مجموع الفتاوى/المجلد الرابع/سئل عن عرض الأديان عند الموت

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
سئل عن عرض الأديان عند الموت
ابن تيمية

سئل عن عرض الأديان عند الموت[عدل]

سُئِلَ عَنْ عَرْضِ الأدْيَانَ عَنْدَ الْمَوْتِ: هل لذلك أصل في الكتاب والسنة أم لا ؟ وقوله ﷺ: «إنكم لتفتنون في قبوركم» ما المراد بالفتنة ؟ وإذا ارتد العبد والعياذ بالله هل يجازى بأعماله الصالحة قبل الردة أم لا ؟ أفتونا مأجورين.

فأجَابَ: الحمد لله رب العالمين، أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرًا عامًا لكل أحد، ولا هو أيضا منتفيًا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع ذلك لأقوام. وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا.

منها: ما في الحديث الصحيح: أمرنا النبي ﷺ أن نستعيذ في صلاتنا من أربع: من عذاب جهنم، ومن عذاب القبر، ومن فتنة المحيا والممات، ومن فتنة المسيح الدجال. ولكن وقت الموت أحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم؛ لأنه وقت الحاجة.

وقد قال النبي ﷺ في الحديث الصحيح: «الأعمال بخواتيمها»، وقال ﷺ: «إن العبد ليعمل بعمل أهل الجنة، حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها، وإن العبد ليعمل بعمل أهل النار حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع، فيسبق عليه الكتاب، فيعمل بعمل أهل الجنة فيدخلها».

ولهذا روي: أن الشيطان أشد ما يكون على ابن آدم حين الموت، يقول لأعوانه: دونكم هذا، فإنه إن فاتكم لن تظفروا به أبدًا.

وحكاية عبد الله بن أحمد بن حنبل مع أبيه وهو يقول: لا، بعد، لا، بعد، مشهورة.

ولهذا يقال: إن من لم يحج يخاف عليه من ذلك؛ لما روى أنس بن مالك رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «من ملك زادًا أو راحلة تبلغه إلى بيت الله الحرام ولم يحج، فَلْيَمُتْ إن شاء يهوديًا، وإن شاء نصرانيًا».

قال الله تعالى: {وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} [1]، قال عكرمة لما نزلت هذه الآية: {وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ} [2]. قالت اليهود والنصارى: نحن مسلمون. فقال الله لهم: {وَلله عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ} فقالوا: لا نحجه. فقال الله تعالى: {وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ الله غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ} .

وأما الفتنة في القبور فهي الامتحان والاختبار للميت، حين يسأله الملكان، فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت، فيقول المؤمن: الله ربي، والإسلام ديني، ومحمد نبيى، ويقول: هو محمد رسول الله، جاءنا بالبينات والهدى، فآمنا به واتبعناه. فينتهرانه انتهارة شديدة وهي آخر فتنة التي يفتن بها المؤمن فيقولان له كما قالا أولا .

وقد تواترت الأحاديث عن النبي ﷺ في هذه الفتنة من حديث البراء بن عازب، وأنس بن مالك، وأبي هريرة وغيرهم رضى الله عنهم وهي عامة للمكلفين، إلا النبيين فقد اختلف فيهم. وكذلك اختلف في غير المكلفين، كالصبيان والمجانين، فقيل: لا يفتنون؛ لأن المحنة إنما تكون للمكلفين، وهذا قول القاضي وابن عَقِيل.

وعلى هذا فلا يُلَقَّنون بعد الموت. وقيل: يلقنون ويفتنون أيضا، وهذا قول أبي حكيم، وأبي الحسن بن عبدوس، ونقله عن أصحابه، وهو مطابق لقول من يقول: إنهم يكلفون يوم القيامة، كما هو قول أكثر أهل العلم، وأهل السنة، من أهل الحديث والكلام. وهو الذي ذكره أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه عن أهل السنة، واختاره، وهو مقتضى نصوص الإمام أحمد .

وأما الردة عن الإسلام بأن يصير الرجل كافرًا مشركًا، أو كتابيًا، فإنه إذا مات على ذلك حبط عمله باتفاق العلماء، كما نطق بذلك القرآن في غير موضع، كقوله: {وَمَن يَرْتَدِدْ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَيَمُتْ وَهُوَ كَافِرٌ فَأُوْلَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ} [3]، وقوله: {وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ} [4]، وقوله: {وَلَوْ أَشْرَكُواْ لَحَبِطَ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ} [5]، وقوله: {لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ} [6].

ولكن تنازعوا فيما إذا ارتد، ثم عاد إلى الإسلام هل تحبط الأعمال التي عملها قبل الردة أم لا تحبط إلا إذا مات مرتدًا؟ على قولين مشهورين، هما قولان في مذهب الإمام أحمد، والحبوط: مذهب أبي حنيفة ومالك. والوقوف: مذهب الشافعي .

وتنازع الناس أيضا في المرتد. هل يقال: كان له إيمان صحيح يحبط بالردة؟ أم يقال: بل بالردة تبيَّنا أن إيمانه كان فاسدا؟ وأن الإيمان الصحيح لا يزول البتة؟ على قولين لطوائف الناس، وعلى ذلك يبنى قول المستثنى: أنا مؤمن إن شاء الله. هل يعود الاستثناء إلى كمال الإيمان ؟ أو يعود إلى الموافاة في المآل، والله أعلم.

هامش

  1. [آل عمران: 97]
  2. [آل عمران: 85]
  3. [البقرة: 217]
  4. [المائدة: 5]
  5. [الأنعام: 88]
  6. [الزمر: 65]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع
كتاب مفصل الاعتقاد | سئل ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين | فصل في كون أهل الحديث أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل | فصل في أن كل من استحكم في بدعته يرى أن قياسه يطرد | إن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين لهم في كلام الرسول ثلاث طرق | لفظ التأويل صار له بسبب تعدد الاصطلاحات ثلاثة معان | فصل في أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم يعلموها | فصل في قول من قال إن الحشوية على ضربين | فصل في قول المعترض في الرد على الحنابلة | فصل الأقوال نوعان | قال الشيخ الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهيته قاعدة عظيمة عامة | سئل ما الدليل القاطع على تحقيق حق المسلمين وإبطال باطل الكافرين | فصل في طرق المخاطبة | سئل عن الروح هل هي قديمة أو مخلوقة | سئل الشيخ رحمه الله عن حقيقة ماهية الجن | سئل الشيخ رحمه الله عن الجان المؤمنين | قول الشيخ رحمه الله ردا لقول من قال: كل مولود على ما سبق له في علم الله أنه سائر إليه | سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة | فصل في ذكر الله الحفظة الموكلين ببني آدم الذين يحفظونهم ويكتبون أعمالهم | سئل شيخ الإسلام هل الملائكة الموكلون بالعبد هم الموكلون دائما | سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة | سئل عن عرض الأديان عند الموت | سئل هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون | فصل في مذهب سائر المسلمين في إثبات القيامة الكبرى | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الروح المؤمنة | سئل هل يتكلم الميت في قبره | سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات | سئل عن الصغير وعن الطفل إذا مات هل يمتحن | سئل الشيخ رحمه الله عن الصغير هل يحيا ويسأل أو يحيا ولا يسأل | سئل شيخ الإسلام وهو بمصر عن عذاب القبر | سئل وهو بمصر عن عذاب القبر | سئل بماذا يخاطب الناس يوم البعث | سئل عن الميزان: هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان | سئل عن الكفار: هل يحاسبون يوم القيامة أم لا | سئل عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا | سئل عن رجل مسلم يعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة | سئل عن الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم | سئل عن أطفال المؤمنين هل يدومون على حالتهم التي ماتوا عليها أم يكبرون ويتزوجون | سئل هل يتناسل أهل الجنة والولدان هل هم ولدان أهل الجنة | سئل عن رجل قيل له: إنه ورد عن النبي أن أهل الجنة يأكلون ويشربون فقال من أكل وشرب بال وتغوط | سئل هل أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون بتلذذ كالدنيا | فصل أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم الخليل | سئل فيمن يقول: إن غير الأنبياء يبلغ درجتهم بحيث يأمنون مكر الله | سئل عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر | سئل عن رجلين تنازعا في أمر نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام | سئل هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك | سئل عن هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى وهو يصلي في قبره | سئل عن الذبيح من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو إسماعيل أو إسحاق | سئل عن الخضر وإلياس هل هما معمران | سئل هل كان الخضر عليه السلام نبيا أو وليا وهل هو حي إلى الآن | سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم وقت الساعة | سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل | سئل عن المطيعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هل هم أفضل من الملائكة | سئل هل سجد ملائكة السماء والأرض أم ملائكة الأرض خاصة | فصل في التفضيل بين الملائكة والناس | سئل عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين أيتهما أفضل | فصل وأفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة | فصل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم | فصل هل أبو بكر وعمر أفضل من الخضر | سئل عن رجلين اختلفا فقال أحدهما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب أعلم وأفقه من علي بن أبي طالب | سئل عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على علي لقوله عليه السلام له أنت مني وأنا منك | سئل لا أفضل على علي غيره وإذا ذكرعلي صلى عليه مفردا هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره | سئل عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته | سئل عما شجر بين الصحابة علي ومعاوية وطلحة وعائشة هل يطالبون به أم لا | فائدة: إن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة فلا يجب الاعتقاد بأن كل واحد من العسكر كان مجتهدا متأولا | فصل في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين | سئل عن إسلام معاوية بن أبي سفيان متى كان | فصل في الطريق التي بها يعلم إيمان الواحد من الصحابة | فصل افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق | سئل عن جماعة يقولون: إن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من علي بن أبي طالب | سئل هل يصح عند أهل العلم: أن عليا رضي الله عنه قاتل الجن في البئر | سئل عمن قال إن عليا قاتل الجن في البئر وأنه حمل على اثني عشر ألفا وهزمهم | سئل عن فاطمة أنها قالت يارسول الله إن عليا يقوم الليالي كلها إلا ليلة الجمعة | سئل عن رجل قال عن علي بن أبي طالب أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة | سئل أن علي بن أبي طالب قال إذا أنا مت فأركبوني فوق ناقتي وسيبوني | فصل هل كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن لم يصحبه مطلقا | سئل عن رجلين تنازعا في ساب أبي بكر أحدهما يقول: يتوب الله عليه وقال الآخر لا يتوب الله عليه | سئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد وطعنوا في ابن مسعود وروايته | سئل عن رجل يناظر مع آخر في مسألة المصراة فطعن أحدهما في أبي هريرة وروايته | سئل عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ويصومون إلا أنهم يكفرون سابي صحابة النبي