مجموع الفتاوى/المجلد الرابع/سئل عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
سئل عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته
ابن تيمية

سئل عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته[عدل]

سُئِلَ عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته: وأن خير القرون القرن الذين رأوا رسول الله ﷺ، وآمنوا به ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم. وأفضل الصحابة الخلفاء الراشدون المهديون أبو بكر، وعمر، وعثمان، وعلي. فما الدليل على تفضيل أبي بكر على عمر؟ وتفضيل عمر على عثمان، وعثمان على عليّ ؟ فإذا تبين ذلك، فهل تجب عقوبة من يفضل المفضول على الفاضل أم لا؟ بينوا لنا ذلك بيانا مبسوطًًًًا مأجورين، إن شاء الله تعالى.

فَأجَاب:

الحمد لله رب العالمين، أما تفضيل أبي بكر، ثم عمر علَى عثمان وعلي، فهذا متفق عليه بين أئمة المسلمين المشهورين بالإمامة في العلم والدين، من الصحابة، والتابعين، وتابعيهم، وهو مذهب مالك وأهل المدينة، والليث بن سعد، وأهل مصر، والأوزاعي، وأهل الشام، وسفيان الثوري، وأبي حنيفة، وحماد بن زيد، وحماد بن سَلَمة، وأمثالهم من أهل العراق. وهو مذهب الشافعي وأحمد، وإسحاق، وأبي عبيد، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام الذين لهم لسان صدق في الأمة. وحكى مالك إجماع أهل المدينة على ذلك فقال: ما أدركتُ أحدًا ممن أقتدى به يشك في تقديم أبي بكر وعمر.

وهذا مستفيض عن أمير المؤمنين علي بن أبي طالب. وفي صحيح البخاري عن محمد ابن الحنفية؛ أنه قال لأبيه علي بن أبي طالب: يا أبت مَن خيُر الناس بعد رسول الله ﷺ؟ قال: يا بني، أو ما تعرف؟ قلت: لا. قال: أبو بكر. قلت: ثم من؟ قال: عمر. ويروى هذا عن علي بن أبي طالب من نحو ثمانين وجها، وأنه كان يقوله على منبر الكوفة؛ بل قال: لا أوتى بأحد يفضلني على أبي بكر وعمر إلا جلدته حَدَّ المفْتَرِى. فمن فضله على أبي بكر وعمر جلد بمقتضى قوله رضي الله عنه ثمانين سوطًًًًا.

وكان سفيان يقول: من فضل عليا على أبي بكر، فقد أزْرَى بالمهاجرين، وما أرى أنه يصعد له إلى الله عمل وهو مقيم على ذلك. وفي الترمذي، وغيره روى هذا التفضيل: عن النبي ﷺ أنه قال: «يا علي هذان سيدا كهول أهل الجنة من الأولين والآخرين؛ إلا النبيين والمرسلين». وقد استفاض في الصحيحين وغيرهما عن النبي ﷺ من غير وجه: من حديث أبي سعيد، وابن عباس، وجندب بن عبد الله، وابن الزبير، وغيرهم، أن النبي ﷺ قال: «لو كنت متخذًًًًا من أهل الأرض خليلًًًًا لاتخذت أبا بكر خليلًًًًا، ولكن صاحبكم خليل الله» يعني: نفسه.

وفي الصحيح أنه قال على المنبر: «إن أمنَّ الناس عليّ في صحبته، وذات يده، أبو بكر، ولو كنت متخذًًًًا من أهل الأرض خليلًًًًا لاتخذت أبا بكر خليلًًًًا، ولكن صاحبكم خليل الله. ألا لا يبقين في المسجد خوخة إلا سُدَّتْ إلا خَوْخة أبي بكر». وهذا صريح في أنه لم يكن عنده من أهل الأرض من يستحق المخالَّة لو كانت ممكنة من المخلوقين إلا أبا بكر. فعلم أنه لم يكن عنده أفضل منه، ولا أحب إليه منه، وكذلك في الصحيح أنه قال عمرو بن العاص: أي الناس أحب إليك؟ قال: «عائشة». قال: فمن الرجال؟ قال: «أبوها».

وكذلك في الصحيح أنه قال لعائشة: «ادعى لي أباك وأخاك، حتى أكتب لأبي بكر كتابًا لا يختلف عليه الناس من بعدي، ثم قال: يَأْبَي الله والمؤمنون إلا أبا بكر»، وفي الصحيح عنه أن امرأة قالت: يا رسول الله، أرأيت إن جئتُ فلم أجدك كأنها تعني الموت قال: «فَأْتى أبا بكر». وفي السنن عنه أنه قال: «اقتدوا باللذين من بعدي أبي بكر وعمر». وفي الصحيح عنه أنه كان في سفر فقال: «إن يطع القوم أبا بكر وعمر يرشدوا». وفي السنن عنه أنه قال: «رأيت كأني وضعت في كفة والأمة في كفة، فَرَجَحتُ بالأمة، ثم وضع أبو بكر في كفة والأمة في كفة، فرجح أبو بكر، ثم وضع عمر في كفة والأمة في كفة، فرجح عمر».

وفي الصحيح أنه كان بين أبي بكر وعمر كلام، فطلب أبو بكر من عمر أن يستغفر له فلم يفعل. فجاء أبو بكر إلى النبي ﷺ، فذكر ذلك. فقال: «اجلس يا أبا بكر، يغفر الله لك» وندم عمر، فجاء إلى منزل أبي بكر فلم يجده، فجاء إلى النبي ﷺ، فغضب النبي ﷺ، وقال: «أيها الناس، إني جئت إليكم، فقلت: إني رسول الله، فقلتم: كذبت، وقال أبو بكر: صدقت. فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟ فهل أنتم تاركو لي صاحبي؟» فما أوذي بعدها. وقد تواتر في الصحيح والسنن أن النبي ﷺ لما مرض قال: «مروا أبا بكر فليصل بالناس» مرتين، أو ثلاثًًًًا، حتى قال: «إنكن لأنتن صواحب يوسف! مروا أبا بكر أن يصلي بالناس».

فهذا التخصيص، والتكرير، والتوكيد في تقديمه في الإمامة على سائر الصحابة مع حضور عمر وعثمان وعلى وغيرهم مما بين للأمة تقدمه عنده ﷺ على غيره. وفي الصحيح: أن جنازة عمر لما وضعت جاء علي بن أبي طالب يتخلل الصفوف، ثم قال: لأرجو أن يجعلك الله مع صاحبيك، فإني كثيرًا ما كنت أسمع النبي ﷺ يقول: «دخلت أنا وأبو بكر وعمر، وخرجت أنا وأبو بكر وعمر، وذهبت أنا وأبو بكر وعمر». فهذا يبين ملازمتهما للنبي ﷺ: في مدخله، ومخرجه، وذهابه.

ولذلك قال مالك للرشيد: لما قال له: يا أبا عبد الله، أخبرني عن منزلة أبي بكر، وعمر من النبي ﷺ ؟ فقال: يا أمير المؤمنين، منزلتهما منه في حياته كمنزلتهما منه بعد وفاته، فقال: شفيتني يا مالك. وهذا يبين أنه كان لهما من اختصاصهما بصحبته، ومؤازرتهما له على أمره، ومباطنتهما، مما يعلمه بالاضطرار كل من كان عالمًًًًا بأحوال النبي ﷺ، وأقواله، وأفعاله، وسيرته مع أصحابه.

ولهذا لم يتنازع في هذا أحد من أهل العلم بسيرته وسنته وأخلاقه، وإنما ينفي هذا أو يقف فيه من لا يكون عالمًا بحقيقة أمور النبي ﷺ وإن كان له نصيب من كلام أو فقه أو حساب أو غير ذلك أو من يكون قد سمع أحاديث مكذوبة تناقض هذه الأمور المعلومة بالاضطرار عند الخاصة من أهل العلم، فتوقف في الأمر، أو رجح غير أبي بكر.

وهذا كسائر الأمور المعلومة بالاضطرار عند أهل العلم بسنة رسول الله ﷺ؛ وإن كان غيرهم يشك فيها، أو ينفيها، كالأحاديث المتواترة عندهم في شفاعته، وحوضه، وخروج أهل الكبائر من النار، والأحاديث المتواترة عندهم: في الصفات، والقدر، والعلو، والرؤية، وغير ذلك من الأصول التي اتفق عليها أهل العلم بسنته، كما تواترت عندهم عنه، وإن كان غيرهم لا يعلم ذلك، كما تواتر عند الخاصة من أهل العلم عنه الحكم بالشُّفْعَة، وتحليف المدعى عليه، ورجم الزاني المحصن، واعتبار النِّصَاب في السرقة، وأمثال ذلك من الأحكام التي ينازعهم فيها بعض أهل البدع.

ولهذا كان أئمة الإسلام متفقين على تبديع من خالف في مثل هذه الأصول، بخلاف من نازع في مسائل الاجتهاد التي لم تبلغ هذا المبلغ في تواتر السنن عنه، كالتنازع بينهم في الحكم بشاهد ويمين، وفي القَسامة، والقُرْعَة، وغير ذلك من الأمور التي لم تبلغ هذا المبلغ.

وأما عثمان، وعلىُّ، فهذه دون تلك، فإن هذه كان قد حصل فيها نزاع فإن سفيان الثوري وطائفة من أهل الكوفة، رجحوا عليًًًًا على عثمان، ثم رجع عن ذلك سفيان وغيره. وبعض أهل المدينة توقف في عثمان وعلى، وهي إحدى الروايتين عن مالك، لكن الرواية الأخرى عنه تقديم عثمان على عليٍّ، كما هو مذهب سائر الأئمة؛ كالشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد بن حنبل، وأصحابه، وغير هؤلاء من أئمة الإسلام.

حتى إن هؤلاء تنازعوا فيمن يقدم عليًًًًا على عثمان، هل يعد من أهل البدعة؟ على قولين: هما روايتان عن أحمد. وقد قال أيوب السخْتيَانِيّ، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: من قَدَّمَ عليًًًًا على عثمان فقد أزْرَى بالمهاجرين والأنصار. وأيوب هذا إمام أهل السنة، وإمام أهل البصرة، روى عنه مالك في الموطأ، وكان لا يروى عن أهل العراق . وروى أنه سئل عن الرواية عنه، فقال: ما حدثتكم عن أحد إلا وأيوب أفضل منه. وذكره أبو حنيفة فقال: لقد رأيته قعد مقعدًا في مسجد رسول الله ﷺ، ما ذكرته إلا اقشعر جسمي.

والحجة لهذا ما أخرجاه في الصحيحين وغيرهما، عن ابن عمر؛ أنه قال: كنا نفاضل على عهد رسول الله ﷺ. كنا نقول أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. وفي بعض الطرق يبلغ ذلك النبي ﷺ فلا ينكره.

وأيضا، فقد ثبت بالنقل الصحيح في صحيح البخاري وغير البخاري أن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب لما جعل الخلافة شوري في ستة أنفس؛عثمان، وعلى، وطلحة، والزبير، وسعد، وعبد الرحمن بن عوف ولم يدخل معهم سعيد بن زيد وهو أحد العشرة المشهود لهم بالجنة وكان من بني عدي قبيلة عمر وقال عن ابنه عبد الله: يحضركم عبد الله وليس له في الأمر شيء ووصى أن يصلي صهيب بعد موته، حتى يتفقوا على واحد.

فلما توفي عمر واجتمعوا عند المنبر، قال طلحة: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعثمان. وقال الزبير: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعلي. وقال سعد: ما كان لي من هذا الأمر فهو لعبد الرحمن بن عوف. فخرج ثلاثة وبقى ثلاثة. فاجتمعوا، فقال عبد الرحمن بن عوف: يخرج منا واحد، ويولي واحدًا، فسكت عثمان، وعلى. فقال عبد الرحمن: أنا أخرج. وروى أنه قال: عليه عهد الله وميثاقه أن يولي أفضلهما . ثم قام عبد الرحمن بن عوف ثلاثة أيام بلياليها يشاور المهاجرين والأنصار، والتابعين لهم بإحسان، ويشاور أمهات المؤمنين، ويشاور أمراء الأمصار فإنهم كانوا في المدينة حجوا مع عمر وشهدوا موته حتى قال عبد الرحمن بن عوف: إن لي ثلاثًًًًا ما اغتمضت بنوم. فلما كان اليوم الثالث قال لعثمان: عليك عهد الله وميثاقه، إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عليًًًًا لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. وقال لعلي: عليك عهد الله وميثاقه إن وليتك لتعدلن، ولئن وليت عثمان لتسمعن ولتطيعن؟ قال: نعم. فقال: إني رأيت الناس لا يعدلون بعثمان، فبايعه على، وعبد الرحمن، وسائر المسلمين؛ بيعة رضًا، واختيار من غير رغبة أعطاهم إياها، ولا رهبة خوفهم بها.

وهذا إجماع منهم على تقديم عثمان على علي. فلهذا قال أيوب، وأحمد بن حنبل، والدارقطني: من قدم عليًًًًا على عثمان فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار، فإنه وإن لم يكن عثمان أحق بالتقديم، وقد قدموه، كانوا إما جاهلين بفضله، وإما ظالمين بتقديم المفضول من غير ترجيح ديني. ومن نسبهم إلى الجهل والظلم فقد أزرى بهم.

ولو زعم زاعم أنهم قدموا عثمان ِلضِغْنٍ كان في نفس بعضهم على عليٍّ، وأن أهل الضغن كانوا ذوي شوكة، ونحو ذلك مما يقوله أهل الأهواء، فقد نسبهم إلى العجز عن القيام بالحق، وظهور أهل الباطل منهم على أهل الحق. هذا وهم في أعز ما كانوا، وأقوي ما كانوا، فإنه حين مات عمر كان الإسلام من القوة، والعز، والظهور، والاجتماع والائتلاف فيما لم يصيروا في مثله قط. وكان عمر أعَزَّ أهل الإيمان، وأذل أهل الكفر والنفاق: إلى حد بلغ في القوة والظهور مبلغًًًًا، لا يخفى على من له أدنى معرفة بالأمور.

فمن جعلهم في مثل هذه الحال جاهلين أو ظالمين أو عاجزين عن الحق فقد أزرى بهم، وجعل خير أمة أخرجت للناس على خلاف ما شهد الله به لهم.

وهذا هو أصل مذهب الرافضة، فإن الذي ابتدع الرفض كان يهوديًا أظهر الإسلام نفاقًًًًا، ودس إلى الجهال دسائس يقدح بها في أصل الإيمان؛ ولهذا كان الرفض أعظم أبواب النفاق والزندقة. فإنه يكون الرجل واقفًًًًا، ثم يصير مُفَضِّلًًًًا، ثم يصير سَبَّابًا، ثم يصير غاليا، ثم يصير جاحدًًًًا مُعَطِّلًًًًا؛ ولهذا انضمت إلى الرافضة أئمة الزنادقة من الإسماعيلية والنصيرية، وأنواعهم من القرامطة والباطنية، والدرزية، وأمثالهم من طوائف الزندقة، والنفاق.

فإن القَدْح في خير القرون الذين صحبوا الرسول قَدْحٌ في الرسول عليه السلام كما قال مالك وغيره من أئمة العلم: هؤلاء طعنوا في أصحاب رسول الله ﷺ إنما طعنوا في أصحابه ليقول القائل: رجل سوء كان له أصحاب سوء، ولو كان رجلًًًًا صالحًًًًا لكان أصحابه صالحين.

وأيضا، فهؤلاء الذين نقلوا القرآن، والإسلام، وشرائع النبي ﷺ، وهم الذين نقلوا فضائل علي وغيره فالقدح فيهم يوجب ألا يوثق بما نقلوه من الدين، وحينئذ فلا تثبت فضيلة، لا لعلي، ولا لغيره. والرافضة جهال ليس لهم عقل، ولا نقل ولا دين، ولا دنيا منصورة. فإنه لو طلب منهم الناصبي الذي يبغض عليًا، ويعتقد فسقه أو كفره: كالخوارج وغيرهم أن يثبتوا إيمان علي؛ وفضله: لم يقدروا على ذلك، بل تغلبهم الخوارج. فإن فضائل على إنما نقلها الصحابة الذين تقدح فيهم الرافضة. فلا يتيقن له فضيلة معلومة على أصلهم، فإذا طعنوا في بعض الخلفاء بما يفترونه عليهم من أنهم طلبوا الرياسة، وقاتلوا على ذلك كان طعن الخوارج في علي بمثل ذلك وأضعافه أقرب من دعوى ذلك على من أطيع بلا قتال، ولكن الرافضة جهال متبعون الزنادقة.

والقرآن قد أثنى على الصحابة في غير موضع، كقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ الله عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ} [1]، وقوله تعالى: {لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ أُوْلَئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ الله الْحُسْنَى} [2]، وقال تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ الله وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاء عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاء بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ الله وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الْإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ} [3]، وقال تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ الله عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا} [4]. وقد ثبت في صحيح مسلم عن النبي ﷺ أنه قال: «لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة»، وفي الصحيحين عن أبي سعيد أن النبي ﷺ قال: «لا تَسُبُّوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده، لو أن أحدكم أنفق مثل أُحُد ذهبًا ما بلغ مُدَّ أحدهم ولا نَصِيفَه»، وقد ثبت عنه في الصحيح من غير وجه أنه قال: «خيْرُ القرون القرن الذي بُعِثْتُ فيهم، ثم الذين يَلُونَهُمْ، ثم الذين يَلُونَهُم». وهذه الأحاديث مستفيضة، بل متواترة في فضائل الصحابة، والثناء عليهم، وتفضيل قَرْنِهم على من بعدهم من القرون. فالَقدْحُ فيهم قدح في القرآن، والسنة؛ ولهذا تكلم الناس في تكفير الرافضة بما قد بسطناه في غير هذا الموضع. والله سبحانه وتعالى أعلم.

هامش

  1. [التوبة: 100]
  2. [الحديد: 10]
  3. [الفتح: 29]
  4. [الفتح: 18]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الرابع
كتاب مفصل الاعتقاد | سئل ما قولكم في مذهب السلف في الاعتقاد ومذهب غيرهم من المتأخرين | فصل في كون أهل الحديث أعلم ممن بعدهم وأحكم وأن مخالفهم أحق بالجهل | فصل في أن كل من استحكم في بدعته يرى أن قياسه يطرد | إن الخارجين عن طريقة السابقين الأولين لهم في كلام الرسول ثلاث طرق | لفظ التأويل صار له بسبب تعدد الاصطلاحات ثلاثة معان | فصل في أن الرسل إما أنهم علموا الحقائق الخبرية والطلبية أو لم يعلموها | فصل في قول من قال إن الحشوية على ضربين | فصل في قول المعترض في الرد على الحنابلة | فصل الأقوال نوعان | قال الشيخ الاستدلال بكون الشيء بدعة على كراهيته قاعدة عظيمة عامة | سئل ما الدليل القاطع على تحقيق حق المسلمين وإبطال باطل الكافرين | فصل في طرق المخاطبة | سئل عن الروح هل هي قديمة أو مخلوقة | سئل الشيخ رحمه الله عن حقيقة ماهية الجن | سئل الشيخ رحمه الله عن الجان المؤمنين | قول الشيخ رحمه الله ردا لقول من قال: كل مولود على ما سبق له في علم الله أنه سائر إليه | سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: كل مولود يولد على الفطرة | فصل في ذكر الله الحفظة الموكلين ببني آدم الذين يحفظونهم ويكتبون أعمالهم | سئل شيخ الإسلام هل الملائكة الموكلون بالعبد هم الموكلون دائما | سئل عن قوله صلى الله عليه وسلم: إذا هم العبد بالحسنة فلم يعملها كتبت له حسنة | سئل عن عرض الأديان عند الموت | سئل هل جميع الخلق حتى الملائكة يموتون | فصل في مذهب سائر المسلمين في إثبات القيامة الكبرى | سئل شيخ الإسلام رحمه الله عن الروح المؤمنة | سئل هل يتكلم الميت في قبره | سئل شيخ الإسلام رحمه الله تعالى عن سؤال منكر ونكير الميت إذا مات | سئل عن الصغير وعن الطفل إذا مات هل يمتحن | سئل الشيخ رحمه الله عن الصغير هل يحيا ويسأل أو يحيا ولا يسأل | سئل شيخ الإسلام وهو بمصر عن عذاب القبر | سئل وهو بمصر عن عذاب القبر | سئل بماذا يخاطب الناس يوم البعث | سئل عن الميزان: هل هو عبارة عن العدل أم له كفتان | سئل عن الكفار: هل يحاسبون يوم القيامة أم لا | سئل عن العبد المؤمن هل يكفر بالمعصية أم لا | سئل عن رجل مسلم يعمل عملا يستوجب أن يبنى له قصر في الجنة | سئل عن الشفاعة في أهل الكبائر من أمة محمد صلى الله عليه وسلم | سئل عن أطفال المؤمنين هل يدومون على حالتهم التي ماتوا عليها أم يكبرون ويتزوجون | سئل هل يتناسل أهل الجنة والولدان هل هم ولدان أهل الجنة | سئل عن رجل قيل له: إنه ورد عن النبي أن أهل الجنة يأكلون ويشربون فقال من أكل وشرب بال وتغوط | سئل هل أهل الجنة يأكلون ويشربون وينكحون بتلذذ كالدنيا | فصل أفضل الأنبياء بعد محمد صلى الله عليه وسلم إبراهيم الخليل | سئل فيمن يقول: إن غير الأنبياء يبلغ درجتهم بحيث يأمنون مكر الله | سئل عن رجل قال: إن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام معصومون من الكبائر دون الصغائر | سئل عن رجلين تنازعا في أمر نبي الله عيسى ابن مريم عليه السلام | سئل هل صح عن النبي صلى الله عليه وسلم أن الله تبارك وتعالى أحيا له أبويه حتى أسلما على يديه ثم ماتا بعد ذلك | سئل عن هذه الأحاديث: أن النبي صلى الله عليه وسلم رأى موسى وهو يصلي في قبره | سئل عن الذبيح من ولد خليل الله إبراهيم عليه السلام هل هو إسماعيل أو إسحاق | سئل عن الخضر وإلياس هل هما معمران | سئل هل كان الخضر عليه السلام نبيا أو وليا وهل هو حي إلى الآن | سئل عن النبي صلى الله عليه وسلم هل يعلم وقت الساعة | سئل عن صالحي بني آدم والملائكة أيهما أفضل | سئل عن المطيعين من أمة محمد صلى الله عليه وسلم هل هم أفضل من الملائكة | سئل هل سجد ملائكة السماء والأرض أم ملائكة الأرض خاصة | فصل في التفضيل بين الملائكة والناس | سئل عن خديجة وعائشة أمي المؤمنين أيتهما أفضل | فصل وأفضل نساء هذه الأمة خديجة وعائشة وفاطمة | فصل في نساء النبي صلى الله عليه وسلم | فصل هل أبو بكر وعمر أفضل من الخضر | سئل عن رجلين اختلفا فقال أحدهما أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب أعلم وأفقه من علي بن أبي طالب | سئل عن رجل متمسك بالسنة ويحصل له ريبة في تفضيل الثلاثة على علي لقوله عليه السلام له أنت مني وأنا منك | سئل لا أفضل على علي غيره وإذا ذكرعلي صلى عليه مفردا هل يجوز له أن يخصه بالصلاة دون غيره | سئل عن قول الشيخ أبي محمد عبد الله بن أبي زيد في آخر عقيدته | سئل عما شجر بين الصحابة علي ومعاوية وطلحة وعائشة هل يطالبون به أم لا | فائدة: إن كان المختار الإمساك عما شجر بين الصحابة فلا يجب الاعتقاد بأن كل واحد من العسكر كان مجتهدا متأولا | فصل في أعداء الخلفاء الراشدين والأئمة المهديين | سئل عن إسلام معاوية بن أبي سفيان متى كان | فصل في الطريق التي بها يعلم إيمان الواحد من الصحابة | فصل افترق الناس في يزيد بن معاوية بن أبي سفيان ثلاث فرق | سئل عن جماعة يقولون: إن الدين فسد من حين أخذت الخلافة من علي بن أبي طالب | سئل هل يصح عند أهل العلم: أن عليا رضي الله عنه قاتل الجن في البئر | سئل عمن قال إن عليا قاتل الجن في البئر وأنه حمل على اثني عشر ألفا وهزمهم | سئل عن فاطمة أنها قالت يارسول الله إن عليا يقوم الليالي كلها إلا ليلة الجمعة | سئل عن رجل قال عن علي بن أبي طالب أنه ليس من أهل البيت ولا تجوز الصلاة عليه والصلاة عليه بدعة | سئل أن علي بن أبي طالب قال إذا أنا مت فأركبوني فوق ناقتي وسيبوني | فصل هل كل من صحب النبي صلى الله عليه وسلم أفضل ممن لم يصحبه مطلقا | سئل عن رجلين تنازعا في ساب أبي بكر أحدهما يقول: يتوب الله عليه وقال الآخر لا يتوب الله عليه | سئل عن جماعة اجتمعوا على أمور متنوعة من الفساد وطعنوا في ابن مسعود وروايته | سئل عن رجل يناظر مع آخر في مسألة المصراة فطعن أحدهما في أبي هريرة وروايته | سئل عن فرقة من المسلمين يقرون بالشهادتين ويصومون إلا أنهم يكفرون سابي صحابة النبي