البداية والنهاية/الجزء الثالث عشر/ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
البداية والنهايةالجزء الثالث عشر
ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة
ابن كثير


ثم دخلت سنة ثمان وخمسين وستمائة


استهلت هذه السنة بيوم الخميس وليس للناس خليفة، وملك العراقين وخراسان وغيرها من بلاد المشرق للسلطان هولاكو خان ملك التتار، وسلطان ديار مصر الملك المظفر سيف الدين قطز، مملوك المعز أيبك التركماني، وسلطان دمشق وحلب الملك الناصر بن العزيز بن الظاهر، وبلاد الكرك والشوبك للملك المغيث بن العادل بن الكامل محمد بن العادل أبي بكر بن أيوب.

وهو حرب مع الناصر صاحب دمشق على المصريين، ومعهما الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري، وقد عزموا على قتال المصريين، وأخذ مصر منهم.

وبينما الناس على هذه الحال وقد تواترت الأخبار بقصد التتار بلاد الشام إذ دخل جيش المغول صحبة ملكهم هولاكو خان وجازوا الفرات على جسور عملوها، ووصلوا إلى حلب في ثاني صفر من هذه السنة، فحاصروها سبعة أيام ثم افتتحوها بالأمان.

ثم غدروا بأهلها وقتلوا منهم خلقا لا يعلمهم إلا الله عز وجل، ونهبوا الأموال، وسبوا النساء والأطفال، وجرى عليهم قريب مما جرى على أهل بغداد، فجاسوا خلال الديار وجعلوا أعزة أهلها أذلة، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وامتنعت عليه القلعة شهرا ثم استلموها بالأمان، وخرب أسوار البلد وأسوار القلعة وبقيت حلب كأنها حمار أجرب، وكان نائبها الملك المعظم توران شاه بن صلاح الدين وكان عاقلا حازما، لكنه لم يوافقه الجيش على القتال، وكان أمر الله قدرا مقدورا.

وقد كان أرسل هولاكو يقول لأهل حلب: نحن إنما جئنا لقتال الملك الناصر بدمشق، فاجعلوا لنا عندكم شحنة، فإن كانت النصرة لنا فالبلاد كلها في حكمنا، وإن كانت علينا فإن شئتم قبلتم الشحنة وإن شئتم أطلقتموه.

فأجابوه ما لك عندنا إلا السيف، فتعجب من ضعفهم وجوابهم، فزحف حينئذ إليهم وأحاط بالبلد، وكان ما كان بقدر الله سبحانه.

ولما فتحت حلب أرسل صاحب حماه بمفاتيحها إلى هولاكو، فاستناب عليها رجلا من العجم يدّعي أنه من ذرية خالد بن الوليد يقال له: خسروشاه، فخرب أسوارها كمدينة حلب.

صفة أخذهم دمشق وزوال ملكهم عنها سريعا

أرسل هولاكو وهو نازل على حلب جيشا مع أمير من كبار دولته يقال له كتبغانوين، فوردوا دمشق في آخر صفر فأخذوها سريعا من غير ممانعة ولا مدافع، بل تلقاهم كبارها بالرحب والسعة.

وقد كتب هولاكو أمانا لأهل البلد، فقرئ بالميدان الأخضر ونودي به في البلد، فأمن الناس على وجل من الغدر، كما فعل بأهل حلب، هذا والقلعة ممتنعة مستورة، وفي أعاليها المجانيق منصوبة والحال شديدة.

فأحضرت التتار منجنيقا يحمل على عجل والخيول تجرها، وهم راكبون على الخيل وأسلحتهم على أبقار كثيرة، فنصب المنجانيق على القلعة من غربيها، وخربوا حيطانا كثيرة وأخذوا حجارتها ورموا بها القلعة رميا متواترا كالمطر المتدارك.

فهدموا كثيرا من أعاليها وشرفاتها وتداعت للسقوط، فأجابهم متوليها في آخر ذلك النهار للمصالحة، ففتحوها وخربوا كل بدنة فيها، وأعالي بروجها، وذلك في نصف جمادى الأولى من هذه السنة.

وقتلوا المتولي بها بدر الدين بن قراجا، ونقيبها جمال الدين بن الصيرفي الحلبي، وسلموا البلد والقلعة إلى أمير منهم يقال له: إبل سيان، وكان لعنه الله معظما لدين النصارى، فاجتمع به أساقفتهم وقسوسهم، فعظمهم جدا، وزار كنائسهم، فصارت لهم دولة وصولة بسببه.

وذهب طائفة من النصارى إلى هولاكو وأخذوا معهم هدايا وتحفا، وقدموا من عنده ومعهم أمان فرمان من جهته، ودخلوا من باب توما ومعهم صليب منصوب يحملونه على رؤوس الناس، وهم ينادون بشعارهم، ويقولون: ظهر الدين الصحيح دين المسيح.

ويذمون دين الإسلام وأهله، ومعهم أواني فيها خمر لا يمرون على باب مسجد إلا رشوا عنده خمرا، وقماقم ملآنة خمرا يرشون منها على وجوه الناس وثيابهم، ويأمرون كل من يجتازون به في الأزقة والأسواق أن يقوم لصليبهم.

ودخلوا من درب الحجر فوقفوا عند رباط الشيخ أبي البيان ورشوا عنده خمرا، وكذلك على باب مسجد درب الحجر الصغير والكبير، واجتازوا في السوق حتى وصلوا درب الريحان أو قريب منه، فتكاثر عليهم المسلمون فردوهم إلى سوق كنيسة مريم.

فوقف خطيبهم إلى دكة دكان في عطفة السوق فمدح دين النصارى وذم دين الإسلام وأهله، فإنا لله وإنا إليه راجعون.

ثم دخلوا بعد ذلك إلى كنيسة مريم وكانت عامرة ولكن كان هذا سبب خرابها ولله الحمد.

وحكى الشيخ قطب الدين في (ذيله على المرآة) أنهم ضربوا بالناقوس في كنيسة مريم فالله أعلم.

قال: وذكر أنهم دخلوا إلى الجامع بخمر وكان في نيتهم إن طالت مدة التتار أن يخربوا كثيرا من المساجد وغيرها، ولما وقع هذا في البلد اجتمع قضاة المسلمين والشهود والفقهاء فدخلوا القلعة يشكون هذا الحال إلى متسلمها إبل سيان فأهينوا وطردوا، وقدم كلام رؤساء النصارى عليهم. فإنا لله وإنا إليه راجعون.

وهذا كان في أول هذه السنة وسلطان الشام الناصر بن العزيز وهو مقيم في وطأة برزه، ومعه جيوش كثيرة من الأمراء وأبناء الملوك ليناجزوا التتار إن قدموا عليهم، وكان في جملة من معه الأمير بيبرس البندقداري في جماعة من البحرية، ولكن الكلمة بين الجيوش مختلفة غير مؤتلفة، لما يريده الله عز وجل.

وقد عزمت طائفة من الأمراء على خلع الناصر وسجنه ومبايعة أخيه شقيقه الملك الظاهر علي.

فلما عرف الناصر ذلك هرب إلى القلعة وتفرقت العساكر شذر مذر وساق الأمير ركن الدين بيبرس في أصحابه إلى ناحية غزة، فاستدعاه الملك المظفر قطز إليه واستقدمه عليه، وأقطعه قليوب، وأنزله بدار الوزارة، وعظم شأنه لديه، وإنما كان حتفه على يديه.

وقعت عين جالوت

اتفق وقوع هذا كله في العشر الأخير من رمضان من هذه السنة، فما مضت سوى ثلاثة أيام حتى جاءت البشارة بنصرة المسلمين على التتار بعين جالوت، وذلك أن الملك المظفر قطز صاحب مصر لما بلغه أن التتار قد فعلوا بالشام ما ذكرنا، وقد نهبوا البلاد كلها حتى وصلوا إلى غزة، وقد عزموا على الدخول إلى مصر، وقد عزم الملك الناصر صاحب دمشق على الرحيل إلى مصر، وليته فعل، وكان في صحبته الملك المنصور صاحب حماه وخلق من الأمراء وأبناء الملوك.

وقد وصل إلى قطية وأكرم الملك المظفر قطز صاحب حماه، ووعده ببلده ووفاه له، ولم يدخل الملك الناصر مصر بل كر راجعا إلى ناحية تيه بني إسرائيل، ودخل عامة من كان معه إلى مصر، ولو دخل كان أيسر عليه مما صار إليه.

ولكنه خاف منهم لأجل العداوة فعدل إلى ناحية الكرك فتحصن بها وليته استمر فيها، ولكنه قلق فركب نحو البرية - وليته ذهب فيها - واستجار ببعض أمراء الأعراب، فقصدته التتار وأتلفوا ما هنالك من الأموال وخربوا الديار وقتلوا الكبار والصغار وهجموا على الأعراب التي بتلك النواحي فقتلوا منهم خلقا وسبوا من نسلهم ونسائهم.

وقد اقتص منهم العرب بعد ذلك، فأغاروا على خيل جشارهم في نصف شعبان فساقوها بأسرها، فساقت وراءهم التتار فلم يدركوا لهم الغبار ولا استردوا منهم فرسا ولا حمارا.

وما زال التتار وراء الناصر حتى أخذوه عند بركة زيزي، وأرسلوه مع ولده العزيز، وهو صغير وأخيه إلى ملكهم هولاكو خان وهو نازل على حلب، فما زالوا في أسره حتى قتلهم في السنة الآتية كما سنذكره.

والمقصود أن المظفر قطز لما بلغه ما كان من أمر التتار بالشام المحروسة وأنهم عازمون على الدخول إلى ديار مصر بعد تمهيد ملكهم بالشام، بادرهم قبل أن يبادروه وبرز إليهم وأقدم عليهم قبل أن يقدموا عليه.

فخرج في عساكره وقد اجتمعت الكلمة عليه، حتى انتهى إلى الشام واستيقظ له عسكر المغول وعليهم كتبغانوين.

وكان إذ ذاك في البقاع فاستشار الأشرف صاحب حمص والمجير بن الزكي، فأشاروا عليه بأنه لا قبل له بالمظفر حتى يستمد هولاكو فأبى إلا أن يناجزه سريعا، فساروا إليه وسار المظفر إليهم، فكان اجتماعهم على عين جالوت يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان.

فاقتتلوا قتالا عظيما، فكانت النصرة ولله الحمد للإسلام وأهله، فهزمهم المسلمون هزيمة هائلة، وقتل أمير المغول كتبغانوين وجماعة من بيته، وقد قيل إن الذي قتل كتبغانوين الأمير جمال الدين آقوش الشمسي، واتبعهم الجيش الإسلامي يقتلونهم في كل موضع، وقد قاتل الملك المنصور صاحب حماه مع الملك المظفر قتالا شديدا.

وكذلك الأمير فارس الدين أقطاي المستعرب، وكان أتابك العسكر، وقد أسر من جماعة كتبغانوين الملك السعيد بن العزيز بن العادل فأمر المظفر بضرب عنقه، وأستأمن الأشرف صاحب حمص.

وكان مع التتار وقد جعله هولاكو خان نائبا على الشام كله، فأمنه الملك المظفر، ورد إليه حمص، وكذلك رد حماه إلى المنصور وزاده المعرة وغيرها.

وأطلق سلمية للأمير شرف الدين عيسى بن مهنا بن مانع أمير العرب، واتبع الأمير بيبرس البندقداري وجماعة من الشجعان التتار يقتلونهم في كل مكان، إلى أن وصلوا خلفهم إلى حلب، وهرب من بدمشق منهم يوم الأحد السابع والعشرين من رمضان.

فتبعهم المسلمون من دمشق يقتلون فيهم، ويستفكّون الأسارى من أيديهم، وجاءت بذلك البشارة ولله الحمد على جبره إياهم بلطفه فجاوبتها دق البشائر من القلعة وفرح المؤمنون بنصر الله فرحا شديدا، وأيد الله الإسلام وأهله تأييدا وكبت الله النصارى واليهود والمنافقين وظهر دين الله وهم كارهون.

فتبادر عند ذلك المسلمون إلى كنيسة النصارى التي خرج منها الصليب فانتهبوا ما فيها وأحرقوها وألقوا النار فيما حولها فاحترق دور كثيرة إلى النصارى، وملأ الله بيوتهم وقبورهم نارا، وأحرق بعض كنيسة اليعاقبة، وهمت طائفة بنهب اليهود.

فقيل لهم إنه لم يكن منهم من الطغيان كما كان من عبدة الصلبان، وقتلت العامة وسط الجامع شيخا رافضيا كان مصانعا للتتار على أموال الناس يقال له: الفخر محمد بن يوسف بن محمد الكنجي، كان خبيث الطوية مشرقيا ممالئا لهم على أموال المسلمين قبحه الله.

وقتلوا جماعة مثله من المنافقين فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين.

وقد كان هولاكو أرسل تقليدا بولاية القضاء على جميع المدائن: الشام، والجزيرة، والموصل، وماردين، والأكراد وغير ذلك، للقاضي كمال الدين عمر بن بدار التفليسي.

وقد كان نائب الحكم بدمشق عن القاضي صدر الدين أحمد بن يحيى بن هبة الله بن سني الدولة من مدة خمس عشرة سنة، فحين وصل التقليد في سادس عشرين ربيع الأول قرئ بالميدان الأخضر فاستقل بالحكم في دمشق، وقد كان فاضلا.

فسار القاضيان المعزولان صدر الدين بن سني الدولة ومحيي الدين بن الزكي إلى خدمة هولاكو خان إلى حلب، فخدع ابن الزكي لابن سني الدولة وبذل أموالا جزيلة، وتولى القضاء بدمشق ورجعا.

فمات ابن سني الدولة ببعلبك، وقدم ابن الزكي على القضاء ومعه تقليده وخلعة مذهبة فلبسها وجلس في خدمة إبل سنان تحت قبة النسر عند الباب الكبير، وبينهما الخاتون زوجة إبل سنان حاسرة عن وجهها.

وقرئ التقليد هناك والحالة كذلك، وحين ذكر اسم هولاكو نثر الذهب والفضة فوق رؤوس الناس، فإنا لله وإنا إليه راجعون، قبح الله ذلك القاضي والأمير والزوجة والسلطان.

وذكر أبو شامة: أن ابن الزكي استحوذ على مدارس كثيرة في مدته هذه القصيرة، فإنه عزل قبل رأس الحول، فأخذ في هذه المدة العذراوية والسلطانية والفلكية والركنية والقيمرية والعزيزية مع المدرستين اللتين كانتا بيده التقوية والعزيزية.

وأخذ لولده عيسى تدريس الأمينية ومشيخة الشيوخ، وأخذ أم الصالح لبعض أصحابه وهو العماد المصري، وأخذ الشامية البارانية لصاحب له، واستناب أخاه لأمه شهاب الدين إسماعيل بن أسعد بن حبيش في القضاء وولاه الرواحية والشامية البرانية.

قال أبو شامة: مع أن شرط واقفها أن لا يجمع بينها وبين غيرها.

ولما رجعت دمشق وغيرها إلى المسلمين، سعى في القضاء وبذل أموالا ليستمر فيه وفيما بيديه من المدارس، فلم يستمر بل عزل بالقاضي نجم الدين أبي بكر بن صدر الدين بن سني الدولة، فقرئ توقيعه بالقضاء يوم الجمعة بعد الصلاة في الحادي والعشرين من ذي القعدة عند الشباك الكمالي من مشهد عثمان من جامع دمشق.

ولما كسر الملك المظفر قطز عساكر التتار بعين جالوت ساق وراءهم ودخل دمشق في أبهة عظيمة وفرح به الناس فرحا شديدا ودعوا له دعاء كثيرا، وأقر صاحب حمص الملك الأشرف عليها، وكذلك المنصور صاحب حماه، واسترد حلب من يد هولاكو، وعاد الحق إلى نصابه ومهد القواعد.

وكان قد أرسل بين يديه الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري ليطرد التتار عن حلب ويتسلمها ووعده بنيابتها، فلما طردهم عنها وأخرجهم منها وتسلمها المسلمون استناب عليها غيره وهو علاء الدين ابن صاحب الموصل.

وكان ذلك سبب الوحشة التي وقعت بينهما واقتضت قتل الملك المظفر قطز سريعا، ولله الأمر من قبل ومن بعد.

فلما فرغ المظفر من الشام عزم على الرجوع إلى مصر واستناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي الكبير والأمير مجير الدين بن الحسين بن آقشتمر، وعزل القاضي ابن الزكي عن قضاء دمشق، وولي ابن سني الدولة ثم رجع إلى الديار المصرية والعساكر الإسلامية في خدمته، وعيون الأعيان تنظر إليه شزرا من شدة هيبته.

ذكر سلطنة الملك الظاهر بيبرس البندقداري

وهو الأسد الضاري، وذلك أن السلطان الملك المظفر قطز لما عاد قاصدا مصر، وصل إلى ما بين الغزالي والصالحية، عدا عليه الأمراء فقتلوه هنالك.

وقد كان رجلا صالحا كثير الصلاة في الجماعة، ولا يتعاطى المسكر ولا شيئا مما يتعاطاه الملوك، وكانت مدة ملكه من حين عزل ابن أستاذه المنصور علي بن المعز التركماني إلى هذه المدة، وهي أواخر ذي القعدة نحوا من سنة، رحمه الله وجزاه عن الإسلام وأهله خيرا.

وكان الأمير ركن الدين بيبرس البندقداري قد اتفق مع جماعة من الأمراء على قتله، فلما وصل إلى هذه المنزلة ضرب دهليزه وساق خلف أرنب، وساق معه أولئك الأمراء فشفع عنده ركن الدين بيبرس في شيء فشفعه، فأخذ يده ليقّبلها فأمسكها وحمل عليه أولئك الأمراء بالسيوف فضربوه بها، وألقوه عن فرسه ورشقوه بالنشاب حتى قتلوه رحمه الله.

ثم كروا راجعين إلى المخيم وبأيديهم السيوف مصلتة، فأخبروا من هناك بالخبر، فقال بعضهم من قتله؟

فقالوا: ركن الدين بيبرس.

فقالوا: أنت قتلته؟.

فقال: نعم.

فقالوا: أنت الملك إذا.

وقيل لما قتل حار الأمراء بينهم فيمن يولون الملك، وصار كل واحد منهم يخشى غائلة ذلك، وأن يصيبه ما أصاب غيره سريعا، فاتفقت كلمتهم على أن بايعوا بيبرس البندقداري، ولم يكن هو من أكابر المقدمين، ولكن أرادوا أن يجربوا فيه، ولقبوه: الملك الظاهر.

فجلس على سرير المملكة وحكمه، ودقت البشائر وضربت الطبول والبوقات وصفرت الشغابة، وزعقت الشاووشية بين يديه، وكان يوما مشهودا وتوكل على الله واستعان به.

ثم دخل مصر والعساكر في خدمته، فدخل قلعة الجبل وجلس على كرسيها، فحكم وعدل وقطع ووصل وولى وعزل، وكان شهما شجاعا أقامه الله للناس لشدة احتياجهم إليه في هذا الوقت الشديد والأمر العسير.

وكان أولا لقب نفسه بالملك القاهر، فقال له الوزير: إن هذا اللقب لا يفلح من يلقب به.

تلقب به القاهر بن المعتمد فلم تطل أيامه حتى خلع وسملت عيناه، ولقب به القاهر صاحب الموصل فسم فمات، فعدل عنه حينئذ إلى الملك الظاهر.

ثم شرع في مسك من يرى في نفسه رئاسة من أكابر الأمراء حتى مهد الملك.

وقد كان هولاكو خان لما بلغه ما جرى على جيشه من المسلمين بعين جالوت أرسل جماعة من جيشه الذين معه كثيرين ليستعيدوا الشام من أيدي المسلمين، فحيل بينهم وبين ما يشتهون فرجعوا إليه خائبين خاسرين، وذلك أنه نهض إليهم الهزبر الكاسر والسيف البائر الملك الظاهر.

فقدم دمشق وأرسل العساكر في كل وجه لحفظ الثغور والمعاقل بالأسلحة، فلم يقدر التتار على الدنو إليه، ووجدوا الدولة قد تغيرت، والسواعد قد شمرت، وعناية الله بالشام وأهله قد حصلت، ورحمته بهم قد نزلت، فعند ذلك نكصت شياطينهم على أعقابهم، وكروا راجعين القهقرى والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات.

وقد كان الملك المظفر قطز رحمه الله استناب على دمشق الأمير علم الدين سنجر الحلبي أحد الأتراك، فلما بلغه مقتل المظفر دخل القلعة ودعا لنفسه وتسمى: بالملك المجاهد.

فلما جاءت البيعة للملك الظاهر خطب له يوم الجمعة السادس من ذي الحجة فدعا الخطيب أولا للمجاهد، ثم للظاهر ثانيا وضربت السكة باسمهما معا، ثم ارتفع المجاهد هذا من البين كما سيأتي.

وقد اتفق في هذا العام أمور عجيبة وهي: أن أول هذه السنة كانت الشام للسلطان الناصر ابن العزيز، ثم في النصف من صفر صارت لهولاكو ملك التتار، ثم في آخر رمضان صارت للمظفر قطز، ثم في أواخر العقدة صارت للظاهر بيبرس، وقد شركه في دمشق الملك المجاهد سنجر.

وكذلك كان القضاء في أولها بالشام لابن سني الدولة صدر الدين، ثم صار للكمال عمر التفليسي من جهة هولاكو، ثم لابن الزكي، ثم لنجم الدين ابن سني الدولة.

وكذلك كان خطيب جامع دمشق عماد الدين بن الحرستاني من سنين متطاولة، فعزل في شوال منها بالعماد الأسعردي، وكان صينا قارئا مجيدا، ثم أعيد العماد الحرستاني في أول ذي القعدة منها. فسبحان من بيده الأمور يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد.

وفيها توفي من الأعيان:

قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس ابن سني الدولة

أحمد بن يحيى بن هبة الله بن الحسين بن يحيى بن محمد بن علي يحيى بن صدقة بن الخياط، قاضي القضاة صدر الدين أبو العباس ابن سني الدولة التغلبي الدمشقي الشافعي، وسني الدولة الحسين بن يحيى المذكور كان قاضيا لبعض ملوك دمشق في حدود الخمسمائة، وله أوقاف على ذريته.

وابن الخياط الشاعر صاحب الديوان، وهو: أبو عبد الله أحمد بن محمد بن علي بن يحيى بن صدقة التغلبي، هو عم سني الدولة.

ولد سني الدولة سنة تسع وخسمين وخمسمائة وسمع الخشوعي، وابن طبرزد، والكندي، وغيرهم، وحدث ودرس في عدة مدارس وأفتى، وكان عارفا بالمذاهب مشكور السيرة، ولكن أبو شامة ينال منه ويذمه فالله أعلم.

وقد ولي الحكم بدمشق استقلالا سنة ثلاث وأربعين واستمر إلى مدة السنة، وسافر حين عزل بالكمال التفليسي هو والقاضي محيي الدين ابن الزكي، وقد سافر هو وابن الزكي إلى هولاكو لما أخذ حلب فولى ابن الزكي القضاء، واختار ابن سني الدولة بعلبك فقدمها وهو متمرض فمات بها ودفن عند الشيخ عبد الله اليونيني.

وقد كان الملك الناصر يثني عليه كما كان الملك الأشرف يثني على والده شمس الدين.

ولما استقر الملك الظاهر بيبرس ولى القضاء ولده نجم الدين ابن سني الدولة، وهو الذي حدث في زمن المشمشي بطالة الدروس لأنه كان له بستان بأرض السهم، فكان يشق عليه مفارقة المشمش، والنزول إلى المدارس، فبطل الناس هذه الأيام واتبعوه في ذلك، والنفوس إنما تؤثر الراحة والبطالة، ولا سيما أصحاب البساتين في أيام الفواكه، وكثرة الشهوات في تلك الأيام ولا سيما القضاة.

وفيها توفي.

الملك السعيد صاحب ماردين

نجم الدين بن أيل غازي بن المنصور ارتق بن أرسلان بن أيل غازي بن السني بن تمرتاش ابن أيل غازي بن أريثي، وكان شجاعا ملك يوما، وقد وقع في قلعته توران شاه بن الملك صلاح الدين كان نائبا للملك الظاهر بن العزيز بن الظاهر بن الناصر، صاحب دمشق على حلب، وقد حصن حلب من أيدي المغول مدة شهر، ثم تسلمها بعد محاصرة شديدة صلحا.

كانت وفاته في هذه السنة، ودفن بدهليز داره

وفيها قتل الملك السعيد حسن بن عبد العزيز

ابن العادل أبي بكر بن أيوب، كان صاحب الصبيبة وبانياس بعد أبيه، ثم أخذتا منه وحبس بقلعة المنيرة، فلما جاءت التتار كان معهم وردوا عليه بلاده، فلما كانت وقعة عين جالوت أتي به أسيرا إلى بين يدي المظفر قطز، فضرب عنقه لأنه كان قد لبس سرقوج التتار وناصحهم على المسلمين.

عبد الرحمن بن عبد الرحيم بن الحسن بن عبد الرحمن بن طاهر

ابن محمد بن الحسين بن علي بن أبي طالب، شرف الدين بن العجمي الحلبي الشافعي، من بيت العلم والرئاسة بحلب، درس بالظاهرة ووقف مدرسة بها ودفن بها، توفي حين دخلت التتار حلب في صفر فعذبوه وصبوا عليه ماء باردا في الشتاء، فتشنج حتى مات رحمه الله تعالى.

الملك المظفر قطز بن عبد الله

سيف الدين التركي، أخص مماليك المعز التركماني أحد مماليك الصالح أيوب بن الكامل.

لما قتل أستاذه المعز قام في تولية ولده نور الدين المنصور علي، فلما سمع بأمر التتار خاف أن تختلف الكلمة لصغر ابن أستاذه فعزله ودعا إلى نفسه، فبويع في ذي القعدة سنة سبع وخمسين وستمائة كما تقدم، ثم سار إلى التتار فجعل الله على يديه نصرة الإسلام كما ذكرنا، وقد كان شجاعا بطلا كثير الخير ناصحا للإسلام وأهله، وكان الناس يحبونه ويدعون له كثيرا.

ذكر عنه: أنه لما كان يوم المعركة بعين جالوت قتل جواده ولم يجد أحدا في الساعة الراهنة من الوشاقية الذين معهم الجنائب، فترجل وبقي واقفا على الأرض ثابتا، والقتال عمال في المعركة، وهو في موضع السلطان من القلب.

فلما رآه بعض الأمراء ترجل عن فرسه وحلف على السلطان ليركبنها، فامتنع وقال لذلك الأمير: ما كنت لأحرم المسلمين نفعك، ولم يزل كذلك حتى جاءته الوشاقية بالخيل، فركب فلامه بعض الأمراء وقال:

يا خوند لم لا ركبت فرس فلان؟ فلو أن بعض الأعداء رآك لقتلك وهلك الإسلام بسببك.

فقال أما أنا فكنت أروح إلى الجنة، وأما الإسلام فله رب لا يضيعه، قد قتل فلان وفلان وفلان حتى عد خلقا من الملوك، فأقام للإسلام من يحفظه غيرهم، ولم يضيع الإسلام رحمه الله.

وكان حين سار من مصر في خدمته خلق من كبار الأمراء البحرية وغيرهم ومعه المنصور صاحب حماه، وجماعة من أبناء الملوك فأرسل إلى صاحب حماه يقول له:

لا تتعني في مد سماط في هذه الأيام وليكن مع الجندي لحمة يأكلها والعجل العجل، وكان اجتماعه مع عدوه كما ذكرنا في العشر الأخير من رمضان يوم الجمعة، وهذه بشارة عظيمة، فإن وقعة بدر كانت يوم الجمعة في رمضان، وكان فيها نصر الإسلام.

ولما قدم دمشق في شوال أقام بها العدل ورتب الأمور، وأرسل بيبرس خلف التتار ليخرجهم ويطردهم عن حلب، ووعده بنيابتها فلم يف له لما رآه من المصلحة فوقعت الوحشة بينهما بسبب ذلك، فلم عاد إلى مصر تملأ عليه الأمراء مع بيبرس فقتلوه بين القرابي والصالحية ودفن بالقصر، وكان قبره يزار.

فلما تمكن الظاهر من الملك بعث إلى قبره فغيبه عن الناس، وكان لا يعرف بعد ذلك قتل يوم السبت سادس عشر من ذي القعدة رحمه الله.

وحكى الشيخ قطب الدين اليونيني في الذيل على المرآة عن الشيخ علاء الدين بن غانم عن المولى تاج الدين أحمد بن الأثير كاتب السر في أيام الناصر صاحب دمشق، قال: لما كنا مع الناصر بوطاه برزه جاءت البريدية بخبر أن قطز قد تولى الملك بمصر، فقرأت ذلك على السلطان، فقال:

اذهب إلى فلان وفلان فأخبرهم بهذا.

قال: فلما خرجت عنه لقيني بعض الأجناد فقال لي: جاءكم الخبر من مصر بأن قطز قد تملك.

فقلت: ما عندي من هذا علم وما يدريك أنت بهذا؟

فقال: بلى والله سيلي المملكة ويكسر التتار.

فقلت: من أين تعلم هذا؟.

فقال: كنت أخدمه وهو صغير، وكان عليه قمل كثير فكنت أفليه وأهينه وأذمه، فقال لي يوما ويلك إيش تريد أعطيك إذا ملكت الديار المصرية؟.

فقلت له: أنت مجنون؟.

فقال: لقد رأيت رسول ﷺ في المنام، وقال لي: أنت تملك الديار المصرية وتكسر التتار، وقول رسول الله ﷺ حق لا شك فيه.

فقلت له حينئذ - وكان صادقا -: أريد منك إمرة خمسين فارسا.

فقال: نعم، أبشر.

قال ابن الأثير: فلما قال لي هذا قلت له: هذه كتب المصريين بأنه قد تولى السلطنة، فقال: والله ليكسرن التتار، وكان كذلك، ولما رجع الناصر إلى ناحية الديار المصرية وأراد دخولها، ورجع عنها ودخلها أكثر الجيوش الشامية، كان هذا الأمير الحاكي في جملة من دخلها، فأعطاه المظفر إمرة خمسين فارسا، ووفى له بالوعد، وهو الأمير جمال الدين التركماني.

قال ابن الأثير: فلقيني بمصر بعد أن تأمر فذكرني بما كان أخبرني عن المظفر، فذكرته ثم كانت وقعة التتار على إثر ذلك فكسرهم وطردهم عن البلاد، وقد روى عنه أنه لما رأى عصائب التتار قال للأمراء والجيوش الذين معه: لا تقاتلوهم حتى تزول الشمس، وتفيء الظلال، وتهب الرياح، ويدعو لنا الخطباء والناس في صلاتهم، رحمه الله تعالى.

وفيها: هلك كتبغانوين نائب هولاكو على بلاد الشام لعنه الله، ومعنى نوين يعني: أمير عشرة آلاف، وكان هذا الخبيث قد فتح لأستاذه هولاكو من أقصى بلاد العجم إلى الشام، وقد أدرك جنكيز خان جد هولاكو وكان كتبغا هذا يعتمد في حروبه للمسلمين أشياء لم يسبقه أحد إليها.

كان إذا فتح بلدا ساق مقاتلة هذا البلد إلى البلد الآخر الذي يليه، ويطلب من أهل ذلك البلد أن يؤوا هؤلاء إليهم، فإن فعلوا حصل مقصوده في تضييق الأطعمة والأشربة عليهم، فتقصر مدة الحصار عليه، لما ضاق على أهل البلد من أقواتهم، وإن امتنعوا من إيوائهم عندهم قاتلهم بأولئك المقاتلة الذين هم أهل البلد الذي فتحه قبل ذلك، فإن حصل الفتح وإلا كان قد أضعف أولئك بهؤلاء حتى يفني تلك المقاتلة، فإن حصل الفتح وإلا قاتلهم بجنده وأصحابه مع راحة أصحابه وتعب أهل البلد وضعفهم حتى يفتحهم سريعا.

وكان يبعث إلى الحصن يقول: إن ماءكم قد قلَّ فنخشى أن نأخذكم عنوة فنقتلكم عن آخركم، ونسبي نساءكم وأولادكم فما بقاؤكم بعد ذهاب مائكم، فافتحوا صلحا قبل أن نأخذكم قسرا.

فيقولون له: إن الماء عندنا كثير فلا نحتاج إلى ماء.

فيقول: لا أصدق، حتى أبعث من عندي من يشرف عليه فإن كان كثيرا انصرفت عنكم.

فيقولون: ابعث من يشرف، عليه فيرسل رجالا من جيشه معهم رماح مجوفة محشو سما، فإذا دخلوا الحصن الذي قد أعياه ساطوا ذلك الماء بتلك الرماح على أنهم يفتشونه ويعرفون قدره، فينفتح ذلك السم ويستقر في ذلك الماء فيكون سبب هلاكهم وهم لا يشعرون، لعنه الله لعنة تدخل معه قبره.

وكان شيخا كبيرا قد أسن، وكان يميل إلى دين النصارى، ولكن لا يمكنه الخروج من حكم جنكيز خان في الياساق.

قال الشيخ قطبي الدين اليونيني: وقد رأيته ببعلبك حين حاصر قلعتها، وكان شيخا حسنا له لحية طويلة مسترسلة قد ضفرها مثل الدبوقة، وتارة يعلقها من خلفه بأذنه، وكان مهيبا شديد السطوة قال: وقد دخل الجامع فصعد المنارة ليتأمل القلعة منها، ثم خرج من الباب الغربي فدخل دكانا خرابا فقضى حاجته والناس ينظرون إليه وهو مكشوف العورة، فلما فرغ من حاجته مسحه بعض أصحابه بقطن ملبد مسحة واحدة.

قال ولما بلغه خروج المظفر بالعساكر من مصر تلوم في أمره وحار ماذا يفعل، ثم حملته نفسه الأبية على لقائه، وظن أنه منصور على جاري عادته، فحمل يومئذ على الميسرة فكسرها ثم أيد الله المسلمين وثبتهم في المعركة فحملوا حملة صادقة على التتار فهزموهم خزيمة لا تجبر أبدا، وقتل أميرهم كتبغانوين في المعركة وأسر ابنه، وكان شابا حسنا، فأحضر بين يدي المظفر قطز فقال له: أهرب أبوك؟

قال: إنه لا يهرب، فطلبوه فوجدوه بين القتلى، فلما رآه ابنه صرخ وبكى، فلما تحققه المظفر سجد لله تعالى ثم قال: أنام طيبا.

كان هذا سعادة التتار، وبقتلة ذهب سعدهم، وهكذا كان كما قال ولم يفلحوا بعده أبدا، وكان قتله يوم الجمعة الخامس والعشرين من رمضان وكان الذي قتله الأمير آقوش الشمسي رحمه الله.

الشيخ محمد الفقيه اليونيني

الحنبلي البعلبكي الحافظ، هو محمد بن أحمد بن عبد الله بن عيسى بن أبي الرجال أحمد بن علي بن محمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن إسحاق بن جعفر الصادق، كذا نقل هذه النسبة الشيخ قطب الدين اليونيني من خط أخيه الأكبر أبي الحسين علي، وأخبره أن والده قال له: نحن من سلالة جعفر الصادق.

قال: وإنما قال له هذا عند الموت ليتخرج من قبول الصدقات.

أبو عبد الله بن أبي الحسين اليونيني الحنبلي تقي الدين الفقيه الحنبلي الحافظ المفيد البارع العابد الناسك، ولد سنة ثنتين وسبعين وخمسمائة، وسمع الخشوعي وحنبلا، والكندري، والحافظ عبد الغني، وكان يثني عليه، وتفقه على الموفق، ولزم الشيخ عبد الله اليونيني فانتفع به.

وكان الشيخ عبد الله يثني عليه ويقدمه ويقتدي به في الفتاوى، وقد لبس الخرقة من شيخ شيخه عبد الله البطائحي، وبرع في علم الحديث، وحفظ الجمع بين الصحيحين بالفاء والواو، وحفظ قطعة صالحة من مسند أحمد، وكان يعرف العربية أخذها عن التاج الكندي، وكتب مليحا حسنا، وكان الناس ينتفعون بفنونه الكثيرة، ويأخذون عنه الطرق الحسنة، وقد حصلت له وجاهة عظيمة عند الملوك، توضأ مرة عند الملك الأشرف بالقلعة حال سماع البخاري على الزبيدي، فلما فرع من الوضوء نفض السلطان تخفيفته وبسطها على الأرض ليطأ عليها، وحلف السلطان له إنها طاهرة، ولا بد أن يطأ برجليه عليها ففعل ذلك.

وقدم الكامل على أخيه الأشرف دمشق فأنزله القلعة، وتحول الأشرف لدار السعادة، وفعل يذكر للكامل محاسن الشيخ الفقيه، فقال الكامل: أحب أن أراه فأرسل إليه إلى بعلبك بطاقة واستحضره فوصل إلى دار السعادة، فنزل الكامل إليه وتحادثا وتذاكرا شيئا من العلم فجرت مسألة القتل بالمثقل، وجرى ذكر حديث الجارية التي قتلها اليهودي فرض رأسها بين حجرين، فأمر رسول الله ﷺ بقتله.

فقال الكامل: إنه لم يعترف، فقال الشيخ الفقيه في صحيح مسلم فاعترف، فقال الكامل: أنا اختصرت صحيح مسلم، ولم أجد هذا فيه فأرسل الكامل فأحضر خمس مجلدات اختصاره لمسلم، فأخذ الكامل مجلدا والأشرف آخر، وعماد الدين بن موسك آخر، وأخذ الشيخ الفقيه مجلدا فأول ما فتحه وجد الحديث كما قال الشيخ الفقيه، فتعجب الكامل من استحضاره وسرعة كشفه، وأراد أن يأخذه معه إلى الديار المصرية، فأرسله الأشرف سريعا إلى بعلبك، وقال للكامل:

إنه لا يؤثر ببعلبك شيئا، فأرسل له الكامل ذهبا كثيرا قال ولده قطب الدين: كان والدي يقبل بر الملوك، ويقول: أنا لي في بيت المال أكثر من هذا، ولا يقبل من الأمراء ولا من الوزراء شيئا إلا أن يكون هدية مأكول ونحوه، ويرسل إليهم من ذلك فيقبلونه على سبيل التبرك والاستشفاء.

وذكر أنه كثر ماله وأثرى، وصار له سعة من المال كثيرة، وذكر له أن الأشرف كتب له كتابا بقرية يونين، وأعطاه لمحيي الدين بن الجوزي ليأخذ عليه خط الخليفة، فلما شعر والدي بذلك أخذ الكتاب ومزقه وقال: أنا في غنية عن ذلك.

قال: وكان والدي لا يقبل شيئا من الصدقة، ويزعم أنه من ذرية علي بن أبي طالب من جعفر الصادق بن محمد الباقر بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب.

قال: وقد كان قبل ذلك فقيرا لا شيء له، وكان للشيخ عبد الله زوجة ولها ابنة جميلة، وكان الشيخ يقول لها: زوجيها من الشيخ محمد.

فتقول: إنه فقير، وأنا أحب أن تكون ابنتي سعيدة.

فيقول الشيخ عبد الله: كأني أنظر إليهما إياه وإياها في دار فيها بركة، وله رزق كثير والملوك يترددون إلى زيارته، فزوجتها منه فكان الأمر كذلك، وكانت أولى زوجاته رحمه الله تعالى.

وكانت الملوك كلهم يحترمونه ويعظمونه ويجيئون إلى مدينته، بنو العادل وغيرهم، وكذلك كان مشايخ الفقهاء كابن الصلاح، وابن عبد السلام، وابن الحاجب، والحصري، وشمس الدين بن سني الدولة، وابن الجوزي، وغيرهم يعظمونه ويرجعون إلى قوله لعلمه وعمله وديانته وأمانته.

وقد ذكرت له أحوال ومكاشفات وكرامات كثيرة رحمه الله.

وزعم بعضهم: أنه قطب منذ ثنتي عشرة سنة فالله أعلم.

وذكر الشيخ الفقيه قال: عزمت مرة على الرحلة إلى حران، وكان قد بلغني أن رجلا بها يعلم علم الفرائض جيدا، فلما كانت الليلة التي أريد أن أسافر في صبيحتها جاءتني رسالة الشيخ عبد الله اليونيني يعزم علي إلى القدس الشريف، وكأني كرهت ذلك وفتحت المصحف فطلع قوله: { اتَّبِعُوا مَنْ لَا يَسْأَلُكُمْ أَجْرا وَهُمْ مُهْتَدُونَ } [يس: 21] .

فخرجت معه إلى القدس فوجدت ذلك الرجل الحراني بالقدس الشريف، فأخذت عنه علم الفرائض حتى خيل لي أني صرت أبرع فيه منه.

وقال الشيخ أبو شامة: كان الشيخ الفقيه رجلا ضخما، وحصل له قبول من الأمراء وغيرهم، وكان يلبس قبعا صوفه إلى خارج كما كان شيخه الشيخ عبد الله اليونيني.

قال: وقد صنف شيئا في المعراج فرددت عليه في كتاب سميته (الواضح الجلي في الرد على الحنبلي).

وذكر ولده قطب الدين أنه مات في التاسع عشر من رمضان من هذه السنة عن ثمان وثمانين سنة رحمه الله تعالى.

محمد بن خليل بن عبد الوهاب بن بدر

أبو عبد الله البيطار الأكال، أصله من جبل بني هلال، وولد بقصر حجاج، وكان مقيما بالشاغور، وكان فيه صلاح ودين وإيثار للفقراء والمحاويج والمحباس وكانت له حال غريبة، ولا يأكل لأحد شيئا إلا بأجرة، وكان أهل البلد يترامون عليه ليأكل لهم الأشياء المفتخرة الطيبة فيمتنع إلا بأجرة جيدة، وكلما امتنع من ذلك حلى عند الناس وأحبوه ومالوا إليه، ويأتونه بأشياء كثيرة من الحلاوات والشواء وغير ذلك فيرد عليهم عوض ذلك أجرة جيدة مع ذلك، وهذا غريب جدا، رحمه الله تعالى ورضى عنه بمنه وكرمه آمين.

البداية والنهاية - الجزء الثالث عشر
589 | 590 | 591 | 592 | 593 | 594 | 595 | 596 | 597 | 598 | 599 | 600 | 601 | 602 | 603 | 604 | 605 | 606 | 607 | 608 | 609 | 610 | 611 | 612 | 613 | 614 | 615 | 616 | 617 | 618 | 619 | 620 | 621 | 622 | 623 | 624 | 625 | 626 | 627 | 628 | 629 | 630 | 631 | 632 | 633 | 634 | 635 | 636 | 637 | 638 | 639 | 640 | 641 | 642 | 643 | 644 | 645 | 646 | 647 | 648 | 649 | 650 | 651 | 652 | 653 | 654 | 655 | 656 | 657 | 658 | 659 | 660 | 661 | 662 | 663 | 664 | 665 | 666 | 667 | 668 | 669 | 670 | 671 | 672 | 673 | 674 | 675 | 676 | 677 | 678 | 679 | 680 | 681 | 682 | 683 | 684 | 685 | 686 | 687 | 688 | 689 | 690 | 691 | 692 | 693 | 694 | 695 | 696 | 697