مجموع الفتاوى/المجلد الرابع عشر/تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله
ابن تيمية

تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله[عدل]

وَقَالَ شيخ الإسلام:

قوله: { مَّا أَصَابَكَ مِنْ حَسَنَةٍ فَمِنَ اللهِ } الآية بعد قوله: { كُلًّ مِّنْ عِندِ اللهِ } [1]، لو اقتصر على الجمع أعرض العاصى عن ذم نفسه، والتوبة من الذنب، والاستعاذة من شره، وقام بقلبه حجة إبليس، فلم تزده إلا طردا، كما زادت المشركين ضلالا حين قالوا: { لَوْ شَاء اللهُ مَا أَشْرَكْنَا } [2].

ولو اقتصر على الفرق لغابوا عن التوحيد والإيمان بالقدر، واللجاء إلى الله في الهداية، كما في خطبته ﷺ: «الحمد الله، نحمده ونستعينه ونستغفره» فيشكره ويستعينه على طاعته، ويستغفره من معصيته، ويحمده على إحسانه. ثم قال: «ونعوذ بالله من شرور أنفسنا» إلى آخره، لما استغفر من المعاصي استعاذه من الذنوب التي لم تقع ثم قال: «ومن سيئات أعمالنا»، أي: ومن عقوباتها، ثم قال: «من يهد الله فلا مضل له»إلخ. شهادة بأنه المتصرف في خلقه، ففيه إثبات القضاء الذي هو نظام التوحيد، هذا كله مقدمة بين يدى الشهادتين، فإنما يتحققان بحمد الله وإعانته، واستغفاره واللجاء إليه، والإيمان بأقداره. فهذه الخطبة عقد نظام الإسلام والإيمان.

وقال: كون الحسنات من الله والسيئات من النفس له وجوه:

الأول: أن النعم تقع بلا كسب.

الثاني: أن عمل الحسنات من إحسان الله إلى عبده، فخلق الحياة، وأرسل الرسل، وحبب إليهم الإيمان. وإذا تدبرت هذا شكرت الله فزادك، وإذا علمت أن الشر لا يحصل إلا من نفسك تبت فزال.

الثالث: أن الحسنة تضاعف.

الرابع: أن الحسنة يحبها ويرضاها، فيحب أن ينعم، ويحب أن يطاع؛ ولهذا تأدب العارفون فأضافوا النعم إليه والشر إلى محله، كما قال إمام الحنفاء: { الَّذِي خَلَقَنِي فَهُوَ يَهْدِينِ } إلى قوله: { وَإِذَا مَرِضْتُ فَهُوَ يَشْفِينِ } [3].

الخامس: أن الحسنة مضافة إليه لأنه أحسن بها بكل اعتبار، وأما السيئة فما قدرها إلا لحكمة.

السادس: أن الحسنات أمور وجودية متعلقة بالرحمة والحكمة؛ لأنها إما فعل مأمور أو ترك محظور، والترك أمر وجودي، فتركه لما عرف أنه ذنب، وكراهته له ومنع نفسه منه أمور وجودية، وإنما يثاب على الترك على هذا الوجه.

وقد جعل النبي ﷺ البغض في الله من أوثق عُرَى الإيمان، وهو أصل الترك، وجعل المنع لله من كمال الإيمان وهو أصل الترك. وكذلك براءة الخليل من قومه المشركين ومعبوديهم ليست تركا محضا، بل صادرا عن بغض وعداوة. وأما السيئات فمنشؤها من الظلم والجهل. وفى الحقيقة كلها ترجع إلى الجهل، وإلا فلو تم العلم بها لم يفعلها؛ فإن هذا خاصة العقل، وقد يغفل عن هذا كله بقوة وارد الشهوة، والغفلة، والشهوة أصل الشر، كما قال تعالى: { وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا } الآية [4].

السابع: أن ابتلاءه له بالذنوب عقوبة له على عدم فعل ما خلق له وفطر عليه.

الثامن: أن ما يصيبه من الخير والنعم لا تنحصر أسبابه من إنعام الله عليه، فيرجع في ذلك إلى الله، ولا يرجو إلا هو؛ فهو يستحق الشكر التام الذي لا يستحقه غيره، وإنما يستحق من الشكر جزاء على ما يسره الله على يديه، ولكن لا يبلغ أن يشكر بمعصية الله، فإنه المنعم بما لا يقدر عليه مخلوق، ونعم المخلوق منه أيضا، وجزاؤه على الشكر والكفر لا يقدر أحد على مثله.

فإذا عرف أن { مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِن رَّحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِن بَعْدِهِ } [5] صار توكله ورجاؤه إلى الله وحده، وإذا عرف ما يستحقه من الشكر الذي يستحقه صار له... [6]، والشر انحصر سببه في النفس؛ فعلم من أين يؤتى فتاب واستعان بالله، كما قال بعض السلف: لا يرجون عبد إلا ربه، ولا يخاف إلا ذنبه، وقد تقدم قول السلف ابن عباس وغيره أن ما أصابهم يوم أحد مطلقا كان بذنوبهم لم يستثن أحد، وهذا من فوائد تخصيص الخطاب؛ لئلا يظن أنه عام مخصوص.

التاسع: أن السيئة إذا كانت من النفس والسيئة خبيثة، كما قال تعالى: { الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ } الآية [7]، قال جمهور السلف: الكلمات الخبيثات للخبيثين، وقال: { وَمَثلُ كَلِمَةٍ خَبِيثَةٍ } [8]، وقال: { إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ } [9] والأقوال والأفعال صفات للقائل الفاعل، فإذا اتصفت النفس بالخبث فمحلها ما يناسبها، فمن أراد أن يجعل الحيات يعاشرن الناس كالسنانير لم يصلح، بل إذا كان في النفس خبث طهرت حتى تصلح للجنة، كما في حديث أبى سعيد الذي في الصحيح وفيه: «حتى إذا هُذِّبوا ونُقُّوا أذن لهم في دخول الجنة».

فإذا علم الإنسان أن السيئة من نفسه لم يطمع في السعادة التامة، مع ما فيه من الشر، بل علم تحقيق قوله: { مَن يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ } [10]، { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا } [11] إلخ. وعلم أن الرب عليم حكيم، رحيم عدل، وأفعاله على قانون العدل والإحسان، كما في الصحيح: «يمين الله ملأى» إلى قوله: «والقسط بيده الأخرى» وعلم فساد قول الجهمية الذين يجعلون الثواب والعقاب بلا حكمة ولا عدل.

إلى أن قال: ومن سلك مسلكهم غايته إذا عظم الأمر والنهى أن يقول كما نقل عن الشاذلى [12] يكون الجمع في قلبك مشهودا، والفرق على لسانك موجودا، كما يوجد في كلامه وكلام غيره أقوال وأدعية تستلزم تعطيل الأمر والنهى، مما يوجب أن يجوز عنده أن يجعل الذين آمنوا وعملوا الصالحات كالمفسدين في الأرض، ويدعون بأدعية فيها اعتداء، كما في حزب الشاذلي. وآخرون من عوامهم يجوزون أن يكرم الله بكرامات الأولياء لمن هو فاجر وكافر، ويقولون: هذه موهبة، ويظنونها من الكرامات وهى من الأحوال الشيطانية التي يكون مثلها للسحرة والكهان، كما قال تعالى: { وَلَمَّا جَاءهُمْ رَسُولٌ مِّنْ عِندِ اللهِ مُصَدِّقٌ لِّمَا مَعَهُمْ } إلى قوله: { هَارُوتَ وَمَارُوتَ } [13]، وصح قوله: «لتتبعن سنن من كان قبلكم».

فعدل كثير من المنتسبين إلى الإسلام إلى أن نبذ القرآن وراء ظهره، واتبع ما تتلو الشياطين فلا يعظم أمر القرآن ونهيه ولا يوالى من أمر القرآن بموالاته، ولا يعادى من أمر القرآن بمعاداته بل يعظم من يأتى ببعض الخوارق.

ثم منهم من يعرف أنه من الشياطين لكن يعظمه لهواه، ويفضله على طريقة القرآن، وهؤلاء كفار، قال الله تعالى فيهم: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّاغُوتِ } إلخ [14].

قال: وفى قوله تعالى: { فَمِن نَّفْسِكَ } [15] من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه، ولا يشتغل بملام الناس وذمهم، بل يسأل الله أن يعينه على طاعته؛ ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه دعاء الفاتحة، وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة، ويدخل فيه من أنواع الحاجات ما لا يمكن حصره، ويبينه أن الله سبحانه لم يقص علينا قصة في القرآن إلا لنعتبر، وإنما يكون الاعتبار إذا قِسْنَا الثاني بالأول، فلولا أن في النفوس ما في نفوس المكذبين للرسل لم يكن بنا حاجة إلى الاعتبار بمن لا نشبهه قط، ولكن الأمر كما قال تعالى: { مَا يُقَالُ لَكَ إِلَّا مَا قَدْ قِيلَ لِلرُّسُلِ مِن قَبْلِكَ } [16] وقوله: { أَتَوَاصَوْا بِهِ } [17] وقوله: { تَشَابَهَتْ قُلُوبُهُمْ } [18] ولهذا في الحديث: «لتسلكن سنن من كان قبلكم».

وقد بين القرآن أن السيئات من النفس، وأعظم السيئات جحود الخالق والشرك به، وطلب أن يكون شريكا له، وكلا هذين وقع.

وقال بعضهم: ما من نفس إلا وفيها ما في نفس فرعون، وذلك أن الإنسان إذا اعتبر وتعرف أحوال الناس رأى ما يبغض نظيره وأتباعه حسدا، كما فعلت اليهود لما بعث الله من يدعو إلى مثل ما دعا إليه موسى؛ ولهذا أخبر عنهم بنظير ما أخبر به عن فرعون.

وَقَالَ الشّيخ الإمَام العَالم العَلاّمة شيخ الإسلام تقى الدين أبو العباس أحمد بن عبد الحليم بن عبد السلام بن تيمية الحرانى تغمده الله تعالى برحمته:

الحمد للّه نحمده ونستعينه، ونستهديه ونستغفره. ونعوذ بالله من شرور أنفسنا، ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادى له.

وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله ﷺ.

هامش

  1. [النساء: 78، 79]
  2. [الأنعام: 148]
  3. [الشعراء: 78 80]
  4. [الكهف: 28]
  5. [فاطر: 2]
  6. [بياض بالأصل]
  7. [النور: 26]
  8. [إبراهيم: 26]
  9. [فاطر: 10]
  10. [النساء: 123]
  11. [الزلزلة: 7]
  12. [هو أبو الحسن على بن عبد الله بن عبد الجبار بن يوسف بن هرمز الشاذلى المغربى، رأس الطائفة الشاذلية، من المتصوفة، وصاحب الأوراد المسماة حزب الشاذلى ولد سنة 591 ه، سكن شاذلة قرب تونس، فنسب إليها، وتوفى سنة 656 ه]
  13. [البقرة: 101، 102]
  14. [النساء: 51]
  15. [النساء: 79]
  16. [فصلت: 43]
  17. [الذاريات: 53]
  18. [البقرة: 118]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع عشر
فصل في أسماء القرآن | فصل في الآيات الدالة على اتباع القرآن | سئل عن بعض الآحاديث هل هي صحيحة أم لا | فصل في ذكر فضائل الفاتحة | سورة الفاتحة | فصل في تفصيل حاجة الناس إلى الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان أن الإنسان وجميع المخلوقات عباد لله | فصل في بيان أنه لا غنى عن الله تبارك وتعالى | فصل في بيان ما يصلح العباد من الأوامر والنواهي | فصل في ضرورة اقتفاء الصراط المستقيم | سورة البقرة | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة البقرة | فصل في تفسيرقوله تعالى ولقد خلقنا فوقكم سبع طرائق | فصل في معنى المثل | تفسير بعض المشكل من الآيات | فصل في تقسيم ذمم أهل الكتاب | سئل عن معنى قوله تعالى ما ننسخ من آية | تفسير قوله تعالى يسألونك عن الشهر الحرام | سئل عن قوله تعالى ولا تنكحوا المشركات | فصل فيما يبطل الصدقة | فصل في تفسير قوله تعالى وإن تبدوا ما في أنفسكم | خواتيم سورة البقرة | فصل في الدعاء المذكور في آخر سورة البقرة | سورة آل عمران | فصل في كيفية شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل في بيان حال الشهادة | فصل في بيان ما يتبع الشهادة من العزة والحكمة | فصل فيما تضمنته أية الشهادة | فصل في قوله تعالى وهو العزيز الحكيم | فصل في أهمية شهادة أولي العلم | فصل في بيان عظمت شهادة الرب تبارك وتعالى | فصل شهادة الرب بالسمع والبصر | فصل في بيان أن الصدق في جانب الله معلوم بالفطرة | فصل في بيان قوله تعالى لكن الله يشهد بما أنزل | فصل في بيان أن من شهادة الرب تبارك وتعالى ما يجعله في القلوب من العلم | سئل عن قوله تعالى ومن دخله كان آمنا | ما قاله الشيخ في قوله تعالى إنما ذلكم الشيطان يخوف أولياءه | سورة النساء | سئل عن قوله تعالى واللاتي تخافون نشوزهن فعظوهن | فصل في قوله تعالى إن الله لا يحب من كان مختالا فخورا | فصل في حكمة الجمع بين الخيلاء والفخر والبخل في الآيات | فصل في قول الناس الآدمي جبار ضعيف | تفسير قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل في قوله تعالى ما أصابك من حسنة فمن الله | فصل فيما يتناوله لفظ الحسنات والسيئات في القرآن الكريم | فصل في المعصية الثانية | فصل في معنى السيئات التي يعملها الإنسان | فصل ليس للقدرية أن يحتجوا بالآية من يعمل سوءا يجز به | فصل في ظن طائفة أن في الآية إشكالا | فصل في تأويل قوله تعالى وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك | فصل في ذكر كلام الجهمية | فصل في قول من قال لم فرق بين الحسنات والسيئات | فصل في أن الحسنات من فضل الله ومنه | فصل في أن الحسنات يضاعفها الله تبارك وتعالى | فصل في اضطراب الناس في مضاعفة الحسنات | فصل المقصود من الآية هو أن يشكر الإنسان ربه على هذه النعم | فصل في أن ما يحصل للإنسان من الحسنات أمر وجودي أنعم الله به عليه | فصل في تنازع الناس في الترك | فصل في أن الثواب والعقاب على أمر وجودي | فصل منشأ السيئات من الجهل والظلم | فصل في أن الغفلة والشهوة أصل الشر | فصل في بيان تفضل الله على العباد | فصل في الذنوب عقوبة للإنسان على عدم فعله ما خلق له | فصل في قوله تعالى ونقلب أفئدتهم وأبصارهم | فصل في أن السيئات ليس لها سبب إلا نفس الإنسان | فصل في أن السيئات خبيثة مذمومة | فصل في حتمية ألا يطلب العبد الحسنات إلا من الله تعالى | فصل في تفسير قوله تعالى ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن | فصل في تفسير قوله تعالى ولا تجادل عن الذين يختانون أنفسهم | فصل في أنه لا يجوز الجدال عن الخائن | سورة المائدة | فصل في تفسير قوله تعالى أوفوا بالعقود | فصل في تفسير قوله تعالى قوله: سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك | تفسير آيات أشكلت | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تحرموا طيبات ما أحل الله لكم | فصل في بيان ما جاءت به الشريعة الإسلامية | فصل في تفسير قوله تعالى عليكم أنفسكم | فصل في تفسير قوله تعالى فيقسمان بالله إن ارتبتم | سورة الأنعام | تفسير قوله تعالى ثم قضى أجلا | فصل في أن الله عز وجل يرفع درجات من يشاء بالعلم | تفسير بعض الآيات المشكلة | فصل في تفسير قوله تعالى وتمت كلمة ربك صدقا وعدلا