويحبونهم كما يحبونه، فكان ذلك التوحيد الذي هو توحيد الربوبية حجة عليهم. فإذا كان الله هو رب كل شيء ومليكه، ولا خالق ولا رازق إلا هو، فلماذا يعبدون غيره معه، وليس له عليهم خلق ولا رزق، ولا بيده لهم منع ولا عطاء، بل هو عبد مثلهم لا يملك لنفسه ضرا ولا نفعا، ولا موتا ولا حياة ولا نشورا؟

فإن قالوا: ليشفع فقد قال الله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [38] فلا يشفع من له شفاعة من الملائكة والنبيين إلا بإذنه. وأما قبورهم وما نصب عليها من قباب وأنصاب أو تماثيلهم التي مثلت على صورهم، مجسدة أو مرقومة فجعل الاستشفاع بها استشفاعا بهم، فهذا باطل عقلا وشرعا؛ فإنها لا شفاعة لها بحال، ولا لسائر الأصنام التي عملت للكواكب والجن والصالحين، وغيرهم.

وإذا كان الله لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى فما بقى الشفعاء شركاء، كشفاعة المخلوق عند المخلوق؛ فإن المخلوق يشفع عنده نظيره أو من هو أعلى منه، أو دونه بدون إذن المشفوع إليه، ويقبل المشفوع إليه ولا بد شفاعته إما لرغبته إليه، أو فيما عنده من قوة أو سبب ينفعه به أو يدفع عنه ما يخشاه، وإما لرهبته منه، وإما لمحبته إياه، وإما للمعاوضة بينهما والمعاونة، وإما لغير ذلك من الأسباب.

وتكون شفاعة الشفيع هي التي حَرَّكَت إرادة المشفوع إليه، وجعلته مريدا للشفاعة، بعد أن لم يكن مريدا لها، كأمر الآمر الذي يؤثر في المأمور، فيفعل ما أمره به بعد أن لم يكن مريدا لفعله.

وكذلك سؤال المخلوق للمخلوق، فإنه قد يكون محركا له إلى فعل ما سأله.

فالشفيع كما أنه شافع للطالب شفاعته في الطلب، فهو أيضا قد شفع المشفوع إليه، فبشفاعته صار المشفوع إليه فاعلا للمطلوب، فقد شفع الطالب والمطلوب.

والله تعالى وِتْر، لا يشفعه أحد، فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه، فالأمر كله إليه وحده، فلا شريك له بوجه، ولهذا ذكر سبحانه نفى ذلك في آية الكرسى، التي فيها تقرير التوحيد، فقال: { لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [39].

وسيد الشفعاء ﷺ يوم القيامة، إذا سجد وحمد ربه، يقال له: «ارفع رأسك، وقل يسمع، وسل تعطه، واشفع تشفع، فيحد له حدا، فيدخلهم الجنة». فالأمر كله للّه، كما قال: { قُلْ إِنَّ الأَمْرَ كُلَّهُ لِلَّهِ } [40]، وقال لرسوله: { لَيْسَ لَكَ مِنَ الأَمْرِ شَيْءٌ } [41]، وقال: { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } [42].

فإذا كان لا يشفع عند الله أحد إلا بإذنه، فهو يأذن لمن يشاء، ولكن يكرم الشفيع بقبول الشفاعة، كما قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله على لسان نبيه ما شاء».

وإذا دعاه الداعي، وشفع عنده الشفيع، فسمع الدعاء، وقبل الشفاعة لم يكن هذا مؤثرا فيه، كما يؤثر المخلوق في المخلوق؛ فإنه سبحانه هو الذي جعل هذا يدعو وهذا يشفع، وهو الخالق لأفعال العباد، فهو الذي وفق العبد للتوبة ثم قبلها وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه عليه، وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه، فما يؤثر فيه شيء من المخلوقات، بل هو سبحانه الذي جعل ما يفعله سببا لما يفعله.

وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدر، وأن الله خالق كل شيء و أنه ما شاء كان، وما لم يشأ لم يكن، ولا يكون شيء إلا بمشيئته، وهو خالق أفعال العباد، كما هو خالق سائر المخلوقات. قال يحيى بن سعيد القطان: ما زلت أسمع أصحابنا يقولون: إن الله خالق أفعال العباد.

ولكن هذا يناقض قول القَدَريِة، فإنهم إذا جعلوا العبد هو الذي يحدث، ويخلق أفعاله بدون مشيئة الله وخلقه، لزمهم أن يكون العبد قد جعل ربه فاعلا لما لم يكن فاعلا له، فبدعائه جعله مجيبا له وبتوبته جعله قابلا للتوبة، وبشفاعته جعله قابلا للشفاعة.

وهذا يشبه قول من جعل المخلوق يشفع عند الله بغير إذنه.

فإن الإذن نوعان: إذن بمعنى المشيئة والخلق، وإذن بمعنى الإباحة والإجازة.

فمن الأول: قوله في السحر: { وَمَا هُم بِضَآرِّينَ بِهِ مِنْ أَحَدٍ إِلاَّ بِإِذْنِ اللهِ } [43] فإن ذلك بمشيئة الله تعالى وقدرته، وإلا فهو لم يبح السحر.

والقدرية تنكر هذا الإذن. وحقيقة قولهم: إن السحر يضر بدون إذن الله.

وكذلك قوله: { وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذْنِ اللهِ } [44]، فإن الذي أصابهم من القتل والجراح والتمثيل والهزيمة، إذا كان بإذنه فهو خالق لأفعال الكفار ولأفعال المؤمنين.

والنوع الثاني: قوله: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا وَدَاعِيًا إِلَى اللَّهِ بِإِذْنِهِ } [45]، وقوله: { مَا قَطَعْتُم مِّن لِّينَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَائِمَةً عَلَى أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ } [46]، فإن هذا يتضمن إباحته لذلك، وإجازته له، ورفع الجُنَاح والحَرَج عن فاعله، مع كونه بمشيئته وقضائه.

فقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [47]، هو هذا الإذن الكائن بقدره وشرعه، ولم يرد بمجرد المشيئة والقدر؛ فإن السحر وانتصار الكفار على المؤمنين كان بذلك الإذن.

فمن جعل العباد يفعلون أفعالهم بدون أن يكون الله خالقا لها، وقادرا عليها، ومشيئا لها، فعنده كل شافع وداع قد فعل ما فعل بدون خلق الله وقدرته، وإن كان قد أباح الشفاعة.

وأما الكفر، والسحر، وقتال الكفار، فهو عندهم بغير إذنه، لا هذا الإذن ولا هذا الإذن؛ فإنه لم يبح ذلك باتفاق المسلمين. وعندهم: أنه لم يشأه ولم يخلقه، بل كان بدون مشيئته وخلقه.

والمشركون المقرون بالقدر يقولون: إن الشفعاء يشفعون بالإذن القَدَرِى، وإن لم يإذن لهم إباحة وجوازا.

ومن كان مكذبا بالقدر مثل كثير من النصارى يقولون: إن شفاعة الشفعاء بغير إذن، لا قَدَرِى ولا شرعى.

والقدرية من المسلمين يقولون: يشفعون بغير إذن قدرى.

ومن سأل الله بغير إذنه الشرعى، فقد شفع عنده بغير إذن قدرى ولا شرعي.

فالداعي المأذون له في الدعاء مؤثر في الله عندهم، لكن بإباحته.

والداعي غير المأذون له، إذا أجاب دعاءه، فقد أثر فيه عندهم لا بهذا الإذن ولا بهذا الإذن، كدعاء بلعام بن باعوراء وغيره، والله تعالى يقول: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [48].

فإن قيل: فمن الشفعاء من يشفع بدون إذن الله الشرعى، وإن كان خالقا لفعله كشفاعة نوح لابنه، وشفاعة إبراهيم لأبيه، وشفاعة النبي ﷺ لعبد الله بن أبّى بن سلول، حين صلى عليه بعد موته. وقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } قد قلتم: إنه يعم النوعين، فإنه لو أراد الإذن القدرى لكان كل شفاعة داخلة في ذلك كما يدخل في ذلك كل كفر وسحر. ولم يكن فرق بين ما يكون بإذنه، وما لا يكون بإذنه، ولو أراد الإذن الشرعى فقط، لزم قول القدرية، وهؤلاء قد شفعوا بغير إذن شرعى؟

قيل: المنفى من الشفاعة بلا إذن هي الشفاعة التامة، وهى المقبولة، كما في قول المصلى: «سمع الله لمن حمده» أي: استجاب له، وكما في قوله تعالى: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [49]، وقوله { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا } [50]، وقوله: { فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَن يَخَافُ وَعِيدِ } [51]، ونحو ذلك.

فإن الهدى، والإنذار، والتذكير، والتعليم، لابد فيه من قبول المتعلم، فإذا تعلم حصل له التعليم المقصود، وإلا قيل: علمته فلم يتعلم، كما قيل: { وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى } [52]، فكذلك الشفاعة.

فالشفاعة مقصودها قبول المشفوع إليه، وهى الشفاعة التامة، فهذه هي التي لا تكون إلا بإذنه، وأما إذا شفع شفيع فلم تقبل شفاعته كانت كعدمها، وكان على صاحبها التوبة والاستغفار منها، كما قال نوح: { رَبِّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَسْأَلَكَ مَا لَيْسَ لِي بِهِ عِلْمٌ وَإِلاَّ تَغْفِرْ لِي وَتَرْحَمْنِي أَكُن مِّنَ الْخَاسِرِينَ } [53]، وكما نهى الله تعالى النبي ﷺ عن الصلاة على المنافقين، وقال له: { وَلاَ تُصَلِّ عَلَى أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلاَ تَقُمْ عَلَىَ قَبْرِهِ إِنَّهُمْ كَفَرُواْ بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَمَاتُواْ وَهُمْ فَاسِقُونَ } [54]، وقال له: { سَوَاء عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْ لَمْ تَسْتَغْفِرْ لَهُمْ لَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَهُمْ } [55]، ولهذا قال على لسان المشركين: { فَمَا لَنَا مِن شَافِعِينَ وَلَا صَدِيقٍ حَمِيمٍ } [56].

فالشفاعة المطلوبة هي شفاعة المطاع الذي تقبل شفاعته، وهذه ليست لأحد عند الله تعالى إلا بإذنه قدرا وشرعا، فلابد أن يأذن فيها، ولابد أن يجعل العبد شافعا، فهو الخالق لفعله، والمبيح له، كما في الداعي هو الذي أمره بالدعاء، وهو الذي يجعل الداعي داعيا، فالأمر كله للّه، خلقا وأمرا، كما قال: { أَلاَ لَهُ الْخَلْقُ وَالأَمْرُ } [57].

وقد روي في حديث ذكره ابن أبى حاتم وغيره أنه قال: «فمن يثق به، فليدعه» أي: فلم يبق لغيره لا خلق ولا أمر.

ولما كان المراد الشفاعة المثبتة هي الشفاعة المطلقة، وهى المقصود بالشفاعة وهى المقبولة، بخلاف المردودة، فإن أحدا لا يريدها، لا الشافع ولا المشفوع له، ولا المشفوع إليه، ولو علم الشافع والمشفوع له أنها ترد لم يفعلوها. والشفاعة المقبولة هي النافعة، بين ذلك في مثل قوله: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [58] وقوله: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [59]، فنفى الشفاعة المطلقة وبين أن الشفاعة لا تنفع عنده إلا لمن أذن له، وهو الإذن الشرعى، بمعنى: أباح له ذلك وأجازه، كما قال تعالى: { أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا } [60]، وقوله: { لَا تَدْخُلُوا بُيُوتَ النَّبِيِّ إِلَّا أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ } [61]، وقوله: { لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ } [62]، ونحو ذلك.

وقوله: { إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } هو إذن للمشفوع له فلا يأذن في شفاعة مطلقة لأحد، بل إنما يأذن في أن يشفعوا لمن أذن لهم في الشفاعة فيه، قال تعالى: { يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لَا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [63]، وفيه قولان:

قيل: إلا شفاعة من أذن له الرحمن.

وقيل: لا تنفع الشفاعة إلا لمن أذن له الرحمن، فهو الذي تنفعه الشفاعة.

وهذا هو الذي يذكره طائفة من المفسرين، لا يذكرون غيره؛ لأنه لم يقل: «لا تنفع إلا من أذن له» ولا قال: «لا تنفع الشفاعة إلا فيمن أذن له»، بل قال: { لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ } فهى لا تنفع ولا ينتفع بها، ولا تكون نافعة إلا للمأذون لهم، كما قال تعالى في الآية الأخرى: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [64].

ولا يقال: لا تنفع إلا لشفيع مأذون له، بل لو أريد هذا، لقيل: لا تنفع الشفاعة عنده إلا من أذن له، وإنما قال: { لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وهو المشفوع له، الذي تنفعه الشفاعة.

وقوله: { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ } لم يعد إلى الشفعاء بل عاد إلى المذكورين في قوله: { وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } ثم قال: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ } ثم بين أن هذا منتف { حَتَّى إِذَا فُزِّعَ عَن قُلُوبِهِمْ قَالُوا مَاذَا قَالَ رَبُّكُمْ قَالُوا الْحَقَّ } [65]، فلا يعلمون ماذا قال، حتى يفزع عن قلوبهم فكيف يشفعون بلا إذنه؟

وهو سبحانه إذا أذن للمشفوع له فقد أذن للشافع.

فهذا الإذن هو الإذن المطلق، بخلاف ما إذا أذن للشافع فقط؛ فإنه لا يلزم أن يكون قد أذن للمشفوع له، إذ قد يأذن له إذنا خاصا.

وهكذا قال غير واحد من المفسرين. قالوا: وهذا يدل على أن الشفاعة لا تنفع إلا المؤمنين، وكذلك قال السلف في هذه الآية.

قال قتادة في قوله: { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [66] قال: كان أهل العلم يقولون: إن المقام المحمود الذي قال الله تعالى: { عَسَى أَن يَبْعَثَكَ رَبُّكَ مَقَامًا مَّحْمُودًا } [67]، هو شفاعته يوم القيامة، وقوله: { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } إن الله تعالى يشفع المؤمنين بعضهم في بعض.

قال البغوى: { إِلاَّ مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } أذن الله له أن يشفع له، { وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } أي: ورضى قوله. قال ابن عباس: يعنى قال: «لا إله إلا الله». قال البغوى: فهذا يدل على أنه لا يشفع لغير المؤمن.

وقد ذكروا القولين في قوله تعالى: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } وقدم طائفة هناك: أن المستثنى هو الشافع، دون المشفوع له، بخلاف ما قدموه هنا.

منهم البغوى، فإنه لم يذكر هنا في الاستثناء إلا المشفوع له، وقال هناك: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [68]، في الشفاعة، قاله تكذيبا لهم، حيث قالوا: { هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ } [69]، قال: ويجوز أن يكون المعنى: إلا لمن أذن له أن يشفع له.

وكذلك ذكروا القولين في قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ } [70]، وسنتكلم على هذه الآية إن شاء الله تعالى، ونبين أن الاستثناء فيها يعم الطائفتين، وأنه منقطع.

ومعنى هاتين الآيتين مثل معنى تلك الآية، وهو يعم النوعين. وذلك أنه سبحانه قال: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [71]، والشفاعة: مصدر شفع شفاعة. والمصدر يضاف إلى الفاعل تارة، وإلى محل الفعل تارة، ويماثله الذي يسمى لفظه المفعول به تارة، كما يقال: أعجبني دق الثوب ودق القَصَّار وذلك مثل لفظ العلم، يضاف تارة إلى العلم، وتارة إلى المعلوم، فالأول كقوله: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ } [72]، وقوله: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [73]، وقوله: { أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ } [74]، ونحو ذلك.

والثاني كقوله: { إِنَّ اللَّهَ عِندَهُ عِلْمُ السَّاعَةِ } [75]، فالساعة هنا: معلومة، لا عالمة، وقوله حين قال فرعون: { فَمَا بَالُ الْقُرُونِ الْأُولَى } . قال موسى: { عِلْمُهَا عِندَ رَبِّي فِي كِتَابٍ لَّا يَضِلُّ رَبِّي وَلَا يَنسَى } [76]، ومثل هذا كثير.

فالشفاعة مصدر، لابد لها من شافع ومشفوع له.

والشفاعة: تعم شفاعة كل شافع، وكل شفاعة لمشفوع له.

فإذا قال: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ } نفى النوعين؛ شفاعة الشفعاء والشفاعة للمذنبين. فقوله: { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } يتناول النوعين؛ من أذن له الرحمن ورضى له قولا من الشفعاء، ومن أذن له الرحمن ورضى له قولا من المشفوع له، وهى تنفع المشفوع له، فتخلصه من العذاب، وتنفع الشافع، فتقبل منه، ويكرم بقبولها، ويثاب عليه.

والشفاعة يومئذ لا تنفع لا شافعا ولا مشفوعا له { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [77]، فهذا الصنف المأذون لهم، المرضى قولهم، هم الذين يحصل لهم نفع الشفاعة، وهذا موافق لسائر الآيات.

فإنه تارة يشترط في الشفاعة إذنه، كقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [78].

وتارة يشترط فيها الشهادة بالحق، كقوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } ثم قال: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [79]

وهنا اشترط الأمرين: أن يأذن له الرحمن، وأن يقول صوابا، والمستثنى يتناول مصدر الفاعل والمفعول، كما تقول: لا ينفع الزرع إلا في وقته، فهو يتناول زرع الحارث، وزرع الأرض، لكن هنا قال: { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } والاستثناء مفرغ فإنه لم يتقدم قبل هذا من يستثنى منه هذا، وإنما قال: { لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ } ، فإذا لم يكن في الكلام حذف، كان المعنى: لا تنفع الشفاعة إلا هذا النوع؛ فإنهم تنفعهم الشفاعة، ويكون المعنى: أنها تنفع الشافع والمشفوع له.

وإن جعل فيه حذف تقديره: لا تنفع الشفاعة إلا شفاعة من أذن له الرحمن كان المصدر مضافا إلى النوعين، كل واحد بحسبه، يضاف إلى بعضهم، لكونه شافعا، وإلى بعضهم لكونه مشفوعا له، ويكون هذا كقوله: { وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِاللهِ } [80]، أي من يؤمن، و { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ } [81]، أي مثل داعي الذين كفروا كمثل الناعق، أو مثل الذين كفروا كمثل منعوق به، أي الذي ينعق به، والمعنى في ذلك كله ظاهر معلوم.

فلهذا كان من أفصح الكلام إيجازه، دون الإطناب فيه. وقوله: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ } [82]، إذا كان من هذا الباب، لم يحتج أن الشافع تنفعه الشفاعة، وإن لم يكرمه، كان الشافع ممن تنفعه الشفاعة.

وفى الآية الأخرى: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [83]، من هؤلاء، وهؤلاء.

لكن قد يقال: التقدير: لا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له أن يشفع فيه فيؤذن لغيره أن يشفع فيه، فيكون الإذن للطائفتين. والنفع للمشفوع له، كأحد الوجهين، أو: ولا تنفع إلا لمن أذن له من هؤلاء وهؤلاء، فكما أن الإذن للطائفتين، فالنفع أيضا للطائفتين. فالشافع ينتفع بالشفاعة، وقد يكون انتفاعه بها أعظم من انتفاع المشفوع له، ولهذا قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «اشفعوا تؤجروا، ويقضى الله تعالى على لسان نبيه ما شاء».

ولهذا كان من أعظم ما يكرم به الله عبده محمدا ﷺ: هو الشفاعة التي يختص بها، وهى المقام المحمود، الذي يحمده به الأولون والآخرون.

وعلى هذا، لا تحتاج الآية إلى حذف، بل يكون معناها: يومئذ لا تنفع الشفاعة لا شافعا ولا مشفوعا { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [84].

ولذلك جاء في الصحيح: أن النبي ﷺ قال: «يا بني عبد مناف، لا أملك لكم من الله من شيء، يا صفية عمة رسول الله ﷺ، لا أملك لك من الله من شيء، يا عباس عم رسول الله، لا أملك لك من الله من شيء».

وفى الصحيح أيضا: «لا ألفين أحدكم يأتى يوم القيامة على رقبته بعير له رُغَاء أو شاة لها يُعَار أو رِقَاع تَخْفِق، فيقول: أغثنى، أغثنى، فأقول: قد أبلغتك، لا أملك لك من الله تعالى من شيء».

فيعلم من هذا: أن قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } [85]، و { لَا يَمْلِكُونَ

مِنْهُ خِطَابًا } [86]، على مقتضاه، وأن قوله في الآية: { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ } كقوله ﷺ: «لا أملك لكم من الله من شيء» وهو كقول إبراهيم لأبيه: { وما أملك لك من الله من شيء } [87].

وهذه الآية تشبه قوله تعالى: { رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [88]، فإن هذا مثل قوله: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [89]، ففى الموضعين اشترط إذنه. فهناك ذكر «القول الصواب» وهنا ذكر «أن يرضى قوله». ومن قال: الصواب رضى الله قوله، فإن الله إنما يرضى بالصواب.

وقد ذكروا في تلك الآية قولين:

أحدهما: أنه الشفاعة أيضا كما قال ابن السائب: لا يملكون شفاعة إلا بإذنه.

والثاني: لا يقدر الخلق على أن يكلموا الرب إلا بإذنه. قال مقاتل: كذلك قال مجاهد: { لا يّمًلٌكٍونّ مٌنًهٍ خٌطّابْا } قال: كلاما. هذا من تفسيره الثابت عنه، وهو مِن أعلم أو أعلم التابعين بالتفسير.

قال الثورى: إذا جاءك التفسير عن مجاهد، فحسبك به. وقال: عرضت المصحف على ابن عباس: أقفه عند كل آية وأسأله عنها. وعليه اعتمد الشافعى وأحمد والبخاري في صحيحه.

وهذا يتناول الشفاعة أيضا.

وفى قوله: { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } لم يذكر استثناء؛ فإن أحدا لا يملك من الله خطابا مطلقا؛ إذ المخلوق لا يملك شيئا يشارك فيه الخالق، كما قد ذكرناه في قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } [90]، أن هذا عام مطلق، فإن أحدا ممن يدعى من دونه لا يملك الشفاعة بحال، ولكن الله إذا أذن لهم شفعوا من غير أن يكون ذلك مملوكا لهم، وكذلك قوله: { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } هذا قول السلف وجمهور المفسرين.

وقال بعضهم: هؤلاء هم الكفار، لا يملكون مخاطبة الله في ذلك اليوم، قال ابن عطية: قوله: { لَا يَمْلِكُونَ } الضمير للكفار، أي: لا يملكون من إفضاله وإكماله أن يخاطبوه بمعذرة ولا غيرها.

وهذا مبتدع، وهو خطأ محض.

والصحيح: قول الجمهور والسلف أن هذا عام، كما قال في آية أخرى: { وَخَشَعَت الْأَصْوَاتُ لِلرَّحْمَنِ فَلَا تَسْمَعُ إِلَّا هَمْسًا } [91]، وفي حديث التجلي الذي في الصحيح لما ذكر مرورهم على الصراط قال ﷺ: «ولا يتكلم أحد إلا الرسل، ودعوى الرسل: اللهم سَلِّمْ سَلِّمْ»، فهذا في وقت المرور على الصراط، وهو بعد الحساب والميزان، فكيف بما قبل ذلك؟

وقد طلبت الشفاعة من أكابر الرسل، وأولي العزم، وكل يقول: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله، ولن يغضب بعده مثله، وإني فعلت كذا وكذا، نفسي، نفسي، نفسي». فإذا كان هؤلاء لا يتقدمون إلى مخاطبة الله تعالى تعالى بالشفاعة، فكيف بغيرهم؟

وأيضا، فإن هذه الآية مذكورة بعد ذكر المتقين وأهل الجنة، وبعد أن ذكر الكافرين، فقال: { إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ مَفَازًا حَدَائِقَ وَأَعْنَابًا وَكَوَاعِبَ أَتْرَابًا وَكَأْسًا دِهَاقًا لَّا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا وَلَا كِذَّابًا جَزَاء مِّن رَّبِّكَ عَطَاء حِسَابًا رَبِّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا بَيْنَهُمَا الرحْمَنِ لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا يَوْمَ يَقُومُ الرُّوحُ وَالْمَلَائِكَةُ صَفًّا لَّا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } [92]، فقد أخبر أن الروح والملائكة يقومون صفا، لا يتكلمون. وهذا هو تحقيق قوله: { لَا يَمْلِكُونَ مِنْهُ خِطَابًا } والعرب تقول: ما أملك من أمر فلان، أو من فلان شيئا، أي: لا أقدر من أمره على شيء، وغاية ما يقدر عليه الإنسان من أمر غيره خطابة، ولو بالسؤال.

فهم في ذلك الموطن لا يملكون من الله تعالى شيئا، ولا الخطاب؛ فإنه لا يتكلم أحد إلا بإذنه، ولا يتكلم إلا من أذن له الرحمن وقال صوابا، قال تعالى: { إِلَّا قَوْلَ إِبْرَاهِيمَ لِأَبِيهِ لَأَسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْلِكُ لَكَ مِنَ اللَّهِ مِن شَيْءٍ } [93]، فقد أخبر الخليل أنه لا يملك لأبيه من الله من شيء، فكيف غيره؟

وقال مجاهد أيضا: { إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرحْمَنُ وَقَالَ صَوَابًا } قال: حقا في الدنيا، وعملا به. رواه والذي قبله عبد بن حميد. وروى عن عكرمة: { وَقَالَ صَوَابًا } قال: الصواب قول لا إله إلا الله.

فعلى قول مجاهد: يكون المستثنى من أتى بالكلم الطيب والعمل الصالح.

وقوله في سوره طه: { لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [94]، فإذا جعلت هذا مثل تلك، فتكون الشفاعة هي الشفاعة المطلقة، وهي الشفاعة في الحسنات وفى دخول الجنة، كما في الصحيحين: «أن الناس يهتمون يوم القيامة، فيقولون: لو استشفعنا على ربنا حتى يرحنا من مقامنا هذا؟ »، فهذا طلب الشفاعة للفصل بينهم.

وفى حديث الشفاعة: «أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن» فهذه شفاعة في أهل الجنة؛ ولهذا قيل: إن هاتين الشفاعتين مختصتان بمحمد ﷺ، ويشفع غيره في العصاة.

فقوله: { يَوْمَئِذٍ لَّا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَنُ وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } [95]، يدخل فيها الشفاعة في أهل الموقف عموما، وفى أهل الجنة، وفي المستحقين للعذاب. وهو سبحانه في هذه وتلك لم يذكر العمل، إنما قال: { وَقَالَ صَوَابًا } وقال: { وَرَضِيَ لَهُ قَوْلًا } ، ولكن قد دل الدليل على أن القول الصواب المرضي لا يكون صاحبه محمودا إلا مع العمل الصالح، لكن نفس القول مَرْضِى، فقد قال الله: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [96].

وقد ذكر البغوي وأبو الفرج ابن الجوزي وغيرهما في قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [97] قولين: أحدهما: أن المستثنى هو الشافع، ومحل من الرفع. والثاني: هو المشفوع له.

قال أبو الفرج: في معنى الآية قولان: أحدهما: أنه أراد ب { الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ } آلهتهم، ثم استثنى عيسى وعزيزا والملائكة، فقال: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ } وهو شهادة أن لا إله إلا الله { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } بقلوبهم ما شهدوا به بألسنتهم. قال: وهذا مذهب الأكثرين، منهم قتادة.

والثاني: أن المراد ب { الَّذِينَ يَدْعُونَ } عيسى و عزيرا والملائكة، الذين عبدهم المشركون، لا يملك هؤلاء الشفاعة لأحد { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ } وهي كلمة الإخلاص { وَهُمْ يَعْلَمُونَ } أن الله تعالى خلق عيسى وعزيرا والملائكة. وهذا مذهب قوم، منهم مجاهد.

وقال البغوي: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ } [98]، هم عيسى وعزير والملائكة؛ فإنهم عبدوا من دون الله تعالى، ولهم الشفاعة. وعلى هذا تكون "من" في محل رفع. وقيل: من في محل خفض، وأراد ب { الَّذِينَ يَدْعُونَ }: عيسى وعزيرا والملائكة، يعنى: أنهم لا يملكون الشفاعة إلا لمن شهد بالحق. قال: والأول أصح.

قلت: قد ذكر جماعة قول مجاهد وقتادة، منهم ابن أبى حاتم. روى بإسناده المعروف على شرط الصحيح عن مجاهد قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } عيسى وعزير والملائكة، يقول: لا يشفع عيسى وعزير والملائكة { إلا مّن شّهٌدّ بٌالًحّقٌَ } يعلم الحق. هذا لفظه. جعل شفع متعديا بنفسه وكذلك لفظ... [99].

وعلى هذا، فيكون منصوبا، لا يكون مخفوضا، كما قاله البغوي ؛ فإن الحرف الخافض إذا حذف انتصب الاسم، ويكون على هذا يقال: شفعته، وشفعت له، كما يقال: نصحته، ونصحت له. وشفع أي صار شفيعا للطالب، أي لا يشفعون طالبا ولا يعينون طالبا { إلا من شهد بالحق وهم يعلمون } أن الله ربهم.

وروى بإسناده عن قتادة { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } . الملائكة وعيسى وعزير، أي أنهم قد عبدوا من دون الله، ولهم شفاعة عند الله ومنزلة.

قلت: كلا القولين معناه صحيح، لكن التحقيق في تفسير الآية: أن الاستثناء منقطع، ولا يملك أحد من دون الله الشفاعة مطلقا، لا يستثنى من ذلك أحد عند الله؛ فإنه لم يقل: ولا يشفع أحد، ولا قال: لا يشفع لأحد، بل قال: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } وكل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة البتة.

والشفاعة بإذن ليست مختصة بمن عبد من دون الله.

وسيد الشفعاء ﷺ لم يعبد كما عبد المسيح، وهو مع هذا له شفاعة، ليست لغيره، فلا يحسن أن تثبت الشفاعة لمن دعى من دون الله دون من لم يدع.

فمن جعل الاستثناء متصلا، فإن معنى كلامه: أن من دعى من دون الله تعالى لا يملك الشفاعة، إلا أن يشهد بالحق وهو يعلم، أو لا يشفع إلا لمن شهد بالحق وهو يعلم، ويبقى الذين لم يدعوا من دون الله، لم تذكر شفاعتهم لأحد، وهذا المعنى لا يليق بالقرآن ولا يناسبه، وسبب نزول الآية يبطله أيضا.

وأيضا، فقوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } يتناول كل معبود من دونه، ويدخل في ذلك الأصنام؛ فإنهم كانوا يقولون: هم يشفعون لنا.

قال تعالى: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ وَيَقُولُونَ هَؤُلاء شُفَعَاؤُنَا عِندَ اللهِ قُلْ أَتُنَبِّئُونَ اللهَ بِمَا لاَ يَعْلَمُ فِي السَّمَاوَاتِ وَلاَ فِي الأَرْضِ } [100].

فإذا قيل: إنه استثنى الملائكة والأنبياء، كان في هذا إطماع لمن عندهم أن معبوديهم من دون الله تعالى يشفعون لهم، وهذا مما يبين فساد القول المذكور عن قتادة.

فإنه إذا كان المعنى: أن المعبودين لا يشفعون إلا إذا كانوا ملائكة أو أنبياء، كان في هذا إثبات شفاعة المعبودين لمن عبدوهم، إذا كانوا صالحين، والقرآن كله يبطل هذا المعنى؛ ولهذا قال تعالى: { وَكَم مِّن مَّلَكٍ فِي السَّمَاوَاتِ لَا تُغْنِي شَفَاعَتُهُمْ شَيْئًا إِلَّا مِن بَعْدِ أَن يَأْذَنَ اللَّهُ لِمَن يَشَاء وَيَرْضَى } [101]، وقال تعالى: { وَقَالُوا اتَّخَذَ الرَّحْمَنُ وَلَدًا سُبْحَانَهُ بَلْ عِبَادٌ مُّكْرَمُونَ لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُم بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ } [102]، فبين أنهم لا يشفعون إلا لمن ارتضى الرب، فعلم أنه لابد أن يؤذن لهم في من يشفعون فيه، وأنهم لا يؤذن لهم إذن مطلق.

وأيضا، فإن في القرآن: إذا نفى الشفاعة من دونه نفاها مطلقا؛ فإن قوله: { مِن دُونِهِ } إما أن يكون متصلا بقوله: { يملكون } أو بقوله: { يَدْعُونَ } أو بهما. فالتقدير: لا يملك الذين يدعونهم الشفاعة من دونه، أو لا يملك الذين يدعونهم من دونه أن يشفعوا. وهذا أظهر ؛ لأنه قال: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } فأخر { الشَّفَاعَةَ } وقدم { مِن دُونِهِ }.

ومثل هذا كثير في القرآن: «يدعون من دون الله» و «يعبدون من دون الله»، كقوله: { وَيَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَضُرُّهُمْ وَلاَ يَنفَعُهُمْ } [103]، وقوله: { وَلاَ تَدْعُ مِن دُونِ اللهِ مَا لاَ يَنفَعُكَ وَلاَ يَضُرُّكَّ } [104].

بخلاف ما إذا قيل: لا يملك الذين يدعون الشفاعة من دونه؛ فإن هذا لا نظير له في القرآن، واللفظ المستعمل في مثل هذا أن يقال: لا يملك الذين يدعون الشفاعة إلا بإذنه، أو لمن ارتضى، ونحو ذلك. لا يقال في هذا المعنى: «من دونه»؛ فإن الشفاعة هي من عنده، فكيف تكون من دونه؟ لكن قد تكون بإذنه، وقد تكون بغير إذنه.

وأيضا، فإذا قيل: { بَّذٌينّ يّدًعٍونّ } مطلقا، دخل فيه الرب تعالى؛ فإنهم كانوا يدعون الله، ويدعون معه غيره؛ ولهذا قال: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ } [105].

والتقدير الثالث: لا يملك الذين يدعون من دونه الشفاعة من دونه، وهذا أجود من الذي قبله، لكن يَرِدُ عليه ما يَرِدُ على الأول.

ومما يضعفهما أن الشفاعة لم تذكر بعدها صلة لها، بل قال: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } فنفى ملكهم الشفاعة مطلقا. وهذا هو الصواب. وإن كل من دعى من دون الله لا يملك الشفاعة؛ فإن المالك للشيء هو الذي يتصرف فيه بمشيئته وقدرته، والرب تعالى لا يشفع أحد عنده إلا بإذنه، فلا يملك أحد من المخلوقين الشفاعة بحال، ولا يقال في هذا: { إِلاَّ بِإِذْنِهِ } إنما يقال ذلك في الفعل، فيقال: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [106].

وأما في الملك، فلا يمكن أن يكون غيره مالكا لها، فلا يملك مخلوق الشفاعة بحال، ولا يتصور أن يكون نبي فمن دونه مالكا لها، بل هذا ممتنع، كما يمتنع أن يكون خالقا وربا، وهذا كما قال: { قُلِ ادْعُوا الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِ اللَّهِ لَا يَمْلِكُونَ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَلَا فِي الْأَرْضِ وَمَا لَهُمْ فِيهِمَا مِن شِرْكٍ وَمَا لَهُ مِنْهُم مِّن ظَهِيرٍ } فنفى الملك مطلقا، ثم قال: { وَلَا تَنفَعُ الشَّفَاعَةُ عِندَهُ إِلَّا لِمَنْ أَذِنَ لَهُ } [107]، فنفى نفع الشفاعة إلا لمن استثناه، لم يثبت أن مخلوقا يملك الشفاعة، بل هو سبحانه له الملك وله الحمد، لا شريك له في الملك، قال تعالى: { تَبَارَكَ الَّذِي نَزَّلَ الْفُرْقَانَ عَلَى عَبْدِهِ لِيَكُونَ لِلْعَالَمِينَ نَذِيرًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَمْ يَتَّخِذْ وَلَدًا وَلَمْ يَكُن لَّهُ شَرِيكٌ فِي الْمُلْكِ وَخَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ فَقَدَّرَهُ تَقْدِيرًا } [108].

ولهذا لما نفى الشفعاء من دونه نفاهم نفيا مطلقا بغير استثناء، وإنما يقع الاستثناء إذا لم يقيدهم بأنهم من دونه، كما قال تعالى: { وَأَنذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَن يُحْشَرُواْ إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُم مِّن دُونِهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } [109]، وكما قال تعالى: { وَذَكِّرْ بِهِ أَن تُبْسَلَ نَفْسٌ بِمَا كَسَبَتْ لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللهِ وَلِيٌّ وَلاَ شَفِيعٌ } [110]، وكما قال تعالى: { مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ } [111]، فلما قال: { مِّن دُونِهِ } نفى الشفاعة مطلقا، وإذا ذكر { بِإِذْنِهِ } لم يقل: «من دونه» كقوله: { مَن ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ } [112]، وقوله: { مَا مِن شَفِيعٍ إِلاَّ مِن بَعْدِ إِذْنِهِ } [113].

فمن تدبر القرآن تبين له أنه كما قال تعالى: { اللَّهُ نَزَّلَ أَحْسَنَ الْحَدِيثِ كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } [114]، يشبه بعضه بعضا، ويصدق بعضه بعضا، ليس بمختلف ولا بمتناقض { وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفًا كَثِيرا } [115].

وهو مثاني يثنى الله تعالى فيه الأقسام، ويستوفيها.

والحقائق إما متماثلة، وهي المتشابه وإما مماثلة، وهي: الأصناف والأقسام والأنواع. وهي «المثاني».

والتثنية يراد بها: جنس التعديد، من غير اقتصار على اثنين فقط، كما في قوله تعالى: { ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [116]، يراد به: مطلق العدد، كما تقول: قلت له مرة بعد مرة، تريد: جنس العدد. وتقول: هو يقول كذا، ويقول كذا، وإن كان قد قال مرات، كقول حذيفة بن اليمان رضى الله عنهما عن النبي ﷺ: أنه جعل يقول بين السجدتين: «رب اغفر لي، رب اغفر لي» لم يرد: أن هذا قاله مرتين فقط، كما يظنه بعض الناس الغالطين، بل يريد: أنه جعل يثنى هذا القول، ويردده، ويكرره، كما كان يثنى لفظ التسبيح.

وقد قال حذيفة رضي الله عنه في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم إنه ركع نحوا من قيامه، يقول في ركوعه: «سبحان ربى العظيم، سبحان ربي العظيم». وذكر أنه سجد نحوا من قيامه، يقول في سجوده: «رب اغفر لي، رب اغفر لي».

وقد صرح في الحديث الصحيح أنه أطال الركوع والسجود بقدر البقرة والنساء وآل عمران فإنه قام بهذه السور كلها، وذكر أنه كان يقول: «سبحان ربي العظيم، سبحان ربي العظيم، سبحان ربي الأعلى، سبحان ربي الأعلى».

فعلم أنه أراد بتثنية اللفظ: جنس التعداد والتكرار، لا الاقتصار على مرتين، فإن الاثنين أول العدد الكثير. فذكر أول الأعداد يعنى أنه عدد هذا اللفظ، لم يقتصر على مرة واحدة، فالتثنية التعديد، والتعديد يكون للأقسام المختلفة.

وليس في القرآن تكرار محض، بل لابد من فوائد في كل خطاب.

فالمتشابه في النظائر المتماثلة، والمثاني في الأنواع. وتكون التثنية في المتشابه، أي هذا المعنى قد ثنى في القرآن لفوائد أخر.

فالمثاني تعم هذا وهذا. وفاتحة الكتاب: هي السبع المثاني لتضمنها هذا وهذا، وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود هنا أن قوله: { وَلَا يَمْلِكُ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِهِ الشَّفَاعَةَ } قد تم الكلام هنا، فلا يملك أحد من المعبودين من دون الله الشفاعة البتة، ثم استثنى: { إِلَّا مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } [117]، فهذا استثناء منقطع. والمنقطع يكون في المعنى المشترك بين المذكورين. فلما نفى ملكهم الشفاعة، بقيت الشفاعة بلا مالك لها.

كأنه قد قيل: فإذا لم يملكوها، هل يشفعون في أحد؟ فقال: نعم { مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ }

وهذا يتناول الشافع والمشفوع له، فلا يشفع إلا من شهد بالحق وهم يعلمون، فالملائكة والأنبياء والصالحون وإن كانوا لا يملكون الشفاعة لكن إذا أذن الرب لهم شفعوا، وهم لا يؤذن لهم إلا في الشفاعة للمؤمنين، الذين يشهدون أن لا إله إلا الله، فيشهدون بالحق وهم يعلمون، لا يشفعون لمن قال هذه الكلمة تقليدا للآباء والشيوخ، كما جاء الحديث الصحيح: «إن الرجل يسأل في قبره: ما تقول في هذا الرجل؟ فأما المؤمن، فيقول: هو عبد الله ورسوله، جاءنا بالبينات والهدى. وأما المرتاب، فيقول: هاه هاه، لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئا فقلته» فلهذا قال: { إِلاَّ مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } .

وقد تقدم قول ابن عباس؛ يعني من قال: «لا إله إلا الله تعالى» يعنى: خالصا من قلبه.

والأحاديث الصحيحة الواردة في الشفاعة، كلها تبين أن الشفاعة إنما تكون في أهل «لا إله إلا الله».

وقد ثبت في صحيح البخاري: أن أبا هريرة قال لرسول الله ﷺ: من أسعد الناس بشفاعتك يوم القيامة؟ قال: «يا أبا هريرة، لقد ظننت ألا يسألني عن هذا الحديث أحد أول منك؛ لما رأيت من حرصك على الحديث، أسعد الناس بشفاعتى يوم القيامة من قال: لا إله إلا الله تعالى، خالصا من قبل نفسه».

فبين أن المخلص لها من قبل نفسه، هو أسعد بشفاعته ﷺ من غيره ممن يقولها بلسانه، وتكذبها أقواله وأعماله.

فهؤلاء هم الذين شهدوا بالحق، شهدوا «أن لا إله إلا الله تعالى»، كما شهد الله تعالى لنفسه بذلك وملائكته وأولو العلم { شَهِدَ اللهُ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَالْمَلاَئِكَةُ وَأُوْلُواْ الْعِلْمِ قَآئِمَا بِالْقِسْطِ لاَ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ } [118].

فإذا شهدوا وهم يعلمون كانوا من أهل الشفاعة، شافعين، ومشفوعا لهم.

فإن المؤمنين أهل التوحيد يشفع بعضهم في بعض، كما ثبت ذلك في الأحاديث الصحيحة، كما ثبت في الصحيحين من حديث أبي سعيد الخدري رضي الله عنه عن النبي ﷺ قال في الحديث الطويل، حديث التجلي والشفاعة: «حتى إذا خلص المؤمنون من النار، فوالذي نفسي بيده، ما منكم من أحد بأشد مناشدة لله تعالى في استيفاء الحق من المؤمنين للّه يوم القيامة لإخوانهم الذين في النار، يقولون: ربنا، كانوا يصومون معنا، ويصلون، ويحجون. فيقال لهم: أخرجوا من عرفتم، فتحرم صورهم على النار» وذكر تمام الحديث.

وسبب نزول الآية على ما ذكروه مؤيد لما ذكره.

قال أبو الفرج ابن الجوزي: سبب نزولها: أن النضر بن الحارث ونفرا معه قالوا: إن كان ما يقول محمد حقا، فنحن نتولى الملائكة، فهم أحق بالشفاعة من محمد، فنزلت هذه الآية. قاله مقاتل.

وعلى هذا، فيقصد أن الملائكة وغيرهم لا يملكون الشفاعة، فليس توليكم إياهم، واستشفاعكم بهم بالذي يوجب أن يشفعوا لكم؛ فإن أحدا ممن يدعى من دون الله لا يملك الشفاعة، ولكن { مَن شَهِدَ بِالْحَقِّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ } فإن الله يشفع فيه.

فالذي تنال به الشفاعة هي الشهادة بالحق، وهي شهادة أن لا إله إلا الله، لا تنال بتولى غير الله؛ لا الملائكة، ولا الأنبياء ولا الصالحين.

فمن والى أحدا من هؤلاء ودعاه، وحج إلى قبره، أو موضعه، ونذر له، وحلف به، وقرب له القرابين ليشفع له، لم يغن ذلك عنه من الله شيئا، وكان من أبعد الناس عن شفاعته وشفاعة غيره؛ فإن الشفاعة إنما تكون لأهل توحيد الله، وإخلاص القلب والدين له، ومن تولى أحدا من دون الله فهو مشرك.

فهذا القول والعبادة الذي يقصد به المشركون الشفاعة يحرم عليهم الشفاعة، فالذين عبدوا الملائكة والأنبياء والأولياء والصالحين، ليشفعوا لهم، كانت عبادتهم إياهم وإشراكهم بربهم، الذي به طلبوا شفاعتهم، به حرموا شفاعتهم، وعوقبوا بنقيض قصدهم؛ لأنهم أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا.

وكثير من أهل الضلال يظن أن الشفاعة تنال بهذه الأمور التي فيها شرك، أو هي شرك خالص، كما ظن ذلك المشركون الأولون، وكما يظنه النصارى، ومن ضل من المنتسبين إلى الإسلام، الذين يدعون غير الله، ويحجون إلى قبره أو مكانه، وينذرون له، ويحلفون به، ويظنون أنه بهذا يصير شفيعا لهم، قال تعالى: { قُلِ ادْعُواْ الَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ فَلاَ يَمْلِكُونَ كَشْفَ الضُّرِّ عَنكُمْ وَلاَ تَحْوِيلا أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } [119].

قال طائفة من السلف: كان أقوام يعبدون المسيح والعزير والملائكة، فبين الله أنهم لا يملكون كشف الضر عنهم ولا تحويله، كما بين أنهم لا يملكون الشفاعة، وهذا لا استثناء فيه، وإن كان الله يجيب دعاءهم، ثم قال: { أُولَئِكَ الَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَى رَبِّهِمُ الْوَسِيلَةَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ وَيَرْجُونَ رَحْمَتَهُ وَيَخَافُونَ عَذَابَهُ إِنَّ عَذَابَ رَبِّكَ كَانَ مَحْذُورًا } ، فبين أن هؤلاء المزعومين، الذين يدعونهم من دون الله كانوا يرجون رحمة الله تعالى ويخافون عذابه، ويتقربون إليه بالأعمال الصالحة، كسائر عباده المؤمنين وقد قال تعالى: { وَلاَ يَأْمُرَكُمْ أَن تَتَّخِذُواْ الْمَلاَئِكَةَ وَالنِّبِيِّيْنَ أَرْبَابًا أَيَأْمُرُكُم بِالْكُفْرِ بَعْدَ إِذْ أَنتُم مُّسْلِمُون } [120].

وللناس في الشفاعة أنواع من الضلال، قد بسطت في غير هذا الموضع.

فكثير منهم يظن أن الشفاعة هي بسبب اتصال روح الشافع بروح المشفوع له، كما ذكر ذلك أبو حامد الغزالى وغيره، ويقولون: من كان أكثر صلاة على النبي ﷺ، كان أحق بالشفاعة من غيره، وكذلك من كان أحسن ظنا بشخص، وأكثر تعظيما له، كان أحق بشفاعته.

وهذا غلط، بل هذا هو قول المشركين الذين قالوا: نتولى الملائكة ليشفعوا لنا، يظنون أن من أحب أحدا، من الملائكة والأنبياء والصالحين وتولاه، كان ذلك سببا لشفاعته له. وليس الأمر كذلك بل الشفاعة سببها توحيد الله وإخلاص الدين والعبادة بجميع أنواعها له، فكل من كان أعظم إخلاصا كان أحق بالشفاعة، كما أنه أحق بسائر أنواع الرحمة؛ فإن الشفاعة من الله مبدؤها، وعلى الله تعالى تمامها، فلا يشفع أحد إلا بإذنه، وهو الذي يأذن للشافع، وهو الذي يقبل شفاعته في المشفوع له.

وإنما الشفاعة سبب من الأسباب التي بها يرحم الله من يرحم من عباده، وأحق الناس برحمته هم أهل التوحيد والإخلاص له، فكل من كان أكمل في تحقيق إخلاص «لا إله إلا الله» علما وعقيدة، وعملا وبراءة، وموالاة ومعاداة، كان أحق بالرحمة.

والمذنبون الذين رجحت سيئاتهم على حسناتهم فخَفَّت موازينهم فاستحقوا النار من كان منهم من أهل «لا إله إلا الله» فإن النار تصيبه بذنوبه، ويميته الله في النار إماتة، فتحرقه النار إلا موضع السجود، ثم يخرجه الله من النار بالشفاعة، ويدخله الجنة، كما جاءت بذلك الأحاديث الصحيحة.

فبين أن مدار الأمر كله على تحقيق كلمة الإخلاص، وهى «لا إله إلا الله» لا على الشرك بالتعلق بالموتى وعبادتهم، كما ظنه الجاهليون، وهذا مبسوط في غير هذا الموضع.

والمقصود هنا أن النبي ﷺ كان يجمع بين الحمد الذي هو رأس الشكر، وبين التوحيد والاستغفار إذا رفع رأسه من الركوع فيقول: «ربنا ولك الحمد، ملء السموات وملء الأرض وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجَد منك الجد» ثم يقول: «اللهم طهرنى بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما يُنَقى الثوب الأبيض من الدَّنَس» كما رواه مسلم في الصحيح عن أبى سعيد الخدرى رضى الله تعالى عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسهمن الركوع قال: «اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد، أحق ما قال العبد، وكلنا لك عبد، لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت ولا ينفع ذا الجد منك الجد».

وروى مسلم أيضا عن عبد الله بن أبى أوفى رضى الله عنه قال: كان رسول الله ﷺ إذا رفع رأسه من الركوع قال: «سمع الله لمن حمده، اللهم ربنا لك الحمد، ملء السموات وملء الأرض، وملء ما شئت من شيء بعد، اللهم طهرنى بالثلج والبرد، والماء البارد، اللهم طهرنى من الذنوب والخطايا كما ينقى الثوب الأبيض من الوَسَخ».

وقد روى مسلم في صحيحه أيضا عن النبي ﷺ أنه كان يقول: «اللهم لك الحمد»، وقال: «وملء الأرض، وملء ما بينهما»، ولم يذْكَر في بعض الروايات؛ لأن «السموات والأرض». قد يراد بهما العلو والسفل مطلقا، فيدخل في ذلك الهواء وغيره؛ فإنه عال بالنسبة إلى ما تحته، وسافل بالنسبة إلى ما فوقه، فقد يجعل من السماء، كما يجعل السحاب سماء، والسقف سماء، وكذا قال في القرآن: { هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ } [121]، ولم يقل: «وما بينهما» كما يقول: { اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ مَا لَكُم مِّن دُونِهِ مِن وَلِيٍّ وَلَا شَفِيعٍ } [122].

فتارة يذكر قوله: «وما بينهما» فيما خلقه في ستة أيام، وتارة لا يذكره، وهو مراد؛ فإن ذكره كان إيضاحا وبيانا، وإن لم يذكره دخل في لفظ «السموات والأرض». ولهذا كان النبي ﷺ تارة يقول: «ملء السموات وملء الأرض» ولا يقول: «وما بينهما»، وتارة يقول: «وما بينهما» وفيها كلها: «وملء ما شئت من شيء بعد»، وفى رواية أبى سعيد: «أحق ما قال العبد» إلى آخره، وفى رواية ابن أبى أوْفَى: «الدعاء بالطهارة من الذنوب».

ففى هذا، الحمد رأس الشكر والاستغفار، فإن ربنا غفور وشكور، فالحمد بإزاء النعمة، والاستغفار بإزاء الذنوب.

وذلك تصديق قوله تعالى: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ وَمَا أَصَابَكَ مِن سَيِّئَةٍ فَمِن نَّفْسِك } [123].

ففى سيد الاستغفار: «أبوء لك بنعمتك عليّ وأبوء بذنبي»، وفى حديث أبي سعيد: «الحمد رأس الشكر والتوحيد»، كما جمع بينهما في أم القرآن؛ فأولها تحميد، وأوسطها توحيد، وآخرها دعاء، وكما في قوله: { هُوَ الْحَيُّ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ فَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ } [124].

وفى حديث الموطأ: «أفضل ما قلتُ أنا والنبيون من قبلى: لا إله إلا الله تعالى، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهوعلى كل شيء قدير من قالها كتب الله تعالى له ألف حسنة، وحط عنه ألف سيئة وكانت له حِرْزًا من الشيطان يومه ذلك، ولم يأت أحد بأفضل مما جاء به، إلا رجل قال مثلها، أو زاد عليه، ومن قال في يوم مائة مرة: سبحان الله وبحمده، حطت خطاياه، ولو كانت مثل زَبَد البحر».

وفضائل هذه الكلمات في أحاديث كثيرة، وفيها: التوحيد والتحميد.

فقوله: «لا إله إلا الله، وحده لا شريك له» توحيد، وقوله: «له الملك وله الحمد» تحميد، وفيها معان أخرى شريفة.

وقد جاء الجمع بين التوحيد، والتحميد، والاستغفار، في مواضع؛ مثل حديث كفارة المجلس: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك» فيه: التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار. من قالها في مجلس؛ إن كان مجلس لغط كانت كفارة له، وإن كان مجلس ذكر كانت كالطابع له، وفى حديث أيضا: «إن هذا يقال عقب الوضوء».

ففى الحديث الصحيح في مسلم وغيره من حديث عقبة عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه أنه قال: قال رسول الله ﷺ: «ما منكم من أحد يتوضأ فيَسْبغ الوضوء، ثم يقول: أشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، إلا فُتحِت له أبواب الجنة الثمانية، يدخل من أيها شاء». وفى حديث آخر أنه يقول: «سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك».

وقد روى عن طائفة من السلف، في الكلمات التي تلقاها آدم من ربه، ونحو هذه الكلمات.

روى ابن جرير عن مجاهد أنه قال: «اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسى، فاغفر لي، إنك خير الغافرين، اللهم لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسى فارحمنى، فأنت خير الراحمين، لا إله إلا أنت، سبحانك وبحمدك، رب إنى ظلمت نفسى، فتب على، إنك أنت التواب الرحيم». فهذه الكلمات من جنس خاتمة الوضوء، وخاتمة الوضوء فيها التسبيح، والتحميد، والتوحيد، والاستغفار.

فالتسبيح، والتحميد، والتوحيد لله تعالى؛ فإنه لا يأتى بالحسنات إلا هو.

والاستغفار من ذنوب النفس، التي منها تأتى السيئات.

وقد قرن الله في كتابه بين التوحيد، والاستغفار في غيرموضع، كقوله: { فَاعْلَمْ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ } [125]، وفى قوله: { أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ اللهَ إِنَّنِي لَكُم مِّنْهُ نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ وَأَنِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ } [126] وفى قوله: { قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِّثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ فَاسْتَقِيمُوا إِلَيْهِ وَاسْتَغْفِرُوهُ } [127].

وفى حديث رواه ابن أبى عاصم وغيره: «يقول الشيطان: أهلكتُ الناس بالذنوب، وأهلكونى بالاستغفار، وبلا إله إلا الله، فلما رأيت ذلك بَثَثْت فيهم الأهواء، فهم يذنبون ولا يستغفرون؛ لأنهم يحسبون أنهم يحسنون صُنُعًا».

و«لا إله إلا الله» تقتضى الإخلاص والتوكل والإخلاص يقتضي الشكر، فهى أفضل الكلام، وهى أعلى شعب الإيمان، كما ثبت في الصحيحين عن النبي ﷺ، أنه قال: «الإيمان بضْعُ وستون أو بضع وسبعون شُعْبَة، أعلاها قول لا إلا إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».

ف «لا إله إلا الله» هي قطب رحَى الإيمان، وإليها يرجع الأمر كله.

والكتب المنزلة مجموعة في قوله تعالى: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [128]، وهي معنى «لا إله إلا الله» و «لا حول ولا قوة إلا بالله» هي من معنى «لا إله إلا الله» و«الحمد لله» في معناها، و«سبحان الله والله أكبر» من معناها، لكن فيها تفصيل بعد إجمال.

هامش

  1. [النساء: 79]
  2. [النحل: 53]
  3. [النحل: 53]
  4. [النحل: 53، 54]
  5. [الروم: 33، 43]
  6. [الأنعام: 63، 64]
  7. [الزمر: 8]
  8. [الآيتان: 40، 41]
  9. [الأنعام: 42، 43]
  10. [المؤمنون: 76]
  11. [التوبة: 126]
  12. [السجدة: 21]
  13. [يونس: 12]
  14. [فصلت: 51]
  15. [الإسراء: 67]
  16. [النحل: 53، 54]
  17. [الأنبياء: 87، 88]
  18. [ص: 34، 35]
  19. [ص: 21 25]
  20. [الأعراف: 22، 23]
  21. [البقرة: 37]
  22. [آل عمران: 146 148]
  23. [آل عمران: 144]
  24. [الحجرات: 15]
  25. [الأنفال: 10]
  26. [آل عمران: 148]
  27. [الفاتحة: 5]
  28. [هود: 123]
  29. [هود: 88]
  30. [المزمل: 8، 9]
  31. [يونس: 18]
  32. [الزمر: 3]
  33. [الأحقاف: 27، 28]
  34. [الأحزاب: 6]
  35. [التوبة: 24]
  36. [الفاتحة: 5]
  37. [هود: 123]
  38. [البقرة: 255]
  39. [البقرة: 255]
  40. [آل عمران: 154]
  41. [آل عمران: 128]
  42. [الأعراف: 54]
  43. [البقرة: 102]
  44. [آل عمران: 166]
  45. [الأحزاب: 45، 46]
  46. [الحشر: 5]
  47. [البقرة: 255]
  48. [البقرة: 255]
  49. [البقرة: 2]
  50. [النازعات: 45]
  51. [ق: 45]
  52. [فصلت: 17]
  53. [هود: 47]
  54. [التوبة: 84]
  55. [المنافقون: 6]
  56. [الشعراء: 100، 101]
  57. [الأعراف: 54]
  58. [سبأ: 23]
  59. [طه: 109]
  60. [الحج: 39]
  61. [الأحزاب: 53]
  62. [النور: 58]
  63. [طه: 108، 109]
  64. [سبأ: 23]
  65. [سبأ: 22، 23]
  66. [طه: 109]
  67. [الإسراء: 79]
  68. [سبأ: 23]
  69. [يونس: 18]
  70. [الزخرف: 86]
  71. [طه: 109]
  72. [البقرة: 255]
  73. [النساء: 166]
  74. [هود: 14]
  75. [لقمان: 34]
  76. [طه: 51، 52]
  77. [النبأ: 38]
  78. [البقرة: 255]
  79. [الزخرف: 86]
  80. [البقرة: 177]
  81. [البقرة: 171]
  82. [طه: 109]
  83. [سبأ: 23]
  84. [النبأ: 38]
  85. [الزخرف: 86]
  86. [النبأ: 37]
  87. [الممتحنة: 4]
  88. [النبأ: 37، 38]
  89. [طه: 109]
  90. [الزخرف: 86]
  91. [طه: 108]
  92. [النبأ: 31 38]
  93. [الممتحنة: 4]
  94. [الآية: 109]
  95. [طه: 109]
  96. [فاطر: 10]
  97. [الزخرف: 86]
  98. [الزخرف: 86]
  99. [بياض بالأصل]
  100. [يونس: 18]
  101. [النجم: 26]
  102. [الأنبياء: 26 28]
  103. [يونس: 18]
  104. [يونس: 106]
  105. [الفرقان: 68]
  106. [البقرة: 255]
  107. [سبأ: 22، 23]
  108. [الفرقان: 1، 2]
  109. [الأنعام: 51]
  110. [الأنعام: 70]
  111. [السجدة: 4]
  112. [البقرة: 255]
  113. [يونس: 3]
  114. [الزمر: 23]
  115. [النساء: 82]
  116. [الملك: 4]
  117. [الزخرف: 86]
  118. [آل عمران: 18]
  119. [الإسراء: 56، 57]
  120. [آل عمران: 80]
  121. [الحديد: 4]
  122. [السجدة: 4]
  123. [النساء: 79]
  124. [غافر: 65]
  125. [محمد: 19]
  126. [هود: 2، 3]
  127. [فصلت: 6]
  128. [الفاتحة: 5]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع عشر
فصل في أسماء القرآن | فصل في الآيات الدالة على اتباع القرآن | سئل عن بعض الآحاديث هل هي صحيحة أم لا | فصل في ذكر فضائل الفاتحة | سورة الفاتحة | فصل في تفصيل حاجة الناس إلى الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان أن الإنسان وجميع المخلوقات عباد لله | فصل في بيان أنه لا غنى عن الله تبارك وتعالى | فصل في بيان ما يصلح العباد من الأوامر والنواهي | فصل في ضرورة اقتفاء الصراط المستقيم | سورة البقرة | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة البقرة | فصل في تفسيرقوله تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق | فصل في معنى المثل | تفسير بعض المشكل من الآيات | فصل في تقسيم ذمم أهل الكتاب | سئل عن معنى قوله تعالى ما ننسخ من آية | تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام | سئل عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات | فصل فيما يبطل الصدقة | فصل في تفسير قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم | خواتيم سورة البقرة | فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة | سورة آل عمران | فصل في كيفية شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان حال الشهادة | فصل في بيان ما يتبع الشهادة من العزة والحكمة | فصل فيما تضمنته أية الشهادة | فصل في قوله تعالى وهو العزيز الحكيم | فصل في أهمية شهادة أولي العلم | فصل في بيان عظمت شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل شهادة الرب بالسمع والبصر | فصل في بيان أن الصدق في جانب الله معلوم بالفطرة | فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل | فصل في بيان أن من شهادة الرب تبارك وتعالى ما يجعله في القلوب من العلم | سئل عن قوله تعالى ومن دخله كان آمنا | ما قاله الشيخ في قوله تعالى إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه | سورة النساء | سئل عن قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن | فصل في قوله تعالى إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا | فصل في حكمة الجمع بين الخيلاء والفخر والبخل في الآيات | فصل في قول الناس الآدمي جبار ضعيف | تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل في قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل فيما يتناوله لفظ الحسنات والسيئات في القرآن الكريم | فصل في المعصية الثانية | فصل في معنى السيئات التي يعملها الإنسان | فصل ليس للقدرية أن يحتجوا بالآية من يعمل سوءا يجز به | فصل في ظن طائفة أن في الآية إشكالا | فصل في تأويل قوله تعالى وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك | فصل في ذكر كلام الجهمية | فصل في قول من قال لم فرق بين الحسنات والسيئات | فصل في أن الحسنات من فضل الله ومنه | فصل في أن الحسنات يضاعفها الله تبارك وتعالى | فصل في اضطراب الناس في مضاعفة الحسنات | فصل المقصود من الآية هو أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعم | فصل في أن ما يحصل للإنسان من الحسنات أمر وجودي أنعم الله به عليه | فصل في تنازع الناس في الترك | فصل في أن الثواب والعقاب على أمر وجودي | فصل منشأ السيئات من الجهل والظلم | فصل في أن الغفلة والشهوة أصل الشر | فصل في بيان تفضل الله على العباد | فصل في الذنوب عقوبة للإنسان على عدم فعله ما خلق له | فصل في قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم | فصل في أن السيئات ليس لها سبب إلا نفس الإنسان | فصل في أن السيئات خبيثة مذمومة | فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى | فصل في تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن | فصل في تفسير قوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم | فصل في أنه لا يجوز الجدال عن الخائن | سورة المائدة | فصل في تفسير قوله تعالى أوفوا بالعقود | فصل في تفسير قوله تعالى قوله: سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك | تفسير آيات أشكلت | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم | فصل في بيان ما جاءت به الشريعة الإسلامية | فصل في تفسير قوله تعالى عليكم أنفسكم | فصل في تفسير قوله تعالى فيقسمان بالله إن ارتبتم | سورة الأنعام | تفسير قوله تعالى ثم قضى أجلا | فصل في أن الله عز وجل يرفع درجات من يشاء بالعلم | تفسير بعض الآيات المشكلة | فصل في تفسير قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا