مجموع الفتاوى/المجلد السادس عشر/فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول
ابن تيمية

فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول[عدل]

وأما الذين يصفونه بالعلو والسفول، فالذين يقولون: هو فوق العرش وهو أيضا في كل مكان، والذين يقولون: إذا نزل كل ليلة فإنه يخلو منه العرش، أو غيره من المخلوقات أكبر منه، ويقولون: لا يمتنع أن يكون الخالق أصغر من المخلوق، كما يقول شيوخهم: إنه لا يمتنع أن يكون الخالق أسفل من المخلوق، فهؤلاء لا يصفونه بأنه أكبر من كل شيء، بل ولا هو على قولهم الكبير المتعال، ولا هو العلى العظيم.

وقد بسط الرد على هؤلاء في مسألة النزول لما ذكر قول أئمة السنة مثل حماد بن زيد [1]، وإسحق بن راهويه، وغيرهما: «إنه ينزل ولا يخلو منه العرش» ذكر قول من أنكر ذلك من المتأخرين المنتسبين إلى الحديث والسنة، وبَين فساد قولهم شرعا وعقلًا. وهؤلاء في مقابلة الذين ينفون النزول.

وإذا قيل: حديث النزول ونحوه ظاهره ليس يحتمل التأويل، فهذا صحيح إذا أريد بالظاهر ما يظهر لهؤلاء ونحوهم، من أنه ينزل إلى أسفل فيصير تحت العرش كما ينزل الإنسان من سطح داره إلى أسفل وعلى قول هؤلاء ولا يبقي حينئذ العلى ولا الأعلى، بل يكون تارة أعلى وتارة أسفل تعالى الله عما يقول الظالمون علوًا كبيرًا.

وكذلك ما ورد من نزوله يوم القيامة في ظلل من الغمام، ومن نزوله إلى الأرض لما خلقها، ومن نزوله لتكليم موسى، وغير ذلك، كله من باب واحد، كقوله تعالى: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن يَأْتِيَهُمُ اللهُ فِي ظُلَلٍ مِّنَ الْغَمَامِ وَالْمَلآئِكَةُ } [2]، وقوله: { وَجَاء رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا صَفًّا } [3]، وقوله: { هَلْ يَنظُرُونَ إِلاَّ أَن تَأْتِيهُمُ الْمَلآئِكَةُ أَوْ يَأْتِيَ رَبُّكَ أَوْ يَأْتِيَ بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ } [4]. والنفاة المعطلة ينفون المجيء والإتيان بالكلية، ويقولون: ما ثَمَّ إلا ما يحدث في المخلوقات، والحلولية يقولون: إنه يأتي ويجيء بحيث يخلو منه مكان ويشغل آخر، فيخلو منه ما فوق العرش ويصير بعض المخلوقات فوقه. فإذا أتي وجاء لم يصر على قولهم العلى الأعلى، ولا كان هو العلى العظيم، لا سيما إذا قالوا: إنه يحويه بعض المخلوقات فتكون أكبر منه سبحانه وتعالى عما يقول هؤلاء وهؤلاء علوًا عظيما.

وكذلك قوله: { أَأَمِنتُم مَّن فِي السَّمَاء } [5]، إن كان قد قال أحد: إنه في جوف السماء فهو شرٌ قولا من هؤلاء، ولكن هذا ما علمت به قائلًا معينًا منسوبا إلى علم حتي أحيكه قولا.

ومن قال: إنه في السماء فمراده أنه في العلو، ليس مراده أنه في جوف الأفلاك، إلا أن بعض الجهال يتوهم ذلك. وقد ظن طائفة أن هذا ظاهر اللفظ.

الظاهر ولا ريب أنه محمول على خلاف هذا الاتفاق؛ لكن هذا هو الذي يظهر لعامة المسلمين الذين يطلقون هذا القول ويسمعونه، أو هو مدلول اللفظ في اللغة، هو مما لا يسلم لهم، كما قد يبسط في مواضع.

وقد قال تعالى: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ الْغَيْبَ إِلَّا اللَّهُ } [6]، فاستثني نفسه، والعالم { مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } . ولا يجوز أن يقال: هذا استثناء منقطع؛ لأن المستثني مرفوع، ولو كان منقطعًا لكان منصوبا. والمرفوع على البدل، والعامل فيه هو العامل في المبدل منه وهو بمنزلة المفرغ، كأنه قال: «لا يعلم الغيب إلا الله». فيلزم أنه داخل في: { مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } .

وقد قدمنا أن لفظ السماء يتناول كل ما سما، ويدخل فيه السموات، والكرسي، والعرش، وما فوق ذلك؛ لأن هذا في جانب النفي، وهو لم يقل هنا: السموات السبع، بل عم بلفظ: السموات. وإذا كان لفظ السماء قد يراد به السحاب، ويراد به الفلك، ويراد به ما فوق العالم، ويراد به العلو مطلقًا، فالسموات: جمع سماء، وكل من فيما يسمي سماء، وكل من فيما يسمى أرضًا، لا يعلم الغيب إلا الله.

وهو سبحانه قال: { قُل لَّا يَعْلَمُ مَن } ، ولم يقل: "ما"، فإنه لما اجتمع ما يعقل وما لا يعقل غلب ما يعقل وعبر عنه ب "من" لتكون أبلغ، فإنهم مع كونهم من أهل العلم والمعرفة لا يعلم أحد منهم الغيب إلا الله.

وهذا هو الغيب المطلق عن جميع المخلوقين الذي قال فيه: { فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا } [7]. والغيب المقيد ما علمه بعض المخلوقات من الملائكة أو الجن أو الإنس وشهدوه، فإنما هو غيب عمن غاب عنه، ليس هو غيبًا عمن شهده. والناس كلهم قد يغيب عن هذا ما يشهده هذا، فيكون غيبًا مقيدًا، أي: غيبًا عمن غاب عنه من المخلوقين، لا عمن شهده، ليس غيبًا مطلقًا غاب عن المخلوقين قاطبة.

وقوله: { عَالِمَ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ } [8]، أي عالم ما غاب عن العباد مطلقًا ومعينًا وما شهدوه، فهو سبحانه يعلم ذلك كله.

والنفاة للعلو ونحوه من الصفات معترفون بأنه ليس مستندهم خبر الأنبياء، لا الكتاب، ولا السنة، ولا أقوال السلف، ولا مستندهم فطرة العقل وضرورته، ولكن يقولون: معنا النظر العقلي. وأما أهل السنة المثبتون للعلو فيقولون: إن ذلك ثابت بالكتاب والسنة والإجماع، مع فطرة الله التي فطر العباد عليها وضرورة العقل، ومع نظر العقل واستدلاله.

لكن، الذين يقولون بأنه ينزل ولا يبقي فوق العرش، وأنه يكون في جوف المخلوقات، ونحو هؤلاء، قد يقولون: إن مستندهم في ذلك السمع، وهو ما فهموه من القرآن، أو من الأحاديث الصحيحة أو غير الصحيحة، أو من أقوال السلف وهم أخطؤوا من حيث نظروا اقتصروا على فهمه من نص واحد، كفهمهم من حديث النزول ولم يتدبروا مافي الكتاب والسنة مما يصفه بالعلو والعظمة ونحو ذلك مما ينافي أن يكون شيء أعلى منه أو أكبر منه.

ويتدبروا أيضا دلالة النص، مثل نزوله إلى سماء الدنيا حين يبقي ثلث الليل الآخر بأن الليل يختلف، فيكون ليل أهل المشرق ونصفه وثلثه الآخر قبل ذلك في المغرب بقريب من يوم، فيلزم على قولهم أنه لا يزال تحت العرش، وهو قد أخبر أنه استوى على العرش بعد خلق السموات والأرض. وما ذكروه ينافي استواءه على العرش، وأنه ليس فوق العرش، كما قد بسط في مواضع.

هامش

  1. [هو أبو إسماعيل حماد بن درهم الأزدي الجهضمي، شيخ العراق في عصره، من حفاظ الحديث الموجودين، يعرف بالأزرق، أصله من سبي سجستان، مولده ووفاته في البصرة، يحفظ أربعة آلاف حديث. خرج حديثه الأئمة الستة]
  2. [البقرة: 210]
  3. [الفجر: 22]
  4. [الأنعام: 158]
  5. [الملك: 16]
  6. [النمل: 65]
  7. [الجن: 26]
  8. [الزمر: 46]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس عشر
سورة الزمر | فصل في تفسير قوله تعالى الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه | فصل في السماع | فصل في تفسير قوله تعالى ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فسلكه ينابيع | فصل في تفسير قوله تعالى قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن قوله تعالى ونفخ في الصور فصعق من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله | سورة الشورى | فصل في بعض ما يتعلق بقوله تعالى وما عند الله خير وأبقى للذين آمنوا وعلى ربهم يتوكلون | سورة الزخرف | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا بشر أحدهم بما ضرب للرحمن مثلا ظل وجهه مسودا وهو كظيم | سورة الأحقاف | سئل شيخ الإسلام عن تفسير قوله تعالى ومن قبله كتاب موسى إماما ورحمة | سورة ق | سئل رحمه الله عن تفسير قوله تعالى يوم نقول لجهنم هل امتلأت وتقول هل من مزيد | سورة المجادلة | فصل في تفسير قوله تعالى يرفع الله الذين آمنوا منكم والذين أوتوا العلم درجات | سورة الطلاق | فصل في تفسير قوله تعالى ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | فصل في تفسير قوله ومن يتق الله يجعل له مخرجا ويرزقه من حيث لا يحتسب | سورة التحريم | سئل رحمه الله عن قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا | سورة الملك | تفسير قوله تعالى ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير | سورة القلم | فصل في تفسير سورة ن | فصل في كلام جماعة من الفضلاء في تفسير قوله تعالى يوم يفر المرء من أخيه وأمه وأبيه | سورة التكوير | فصل في تفسير قوله تعالى وإذا الموؤودة سئلت بأي ذنب قتلت | قول لشيخ الإسلام في تفسير قوله تعالى وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين | سورة الأعلى | فصل فيما قاله ابن فورك في كتابه الذي كتبه إلى أبي إسحاق الإسفرائيني يحكي ما جرى له | فصل في كون ابن فورك هو ممن يثبت الصفات الخبرية كالوجه واليدين | فصل في وصف الله نفسه بالعلو، وهو من صفات المدح له بذلك والتعظيم | فصل في الذين يصفون الله تعالى بالعلو والسفول | فصل في تفسير معنى الأعلى | فصل في الأمر بتسبيح الله يقتضي أيضا تنزيهه عن كل عيب وسوء وإثبات صفات الكمال له | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق فسوى والذي قدر فهدى | فصل في قوله تعالى الذي خلق فسوى | فصل في إذا خلق الله المخلوق فسواه، فإن لم يهده إلى تمام الحكمة التي خلق لها فسد | فصل في تفسير قوله سبحانه والذي قدر فهدى | فصل في تفسير قوله تعالى والذي أخرج المرعى فجعله غثاء أحوى | فصل في تفسير قوله تعالى فذكر إن نفعت الذكرى | فصل في تفسير قوله تعالى سيذكر من يخشى | فصل في الكلام على قوله تعالى من خشي الرحمن بالغيب وجاء بقلب منيب | فصل في قوله تعالى في قصة فرعون لعله يتذكر أو يخشى | فصل في تفسير قوله تعالى وما يتذكر إلا من ينيب | فصل في كون التذكر اسم جامع لكل ما أمر الله بتذكره | فصل في قوله تعالى ويتجنبها الأشقى الذي يصلى النار الكبرى ثم لا يموت فيها ولا يحيى | فصل في جمع الله سبحانه بين إبراهيم وموسى صلى الله عليهما في أمور | فصل في قيام إبراهيم وموسى بأصل الدين | فصل في إثبات أهل السنة والجماعة لما أثبته المرسلون من تكليم الله | سورة الغاشية | فصل في تفسير قوله تعالى هل أتاك حديث الغاشية | سورة البلد | قول شيخ الإسلام رحمه الله في قوله تعالى ألم نجعل له عينين ولسانا وشفتين وهديناه النجدين | سورة الشمس | فصل في قوله والشمس وضحاها | فصل في إذا كان الضلال في القدر حصل تارة بالتكذيب بالقدر والخلق | سورة العلق | فصل في بيان أن الرسول أول ما أنزل عليه بيان أصول الدين | فصل في طرق الناس في إثبات الصانع والنبوة | فصل في الذين بنوا أصل دينهم على طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الأجسام | فصل في ذكر الله لخلق الإنسان تارة مجملا، وتارة مفصلا | فصل في تفسير قوله تعالى اقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم | فصل في كون الرسول هدى ورحمة للعالمين | فصل في تفسير قوله تعالى الأكرم | فصل في تفسير أول ما أنزل اقرأ باسم ربك الذي خلق | فصل في نسيان الإنسان | فصل في تفسير قوله تعالى الذي خلق خلق الإنسان من علق | فصل في إثبات صفات الكمال لله | فصل في قوله تعالى باسم ربك الذي خلق | فصل في أول آية نزلت من القرآن | فصل في أن أعظم الأصول معرفة الإنسان بما نعت الله به نفسه | فصل في تنازع العلماء في إثبات الأفعال اللازمة لله كالاستواء والمجيء | فصل في تبيين الرسول الأصول الموصلة إلى الحق | فصل في ما ينبغي أن يعرف | فصل في أن ما جاء به الرسول هو من علم الله | فصل في أنه يجب الرجوع في أصول الدين إلى الكتاب والسنة | فصل في أن السور القصار في أواخر المصحف متناسبة | سورة البينة | فصل في تفسير قوله تعالى لم يكن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين منفكين حتى تأتيهم البينة | فصل في قوله وما تفرق الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءتهم البينة | سورة التكاثر | فصل في تفسير سورة التكاثر | سورة الهمزة | فصل في تفسير قوله تعالى ويل لكل همزة لمزة | سورة الكوثر | قول شيخ الإسلام - رحمه الله - في تفسير سورة الكوثر | سورة الكافرون | فصل في تفسير سورة قل يا أيها الكافرون | فصل في أن القرآن تنزيل من حكيم حميد | فصل في النزاع في قوله قل يا أيها الكافرون | فصل في نظير القول في قل يا أيها الكافرون | فصل في قل يا أيها الكافرون لا أعبد ما تعبدون في مجيء الخطاب فيها بما | سورة تبت