مجموع الفتاوى/المجلد الرابع عشر/فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة
ابن تيمية

فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة[عدل]

وَقالَ رحمه اللَّه:

فى الدعاء المذكور في آخر «ورة البقرة وهو قوله: { رَبَّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نَّسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا } إلى آخرها.

وقد ثبت في صحيح مسلم: أنه قال «قَدْ فَعَلْتُ»، وكذلك في صحيحه من حديث ابن عباس عن النبي ﷺ أنه قال: «أعطيتُ فاتحة الكتاب، وخواتيم سورة البقرة من كَنْزٍ تحت العرش لم تقرأ بحرف منها إلا أعطيته» وفى صحيحه أيضا عن ابن مسعود قال: لما أسرى برسول الله ﷺ انتهى به إلى سِدْرة ينتهى، وهى في السماء السابعة، وإليها ينتهى ما يعرج من الأرض فيقبض منها، وإليها يتنهى ما يهبط من فوقها فيقبض منها، قال: { إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى } [1]، قال: فراش من ذهب، قال: فأعطى رسول الله ﷺ ثلاثا: أعطى الصلوات الخمس، وأعطى خواتيم سورة البقرة، وغفر لمن مات من أمته لا يشرك بالله شيئا المقْحِمَات.

قال بعض الناس: إذا كان هذا الدعاء قد أجيب، فطلب ما فيه من باب تحصيل الحاصل، وهذا لا فائدة فيه، فيكون هذا الدعاء عبادة محضة ليس المقصود به السؤال، وهذا القول قد قاله طائفة في جميع الدعاء أنه إن كان المطلوب مقدرا فلا حاجة إلى سؤاله وطلبه، وإن كان غير مقدر لم ينفع الدعاء دعوت أو لم تدع فجعلوا الدعاء تعبدا محضا، كما قال ذلك طائفة أخرى في التوكل.

وقد بسطنا الكلام على هؤلاء في غير هذا الموضع، وذكرنا قول من جعل ذلك أمارة أو علامة بناء على أنه ليس في الوجود سبب يفعل به؛ بل يقترن أحد الحادثين بالآخر، قاله طائفة من القدرية النظار، وأول من عرف عنه ذلك الجَهْم بن صَفْوان ومن وافقه، وذكرنا أن القول الثالث هو الصواب، وهو أن الدعاء والتوكل والعمل الصالح سبب في حصول المدعو به من خير الدنيا والآخرة والمعاصي سبب، وأن الحكم المعلق بالسبب قد يحتاج إلى وجود الشرط وانتفاء الموانع، فإذا حصل ذلك حصل المسبب بلا ريب.

والمقصود هنا الكلام في الدعاء الذي قد علم أنه أجيب، فقال بعض الناس: هذا تعبد محض لحصول المطلوب بدون دعائنا، فلا يبقى سببا ولا علامة، وهذا ضعيف.

أما أولا: فإن العمل الذي لا مصلحة للعبد فيه لا يأمر الله به، وهذا بناء على قول السلف: إن الله لم يخلق ولم يأمر إلا لحكمة، كما لم يخلق ولم يأمر إلا لسبب. والذين ينكرون الأسباب والحكم يقولون: بل يأمر بما لا منفعة فيه للعباد البتة، وإن أطاعوه وفعلوا ما أمرهم به، كما بسط الكلام على ذلك في غير هذا الموضع.

والمقصود أن كل ما أمر الله به، أمر به لحكمة، وما نهى عنه نهى لحكمة، وهذا مذهب أئمة الفقهاء قاطبة وسلف الأمة وأئمتها وعامتها، فالتعبد المحض بحيث لا يكون فيه حكمة لم يقع. نعم، قد تكون الحكمة في المأمور به وقد تكون في الأمر، وقد تكون في كليهما، فمن المأمور به ما لو فعله العبد بدون الأمر حصل له منفعة؛ كالعدل، والإحسان إلى الخلق، وصلة الرحم، وغير ذلك. فهذا إذ أمر به صار فيه حكمتان حكمة في نفسه، وحكمة في الأمر، فيبقى له حسن من جهة نفسه ومن جهة أمر الشارع، وهذا هو الغالب على الشريعة، وما أمر الشرع به بعد أن لم يكن إنما كانت حكمته لما أمر به.

وكذلك ما نسخ زالت حكمته وصارت في بدله كالِقبلة.

وإذا قدر أن الفعل ليست فيه حكمة أصلا فهل يصير بنفس الأمر فيه حكمة الطاعة؟ وهذا جائز عند من يقول بالتعبد المحض وإن لم يقل بجواز الأمر لكل شيء، لكن يجعل من باب الابتلاء والامتحان، فإذا فعل صار العبد به مطيعا، كنهيهم عن الشرب إلا من اغترف غرفة بيده.

والتحقيق أن الأمر الذي هو ابتلاء وامتحان يحض عليه من غير منفعة في الفعل متى اعتقده العبد وعزم على الامتثال حصل المقصود، وإن لم يفعله، كإبراهيم لما أمر بذبح ابنه، وكحديث أقرع وأبرص وأعمى لما طلب منهم إعطاء ابن السبيل، فامتنع الأبرص والأقرع فسُلِبَا النعمة. وأما الأعمى فبذل المطلوب، فقيل له: أمسك مالك، فإنما ابتليتم، فقد رضى عنك وسخط على صاحبيك. وهذا هو الحكمة الناشئة من نفس الأمر والنهى لا من نفس الفعل، فقد يؤمر العبد وينهى وتكون الحكمة طاعته للأمر وانقياده له وبذله للمطلوب، كما كان المطلوب من إبراهيم تقديم حب الله على حبه لابنه، حتى تتم خُلَّته به قبل ذبح هذا المحبوب للّه، فلما أقدم عليه وقوى عزمه بإرادته لذلك، تحقق بأن الله أحب إليه من الولد وغيره، ولم يبق في قلبه محبوب يزاحم محبة الله.

وكذلك أصحاب طالوت، ابْتُلُوا بالامتناع من الشرب ليحصل من إيمانهم وطاعتهم ما تحصل به الموافقة، والابتلاء هاهنا كان بنهى لا بأمر، وأما رمى الجمار والسعى بين الصفا والمروة، فالفعل في نفسه مقصود لما تضمنه من ذكر الله.

وقد بين النبي ﷺ هذا بقوله في الحديث الذي في السنن: «إنما جعل السعى بين الصفا والمروة ورمى الجمار لإقامة ذكر الله» رواه أبو داود والترمذي وغيرهما. فبين النبي ﷺ أن هذا له حكمة، فكيف يقال: لا حكمة، بل هو تعبد وابتلاء محض.

وأما فعل مأمور في الشرع ليس فيه مصلحة ولا منفعة ولا حكمة إلا مجرد الطاعة، والمؤمنون يفعلونه، فهذا لا أعرفه، بل ما كان من هذا القبيل نسخ بعد العزم، كما نسخ إيجاب الخمسين صلاة إلى خمس.

والمعتزلة تنكر الحكمة الناشئة من نفس الأمر؛ ولهذا لم يجوزوا النسخ قبل التمكن، وقد وافقهم على ذلك طائفة من أصحاب أحمد وغيرهم، كأبى الحسن التميمى [2]، وبنوه على أصلهم، وهو أن الأمر عندهم كاشف عن حسن الفعل الثابت في نفسه لا مثبت لحسن الفعل، وأن الأمر لا يكون إلا بحسن، وغلطوا في المقدمتين، فإن الأمر وإن كان كاشفا عن حسن الفعل فالفعل بالأمر يصير له حسن آخر غير الحسن الأول، وإذا كان مقصود الآمر الامتحان للطاعة فقد يأمر بما ليس بحسن في نفسه وينسخه قبل التمكن إذا حصل المقصود من طاعة المأمور وعزمه وانقياده، وهذا موجود في أمر الله وأمر الناس بعضهم بعضا.

والجهمية تنكر أن يكون في الفعل حكمة أصلا في نفسه ولا في نفس الأمر بناء على أصلهم: أنه لا يأمر لحكمة، وعلى أن الأفعال بالنسبة إليه سواء، ليس بعضها حسنا وبعضها قبيحا، وكلا الأصلين قد وافقتهم عليه الأشعرية ومن اتبعهم من الفقهاء، كأصحاب الشافعى ومالك وأحمد وغيرهم، وهما أصلان مبتدعان؛ فإن مذهب السلف والأئمة أن الله يخلق لحكمة ويأمر لحكمة، ومذهب السلف والأئمة أن الله يحب الإيمان والعمل الصالح ويرضى ذلك، ولا يحب الكفر والفسوق والعصيان، وإن كان قد شاء وجود ذلك، وقد بسط هذا في موضع آخر.

وقد قال تعالى: { وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّدا وَقُولُواْ حِطَّةٌ } [3]، فإن نفس السجود خضوع للّه، ولو فعله الإنسان للّه مع عدم علمه أنه أمر به انتفع، كالسحرة الذين سجدوا قبل الأمر بالسجود.

وكذلك قول العبد: حُطَّ عنا خطايانا، دعاء للّه وخضوع، وقد قال تعالى: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } [4]، وهذه الأفعال المدعو بها في آخر البقرة أمور مطلوبة للعباد.

وقد أجيب بجواب آخر وهو: أن الله تعالى إذا قدر أمرا فإنه يقدر أسبابه، والدعاء من جملة أسبابه، كما أنه لما قدر النصر يوم بَدْر، وأخبر النبي ﷺ قبل وقوعه أصحابه بالنصر وبمصارع القوم، كان من أسباب ذلك استغاثة النبي ﷺ ودعاؤه، وكذلك ما وعده به ربه من الوسيلة، وقد قضى بها له، وقد أمر أمته بطلبها له، وهو سبحانه قدرها بأسباب، منها ما سيكون من الدعاء.

وعلى هذا، فالداخل في السبب هو ما وقع من الدعاء المأمور به والله أعلم بذلك، فيثيب هذا الداعي على ما فعله من الدعاء بجعله تمام السبب، ولا يكون على هذا الدعاء سببا في اختصاصه بشيء من ذلك، بل في حصوله لمجموع الأمة، لكن هو يثاب على الدعاء لكونه من جملة الأسباب؛ وهذا لأن النبي ﷺ قال: «ما من عبد يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قَطِعيةُ رَحِمٍ إلا أعطاه الله بها إحدى خِصال ثلاث: إما أن يُعجِّل له دعوته، وإما أن يَدَّخِر له من الخير مثلها، وإما أن يدفع عنه من البلاء مثلها». قالوا: يا رسول الله، إذا نُكْثِر. قال: «الله أكثر». فالداعي بهذا كالداعي بالوسيلة يحصل له من الأجر ما يخصه كالداعي للأمة ولأخيه الغائب، ودعاؤه من أسباب الخير التي بها رحمة الأمة، كما يثاب على سؤاله الوسيلة للنبي ﷺ بأن تحل عليه الشفاعة يوم القيامة.

وهنا جواب ثالث وهو: أن كل من دعا بهذا الدعاء حصل له من المدعو المطلوب ما لا يحصل بدون المطلوب من الدعاء، فيكون الدعاء به كدعائه بسائر مطالبه من المغفرة والرحمة، وليس هو كدعاء الغائب للغائب، فإن الملك يقول هناك: «ولك بمثله»، فيدعو له الملك بمثل ما دعا به للغائب، وهنا هو داع لنفسه وللمؤمنين.

وبيان هذا أن الشرع، وإن كان قد استقر بموت النبي ﷺ، وقد أخبر أن الله تجاوز لأمته عن الخطأ والنسيان، وقد أخبر أن الرسول يضع عن أمته إصْرَهم والأغلال التي كانت عليهم، وسأل ربه لأمته ألا يسلط عليهم عدوا من غيرهم فيجتاحهم فأعطاه ذلك، لكن ثبوت هذا الحكم في حق آحاد الأمة قد لا يحصل إلا بطاعة الله ورسوله، فإذا عصى الله ذلك الشخص العاصى عوقب عن ذلك بسلب هذه النعمة، وإن كانت الشريعة لم تنسخ.

يبين هذا أن في هذا الدعاء سؤال الله بالعفو والمغفرة والرحمة والنصر على الكفار، ومعلوم أن هذا ليس حاصلا لكل واحد من أفراد الأمة، بل منهم من يدخل النار، ومنهم من ينصر عليه الكفار، ومنهم من يسلب الرزق، لكونهم فرطوا في طاعة الله ورسوله، فيسلبون ذلك بقدر ما فرطوا أو قصروا.

وقول الله: «قَدْ فَعَلْتُ» يقال فيه شيئان:

أحدهما: أنه قد فعل ذلك بالمؤمنين المذكورين في الآية، والإيمان المطلق يتضمن طاعة الله ورسوله. فمن لم يكن كذلك نقص إيمانه الواجب فيستحق من سلب هذه النعم بقدر النقص، ويعوق الله عليه ملاذ ذلك، ولم يستحق من الجزاء ما يستحقه من قام بالإيمان الواجب.

الثاني: أن يقال: هذا الدعاء استجيب له في جملة الأمة، ولا يلزم من ذلك ثبوته لكل فرد، وكلا الأمرين صحيح؛ فإن ثبوت هذا المطلوب لجملة الأمة حاصل، ولولا ذلك لأهلكوا بعذاب الاستئصال كما أهلكت الأمم قبلهم، وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «سألت ربي لأمتي ثلاثا فأعطانى اثنتين، ومنعنى واحدة: سألته ألا يهلك أمتي بسَنَة عامة فأعطانيها، وسألته ألا يسلط عليهم عدوًا من غيرهم، فيجتاحهم فأعطانيها، وسألته ألا يجعل بَأْسَهم بينهم فمنعنيها، وقال: يا محمد، إنى إذا قضيتُ قضاء لم يُرَدَّ».

وكذلك في الصحيحين: لما نزل قوله تعالى: { قُلْ هُوَ الْقَادِرُ عَلَى أَن يَبْعَثَ عَلَيْكُمْ عَذَابًا مِّن فَوْقِكُمْ } قال النبي ﷺ: «أعوذ بوجهك». { أَوْ مِن تَحْتِ أَرْجُلِكُمْ } قال: «أعوذ بوجهك» { أَوْ يَلْبِسَكُمْ شِيَعا وَيُذِيقَ بَعْضَكُم بَأْسَ بَعْضٍ } [5] قال: «هاتان أهْوَن». وهذا لأنه لا بد أن تقع الذنوب من هذه الأمة، ولابد أن يختلفوا؛ فإن هذا من لوازم الطبع البشرى، ولا يمكن أن يكون بنو آدم إلا كذلك؛ ولهذا لم يكن ما وقع فيها من الاختلاف والقتال والذنوب دليلا على نقصها، بل هي أفضل الأمم، وهذا الواقع بينهم من لوازم البشرية، وهو في غيرها أكثر وأعظم، وخير غيرها أقل والخير فيها أكثر، والشر فيها أقل، فكل خير في غيرها فهو فيها أعظم، وكل شر فيها فهو في غيرها أعظم.

وأما حصول المطلوب للآحاد منها فلا يلزم حصوله لكل عاص؛ لأنه لم يقم بالواجب، ولكن قد يحصل للعاصى من ذلك بحسب ما معه من طاعة الله تعالى، وأما حصول المغفرة والعفو والرحمة بحسب الإيمان والطاعة فظاهر؛ لأن هذا من الأحكام القدرية الخلقية من جنس الوعد والوعيد، وهذا يتنوع بتنوع الإيمان والعمل الصالح.

وأما دفع المؤاخذة بالخطأ والنسيان، ودفع الآصار، فإن هذا قد يشكل لأنه من باب الأحكام الشرعية أحكام الأمر والنهى.

فيقال: الخطأ والنسيان المرفوع عن الأمة مرفوع عن عصاة الأمة؛ فإن العاصى لا يأثم بالخطأ والنسيان؛ فإنه إذا أكل ناسيا أتم صومه، سواء كان مطيعا في غير ذلك أو عاصيا، فهذا هو الذي يشكل، وعنه جوابان:

أحدهما: أن الذنوب والمعاصى قد تكون سببا لعدم العلم بالحنيفية السَّمْحَة؛ فإن الإنسان قد يفعل شيئا ناسيًا أو مخطئا ويكون لتقصيره في طاعة الله علما وعملا، ولا يعلم أن ذلك مرفوع عنه؛ إما لجهله، وإما لكونه ليس هناك من يفتيه بالرخصة في الحنيفية السمحة.

والعلماء قد تنازعوا في كثير من مسائل الخطأ والنسيان، واعتقد كثير منهم بطلان العبادات أو بعضها به، كمن يبطل الصوم بالنسيان، وآخرون بالخطأ، وكذلك الإحرام، وكذلك الكلام في الصلاة، وكذلك إذا فعل المحلوف عليه ناسيا أو مخطئا، فإذا كان الله سبحانه قد نفى المؤاخذة بالخطأ والنسيان، وخفى ذلك في مواضع كثيرة على كثير من علماء المسلمين، كان هذا عقوبة لمن لم يجد في نفسه ثقة إلا هؤلاء فيفتونه بما يقتضى مؤاخذته بالخطأ والنسيان، فلا يكون مقتضى هذا الدعاء حاصلا في حقه لعدم العلم، لالنسخ الشريعة.

والله سبحانه جعل مما يعاقب به الناس على الذنوب سلب الهدى والعلم النافع، كقوله: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } [6]، وقال: { وَقَالُواْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَل لَّعَنَهُمُ اللَّه بِكُفْرِهِمْ } [7]، وقال: { وَمَا يُشْعِرُكُمْ أَنَّهَا إِذَا جَاءتْ لاَ يُؤْمِنُونَ وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُواْ بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ } [8] وقال: { فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضا } [9]، وقال: { فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ } [10].

وهذا كما أنه حرم على بنى إسرائيل طيبات أحلت لهم لأجل ظلمهم وبغيهم، فشريعة محمد لا تنسخ ولا تعاقب أمته كلها بهذا، ولكن قد تعاقب ظلمتهم بهذا، بأن يحرموا الطيبات، أو بتحريم الطيبات؛ إما تحريما كونيا بألا يوجد غيثهم، وتهلك ثمارهم، وتقطع المِيرَة عنهم، أو أنهم لا يجدون لذة مأكل ولا مشرب ولا منكح ولا ملبس ونحوه كما كانوا يجدونها قبل ذلك، وتسلط عليهم الغُصَص [11] وما ينغص ذلك ويعوقه. ويجرعون غصص المال والولد والأهل، كما قال تعالى: { فَلاَ تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلاَ أَوْلاَدُهُمْ إِنَّمَا يُرِيدُ اللهُ لِيُعَذِّبَهُم بِهَا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } [12] وقال: { أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُم بِهِ مِن مَّالٍ وَبَنِينَ نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَّا يَشْعُرُونَ } [13]، وقال: { إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ } [14]، فيكون هذا كابتلاء أهل السبت بالحيتان.

وإما أن يعاقبوا باعتقاد تحريم ما هو طيب حلال لخفاء تحليل الله ورسوله عندهم، كما قد فعل ذلك كثير من الأمة، اعتقدوا تحريم أشياء فروج عليهم بما يقعون فيه من الأيمان والطلاق، وإن كان الله ورسوله لم يحرم ذلك؛ لكن لما ظنوا أنها محرمة عليهم عوقبوا بحرمان العلم الذي يعلمون به الحل، فصارت محرمة عليهم تحريما كونيا، وتحريما شرعيا في ظاهر الأمر؛ فإن المجتهد عليه أن يقول ما أدى إليه اجتهاده، فإذا لم يؤد اجتهاده إلا إلى تحريم هذه الطيبات لعجزه عن معرفة الأدلة الدالة على الحل، كان عجزه سببا للتحريم في حق المقصرين في طاعة الله.

وكذلك اعتقدوا تحريم كثير من المعاملات التي يحتاجون إليها كضمان البساتين، والمشاركات وغيرها؛ وذلك لخفاء أدلة الشرع، فثبت التحريم في حقهم بما ظنوه من الأدلة، وهذا كما أن الإنسان يعاقب بأن يخفى عليه من الطعام الطيب والشراب الطيب ما هو موجود وهو مقدور عليه لو علمه، لكن لا يعرف بذلك عقوبة له، وإن العبد ليحَرم الرزق بالذنب يُصيبه، وقد قال تعالى: { وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ } [15] فهو سبحانه إنما ضمن الأشياء على وجهها واستقامتها للمتقين، كما ضمن هذا للمتقين.

فتبين أن المقصرين في طاعته من الأمة قد يؤاخذون بالخطأ والنسيان، ومن غير نسخ بعد الرسول، لعدم علمهم بما جاء به الرسول من التيسير، ولعدم علم من عندهم من العلماء بذلك؛ ولهذا يوجد كثير ممن لا يصلى في السفر قصرا يرى الفطر في السفر حراما فيصوم في السفر مع المشقة العظيمة عليه، وهذا عقوبة له لتقصيره في الطاعة، لكنه مما يكفر الله به من خطاياه ما يكفره، كما يكفر خطايا المؤمنين بسائر مصائب الدنيا.

وكذلك منهم من يعتقد التربيع في السفر واجبا فيربع فيبتلى بذلك لتقصيره في الطاعة، ومنهم من يعتقد تحريم أمور كثيرة من المباحات التي بعضها مباح بالاتفاق، وبعضها متنازع فيه، لكن الرسول لم يحرمه؛ فهؤلاء الذين اعتقدوا وجوب ما لم يوجبه الله ورسوله، وتحريم ما لم يحرمه حمل عليهم إصرا، ولم توضع عنهم جميع الآصار والأغلال وإن كان الرسول قد وضعها، لكنهم لم يعلموها.

وقد يبتلون بمطاع يلزمهم ذلك فيكون آصارا وأغلالا من جهة مطاعهم؛ مثل حاكم، ومفت، وناظر وقف، وأمير ينسب ذلك إلى الشرع؛ لاعتقاده الفاسد أن ذلك من الشرع ويكون عدم علم مطاعهم تيسير الله عليهم عقوبة في حقهم لذنوبهم، كما لو قدر أنه سار بهم في طريق يضرهم، وعدل بهم عن طريق فيه الماء والمرعى لجهله، لا لتعمده مضرتهم، أو أقام بهم في بلد غالى الأسعار مع إمكان المقام ببلد آخر.

وهذا لأن الناس كما قد يبتلون بمطاع يظلمهم ويقصد ظلمهم، يبتلون أيضا بمطاع يجهل مصلحتهم الشرعية والكونية، فيكون جهل هذا من أسباب عقوبتهم، كما أن ظلم ذلك من أسباب مضرتهم، فهؤلاء لم ترفع عنهم الآصار والأغلال لذنوبهم ومعاصيهم، وإن كان الرسول ليس في شرعه آصار وأغلال؛ فلهذا تَسلَّط عليهم حكام الجور والظلم، وتساق إليهم الأعداء، وتقاد بسلاسل القهر والقدر، وذلك من الآصار والأغلال التي لم ترفع عنهم مع عقوبات لا تحصى؛ وذلك لضعف الطاعة في قلوبهم، وتمكن المعاصى وحب الشهوات فيها، فإذا قالوا: { رَبَّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِنَا } [16] دخل فيه هذا.

وأما قوله: { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [17]، فعلى قولين:

قيل: هو من باب التحميل القدرى، لا من باب التكليف الشرعى، أي: لا تبتلينا بمصائب لا نطيق حملها، كما يبتلى الإنسان بفقر لا يطيقه، أو مرض لا يطيقه، أو حدث، أو خوف، أو حب أو عشق لا يطيقه، ويكون سبب ذلك ذنوبه.

وهذا مما يبين أن الذنوب عواقبها مذمومة مطلقا.

وقوله: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [18]، و { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ } [19] قول حق، وقال تعالى في قصة قوم لوط: { وَتَرَكْنَا فِيهَا آيَةً لِّلَّذِينَ يَخَافُونَ الْعَذَابَ الْأَلِيمَ } [20].

فما من أحد يبتلى بجنس عملهم إلا ناله شيء من العذاب الأليم، حتى تعمد النظر يورث القلب علاقة يتعذب بها الإنسان، وإن قويت حتى صارت غرامًا وعشقا زاد العذاب الأليم، سواء قدر أنه قادر على المحبوب أو عاجز عنه؛ فإن كان عاجزا فهو في عذاب أليم من الحزن والهَمّ والغَمّ، وإن كان قادرا فهو في عذاب أليم من خوف فراقه، ومن السعى في تأليفه وأسباب رضاه؛ فإن نزل به الموت أو افتقر تضاعف عليه العذاب، وإن صار إلى غيره استبدالا به أو مشاركة قوى عذابه، فإن هذا الجنس يحصل فيه من العذاب ما لا يحصل في عشق البغايا وما يحصل مثله في الحلال، وإن حصل في الحلال نوع عذاب كان أخف من نظيره، وكان ذلك سبب ذنوب أخرى.

فإذا دعا الإنسان بهذا الدعاء يخص نفسه ويعم المسلمين فله من ذلك أعظم نصيب، كيف لا وقد قال النبي ﷺ: «الآيتان من آخر سورة البقرة ما قرأ بهما أحد في ليلة إلا كفَتَاهُ» وكيف لا تكفيانه وما دعا به من ذلك لم يحصل له إلا ما حصل لسائر المؤمنين الذين لم يقرؤوهما، فإن الداعي بهذا الدعاء له منه نصيب يخصه كسائر الأدعية.

ومما يبين ذلك أن الصحابة إنما استجيب لهم هذا الدعاء لما التزموا الطاعة للّه مطلقا بقولهم: { سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا } [21]، ثم أنزل هذا الدعاء، فدعوا به فاستجيب لهم.

ولهذا كانوا في الحنيفية السمحة على عهد رسول الله ﷺ، وكانوا فيها على عهد أبى بكر خيرا مما كانوا فيها على عهد عمر، فلما كانوا في زمن عمر حدث من بعضهم ذنوب أوجبت اجتهاد الإمام في نوع من التشديد عليهم، كمنعهم من مُتْعَة الحج، وكإيقاع الثلاث إذا قالوها بكلمة، وكتغليظ العقوبة في الخمر، وكان أطوعهم للّه وأزهدهم مثل أبى عبيدة ينقاد له عمر ما لا ينقاد لغيره، وخفى عليهم بعض مسائل الفرائض وغيرها، حتى تنازعوا فيها، وهم مؤتلفون متحابون، كل منهم يقر الآخر على اجتهاده.

فلما كان في آخر خلافة عثمان زاد التغير والتوسع في الدنيا، وحدثت أنواع من الأعمال لم تكن على عهد عمر، فحصل بين بعض القلوب تنافر حتى قتل عثمان، فصاروا في فتنة عظيمة قد قال تعالى: { وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً } [22]، أي هذه الفتنة لا تصيب الظالم فقط، بل تصيب الظالم والساكت عن نهيه عن الظلم، كما قال النبي ﷺ: «إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يَعُمَّهم الله بعقاب منه».

وصار ذلك سببا لمنعهم كثيرا من الطيبات، وصاروا يختصمون في متعة الحج ونحوها مما لم تكن فيه خصومة على عهد عمر، فطائفة تمنع المتعة مطلقا كابن الزبير، وطائفة تمنع الفسخ كبنى أمية وأكثر الناس، وصاروا يعاقبون مَنْ تمتع، وطائفة أخرى توجب المتعة، وكل منهم لا يقصد مخالفة الرسول، بل خفي عليهم العلم، وكان ذلك سببه ما حدث من الذنوب، كما قال ﷺ: «خرجتُ لأخبركم بليلة القَدْر فَتَلاَحا رجلان، فُرفِعَتْ، لعل ذلك أن يكون خيرا لكم». أي قد يكون إخفاؤها خيرا لكم لتجتهدوا في ليالى العشر كلها؛ فإنه قد يكون إخفاء بعض الأمور رحمة لبعض الناس.

والنزاع في الأحكام قد يكون رحمة إذا لم يفض إلى شر عظيم من خفاء الحكم؛ ولهذا صنف رجل كتابا سماه كتاب الاختلاف فقال أحمد: سَمِّه كتاب السعة وإن الحق في نفس الأمر واحد، وقد يكون من رحمة الله ببعض الناس خفاؤه لما في ظهوره من الشدة عليه، ويكون من باب قوله تعالى: { لاَ تَسْأَلُواْ عَنْ أَشْيَاء إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ } [23].

وهكذا ما يوجد في الأسواق من الطعام والثياب قد يكون في نفس الأمر مغصوبا، فإذا لم يعلم الإنسان بذلك كان كله له حلالا لا إثم عليه فيه بحال، بخلاف ما إذا علم، فخفاء العلم بما يوجب الشدة قد يكون رحمة، كما أن خفاء العلم بما يوجب الرخصة قد يكون عقوبة، كما أن رفع الشك قد يكون رحمة، وقد يكون عقوبة، والرخصة رحمة وقد يكون مكروه النفس أنفع كما في الجهاد: { وَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَعَسَى أَن تُحِبُّواْ شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَّكُمْ } [24].

والمقصود هنا أن من الذنوب ما يكون سببا لخفاء العلم النافع أو بعضه؛ بل يكون سببا لنسيان ما علم، ولاشتباه الحق بالباطل تقع الفتن بسبب ذلك.

والله سبحانه كان أسكن آدم وزوجه الجنة، وقال لهما: { وَكُلاَ مِنْهَا رَغَدا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلاَ تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الْظَّالِمِينَ فَأَزَلَّهُمَا الشَّيْطَانُ عَنْهَا فَأَخْرَجَهُمَا مِمَّا كَانَا فِيهِ وَقُلْنَا اهْبِطُواْ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ } [25]، فكل عداوة كانت في ذريتهما وبلاء ومكروه وتكون إلى قيام الساعة وفى النار يوم القيامة سببها الذنوب ومعصية الرب تعالى.

فالإنسان إذا كان مقيما على طاعة الله باطنا وظاهرا كان في نعيم الإيمان والعلم وارد عليه من جهاته، وهو في جنة الدنيا، كما في الحديث: «إذا مررتم برياض الجنة فارتعوا». قيل: وما رياض الجنة؟ قال: «مجالس الذكر»، وقال: «ما بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة»، فإنه كان يكون هنا في رياض العلم والإيمان.

وكلما كان قلبه في محبة الله وذكره وطاعته كان معلقا بالمحل الأعلى، فلا يزال في علو ما دام كذلك، فإذا أذنب هبط قلبه إلى أسفل، فلا يزال في هبوط ما دام كذلك، ووقعت بينه وبين أمثاله عداوة، فإن أراد الله به خيرا ثاب وعمل في حال هبوط قلبه إلى أن يستقيم فيصعد قلبه، قال تعالى: { لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ } [26] فتقوى القلوب هي التي تنال الله، كما قال: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ } [27]، فأما الأمور المنفصلة عنا من اللحوم والدماء فإنها لا تنال الله.

والباطنية المنكرون لخلق العالم في ستة أيام، ومعاد الأبدان الذين يجعلون للقرآن تأويلا يوافق قولهم، عندهم ما ثَمَّ جَنَّة إلا لذة ما تتصف بها النفس من العلم والأخلاق الحميدة، وما ثَمَّ نار إلا ألم ما تتصف به النفس من الجهل والأخلاق الذميمة السيئة، فنار النفوس ألمها القائم بها كحسراتها لفوات العلم، أو لفوات الدنيا المحبوبة لها، وحجبها إنما هي ذنوبها.

وهذا الكلام مما يذكره أبو حامد في المضنون به على غير أهله، لكن قد يقول هذا: ليس هو عذاب القبر المذكور في الأجسام، بل ذاك أمر آخر مما بينه أهل السنة، ولا نعيم عندهم إلا ما يقوم بالنفس من هذا؛ ولهذا ليس عندهم نعيم منفصل عن النفس ولا عذاب.

وهذا القول من أفسد الأقوال شرعًا وعقلا؛ فإن الناس في الدنيا يثابون ويعاقبون بأمور منفصلة عنهم، فكيف في دار الجزاء؟ ولكن الذي أثبتوه من هذا وهذا منه ما هو حق، ولكن الباطل جحدهم ما جحدوه مما أخبر الله به ورسوله، فهؤلاء عندهم أن آدم لم يكن إلا في جنة العلم، وهبوطه انخفاض درجته في العلم، وهذا كذب، ولكن ما أثبتوه من الحق حق، وقصة آدم تدل عليه بطريق الاعتبار الذي تسميه الصوفية الإشارة، لا أنه هو المراد بالآية، لكن قد دل عليه آيات أخر تدل على أن من كذب بالحق عوقب بأن يطبع على قلبه فلا يفهم العلم، أو لا يفهم المراد منه، وأنه يسلط عليه عدوه ويجد ذلا، كما قال تعالى عن اليهود: { وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ } [28]، { ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ } [29].

ولا ريب أن لذة العلم أعظم اللذات، واللذة التي تبقى بعد الموت وتنفع في الآخرة هي لذة العلم بالّله والعمل له، وهو الإيمان به، وهم يجعلون ذلك الوجود المطلق.

وأيضا، فنفس العلم به إن لم يكن معه حب له وعبادة له، بل كان مع حب لغيره كائنا من كان، فإن عذاب هذا قد يكون من أعظم العذاب في الدنيا والآخرة، وهم لا يجعلون كمال اللذة إلا في نفس العلم.

وأيضا فاقتصارهم على اللذة العقلية خطأ، والنصارى زادوا عليهم السمع والشم، فقالوا: يتمتعون بالأرواح المتعشقة والنغمات المطربة، ولم يثبتوا هم ولا اليهود الأكل والشرب ولا النكاح وهى لذة اللمس والمسلمون أثبتوا جميع أنواع اللذات؛ سمعا، وبصرا، وشما، وذوقا، ولمسا، للروح والبدن جميعا، وكان هذا هو الكمال، لا ما يثبته أهل الكتاب ومن هو شر منهم من الفلاسفة الباطنية، وأعظم لذات الآخرة لذة النظر إلى الله سبحانه كما في الحديث الصحيح: «فما أعطاهم شيئا أحب إليهم من النظر إليه»، وهو ثمرة معرفته وعبادته في الدنيا، فأطيب ما في الدنيا معرفته، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه ولهذا كان التجلى يوم الجمعة في الآخرة على مقدار صلاة الجمعة في الدنيا.

وأبو حامد يذكر في كتبه هو وأمثاله الرؤية، وأنها أفضل أنواع النعيم، ويذكر كشف الحجُب، وأنهم يرون وجه الله، ولكن هذا كله يريد به ما تقوله الجهمية والفلاسفة؛ فإن الرؤية عندهم ليست إلا العلم، لكن كما أن الإنسان قد يرى الشيء بعينيه، وقد يمثل له خياله إذا غاب عنه فهكذا العلم. ففى الدنيا ليس عندهم من العلم إلا مثال كالخيال في الحساب، وفى الآخرة يعلمونه بلا مثال، وهو عندهم وجود لا داخل العالم ولا خارجه، وكشف الحجاب عندهم رفع المانع الذي في الإنسان من الرؤية، وهو أمر عدمي، فحقيقته جعل العبد عالما، وهذا كله مما تقول به الفلاسفة والباطنية.

وهؤلاء إنما يأمرون بالزهد في الدنيا لينقطع تعلق النفس بها وقت فراق النفس، فلا تبقى النفس مفارقة لشيء يحبه، لكن أبو حامد لا يبيح محظورات الشرع قط، بل يقول: قتل واحد من هؤلاء خير من قتل عدد كثير من الكفار.

وأما هؤلاء فالواصل عندهم إلى العلم المطلوب قد يبيحون له محظورات الشرائع، حتى الفواحش والخمر وغيرها، إذا كانوا ممن يعتقد تحريم الخمر، وإلا فغالب هؤلاء لا يوجبون شريعة الإسلام، بل يجوزون التهود والتنصر، وكل من كان من هؤلاء واصلا إلى علمهم فهو سعيد.

وهكذا تقول الاتحادية منهم؛ كابن سبعين، وابن هود، والتلمسانى، ونحوهم، ويدخلون مع النصارى بِيَعَهُم [30]، ويصلون معهم إلى الشرق، ويشربون معهم ومع اليهود الخمر، ويميلون إلى دين النصارى أكثر من دين المسلمين لما فيه من إباحة المحظورات؛ ولأنهم أقرب إلى الاتحاد والحلول؛ ولأنهم أجهل فيقبلون ما يقولونه أعظم من قبولهم لقول المسلمين، وعلماء النصارى جهال إذا كان فيهم متفلسف عظموه، وهؤلاء يتفلسفون.

والواحد من هؤلاء يفرح إذا قيل له: لست بمسلم، ويحكى عن نفسه كما كان أحمد الماردينى وهو من أصحاب ابن عربى يحكى عن نفسه أنه دخل إلى بعض ديارات النصارى ليأخذ منهم ما يأكله هو ورفيقه، فأخذ بعضهم يتكلم في المسلمين، ويقول: يقولون: كذا وكذا، فقال له آخر: لا تتكلم في المسلمين فهذا واحد منهم، فقال ذلك المتكلم: هذا وجهه وجه مسلم؟ أي ليس هذا بمسلم، فصار يحكيها الماردينى أن النصرانى قال عنه: ليس هذا بمسلم، ويفرح بقول النصرانى ويصدقه فيما يقول، أي ليس هو بمسلم.

والمتفلسفة يصرحون بهذا. يقولون: قلنا: كذا وكذا، وقال المسلمون: كذا وكذا، وربما قالوا: قلنا: كذا، وقال المِلِّيُّون: كذا أي: أهل الملل من المسلمين واليهود والنصارى وكتبهم مشحونة بهذا، ولا بد لأحدهم عند أهل الملل أن يكون على دينهم.

لكن دخولهم في هذا كدخولهم في سياسة الملوك، كما كانوا مع الترك الكفار، وكانوا مع هولاكو ملك المغول الكفار، ومع القان الذي هو أكبر منه خليفة جنكزخان ببلاد الخطا، وانتساب الواحد منهم هناك إلى الإسلام انتساب إلى إسلام يرضاه ذلك الملك بحسب غرضه، كما كان النصير الطوسي [31] وأمثاله مع هولاكو ملك الكفار، وهو الذي أشار عليهم بقتل الخليفة ببغداد لما استولى عليها وأخذ كتب الناس، ملكها ووقفها، وأخذ منها ما يتعلق بغرضه، وأفسد الباقي، وبنى الرصد ووضعها فيه، وكان يعطي من وقف المسلمين لعلماء المشركين البخشية والطوينية، ويعطي في رصده الفيلسوف والمنجم والطبيب أضعاف ما يعطي الفقيه، ويشرب هو وأصحابه الخمر في شهر رمضان، ولا يصلون.

وكذلك كان بالشام ومصر طائفة مع تصوفهم وتألههم وتزهدهم يشرب أحدهم الخمر في نهار رمضان، وتارة يصلون وتارة لا يصلون. فإنهم لا يدينون بإيجاب واجبات الإسلام وتحريم محرماته عليهم، بل يقولون: هذا للعامة والأنبياء، وأما مثلنا فلا يحتاج إلى الأنبياء. ويحكون عن بعض الفلاسفة أنه قيل له: قد بعث نبي، فقال: لو كان الناس كلهم مثلى ما احتاجوا إلى نبي. ومثل هذه الحكاية يحكيها من يكون رئيس الأطباء ولا يعرف الزندقة ولا يدرى مضمون هذه الكلمة ما هو؛ لجهله بالنبوات. وقيل لرئيسهم الأكبر في زمن موسى عليه السلام: ألا تأتيه فتأخذ عنه؟ فقال: نحن قوم مهديون فلا نحتاج إلى من يهدينا.

وأما ما ذكروه من حصول اللذة في القلب والنعيم بالإيمان بالله والمعرفة به فهو حق، وهو سبب دخول الجنة، وقد قال ﷺ: «إذا دخل شهر رمضان فتحت أبواب الجنة، وغلقت أبواب النار، وصُفِّدَت الشياطين». وما ذاك إلا لأنه في شهر رمضان تنبعث القلوب إلى الخير والأعمال الصالحة التي بها وبسببها تفتح أبواب الجنة، ويمتنع من الشرور التي بها تفتح أبواب النار، وتصفد الشياطين فلا يتمكنون أن يعملوا ما يعملونه في الإفطار؛ فإن المصفد هو المقيد، لأنهم إنما يتمكنون من بنى آدم بسبب الشهوات، فإذا كُفّوا عن الشهوات صفدت الشياطين.

والجنة والنار التي تفتح وتغلق غير ما في القلوب، ولكن ما في القلوب سبب له ودليل عليه وأثر من آثاره، وقد قال تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا } [32]، وقال ﷺ: «الذي يشرب في آنية الذهب والفضة إنما يجرجر في بطنه نار جهنم». فقيل: يأكلون ويشربون ما سيصير نارا. وقيل: هو سبب النار. والله سبحانه وتعالى أعلم.

هامش

  1. [النجم: 16]
  2. [هو أبو الحسن عبد العزيز بن الحارث بن آسد بن الليث التميمى، فقيه حنبلى، له إطلاع على مسائل الخلاف. صنف كتبا في الآصول والفرائع، ولد سنة 317ه، وتوفى سنة 371ه]
  3. [البقرة: 58]
  4. [البقرة: 186]
  5. [الأنعام: 65]
  6. [النساء: 155]
  7. [البقرة: 88]
  8. [الأنعام: 109، 110]
  9. [البقرة: 10]
  10. [الصف: 5]
  11. [جمع غُصَّة، وهى ما اعترض في الحلق من طعام وشراب وغيرهما فأشرق. انظر: القاموس، مادة: غصص]
  12. [التوبة: 55]
  13. [المؤمنون: 55، 56]
  14. [التغابن: 15]
  15. [الطلاق: 2، 3]
  16. [البقرة: 286]
  17. [البقرة: 286]
  18. [النساء: 123]
  19. [الزلزلة: 7، 8]
  20. [الذاريات: 37]
  21. [البقرة: 285]
  22. [الأنفال: 25]
  23. [المائدة: 101]
  24. [البقرة: 216]
  25. [البقرة: 35، 36]
  26. [الحج: 37]
  27. [فاطر: 10]
  28. [البقرة: 61]
  29. [البقرة: 61]
  30. [جمع بيعة، وهي متعبد النصارى]
  31. [نصير الدين الطوسي، فيلسوف في العلوم العقلية، من أعوان هولاكو، ولد بطوس سنة 597 ه، وتوفى سنة 672 ه]
  32. [النساء: 10]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع عشر
فصل في أسماء القرآن | فصل في الآيات الدالة على اتباع القرآن | سئل عن بعض الآحاديث هل هي صحيحة أم لا | فصل في ذكر فضائل الفاتحة | سورة الفاتحة | فصل في تفصيل حاجة الناس إلى الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان أن الإنسان وجميع المخلوقات عباد لله | فصل في بيان أنه لا غنى عن الله تبارك وتعالى | فصل في بيان ما يصلح العباد من الأوامر والنواهي | فصل في ضرورة اقتفاء الصراط المستقيم | سورة البقرة | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة البقرة | فصل في تفسيرقوله تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق | فصل في معنى المثل | تفسير بعض المشكل من الآيات | فصل في تقسيم ذمم أهل الكتاب | سئل عن معنى قوله تعالى ما ننسخ من آية | تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام | سئل عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات | فصل فيما يبطل الصدقة | فصل في تفسير قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم | خواتيم سورة البقرة | فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة | سورة آل عمران | فصل في كيفية شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان حال الشهادة | فصل في بيان ما يتبع الشهادة من العزة والحكمة | فصل فيما تضمنته أية الشهادة | فصل في قوله تعالى وهو العزيز الحكيم | فصل في أهمية شهادة أولي العلم | فصل في بيان عظمت شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل شهادة الرب بالسمع والبصر | فصل في بيان أن الصدق في جانب الله معلوم بالفطرة | فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل | فصل في بيان أن من شهادة الرب تبارك وتعالى ما يجعله في القلوب من العلم | سئل عن قوله تعالى ومن دخله كان آمنا | ما قاله الشيخ في قوله تعالى إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه | سورة النساء | سئل عن قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن | فصل في قوله تعالى إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا | فصل في حكمة الجمع بين الخيلاء والفخر والبخل في الآيات | فصل في قول الناس الآدمي جبار ضعيف | تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل في قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل فيما يتناوله لفظ الحسنات والسيئات في القرآن الكريم | فصل في المعصية الثانية | فصل في معنى السيئات التي يعملها الإنسان | فصل ليس للقدرية أن يحتجوا بالآية من يعمل سوءا يجز به | فصل في ظن طائفة أن في الآية إشكالا | فصل في تأويل قوله تعالى وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك | فصل في ذكر كلام الجهمية | فصل في قول من قال لم فرق بين الحسنات والسيئات | فصل في أن الحسنات من فضل الله ومنه | فصل في أن الحسنات يضاعفها الله تبارك وتعالى | فصل في اضطراب الناس في مضاعفة الحسنات | فصل المقصود من الآية هو أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعم | فصل في أن ما يحصل للإنسان من الحسنات أمر وجودي أنعم الله به عليه | فصل في تنازع الناس في الترك | فصل في أن الثواب والعقاب على أمر وجودي | فصل منشأ السيئات من الجهل والظلم | فصل في أن الغفلة والشهوة أصل الشر | فصل في بيان تفضل الله على العباد | فصل في الذنوب عقوبة للإنسان على عدم فعله ما خلق له | فصل في قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم | فصل في أن السيئات ليس لها سبب إلا نفس الإنسان | فصل في أن السيئات خبيثة مذمومة | فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى | فصل في تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن | فصل في تفسير قوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم | فصل في أنه لا يجوز الجدال عن الخائن | سورة المائدة | فصل في تفسير قوله تعالى أوفوا بالعقود | فصل في تفسير قوله تعالى قوله: سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك | تفسير آيات أشكلت | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم | فصل في بيان ما جاءت به الشريعة الإسلامية | فصل في تفسير قوله تعالى عليكم أنفسكم | فصل في تفسير قوله تعالى فيقسمان بالله إن ارتبتم | سورة الأنعام | تفسير قوله تعالى ثم قضى أجلا | فصل في أن الله عز وجل يرفع درجات من يشاء بالعلم | تفسير بعض الآيات المشكلة | فصل في تفسير قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا