مجموع الفتاوى/المجلد السادس عشر/فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة


فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم[عدل]

وقوله: { الْأَكْرَمُ }، يقتضي اتصافه بالكرم في نفسه، وأنه الأكرم وأنه محسن إلى عباده. فهو مستحق للحمد لمحاسنه وإحسانه.

وقوله: { ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } 1. فيه ثلاثة أقوال؛ قيل: أهْلٌ أن يُجَلَ وأَن يُكْرَم، كما يقال: إنه { أَهْلُ التَّقْوَى } 2، أي: المستحق لأن يُتَّقَى. وقيل: أَهْلٌ أن يُجَلَّ في نفسه، وأن يكرم أهل ولايته وطاعته. وقيل: أهل أن يُجَلَّ في نفسه وأهل أن يكرم.

ذكر الخَطَّأبي الاحتمالات الثلاثة، ونقل ابن الجوزي كلامه فقال: قال أبو سليمان الخطابي: الجلال مصدر الجليل، يقال: جليل بين الجلالة والجلال. والإكرام مصدر أكرم، يكرم، إكرامًا. والمعنى: أنه يكرم أهل ولايته وطاعته، وأن الله يستحق أن يُجَلَّ ويكرم، ولا يجحد ولا يكفر به، قال: ويحتمل أن يكون المعنى: يَكْرِم أهل ولايته ويرفع درجاتهم.

قلت: وهذا الذي ذكره البغوى فقال: { ذُو الْجَلَالِ }: العظمة والكبرياء { وَالْإِكْرَامِ }: يكرم أنبياءه وأولياءه بلطفه مع جلاله وعظمته.

قال الخطابي: وقد يحتمل أن يكون أحد الأمرين وهو الجلال مضافًا إلى الله بمعنى الصفة له، والآخر مضافًا إلى العبد بمعنى الفعل، كقوله تعالى: { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى وَأَهْلُ الْمَغْفِرَةِ } 3، فانصرف أحد الأمرين إلى الله وهو المغفرة، والآخر إلى العباد وهي التقوى.

قلت: القول الأول هو أقربها إلى المراد، مع أن الجلال هنا ليس مصدر جل جلالا، بل هو اسم مصدر أجل إجلالًا، كقول النبي : «إن من إجلال الله إكرام ذي الشيبة المسلم، وحامل القرآن، غير الغالى فيه ولا الجافي عنه، وإكرام ذى السلطان المقسط». فجعل إكرام هؤلاء من جلال الله، أي: من إجلال الله، كما قال: { وَاللَّهُ أَنبَتَكُم مِّنَ الْأَرْضِ نَبَاتًا } 4. وكما يقال: كلَّمه كلامًا، وأعطاه عطاء، والكلام والعطاء اسم مصدر التكليم والإعطاء.

والجلال قُرِن بالإكرام، وهو مصدر المتعدى، فكذلك الإكرام.

ومن كلام السلف: أَجِلُّوا الله أن تقولوا كذا. وفي حديث موسى: يا رب، إني أكون على الحال التي أجلك أن أذكرك عليها. قال: «اذكرني على كل حال».

وإذا كان مستحقًا للإجلال والإكرام لزم أن يكون متصفًا في نفسه بما يوجب ذلك، كما إذا قال: الإله هو المستحق لأن يُؤْلَه، أي: يعبد، كان هو في نفسه مستحقًا لما يوجب ذلك. وإذا قيل: { هُوَ أَهْلُ التَّقْوَى } ، كان هو في نفسه متصفًا بما يوجب أن يكون هو المتقى.

ومنه قول النبي إذا رفع رأسه من الركوع بعد ما يقول: «ربنا ولك الحمد»: «ملء السموات، وملء الأرض، وملء ما بينهما، وملء ما شئت من شيء بعد، أهل الثناء والمجد أحق ما قال العبد وكلنا لك عبد اللهم لا مانع لما أعطيت، ولا معطى لما منعت، ولا ينفع ذا الجِد منك الجِد». أي: هو مستحق لأن يثنى عليه وتمجد نفسه.

والعباد لا يحصون ثناء عليه، وهو كما أثنى على نفسه، كذلك هو أهل أن يجل وأن يكرم. وهو سبحانه يجل نفسه ويكرم نفسه، والعباد لا يحصون إجلاله وإكرامه.

والإجلال من جنس التعظيم، والإكرام من جنس الحب والحمد وهذا كقوله: { لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ } 5. فله الإجلال والملك، وله الإكرام والحمد.

والصلاة مبناها على التسبيح في الركوع والسجود، والتحميد والتوحيد في القيام والقعود، والتكبير في الانتقالات، كما قال جابر: كنا مع رسول الله ، فكنا إذا علونا كبرنا، وإذا هبطنا سَبَّحنَا، فوضعت الصلاة على ذلك. رواه أبو داود.

وفي الركوع يقول: «سبحان ربي العظيم». وقال النبي : «إني نُهِيتُ أن أقرأ القرآن راكعًا أو ساجدًا. أما الركوع فعظموا فيه الرب، وأما السجود فاجتهدوا فيه في الدعاء، فقَمِنٌ أن يستجاب لكم».

وإذا رفع رأسه حمد فقال: «سمع الله لمن حمده، ربنا ولك الحمد». فيحمده في هذا القيام، كما يحمده في القيام الأول إذا قرأ أم القرآن.

فالتحميد والتوحيد مقدم على مجرد التعظيم؛ ولهذا اشتملت الفاتحة على هذا؛ أولها تحميد، وأوسطها تمجيد، ثم في الركوع تعظيم الرب، وفي القيام يحمده، ويثنى عليه، ويمجده.

فدل على أن التعظيم المجرد، تابع لكونه محمودًا وكونه معبودًا. فإنه يحب أن يُحْمَد ويُعْبَد، ولابد مع ذلك من التعظيم، فإن التعظيم لازم لذلك.

وأما التعظيم، فقد يتجرد عن الحمد والعبادة على أصل الجهمية. فليس ذلك بمأمور به، ولا يصير العبد به لا مؤمنًا، ولا عابدًا، ولا مطيعًا.

وأبو عبد الله بن الخطيب الرازي يجعل الجلال للصفات السلبية، والإكرام للصفات الثبوتية، فيسمى هذه صفات الجلال، وهذه صفات الإكرام. وهذا اصطلاح له، وليس المراد هذا في قوله: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } 6، وقوله: { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ ذِي الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } 7.

وهو في مصحف أهل الشام: تبارك اسم ربك ذو الجلال والإكرام. وهي قراءة ابن عامر، فالاسم نفسه يذوى بالجلال والإكرام. وفي سائر المصاحف وفي قراءة الجمهور: { ذي الجلال }، فيكون المسمى نفسه.

وفي الأولى: { وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ } . فالمذوى وجهه سبحانه وذلك يستلزم أنه هو ذو الجلال والإكرام. فإنه إذا كان وجهه ذا الجلال والإكرام، كان هذا تنبيهًا، كما أن اسمه إذا كان ذا الجلال والإكرام كان تنبيهًا على المسمى.

وهذا يبين أن المراد: أنه يستحق أن يُجل ويُكرم.

فإن الاسم نفسه يسبح ويذكر ويراد بذلك المسمى. والاسم نفسه لا يفعل شيئًا، لا إكراما ولا غيره؛ ولهذا ليس في القرآن إضافة شيء من الأفعال والنعم إلى الاسم.

ولكن يقال: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } 8، { تَبَارَكَ اسْمُ رَبِّكَ } ، ونحو ذلك. فإن اسم الله مبارك تنال معه البركة. والعبد يسبح اسم ربه الأعلى فيقول: «سبحان ربي الأعلى». ولما نزل قوله: { سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى } ، قال: «اجعلوها في سجودكم»، فقالوا: «سبحان ربي الأعلى».

فكذلك كان النبي لا يقول: «سبحان اسم ربي الأعلى». لكن قوله: «سبحان ربي الأعلى»، هو تسبيح لاسمه يراد به تسبيح المسمى، لا يراد به تسبيح مجرد الاسم، كقوله: { قُلِ ادْعُواْ اللهَ أَوِ ادْعُواْ الرَّحْمَنَ أَيًّا مَّا تَدْعُواْ فَلَهُ الأَسْمَاء الْحُسْنَى } 9. فالداعي يقول: يا الله، يا رحمن، ومراده المسمى. وقوله: { أَيًّا مَّا }، أي الاسمين تدعوا، ودعاء الاسم هو دعاء مسماه.

وهذا هو الذي أراده من قال من أهل السنة: إن الاسم هو المسمى. أرادوا به أن الاسم إذا دعي وذكر يراد به المسمى. فإذا قال المصلى: «الله أكبر»، فقد ذكر اسم ربه، ومراده المسمى.

لم يريدوا به أن نفس اللفظ هو الذات الموجودة في الخارج. فإن فساد هذا لا يخفي على من تصوره، ولو كان كذلك كان من قال نارًا احترق لسانه. وبسط هذا له موضع آخر.

والمقصود أن الجلال والإكرام مثل الملك والحمد، كالمحبة والتعظيم، وهذا يكون في الصفات الثبوتية والسلبية. فإن كل سلب فهو متضمن للثبوت. وأما السلب المحض فلا مدح فيه.

وهذا مما يظهر به فساد قول من جعل أحدهما للسلب والآخر للإثبات، لا سيما إذا كان من الجهمية الذين ينكرون محبته، ولا يثبتون له صفات توجب المحبة والحمد، بل إنما يثبتون ما يوجب القهر، كالقدرة. فهؤلاء آمنوا ببعض وكفروا ببعض، وألحدوا في أسمائه وآياته بقدر ما كذبوا به من الحق، كما بسط هذا في غير هذا الموضع.


هامش

  1. [الرحمن: 27]
  2. [المدثر: 56]
  3. [المدثر: 56]
  4. [نوح: 17]
  5. [التغابن: 1]
  6. [الرحمن: 27]
  7. [الرحمن: 78]
  8. [الأعلى: 1]
  9. [الإسراء: 110]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس عشر
سورة الزمر | فصل في تفسير قوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه | فصل في السماع | فصل في تفسير قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع | فصل في تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله | سورة الشورى | فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون | سورة الزخرف | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم | سورة الأحقاف | سئل شيخ الإسلام عن تفسير قوله تعالى ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة | سورة ق | سئل رحمه الله عن تفسير قوله تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد | سورة المجادلة | فصل في تفسير قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات | سورة الطلاق | فصل في تفسير قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | فصل في تفسير قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | سورة التحريم | سئل رحمه الله عن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا | سورة الملك | تفسير قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير | سورة القلم | فصل في تفسير سورة ن | فصل في كلام جماعة من الفضلاء في تفسير قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه | سورة التكوير | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت | قول لشيخ الإسلام في تفسير قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين | سورة الأعلى | فصل فيما قاله ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفرائيني يحكي ما جرى له | فصل في كون ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين | فصل في وصف الله نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم | فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول | فصل في تفسير معنى الأعلى | فصل في الأمر بتسبيح الله يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى | فصل في قوله تعالى الذي خلق فسوى | فصل في إذا خلق الله المخلوق فسواه، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد | فصل في تفسير قوله سبحانه والذي قدر فهدى | فصل في تفسير قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى | فصل في تفسير قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى | فصل في تفسير قوله تعالى سيذكر من يخشى | فصل في الكلام على قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب | فصل في قوله تعالى في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى | فصل في تفسير قوله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب | فصل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره | فصل في قوله تعالى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى | فصل في جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما في أمور | فصل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين | فصل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم الله | سورة الغاشية | فصل في تفسير قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية | سورة البلد | قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين | سورة الشمس | فصل في قوله والشمس وضحاها | فصل في إذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق | سورة العلق | فصل في بيان أن الرسول أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين | فصل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة | فصل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام | فصل في ذكر الله لخلق الإنسان تارة مجملا، وتارة مفصلا | فصل في تفسير قوله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم | فصل في كون الرسول هدى ورحمة للعالمين | فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم | فصل في تفسير أول ما أنزل اقرأ باسم ربك الذي خلق | فصل في نسيان الإنسان | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق خلق الإنسان من علق | فصل في إثبات صفات الكمال لله | فصل في قوله تعالى باسم ربك الذي خلق | فصل في أول آية نزلت من القرآن | فصل في أن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه | فصل في تنازع العلماء في إثبات الأفعال اللازمة لله كالاستواء والمجيء | فصل في تبيين الرسول الأصول الموصلة إلى الحق | فصل في ما ينبغي أن يعرف | فصل في أن ما جاء به الرسول هو من علم الله | فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة | فصل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة | سورة البينة | فصل في تفسير قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة | فصل في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة | سورة التكاثر | فصل في تفسير سورة التكاثر | سورة الهمزة | فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة | سورة الكوثر | قول شيخ الإسلام - رحمه الله - في تفسير سورة الكوثر | سورة الكافرون | فصل في تفسير سورة قل يا أيها الكافرون | فصل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد | فصل في النزاع في قوله قل يا أيها الكافرون | فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون | فصل في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون في مجيء الخطاب فيها بما | سورة تبت