مجموع الفتاوى/المجلد السادس عشر/فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون
ابن تيمية

فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون[عدل]

ونظير القول في: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } ، القولان في قوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [1]، فإن للناس في هذه الآية قولين:

أحدهما: أنها خاصة بمن يموت كافرًا. وهذا منقول عن مقاتل، كما قال في قوله: { قُلْ يَا أَيُّهَا الْكَافِرُونَ } . وكذلك نقل عن الضحاك. قالا: نزلت في مشركى العرب، كأبي جهل، وأبي طالب، وأبي لهب، ممن لم يسلم. وقال الضحاك: ونزلت في أبي جهل وخمسة من أهل بيته.

وطائفة من المفسرين لم يذكروا غير هذا القول، كالثعلبى والبغوى وابن الجوزى. قال البغوى: هذه الآية في أقوام حقت عليهم كلمة الشقاوة في سابق علم الله.

وقال ابن الجوزي: قال شيخنا على بن عبيد الله: وهذه الآية وردت بلفظ العموم والمراد بها الخصوص؛ لأنها آذنت بأن الكفار حين إنذارهم لا يؤمنون، وقد آمن كثير من الكفار عند إنذارهم. ولو كانت على ظاهرها في العموم لكان خبر الله بخلاف مخبره، فلذلك وجب نقلها إلى الخصوص.

والقول الثاني: أن الآية على مقتضاها، والمراد بها أن الإنذار وعدمه سواء بالنسبة إلى الكافر ما دام كافرًا، لا ينفعه الإنذار ولا يؤثر فيه، كما قيل مثل ذلك في الآيات: إنها غير موجبة للإيمان. وقد جمع بينهما في قوله: { وَمَا تُغْنِي الآيَاتُ وَالنُّذُرُ عَن قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ } [2].

فالآيات أفقية، وأرضية، وقرآنية، وهي أدلة العلم. والإنذار يقتضى الخوف. فالآيات لمن إذا عرف الحق عمل به، فهذا تنفعه الحكمة. والإنذار لمن يعرف الحق وله هوى يصده فينذر بالعذاب الذي يدعوه إلى مخالفة هواه، وهو خوف العذاب. وهذا هو الذي يحتاج إلى الموعظة الحسنة. وآخر لا يقبل الحق فيحتاج إلى الجدل، فيجادل بالتي هي أحسن.

وقد قال تعالى: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ وَكَلَّمَهُمُ الْمَوْتَى وَحَشَرْنَا عَلَيْهِمْ كُلَّ شَيْءٍ قُبُلًا مَّا كَانُواْ لِيُؤْمِنُواْ إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ } [3]، وقال: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا } [4]، { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } [5].

فالمراد أن الكافر ما دام كافرًا لا يقبل الحق سواء أنذر أم لم ينذر، ولا يؤمن ما دام كذلك؛ لأن على قلبه وسمعه وبصره موانع تصد عن الفهم والقبول. وهكذا حال من غلب عليه هواه.

هو -سبحانه- لم يقل: » إنهم لا يؤمنون «. وقيل ذلك لمن سبقت عليه الشقوة، أو حقت عليه الكلمة، كقوله: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } [6]، فبين أن هؤلاء لا يؤمنون إلا حين لا ينفعهم إيمانهم وقت رؤية العذاب الأليم، كإيمان فرعون المذكور قبلها. وموسى قد دعا عليه فقال: { رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلاَ يُؤْمِنُواْ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ قَالَ قَدْ أُجِيبَت دَّعْوَتُكُمَا } [7].

وأما إذا أطلق -سبحانه- الكفار فهو مثل قوله: { وَلَوْ أَنَّنَا نَزَّلْنَا إِلَيْهِمُ الْمَلآئِكَةَ } الآية [8]، فبين أنهم قد يؤمنوا إذا شاء.

وآية البقرة مطلقة عامة. فإنه ذكر في أول السورة أربع آيات في صفة المؤمنين، وآيتين في صفة الكافرين، وبضع عشرة آية في المنافقين. فبين حال الكافر المصر على كفره أن الإنذار لا ينفعه للحجب التي على قلبه وسمعه وبصره. وليس قال: إن الله لا يهدي أحدًا من هؤلاء، فيسمع ويقبل. ولكن هو حين يكون كافرًا لا تتناوله الآية. وهذا كما يقال في الكافر الحربي: لا يجوز أن تعقد له الذمة، ولا يكون قط من أهل دار الإسلام ما دام حربيًا.

فالكفار ما داموا كفارًا هم بهذه المثابة لهم موانع تمنعهم من الإيمان كما أن للمنافقين موانع تمنعهم ما داموا كذلك، وإن أنذروا. وهذا كقوله: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [9]، فهذا مثل كل كافر ما دام كافرًا.

وذلك لا يمنع أن يكونوا قد يسمعون إذا زال الغطاء الذي على قلوبهم وسمعهم وأبصارهم، فإنهم لا يسمعون لذلك المعني المشتق منه، وهو الكفر. فما داموا هذه حالهم فهم كذلك، ولكن تغير الحال ممكن، كما قال: { إِلاَّ أَن يَشَاء اللهُ } ، وكما هو الواقع.

ومثل هذا يفيد أن الإنسان لا يعتقد أنه بدعائه وإنذاره وبيانه يحصل الهدى، ولو كان أكمل الناس، وأن الداعي وإن كان صالحًا ناصحًا مخلصًا فقد لا يستجيب المدعو؛ لا لنقص في الدعاء، لكن لفساد في المدعو.

وهذا لأن حصول المطلوب متوقف على فعل الفاعل وقبول القابل، كالسيف القاطع يؤثر بشرط قبول المحل فيه لا يقطع الحجارة والحديد ونحو ذلك. والنفخ يؤثر إذا كان هناك قابل لا يؤثر في الرماد.

والدعاء، والتعليم، والإرشاد. وكل ما كان من هذا الجنس، له فاعل وهو المتكلم بالعلم والهدى والنذارة، وله قابل وهو المستمع. فإذا كان المستمع قابلا حصل الإنذار التام، والتعليم التام، والهدى التام. وإن لم يكن قابلا قيل: علمته فلم يتعلم، وهديته فلم يهتد، وخاطبته فلم يصغ، ونحو ذلك.

فقوله في القرآن: { هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } [10]، هو من هذا. إنما يهتدى من يقبل الاهتداء، وهم المتقون، لا كل أحد. وليس المراد أنهم كانوا متقين قبل اهتدائهم، بل قد يكونوا كفارًا. لكن إنما يهتدى به من كان متقيًا. فمن اتقى الله اهتدى بالقرآن. والعلم والإنذار إنما يكون بما أمر به القرآن.

وهكذا قوله: { لِيُنذِرَ مَن كَانَ حَيًّا } [11]، الإنذار التام، فإن الحى يقبله. ولهذا قال: { وَيَحِقَّ الْقَوْلُ عَلَى الْكَافِرِينَ } [12]، فهم لم يقبلوا الإنذار.

ومثله قوله: { إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرُ مَن يَخْشَاهَا } [13].

وعكسه قوله: { وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلاَّ الْفَاسِقِينَ } [14] أي: كل من ضل به فهو فاسق. فهو ذم لمن يضل به، فإنه فاسق. ليس أنه كان فاسقًا قبل ذلك.

ولهذا تأولها سعد بن أبي وقاص في الخوارج، وسماهم فاسقين ؛ لأنهم ضلوا بالقرآن. فمن ضل بالقرآن فهو فاسق.

فقوله: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ } [15]، من هذا الباب. والتقدير: من ختم على قبله وجعل على سمعه وبصره غشاوة فسواء عليك أنذرته أم لم تنذره هو لا يؤمن، أي: ما دام كذلك، ولكن هذا قد يزول.

وفي صفة النبي ﷺ: { إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ شَاهِدًا وَمُبَشِّرًا وَنَذِيرًا } [16]، وحرزًا للأميين. أنت عبدى ورسولى، سميتك المتوكل، لست بفظ، ولا غليظ، ولا سخاب في الأسواق. ولا يجزى بالسيئة السيئة، ولكن يعفو ويغفر. ولن أقبضه حتى أقيم به الملة العوجاء، فأفتح به أعينًا عميًا، وآذانًا صما، وقلوبًا غلفًا.

وقد قال: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [17]، فدل على أن بعضهم يؤمنون. ثم قال: { إِنَّا جَعَلْنَا فِي أَعْنَاقِهِمْ أَغْلاَلًا } إلى قوله: { إِنَّمَا تُنذِرُ مَنِ اتَّبَعَ الذِّكْرَ وَخَشِيَ الرَّحْمَن بِالْغَيْبِ } [18] فهذا هو الإنذار التام، وهو الإنذار الذي يقبله المنذر وينتفع به.

وقوله: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [19] هو أصل الإنذار، كما يقال في البليد والمشغول الذهن بأمور الدنيا والشهوات: سواء عليك أعلمته أم لم تعلمه لا يتعلم ولا يقبل الهدى، ويقال في الذكى الفارغ: إنما يتعلم مثل هذا. ثم المشغول قد يتفرغ. وقد يصلح ذهن بعد فساده. ويفسد بعد صلاحه لفساد قلبه وصلاحه.

وعلى هذا القول أكثر تفسير السلف، كما ذكره ابن إسحاق، وقد رواه ابن أبي حاتم وغيره. قال ابن إسحاق، حدثني محمد بن أبي محمد، عن عكرمة أو سعيد بن جبير، عن ابن عباس: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ } ، أي: بما أنزل إليك، وإن قالوا: إنا قد آمنا بما جاءنا قبلك، { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } ، أي: إنهم قد كفروا بما عندهم من ذكرك وجحدوا ما أخذ عليهم من الميثاق فقد كفروا بما جاءك وبما عندهم مما جاءهم به غيرك. فكيف يسمعون منك إنذارًا وتحذيرًا؟

فقد تبين أنهم لا يسمعون الإنذار؛ لكفرهم بما عندهم وما جاءهم من الحق. ومعلوم أن منهم خلقًا تابوا بعد ذلك وآمنوا.

وروى عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية قال: آيتان في قادة الأحزاب: { إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } . قال: هم الذين ذكرهم الله في هذه الآية: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ اللهِ كُفْرًا وَأَحَلُّواْ قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ } [20].

قلت: جعلهم قادة الأحزاب لكونهم أضلوا الأتباع فأحلوهم دار البوار. والأحزاب يوم الخندق قد أسلم عامة قادتها، وحسن إسلامهم، مثل عكْرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، وسهيل بن عمرو، وأبي سفيان. وهؤلاء أسلم منهم من أسلم عام الفتح، وهم الطلقاء. ومنهم من أسلم قبل ذلك. والحزب الآخر غَطَفَان، وقد أسلموا أيضا.

والآية لابد أن تتناول كفار أهل الكتاب، كما قال ابن إسحاق. فإن السورة مدنية، وإن تناولت مع ذلك المشركين. فهي تعم كل كافر. ومقاتل، والضحاك يخصاها ببعض مشركى العرب. وابن السائب يقول: هي إنما نزلت في اليهود، منهم حيى بن أخْطَب. وكذلك ما ذكره ابن إسحاق، عن ابن عباس، أنها في اليهود، وأبو العالية يقول: إنها نزلت في قادة الأحزاب.

والآية تعم هؤلاء كلهم وغيرهم، كما أن آيات المؤمنين والمنافقين كان سبب نزولها المؤمنين والمنافقين الموجودين وقت النزول، وهي تعمهم وغيرهم من المؤمنين والمنافقين إلى قيام الساعة.

والمقصود أن قوله: { سَوَاءٌ عَلَيْهِمْ أَأَنذَرْتَهُمْ أَمْ لَمْ تُنذِرْهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ } [21]، كقوله: { فَإِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاء إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ وَمَا أَنتَ بِهَادِي الْعُمْيِ عَن ضَلَالَتِهِمْ } [22]، وقوله: { أَفَأَنتَ تُسْمِعُ الصُّمَّ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يَعْقِلُونَ وَمِنهُم مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ أَفَأَنتَ تَهْدِي الْعُمْيَ وَلَوْ كَانُواْ لاَ يُبْصِرُونَ } [23].

وكل هذا فيه بيان أن مجرد دعائك وتبليغك وحرصك على هداهم ليس موجب ذلك، وإنما يحصل ذلك إذا شاء الله هداهم فشرح صدورهم للإسلام، كما قال تعالى: { إِن تَحْرِصْ عَلَى هُدَاهُمْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يَهْدِي مَن يُضِلُّ } [24]، ففيه تعزية لرسوله ﷺ، وبينت الآية له أن تبليغك وإن لم يهتدوا به ففيه مصالح عظيمة غير ذلك.

وفيه بيان أن الهدى هدى الله. ف { مَن يَهْدِ اللَّهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَن يُضْلِلْ فَلَن تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُّرْشِدًا } [25]، وقد قال له: { إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَن يَشَاء } [26]. ففيه تقرير التوحيد، وتقرير مقصود الرسالة.

وهو سبحانه أخبر عمن لا يؤمن فقال: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ } [27]. وقال: { لِتُنذِرَ قَوْمًا مَّا أُنذِرَ آبَاؤُهُمْ فَهُمْ غَافِلُونَ } [28]. ثم قال: { لَقَدْ حَقَّ الْقَوْلُ عَلَى أَكْثَرِهِمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ } [29]. فخص في هذه الآية، وفي تلك: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ } . وهم الذين حق عليهم القول، أي: حق عليهم ما قاله الله سبحانه وكتبه، وقدره. فجعل الموجب هو التقدير السابق، وهو قوله.

والقول وإن كان قد يكون خبرًا مجردًا بما سيكون، وقد يكون قولا يتضمن أشياء كاليمين المتضمنة للحض والمنع، فقد ذكر في مواضع تقديم اليمين، كقوله: { وَلَوْ شِئْنَا لَآتَيْنَا كُلَّ نَفْسٍ هُدَاهَا وَلَكِنْ حَقَّ الْقَوْلُ مِنِّي } [30]، ونحو ذلك.

فهو خبر عما قاله، أو قاله وكتبه. وهو التقدير الذي يتضمن أنه قدر ما يفعله، وعلمه، وكتبه، كما تظاهرت النصوص بأن الله قدّر مقادير الخلائق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة. والقدر تضمن علمه بما سيكون، ومشيئته لوجود ما قدره وعلم أن سيخلقه.

والقول قد يكون خبرًا، وقد يكون فيه معني الطلب الحض والمنع بالقسم، وإما لكتابته على نفسه، كقوله: { كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ } [31]، وقوله: { وَكَانَ حَقًّا عَلَيْنَا نَصْرُ الْمُؤْمِنِينَ } [32]، وقوله: «ياعبادي إني حرمت الظلم على نفسي، وجعلته بينكم محرما فلا تظالموا».

وأما قوله: { وَلَكِنْ حَقَّتْ كَلِمَةُ الْعَذَابِ عَلَى الْكَافِرِينَ } [33]، فهذا مختص بالكفار. وهو الوعيد المتضمن الجزاء على الأعمال، كما قال تعالى لإبليس: { لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنكَ وَمِمَّن تَبِعَكَ مِنْهُمْ أَجْمَعِينَ } [34].

وقوله: { وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِن رَّبِّكَ لَكَانَ لِزَامًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى } [35] أي: إن عذابهم له أجل مسمى، إما يوم القيامة، وإما في الدنيا كيوم بدر، وإما عقب الموت وقد ذكر في الآية الأقوال الثلاثة. فلولا كلمة سبقت من ربك إلى أجل مسمى لكان العذاب لزامًا، أي: لازمًا لهم. فإن المقتضي له قائم تام، وهو كفرهم.

وأما إذا أطلق القول على الكفار من غير تقييد، فإنه لايريد من لا يؤمن منهم. فإن اللفظ لايدل على ذلك البتة.

وأيضا، فإن هذا لا فائدة فيه، إذ كان أولئك غير معروفين، وإنما هم طائفة قد حق عليهم القول، وهم لايتميزون من غيرهم. بل هو مأمور بإنذار الجميع، وفيهم من يؤمن ومن لا يؤمن. فذكر اللفظ العام - وإرادة أولئك دون غيرهم ليس فيه بيان للمراد الخاص. وذكر المعني الذي أوجب أنهم لا يؤمنون قط، ولا فيه تعليق الحكم بالمعني العام. وكلام الله تعالى يصان عن مثل ذلك.

وما ذكر من الموانع هي موجودة في كل من لم يقبل الإنذار، سواء كان كافرًا، أو منافقًا أو فاسقًا أو غير ذلك، لسبب يوجب ذلك، فيمتنع قبول الإنذار بسبب الموانع. ولكن هذه الموانع قد تزول، فإنها ليست لازمة لكل كافر.

وإذا كان المانع ما سبق من القول الذي حق عليهم فقد لا يزول أبدًا، كما قال: { إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَتُ رَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ وَلَوْ جَاءتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُاْ الْعَذَابَ الأَلِيمَ } [36].

وقد يذكر هذا وهذا.

وأما إذا اقتصر على ذكر الموانع التي فيهم، ولم يذكر ما سبق من القول، فهذه الموانع يرجى زوالها ويمكن، ما لم يذكر معها ما يقتضى امتناع تغير حالهم وحصول الهدى.

هامش

  1. [البقرة: 6]
  2. [يونس: 101]
  3. [الأنعام: 111]
  4. [النازعات: 45]
  5. [يس: 11]
  6. [يونس: 96، 97]
  7. [يونس: 88، 89]
  8. [الأنعام: 111]
  9. [البقرة: 171]
  10. [البقرة: 2]
  11. [يس: 70]
  12. [يس: 70]
  13. [النازعات: 45]
  14. [البقرة: 26]
  15. [البقرة: 6]
  16. [الأحزاب: 45]
  17. [يس: 6، 7]
  18. [يس: 8 11]
  19. [البقرة: 6]
  20. [إبراهيم: 28]
  21. [البقرة: 6]
  22. [الروم: 52، 53]
  23. [يونس: 42، 43]
  24. [النحل: 37]
  25. [الكهف: 17]
  26. [القصص: 56]
  27. [يونس: 96، 97]
  28. [يس: 6]
  29. [يس: 7]
  30. [السجدة: 13]
  31. [الأنعام: 54]
  32. [الروم: 47]
  33. [الزمر: 71]
  34. [ص: 85]
  35. [طه: 129]
  36. [يونس: 96، 97]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس عشر
سورة الزمر | فصل في تفسير قوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه | فصل في السماع | فصل في تفسير قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع | فصل في تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله | سورة الشورى | فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون | سورة الزخرف | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم | سورة الأحقاف | سئل شيخ الإسلام عن تفسير قوله تعالى ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة | سورة ق | سئل رحمه الله عن تفسير قوله تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد | سورة المجادلة | فصل في تفسير قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات | سورة الطلاق | فصل في تفسير قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | فصل في تفسير قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | سورة التحريم | سئل رحمه الله عن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا | سورة الملك | تفسير قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير | سورة القلم | فصل في تفسير سورة ن | فصل في كلام جماعة من الفضلاء في تفسير قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه | سورة التكوير | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت | قول لشيخ الإسلام في تفسير قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين | سورة الأعلى | فصل فيما قاله ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفرائيني يحكي ما جرى له | فصل في كون ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين | فصل في وصف الله نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم | فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول | فصل في تفسير معنى الأعلى | فصل في الأمر بتسبيح الله يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى | فصل في قوله تعالى الذي خلق فسوى | فصل في إذا خلق الله المخلوق فسواه، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد | فصل في تفسير قوله سبحانه والذي قدر فهدى | فصل في تفسير قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى | فصل في تفسير قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى | فصل في تفسير قوله تعالى سيذكر من يخشى | فصل في الكلام على قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب | فصل في قوله تعالى في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى | فصل في تفسير قوله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب | فصل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره | فصل في قوله تعالى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى | فصل في جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما في أمور | فصل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين | فصل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم الله | سورة الغاشية | فصل في تفسير قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية | سورة البلد | قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين | سورة الشمس | فصل في قوله والشمس وضحاها | فصل في إذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق | سورة العلق | فصل في بيان أن الرسول أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين | فصل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة | فصل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام | فصل في ذكر الله لخلق الإنسان تارة مجملا، وتارة مفصلا | فصل في تفسير قوله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم | فصل في كون الرسول هدى ورحمة للعالمين | فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم | فصل في تفسير أول ما أنزل اقرأ باسم ربك الذي خلق | فصل في نسيان الإنسان | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق خلق الإنسان من علق | فصل في إثبات صفات الكمال لله | فصل في قوله تعالى باسم ربك الذي خلق | فصل في أول آية نزلت من القرآن | فصل في أن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه | فصل في تنازع العلماء في إثبات الأفعال اللازمة لله كالاستواء والمجيء | فصل في تبيين الرسول الأصول الموصلة إلى الحق | فصل في ما ينبغي أن يعرف | فصل في أن ما جاء به الرسول هو من علم الله | فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة | فصل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة | سورة البينة | فصل في تفسير قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة | فصل في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة | سورة التكاثر | فصل في تفسير سورة التكاثر | سورة الهمزة | فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة | سورة الكوثر | قول شيخ الإسلام - رحمه الله - في تفسير سورة الكوثر | سورة الكافرون | فصل في تفسير سورة قل يا أيها الكافرون | فصل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد | فصل في النزاع في قوله قل يا أيها الكافرون | فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون | فصل في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون في مجيء الخطاب فيها بما | سورة تبت