مجموع الفتاوى/المجلد الرابع عشر/فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل
ابن تيمية

فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل[عدل]

وكذلك قوله: { لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا } [1] فإن شهادته بما أنزل إليه هي شهادته بأن الله أنزله منه، وأنه أنزله بعلمه، فما فيه من الخبر هو خبر عن علم الله ليس خبرا عمن دونه، وهذا كقوله: { فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ } [2]، وليس معنى مجرد كونه أنزله أنه هو معلوم له، فإن جميع الأشياء معلومة له، وليس في ذلك ما يدل على أنها حق، لكن المعنى: أنزله فيه علمه، كما يقال: فلان يتكلم بعلم، ويقول بعلم؛ فهو سبحانه أنزله بعلمه، كما قال: { قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [3]، ولم يقل: تكلم به بعلمه؛ لأن ذلك لا يتضمن نزوله إلى الأرض.

فإذا قال: { أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } تضمن أن القرآن المنزل إلى الأرض فيه علم الله، كما قال: { فَمَنْ

حَآجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ } [4]، وذلك يتضمن أنه كلام الله نفسه، منه نزل ولم ينزل من عند غيره؛ لأن غير الله لا يعلم ما في نفس الله من العلم ونفسه هي ذاته المقدسة إلا أن يعلمه الله بذلك، كما قال المسيح عليه السلام-: { تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوبِ } [5]، وقالت الملائكة: { لاَ عِلْمَ لَنَا إِلاَّ مَا عَلَّمْتَنَا } [6]، وقال: { وَلاَ يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِّنْ عِلْمِهِ إِلاَّ بِمَا شَاء } [7]، وقال: { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِن بَيْنِ يَدَيْهِ وَمِنْ خَلْفِهِ رَصَدًا } [8]. فغيبه الذي اختص به لا يظهر عليه أحدا إلا من ارتضى من رسول، والملائكة لا يعلمون غيب الرب الذي اختص به.

وأما ما أظهره لعباده فإنه يعلمه من شاء، وما تتحدث به الملائكة فقد تسترق الشياطين بعضه، لكن هذا ليس من غيبه وعلم نفسه الذي يختص به، بل هذا قد أظهر عليه من شاء من خلقه، وهو سبحانه قال: { لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إِلَيْكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ } [9] فشهد أنه أنزله بعلمه بالآيات والبراهين التي تدل على أنه كلامه، وأن الرسول صادق.

وكذلك قال في هود: { فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [10]، لما تحداهم بالإتيان بمثله في قوله: { فَلْيَأْتُوا بِحَدِيثٍ مِّثْلِهِ } [11] ثم تحداهم أن يأتوا بعشر سور مثله، فعجزوا عن ذا وذاك، ثم تحداهم أن يأتوا بسورة مثله فعجزوا؛ فإن الخلائق لا يمكنهم أن يأتوا بمثله ولا بسورة مثله، وإذا كان الخلق كلهم عاجزين عن الإتيان بسورة مثله ومحمد منهم علم أنه منزل من الله، نزله بعلمه، لم ينزله بعلم مخلوق، فما فيه من الخبر، فهو خبر عن علم الله.

وقوله: { قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [12] ؛ لأن فيه من الأسرار التي لا يعلمها إلا الله ما يدل على أن الله أنزله، فذكره ذلك يستدل به تارة على أنه حق منزل من الله، لكن تضمن من الأخبار عن أسرار السموات والأرض والدنيا والأولين والآخرين وسر الغيب ما لا يعلمه إلا الله. فمن هنا نستدل بعلمنا بصدق أخباره أنه من الله.

وإذا ثبت أنه أنزله بعلمه تعالى استدللنا بذلك على أن خبره حق، وإذا كان خبرا بعلم الله فما فيه من الخبر يستدل به عن الأنبياء وأممهم، وتارة عن يوم القيامة وما فيها، والخبر الذي يستدل به لابد أن نعلم صحته من غير جهته، وذلك كإخباره بالمستقبلات، فوقعت كما أخبر، وكإخباره بالأمم الماضية بما يوافق ما عند أهل الكتاب من غير تعلم منهم، وإخباره بأمور هي سر عند أصحابها، كما قال: { وَإِذْ أَسَرَّ النَّبِيُّ إِلَى بَعْضِ أَزْوَاجِهِ حَدِيثًا } إلى قوله: { نَبَّأَنِيَ الْعَلِيمُ الْخَبِيرُ } [13]، فقوله: { قُلْ أَنزَلَهُ الَّذِي يَعْلَمُ السِّرَّ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } [14] استدلال بإخباره؛ ولهذا ذكره تكذيبا لمن قال: هو { إِفْكٌ افْتَرَاهُ وَأَعَانَهُ عَلَيْهِ قَوْمٌ آخَرُونَ } [15]، وقوله: { أَنزَلَهُ } استدلال على أنه حق، وأن الخبر الذي فيه عن الله حق؛ ولهذا ذكر ذلك بعد ثبوت التحدى، وظهور عجز الخلق عن الإتيان بمثله.

هامش

  1. [النساء: 166]
  2. [هود: 14]
  3. [الفرقان: 6]
  4. [آل عمران: 61]
  5. [المائدة: 116]
  6. [البقرة: 32]
  7. [البقرة: 255]
  8. [الجن: 26، 27]
  9. [النساء: 166]
  10. [هود: 13]
  11. [الطور: 34]
  12. [الفرقان: 6]
  13. [التحريم: 3]
  14. [الفرقان: 6]
  15. [الفرقان: 4]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع عشر
فصل في أسماء القرآن | فصل في الآيات الدالة على اتباع القرآن | سئل عن بعض الآحاديث هل هي صحيحة أم لا | فصل في ذكر فضائل الفاتحة | سورة الفاتحة | فصل في تفصيل حاجة الناس إلى الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان أن الإنسان وجميع المخلوقات عباد لله | فصل في بيان أنه لا غنى عن الله تبارك وتعالى | فصل في بيان ما يصلح العباد من الأوامر والنواهي | فصل في ضرورة اقتفاء الصراط المستقيم | سورة البقرة | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة البقرة | فصل في تفسيرقوله تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق | فصل في معنى المثل | تفسير بعض المشكل من الآيات | فصل في تقسيم ذمم أهل الكتاب | سئل عن معنى قوله تعالى ما ننسخ من آية | تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام | سئل عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات | فصل فيما يبطل الصدقة | فصل في تفسير قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم | خواتيم سورة البقرة | فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة | سورة آل عمران | فصل في كيفية شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان حال الشهادة | فصل في بيان ما يتبع الشهادة من العزة والحكمة | فصل فيما تضمنته أية الشهادة | فصل في قوله تعالى وهو العزيز الحكيم | فصل في أهمية شهادة أولي العلم | فصل في بيان عظمت شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل شهادة الرب بالسمع والبصر | فصل في بيان أن الصدق في جانب الله معلوم بالفطرة | فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل | فصل في بيان أن من شهادة الرب تبارك وتعالى ما يجعله في القلوب من العلم | سئل عن قوله تعالى ومن دخله كان آمنا | ما قاله الشيخ في قوله تعالى إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه | سورة النساء | سئل عن قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن | فصل في قوله تعالى إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا | فصل في حكمة الجمع بين الخيلاء والفخر والبخل في الآيات | فصل في قول الناس الآدمي جبار ضعيف | تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل في قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل فيما يتناوله لفظ الحسنات والسيئات في القرآن الكريم | فصل في المعصية الثانية | فصل في معنى السيئات التي يعملها الإنسان | فصل ليس للقدرية أن يحتجوا بالآية من يعمل سوءا يجز به | فصل في ظن طائفة أن في الآية إشكالا | فصل في تأويل قوله تعالى وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك | فصل في ذكر كلام الجهمية | فصل في قول من قال لم فرق بين الحسنات والسيئات | فصل في أن الحسنات من فضل الله ومنه | فصل في أن الحسنات يضاعفها الله تبارك وتعالى | فصل في اضطراب الناس في مضاعفة الحسنات | فصل المقصود من الآية هو أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعم | فصل في أن ما يحصل للإنسان من الحسنات أمر وجودي أنعم الله به عليه | فصل في تنازع الناس في الترك | فصل في أن الثواب والعقاب على أمر وجودي | فصل منشأ السيئات من الجهل والظلم | فصل في أن الغفلة والشهوة أصل الشر | فصل في بيان تفضل الله على العباد | فصل في الذنوب عقوبة للإنسان على عدم فعله ما خلق له | فصل في قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم | فصل في أن السيئات ليس لها سبب إلا نفس الإنسان | فصل في أن السيئات خبيثة مذمومة | فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى | فصل في تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن | فصل في تفسير قوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم | فصل في أنه لا يجوز الجدال عن الخائن | سورة المائدة | فصل في تفسير قوله تعالى أوفوا بالعقود | فصل في تفسير قوله تعالى قوله: سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك | تفسير آيات أشكلت | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم | فصل في بيان ما جاءت به الشريعة الإسلامية | فصل في تفسير قوله تعالى عليكم أنفسكم | فصل في تفسير قوله تعالى فيقسمان بالله إن ارتبتم | سورة الأنعام | تفسير قوله تعالى ثم قضى أجلا | فصل في أن الله عز وجل يرفع درجات من يشاء بالعلم | تفسير بعض الآيات المشكلة | فصل في تفسير قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا