مجموع الفتاوى/المجلد السادس عشر/قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين
ابن تيمية

قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين[عدل]

قَال شَيْخ الإسْلام رَحمه الله:

قوله تعالى: { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ } [1]، الهداية محلها القلب، وهذه الأعضاء الثلاثة التي هي دائمة الحركة والكسب، إما للإنسان، وإما عليه، بخلاف ما يتحرك من داخل فإنه لا يتعلق به ثواب ولا عقاب، وبخلاف بقية الأعضاء الظاهرة، فإن السكون أغلب، وحركتها قليلة بالنسبة إلى هذه، وهذه الثلاثة التي يروى عن عيسى ابن مريم عليه السلام أنه قال: من كان صمته فكرًا، ونطقه ذكرًا، ونظره عبرة. وفي حديث عند ابن أبي حاتم في صفة النبي ﷺ أنه كان كثير الصمت، دائم الفكر، متواصل الأحزان، فالصمت والفكر للسان والقلب، وأما الحزن فليس المراد به الحزن الذي هو الألم على فوت مطلوب أو حصول مكروه فإن ذلك منهي عنه، ولم يكن من حاله، وإنما أراد به الاهتمام والتيقظ لما يستقبله من الأمور، وهذا مشترك بين القلب والعين.

وفيه أيضا في الصحيحين حديث ابن عباس أنه كان إذا قام من الليل يصلى ينظر إلى السماء، ويقرأ الآيات العشر من أواخر سورة آل عمران، فيجمع بين الذكر والنظر والفكر، فالنظر، أي: نظر القلب ونظر العين، والذكر أيضا لابد مع ذكر اللسان من ذكر القلب.

ولما كان النظر مبدأ، والذكر منتهى؛ لأن النظر يتقدم الإدراك، والعلم والذكر يتأخر عن الإدراك والعلم؛ ولهذا كان المتكلمة في النظر المقتضى للعلم، وكان المتصوفة في الذكر المقرر للعلم قدم آلة النظر على آلة الذكر، وختم بهداية الملك الجامع الذي هو الناظر الذاكر.

وذكر سبحانه اللسان والشفتين؛ لأنهما العضوان الناطقان. فأما الهواء والحلق والنطع واللهوات والأسنان فمتصلة حركة بعضها مرتبطة بحركة البعض بمنزلة غيرها من أجزاء الحنك، فأما اللسان والشفتان فمنفصلة. ثم الشفتان لما كانا النهاية حملا الحروف الجوامع: الباء، والفاء، والميم، والواو.

فأما الباء والفاء فهما الحرفان السببيان، فإن الباء أبدًا تفيد الإلصاق والسبب، وكذلك الفاء تفيد التعقيب والسبب؛ وبالأسباب تجتمع الأمور بعضها ببعض.

وأما الميم والواو فلهما الجمع والإحاطة، ألا ترى أن الميم ضمير لجمع المخاطبين في الأنواع الخمسة: ضميرى الرفع والنصب المتصلين والمنفصلين، وضمير الخفض في مثل قوله: "أنتم" و"علمتم" و"إياكم" و"علمكم" و"بكم" وضمير لجمع الغائبين في الأنواع الخمسة أيضا. والمضمر أيا كان، إما متكلم، أو مخاطَب، أو غائب، واحد أو اثنان أو جمع، مرفوع أو منصوب أو مجرور. فقد أحاطت بالجميع مطلقًا. أما الجمع المطلق فبنفسها، وأما الجمع المقدر باثنين فبزيادة علم التثنية، وهو الألف في مثل أنتما وعلمتما، وكذلك الباقى.

ولهذا زيدت الواو في الجمع المطلق فقيل: عليهموا، وأنتموا، كما زيدت الألف في التثنية، ومن حذفها حذفها تخفيفًا؛ ولأن ترك العلامة علامة، فصارت الميم مشتركة، ثم الفارق الألف أو عدمها مع الواو.

وأما الواو فلها جموع الضمائر الغائبة في مثل قالوا ونحوها، وأما المتصلة مثل إياكم وهم، فعلى اللغتين، فلما صارت الواو تمام المضمر المرفوع المنفصل، والياء تمام المؤنث، صارت للمؤنث مطلقًا في جميع أحواله؛ لأنه تلو المذكر، والمفرد مذكره ومؤنثه قبل المثنى والمجموع، فإن المفرد قبل المركب، ثم الألف صارت علم التثنية مطلقًا في المظهر والمضمر كما أن الواو علم لجمع المذكر، وجعل الياء علمى النصب والجر في المظهر من المثنى والمجموع؛ لأن المظهر قبل المضمر وأقوى منه، فكانت أحق أن تكون فيه من الألف، فحين ما كان أقوى كانت الواو، وحين ما كان أوسط كان الياء.

وأما الجموع الظاهرة، فالواو هي علم الجمع المذكر الصحيح، كما أن الألف علم التثنية؛ ولهذا ينطق بها حيث لا إعراب، لكن في حال النصب والخفض قلبتا يائين لأجل الفرق، وذلك لأن الأسماء الظاهرة لها الغيبة دون الخطاب في جميع العربية؛ وذلك لأن الواو أقوى حروف العلة، والضمة بعضها، وهى أقوى الحركات، لما فيها من الجمع، وكونها آخرًا، فجعلت للجمع والألف أخف حروف العلة، فجعلت للاثنين؛ لأن الياء كانت قد صارت للمؤنث في المفرد المرفوع الذي هو الأصل في قولك... [2]، وجاءت الميم في مثل: اللهم إشعار بجميع الأسماء؛ وذلك لأن حرف الشفة لما كان جامعًا للقوة من مبدأ مخارج الحروف إلى منتهاها بمنزلة الخاتم الآخر، الذي حوى ما في المتقدم وزيادة كان جامعًا لقوى الحروف، فجعل جامعًا للأسماء مظهرها ومضمرها وجامعًا بين المفردات والجمل، فالواو والفاء عاطفان، والفاء رابطة جملة بجملة.

ولما كانت النون قريبة من الفيهة فهى أنفية، جعلت لجمع المؤنث ؛ لأنه دون جمع المذكر، وثنى العينين والشفتين؛ لأن العينين هما ربيئة القلب، وليس من الأعضاء أشد ارتباطًا بالقلب من العينين؛ ولهذا جمع بينهما في قوله: { وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ } [3]، { تَتَقَلَّبُ فِيهِ الْقُلُوبُ وَالْأَبْصَارُ } [4]، { وَإِذْ زَاغَتْ الْأَبْصَارُ وَبَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَنَاجِرَ } [5]، { قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ أَبْصَارُهَا خَاشِعَةٌِ } [6]، ولأن كليهما له النظر، فنظر القلب الظاهر بالعينين والباطن به وحده، وكذلك اللسان هو الذكر والشفتان أنثاه.

هامش

  1. [البلد: 8 - 10]
  2. [بياض بالأصل]
  3. [الأنعام: 110]
  4. [النور: 37]
  5. [الأحزاب: 10]
  6. [النازعات: 8، 9]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس عشر
سورة الزمر | فصل في تفسير قوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه | فصل في السماع | فصل في تفسير قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع | فصل في تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله | سورة الشورى | فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون | سورة الزخرف | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم | سورة الأحقاف | سئل شيخ الإسلام عن تفسير قوله تعالى ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة | سورة ق | سئل رحمه الله عن تفسير قوله تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد | سورة المجادلة | فصل في تفسير قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات | سورة الطلاق | فصل في تفسير قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | فصل في تفسير قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | سورة التحريم | سئل رحمه الله عن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا | سورة الملك | تفسير قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير | سورة القلم | فصل في تفسير سورة ن | فصل في كلام جماعة من الفضلاء في تفسير قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه | سورة التكوير | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت | قول لشيخ الإسلام في تفسير قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين | سورة الأعلى | فصل فيما قاله ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفرائيني يحكي ما جرى له | فصل في كون ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين | فصل في وصف الله نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم | فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول | فصل في تفسير معنى الأعلى | فصل في الأمر بتسبيح الله يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى | فصل في قوله تعالى الذي خلق فسوى | فصل في إذا خلق الله المخلوق فسواه، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد | فصل في تفسير قوله سبحانه والذي قدر فهدى | فصل في تفسير قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى | فصل في تفسير قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى | فصل في تفسير قوله تعالى سيذكر من يخشى | فصل في الكلام على قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب | فصل في قوله تعالى في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى | فصل في تفسير قوله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب | فصل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره | فصل في قوله تعالى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى | فصل في جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما في أمور | فصل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين | فصل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم الله | سورة الغاشية | فصل في تفسير قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية | سورة البلد | قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين | سورة الشمس | فصل في قوله والشمس وضحاها | فصل في إذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق | سورة العلق | فصل في بيان أن الرسول أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين | فصل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة | فصل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام | فصل في ذكر الله لخلق الإنسان تارة مجملا، وتارة مفصلا | فصل في تفسير قوله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم | فصل في كون الرسول هدى ورحمة للعالمين | فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم | فصل في تفسير أول ما أنزل اقرأ باسم ربك الذي خلق | فصل في نسيان الإنسان | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق خلق الإنسان من علق | فصل في إثبات صفات الكمال لله | فصل في قوله تعالى باسم ربك الذي خلق | فصل في أول آية نزلت من القرآن | فصل في أن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه | فصل في تنازع العلماء في إثبات الأفعال اللازمة لله كالاستواء والمجيء | فصل في تبيين الرسول الأصول الموصلة إلى الحق | فصل في ما ينبغي أن يعرف | فصل في أن ما جاء به الرسول هو من علم الله | فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة | فصل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة | سورة البينة | فصل في تفسير قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة | فصل في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة | سورة التكاثر | فصل في تفسير سورة التكاثر | سورة الهمزة | فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة | سورة الكوثر | قول شيخ الإسلام - رحمه الله - في تفسير سورة الكوثر | سورة الكافرون | فصل في تفسير سورة قل يا أيها الكافرون | فصل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد | فصل في النزاع في قوله قل يا أيها الكافرون | فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون | فصل في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون في مجيء الخطاب فيها بما | سورة تبت