مجموع الفتاوى/المجلد السادس عشر/فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة
ابن تيمية

فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة[عدل]

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

قوله: { وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ } ، هو: الطَّعَّان العيَّاب. كما قال: { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ } [1]، وقال: { وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ } [2]، وقال: { الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [3]، والهمز أشد؛ لأن الهمز الدفع بشدة، ومنه الهمزة من الحروف، وهي نقرة في الحلق، ومنه: { وَقُل رَّبِّ أَعُوذُ بِكَ مِنْ هَمَزَاتِ الشَّيَاطِينِ } [4]، ومنه قول النبي ﷺ: «أعوذ بالله من الشيطان الرجيم، من هَمْزِه، ونفخه، ونفثه» وقال: «همزه: الموُتَةُ» وهي الصرع، فالهَمْزُ: مثل الطعن لفظًا ومعنى.

واللَّمْز: كالذم والعيب، وإنما ذم من يكثر الهمز، واللمز. فإن الهُمُزَة واللُّمزَة: هو الذي يفعل ذلك كثيرًا، و الهمزة، و اللمزة: الذي يُفْعل ذلك به. كما في نظائره مثل الضحكة والضحكة، واللعبة واللعبة، وقوله: { الَّذِي جَمَعَ مَالًا وَعَدَّدَهُ }، وصفه بالطعن في الناس، والعيب لهم، وبجمع المال وتعديده، وهذا نظير قوله: { إِنَّ اللهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا الَّذِينَ يَبْخَلُونَ } [5]، فإن الهمزة اللمزة: يشبه المختال الفخور، والجمَّاع المحصي نظير البخيل، وكذلك نظيرهما قوله: { هَمَّازٍ مَّشَّاء بِنَمِيمٍ مَنَّاعٍ لِّلْخَيْرِ مُعْتَدٍ أَثِيمٍ عُتُلٍّ بَعْدَ ذَلِكَ زَنِيمٍ } [6]، وصفه بالكبر والبخل، وكذلك قوله: { وَأَمَّا مَن بَخِلَ وَاسْتَغْنَى } [7]، فهذه خمسة مواضع، وذلك ناشئ عن حب الشرف والمال، فإن محبة الشرف تحمل على انتقاص غيره بالهمز واللمز والفخر والخيلاء، ومحبة المال تحمل على البخل، وضد ذلك من أعطي فلم يبخل، واتقي فلم يهمز، ولم يلمز. وأيضا، فإن المعطي نَفَعَ الناس، والمتقي لم يضرهم، فنفع ولم يضر. وأما المختال الفخور البخيل، فإنه ببخله منعهم الخير، وبفخره سامهم الضر، فضرهم ولم ينفعهم، وكذلك: الهمزة الذي جمع مالا، ونظيره: قارون الذي جمع مالا، وكان من قوم موسى فبغي عليهم.

ومن تدبر القرآن، وجد بعضه يفسر بعضًا، فإنه كما قال ابن عباس في رواية الوالبي: مشتمل على الأقسام، والأمثال، وهو تفسير { مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } ولهذا جاء كتاب الله جامعًا، كما قال ﷺ: « أعطيت جوامع الكلم». وقال تعالى: { كِتَابًا مُّتَشَابِهًا مَّثَانِيَ } [8]. فالتشابه يكون في الأمثال، والمثاني في الأقسام، فإن التثنية في مطلق التعديد. كما قد قيل في قوله: { ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ } [9]، وكما في قول حذيفة: كنا نقول بين السجدتين: رب اغفر لي، رب اغفر لي. وكما يقال: فعلت هذا مرة بعد مرة، فتثنية اللفظ يراد به التعديد؛ لأن العدد ما زاد على الواحد، وهو أول التثنية، وكذلك ثنيت الثوب، أعم من أن يكون مرتين فقط أو مطلق العدد فهو جميعه متشابه، يصدق بعضه بعضًا، ليس مختلفًا، بل كل خبر وأمر منه يشابه الخبر؛ لاتحاد مقصود الأمرين، ولاتحاد الحقيقة التي إليها مرجع الموجودات.

فلما كانت الحقائق المقصودة والموجودة ترجع إلى أصل واحد، وهو الله سبحانه كان الكلام الحق فيها خبرًا، وأمرًا متشابهًا، ليس بمنزلة المختلف المتناقض، كما يوجد في كلام أكثر البشر، والمصنفون الكبار منهم يقولون شيئًا ثم ينقضونه، وهو جميعه مثاني؛ لأنه استوفيت فيه الأقسام المختلفة، فإن الله يقول: { وَمِن كُلِّ شَيْءٍ خَلَقْنَا زَوْجَيْنِ } [10]، فذكر الزوجين مثاني، والإخبار عن الحقائق بما هي عليه بحيث يحكم على الشيء بحكم نظيره، وهو حكم على المعنى الواحد المشترك خبرًا أو طلبًا خطاب متشابه، فهو متشابه مثاني.

وهذا في المعاني مثل الوجوه والنظائر في الألفاظ، فإن كل شيئين من الأعيان والأعراض وغير ذلك، إما أن يكون أحدهما مثل الآخر، أو لا يكون مثله فهي الأمثال، وجمعها هو التاليف، وإذا جاءت بلفظ واحد كانت نظائر، وإن لم يكن مثله، فهو خلافه سواء كان ضدًا أو لم يكن. وقد يقال: إما أن يجمعهما جنس أو لا، فإن لم يجمعهما جنس، فأحدهما بعيد عن الآخر، ولا مناسبة بينهما. وإن جمعهما جنس، فهي الأقسام، وجمعها هو التصنيف. ودلالة اللفظ الواحد على المعاني المختلفة تسمي الوجوه. والكلام الجامع هو: الذي يستوفي الأقسام المختلفة، والنظائر المتماثلة جمعًا بين المتماثلين، وفرقًا بين المختلفين. بحيث يبقي محيطًا، وإلا فذكر أحد القسمين أو المثْلَين لا يفيد التمام، ولا يكون الكلم محيطًا، ولا الكلم جوامع، وهو فعل غالب الناس في كلامهم.

والحقائق في نفسها: منها المختلف، ومنها المؤتلف، والمختلفان بينهما اتفاق من وجه، وافتراق من وجه. فإذا أحاط الكلام بالأقسام المختلفة، والأمثال المؤتلفة، كان جامعًا، وباعتبار هذه المعاني كانت ضروب القياس العقلي المنطقي ثلاثة: الحمليات والشرطيات المتصلة، والشرطيات المنفصلة.

فالأول: للحقائق المتماثلة الداخلة في القضية الجامعة.

والثاني: للمختلفات التي ليست متضادة، بل تتلازم تارة، ولا تتلازم أخري.

والثالث: للحقائق المتضادة المتنافية، إما وجودًا أو عدمًا، وهي النقيضان. وإما وجودًا فقط، وهو أعم من النقيضين، وإما عدمًا فقط، وهو أخص من النقيضين.

فالحمليات للمثلين، والأمثال. والشرطيات المنفصلة للمتضادين، والمتضادات. ويسمي التقسيم، والسَّبر، والترديد، والبياني. والمتصلة للخلافين غير المتضادين، ويسمي التلازم.

هامش

  1. [القلم: 11]
  2. [التوبة: 58]
  3. [التوبة: 79]
  4. [المؤمنون: 97]
  5. [النساء: 36، 37]
  6. [القلم: 11، 13]
  7. [الليل: 8]
  8. [الزمر: 23]
  9. [الملك: 4]
  10. [الذاريات: 49]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس عشر
سورة الزمر | فصل في تفسير قوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه | فصل في السماع | فصل في تفسير قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع | فصل في تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله | سورة الشورى | فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون | سورة الزخرف | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم | سورة الأحقاف | سئل شيخ الإسلام عن تفسير قوله تعالى ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة | سورة ق | سئل رحمه الله عن تفسير قوله تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد | سورة المجادلة | فصل في تفسير قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات | سورة الطلاق | فصل في تفسير قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | فصل في تفسير قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | سورة التحريم | سئل رحمه الله عن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا | سورة الملك | تفسير قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير | سورة القلم | فصل في تفسير سورة ن | فصل في كلام جماعة من الفضلاء في تفسير قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه | سورة التكوير | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت | قول لشيخ الإسلام في تفسير قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين | سورة الأعلى | فصل فيما قاله ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفرائيني يحكي ما جرى له | فصل في كون ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين | فصل في وصف الله نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم | فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول | فصل في تفسير معنى الأعلى | فصل في الأمر بتسبيح الله يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى | فصل في قوله تعالى الذي خلق فسوى | فصل في إذا خلق الله المخلوق فسواه، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد | فصل في تفسير قوله سبحانه والذي قدر فهدى | فصل في تفسير قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى | فصل في تفسير قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى | فصل في تفسير قوله تعالى سيذكر من يخشى | فصل في الكلام على قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب | فصل في قوله تعالى في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى | فصل في تفسير قوله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب | فصل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره | فصل في قوله تعالى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى | فصل في جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما في أمور | فصل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين | فصل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم الله | سورة الغاشية | فصل في تفسير قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية | سورة البلد | قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين | سورة الشمس | فصل في قوله والشمس وضحاها | فصل في إذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق | سورة العلق | فصل في بيان أن الرسول أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين | فصل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة | فصل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام | فصل في ذكر الله لخلق الإنسان تارة مجملا، وتارة مفصلا | فصل في تفسير قوله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم | فصل في كون الرسول هدى ورحمة للعالمين | فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم | فصل في تفسير أول ما أنزل اقرأ باسم ربك الذي خلق | فصل في نسيان الإنسان | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق خلق الإنسان من علق | فصل في إثبات صفات الكمال لله | فصل في قوله تعالى باسم ربك الذي خلق | فصل في أول آية نزلت من القرآن | فصل في أن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه | فصل في تنازع العلماء في إثبات الأفعال اللازمة لله كالاستواء والمجيء | فصل في تبيين الرسول الأصول الموصلة إلى الحق | فصل في ما ينبغي أن يعرف | فصل في أن ما جاء به الرسول هو من علم الله | فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة | فصل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة | سورة البينة | فصل في تفسير قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة | فصل في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة | سورة التكاثر | فصل في تفسير سورة التكاثر | سورة الهمزة | فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة | سورة الكوثر | قول شيخ الإسلام - رحمه الله - في تفسير سورة الكوثر | سورة الكافرون | فصل في تفسير سورة قل يا أيها الكافرون | فصل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد | فصل في النزاع في قوله قل يا أيها الكافرون | فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون | فصل في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون في مجيء الخطاب فيها بما | سورة تبت