درء تعارض العقل والنقل/46

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: ابن تيمية


كلام أبي الحسين البصري في غرر الأدلة وتعليق ابن تيمية عليه[عدل]

وبالجملة: هذا الموضع هو من أعظم الأصول التي ينبني عليها دليل المعتزلة والجهمية ومن وافقهم على حدوث الأجسام وتنبني عليه مسألة كلام الله تعالى وفعله وخلقه للسماوات والأرض ثم استوائه على العرش وتكلمه بالقرآن وغيره من الكلام وأئمة أهل الحديث والسنة وطوائف من أهل النظر والكلام مع أئمة الفلاسفة تنازعهم في هذا

ثم إنهم والدهرية من الفلاسفة اشتركوا في أصل تفرعت عنه مقالاتهم وهو أن تسلسل الحوادث ودوامها يستلزم قدم العالم بل قدم السماوات والأفلاك فقال الفرقان إذا قدر حادث بعد حادث إلى غير نهاية كان العالم قديما فتكون الأفلاك قديمة

ثم إن الفلاسفة الدهرية كابن سينا وأمثاله قالوا: تسلسل الحوادث ودوامها واجب لإن حدوث الحادث بدون سبب ممتنع فيمتنع أن يكون جنسها حادثا بلا سبب حادث لكل حادث سبب حادث كان الجنس قديما فيكون العالم قديما

وأبو الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة ونحوهم من أهل الكلام قالوا: تسلسل الحوادث ممتنع لأن كل حادث مسبوق بالعدم فيكون الجنس مسبوقا بالعدم فيلزم حدوث كل ما لا يخلو عن الحوادث والأجسام لاتخلو من الحوادث فتكون حادثة

ونفس الأصل الذي اشترك فيه الفريقان باطل وهو أنه يلزم من إمكان تسلسل الحوادث قدم الأفلاك أوقدم العالم أوقدم شيء من العالم

والفلاسفة الدهرية أعظم إقرارا ببطلانه من المعتزلة فإن تسلسل الحوادث ودوامها لا يقتضي قدم أعيان شيء منها ولا قدم السماوات والأفلاك ولا شيء من العالم والفلاسفة يسلمون أن تسلسل الحوادث لايقتضي قدم شيء من أعيانها وأن تسلسلها ممكن بل واجب

فيقال لهم: هب أن الحوادث لم تزل تحدث شيئا بعد شيء فمن أين لكم أن الأفلاك قديمة؟ وهلا جاز أن تكون حادثة بعد حوادث قبلها؟ بل يقال: هذا يبطل قولكم فإنها إذا كانت متسلسلة امتنعت أن تكون صادرة عن علة تامة موجبة فإن العلة التامة لايتأخر عنها شيء من معلولها والحوادث متأخرة فيمتنع صدورها عن علة تامة بوسط أو بغير وسط

وهكذا يقول للمعتزلة منازعوهم يقولون: أنتم موافقون لسائر المسلمين وأهل الملل على أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأنه القديم وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم ومقصودكم بالأدلة بيان ذلك فأي حاجة لكم إلى أن تسلموا للدهرية ما يستظهرون به عليكم؟

وإذا جاز أن يكون الله خلقها وأحدثها بأفعال أحدثها قبل ذلك وكل حادث مسبوق بحادث مع أن ما سوى الله مخلوق مصنوع مفطور حصل مقصودكم

وإذا كان الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا لما يشاء لم يناقض هذا كون العالم مخلوقا له فتكون السماوات والأرض مخلوقة في ستة أيام كما أخبرت بذلك الرسل والله خالق كل شيء وكل ما سواه محدث مسبوق بالعدم

ويقول لهم منازعوهم: أنتم أردتم إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع سبحانه بما جعلتموه شرطا في حدوثه بل وشرطا في العلم بالصانع فكان ما ذكرتموه مناقضا لحدوث العالم وللعلم بحدوثه وللعلم بإثبات الصانع

وذلك أنكم ظننتم أنه لا يتم حدوث السماوات إلا بامتناع حوادث لا أول لها وأن إحداث الله تعالى لشيء من مخلوقاته لا يمكن إلا إذا بقي من الأزل إلى حين أحداث المحدثات لم يفعل شيئا من الأفعال ولا الأقوال بل ولا كان يمكنه عندكم الفعل الدائم ولا أن تكون كلماته دائمة لا نهاية لها في الأزل ثم حين أحداثها هو على ما كان عليه قبل ذلك فحدث من غير تجدد شيء أصلا

فلزمكم القول بترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث الحوادث بلا سبب ولزمكم تعطيل الصانع سبحانه وجحده وسلبه القدرة التامة حيث سلبتم قدرته على جنس الكلام والفعل في الأزل

وقلتم: يجب أن يكون كلامه حادثا بعد أن لم يكن بل أن يكون مخلوقا في غيره لا قائما بذاته أو أنه لايتكلم بمشيئته وقدرته

وقلتم: لا يمكنه أن يحدث شيئا إن لم يمتنع دوام الفعل منه فلا يكون قادرا متكلما إلا بشرط أن لا يكون كان قادرا فاعلا متكلما وقلتم: لا يجوز وجود الحوادث إلا بشرط ألا يحدث لها سبب حادث ولا يترجح أحد طرفي الممكن على الآخر إلا بشرط ألا يكون هناك سبب يقتضي الرجحان فجعلتم شرط حدوث العالم وسائر أفعال الله وكلامه ما يكون نقيضه هو الشرط وبدلتم الفضايا العقلية كما حرفتم الكتب الإلهية ومن هنا طمعت الفلاسفة فيكم وزادوا في الكتب الإلهية تحريفا وإلحادا وصار أصل الأصول عندكم - الذي بنيتم عليه إثباتكم للصانع ولصفاته ولرسله وبه كفرتم أو ضللتم من نازعكم من أهل القبلة أتباع السلف والأئمة ومن غير أهل القبلة - هو قولكم: إذا كان كل واحد من الحدوث له أول استحال ألا يكون لمجموعها أول لأنها ليست سوى آحادها والعقلاء يفرقون بصريح عقولهم بين الحكم والخبر والوصف لكل واحد واحد وبين الحكم والخبر والوصف للمجموع في مواضع كثيرة وأنتم تقولون بإثبات الجوهر الفرد فكل واحد من أجزاء الجسم جوهر فرد عندكم وليس الجسم جوهرا فردا بل المجموع من أفراد وقد ثبت للمجموع من الأحكام ما لا يثبت للفرد

وبالعكس فمجموع الإنسان إنسان وليس كل عضو منه إنسان وكذلك كل من الشمس والقمر والشجر والثمر وغير ذلك من الأجسام المجتمعة لها حكم ووصف لا يثبت لأجزائها والإنسان حي سميع بصير متكلم وليس كل واحد من أبعاضه كذلك فلم يجب إذا كان النوع والمجموع دائما باقيا أن يكون كل من أفراده دائما؟

والأمور المقدارية والعددية كالكرات والدوائر والخطوط والمثلثات والمربعات والألوف والمئات كلها يثبت لأجزائها من الحكم ما لا يثبت لمجموعها وبالعكس فإذا وصف الشيء بأنه دائم أو طويل أو ممتد لم يلزم أن يكون كل واحد من أجزائه أو أفراده كذلك

قال تعالى في الجنة: { أكلها دائم وظلها } الرعد: 35 ومعلوم أن كل جزء من أجزاء الأكل والظل يفني وينقضي والجنس دائم لا يفنى ولا ينقضي ولا توصف الأجزاء بما وصف به الكل

قال تعالى: { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } ص: 54 فأخبر عن الجنس أنه لا ينفد وأن كل واحد من أجزائه ينفد

ويقال للزمان والحركات في الأجسام: إنها طويلة ممتدة ولا يقال للصغير من أجزائها: إنه طويل ممتد فيكون الرب لم يزل ممتلكا إذا شاء أولم يزل فاعلا لما يشاء هو بمعنى كونه لم يزل متكلما فعالا وبمعنى دوام كلامه وفعاله لا يستلزم أن كل واحد من الأفعال دائم لم يزل

فإن قلتم: الحادث من حيث هو حادث يقتضي أنه مسبوق بغيره كما أن الممكن من حيث هو ممكن يقتضي الافتقار إلى غيره والمحدث هو من حيث هو محدث يقتضي الاحتياج إلى غيره فكما أن الممكنات - مفردها ومجموعها - يلزم أن تكون مفتقرة إلى الفاعل وكذلك المحدثات فكذلك الحوادث - مفردها ومجموعها - يقتضي أن تكون مسبوقة بالغير

وهذا من جنس قولهم: الحركة من حيث هي تقتضي كونها مسبوقة بالغير لأن أجزاءها متعاقبة لا مجتمعة

قال لكم منازعوكم: هذا لفظ مجمل مشتبه وعامة حججكم وحجج غيركم الباطلة مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة مع إلغاء الفارق ويأخذون اللفظ المجمل المشتبه من غير تمييز لأحد معنييه عن الآخر فبالاشتراك والاشتباه في الألفاظ والمعاني ضل كثير من الناس

وذلك أن قولهم: الحادث - من حيث هو - يقتضي أنه مسبوق بغيره أو الحركة - من حيث هي - تقتضي أن تكون مسبوقة بالغير

يقال لكم: الحادث المطلق لاوجود له إلا في الذهن لا في الخارج وإنما في الخارج موجودات متعاقبة ليس مجتمعة في وقت واحد كما تجتمع الممكنات والمحدثات المحدودة والموجودات والمعدومات فليس في الخارج إلا حادث بعد حادث فالحكم إما على كل فرد فرد وإما على كل جملة محصورة وإما على الجنس الدائم المتعاقب

فيقال لكم: أتريدون بذلك أن كل حادث فلا بد أن يكون مسبوقا بغيره أو أن الحوادث المحدودة لا بد أن تكون مسبوقة أو أن الجنس لا بد أن يكون مسبوقا؟

أما الأول والثاني فلا نزاع فيهما وأما الثالث فيقال: أتريدون به أن الجنس مسبوق بعدمه أم مسبوق بفاعله بمعنى أنه لا بد من محدث؟ الثاني مسلم والأول محل النزاع

وكذلك في الحركة: إن قلتم: إن الحركة المعينة مسبوقة بأخرى أو بعدم فهذا لا نزاع فيه وإن قلتم: إن نوعها مسبوق بالعدم فهذا محل النزاع

وذلك أن معظم ما اعتمدوا عليه قولهم: الحركة من حيث هي حركة تتضمن المسبوقة بالغير فإن الحركة تحول من حال إلى حال فإحدى الحالتين سابقة للحال الأخرى فلا تعقل حركة إلا مع سبق البعض على البعض وكل ما كان مسبوقا بغيره لم يكن أزليا فالحركة يمتنع أن تكون أزلية فيقال لهم: قولكم: الحركة تستلزم المسبوقة بالغير سبق بعض أجزائها على بعض وهو المعنى الذي دللتم عليه؟ أم تريدون أنها مسبوقة بالعدم أم مسبوقة بالفاعل؟

أما الأول وهو الذي دللتم عليه فإنه يقتضي نقيض قولكم وهو يقتضي أن الحركة لم يزل نوعها موجودا لأن كل ما هو حركة مسبوق بما هو حركة وكل حال تحول إليه المتحرك فهو مسبوق بحال أخرى وتلك الحال مسبوقة بأخرى فكان ما ذكرتموه دليلا على حدوث الحركة كما أنه يدل عل حدوث أعيان الحركة وأجزائها فهو يدل على دوام نوعها وهو نقيض قولكم

فكان ما ذكرتموه حجة في محل النزاع إنما يدل على مواقع الإجماع وهو في محل النزاع حجة عليكم لا لكم وحينئذ فيقول المنازع: نحن نقول بموجب دليلكم وهو حجة عليكم وإن أردتم أن مسمى الحركة مسبوق بالعدم فلم تذكروا على هذا دليلا أصلا وهو مورد النزاع

وإن أردتم أنه مسبوق بالفاعل فهذا أيضا يراد به أن كل جزء منها مسبوق بالفاعل ويراد به أن جنسها سبقه الفاعل سبقا انفصاليا وإن لم يقيموا دليلا على هذا فكان ما ذهبتم إليه لم تقيموا دليلا عليه وما أقمتم عليه دليلا لا يدل على قولكم بل على نقيضه

ولذلك يقال لخصومهم الفلاسفة: أنتم لم تقيموا دليلا عل قدم شيء من العالم بل عامة ما أقمتموه من الأدلة يستلزم دوام الفاعلية وهذا يدل على نقيض قولكم فإنه يقتضي أنه لم يزل يفعل والمفعول لا يكون إلا ما حدث عن عدمه

وأما قدم شيء من العالم فلا دليل لكم عليه بل دليلكم يدل على نقيضه فإنه لو كان المفعول مقارنا للفاعل لزم ألا يحدث في العالم شيء والطائفتان جميعا أصل قولها الكلام في الحركة فهؤلاء يقولون: يمتنع أن تكون الحركة دائمة فلا بد أن يكون جنس الحركة حادثا عن غير سبب حادث

وهؤلاء يقولون بل جنس الحركة يمتنع أن يكون حادثا فيمتنع أن تحدث الحركة لا من حركة والزمان مقدار الحركة فيجب قدم نوعه ثم قالوا: ولا حركة فوق حركة الفلك ولا قبلها إلا مقدار هذه الحركة فتكون هذه الحركة وزمانها أزليين

فيقال لهم: من أين لكم أنه لا حركة قبل حركة الفلك ولا فوقها؟ وهل هذا إلا قول بلا علم ونفي لما لم تعلموا نفيه وتكذيب لما لم تحيطوا بعلمه ولما يأتيكم تأويله؟

ثم قولكم بأنه لا حركة إلا هذه الحركات مع أنه لا أول لها ولا آخر وهذا كذلك وهذا أكثر من ذلك بأضعاف مضاعفة

قالوا: فالجسم يمتنع أن يتحرك حركة لا تتناهى كما ذكر ذلك أرسطو لأن الجسم ينقسم فتكون حركة الجزء مثل حركة الكل لا تتناهى وهذا ممتنع: يمتنع أن يكون الجزء مثل الكل

قيل لهم: بل هذا الذي ذكره أرسطو وتلقيتموه بالقبول يدل على نقيض مقصوده ومقصودكم فإن الجسم إذا قامت به حركة فحركة مجموع الجسم أكبر من حركة بعضه في المكان وهذا غير ممتنع عند أحد من العقلاء فليس حركة الجزء مثل حركة الكل ولكن كلاهما لا يتناهى بعضه أكثر من بعض في الزمان وما لا يتناهى لا يكون شيء أكبر منه

فهذا يدل على فساد قولكم لأنكم تقولون: إن حركة المحيط أعظم من الحركة المختصة بفلك الشمس والقمر وغيرهما وكلاهما لا يتناهى فهذا الذي ذكرتموه في حركة الجسم الواحد يستلزم بطلان قولكم في حركة الجسمين وأما الجسم الواحد فإن قولكم فيه ينبني على أنه يتبعض وأن حركته متبعضة حتى يقال: إن بعضه يساوي كله في عدم النهاية وهذا ممتنع بل هي حركة واحدة لا أول لها ولا آخر ولا امتناع في ذلك

ويقال للمتكلمين: إن قلتم: إنه مسبوق بالمحرك بمعنى أنه لا بد للحركة من محرك فهذا أيضا مسلم لكن قولكم: إن المحرك لا يجوز أن يحرك شيئا حتى تكون الحركة ممتنعة عليه أولا ثم تصير ممكنة من غير تجدد شيء فتنقلب من الامتناع إلى الإمكان من غير حدوث سبب أصلا ولا يجوز أن يحدث شيئا حتى يحدثه بلا سبب حادث أصلا

هذا هو الذي ينازعكم فيه جمهور المسلمين وغيرهم ويقولون لكم: لم ينزل الله قادرا على الفعل والقدرة عليه مع امتناع المقدور جمع بين النقيضين فإن القدرة على الشيء تستلزم إمكانه فكل ما هو مقدور للرب تعالى فلا بد أن يكون ممكنا لا ممتنعا

ويقولون: إذا قلتم: لم يكن قادرا على الفعل ثم صار قادرا لأن الفعل لم يكن ممكنا ثم صار ممكنا فما الموجب لهذا التجدد والتغير؟

فإن قلتم: حدث ذلك بلا سبب كان هذا أعجب من قولكم الأول إذا كان القادر بصير قادرا بعد أن لم يكن من غير تجدد شيء أوجب قدرته

وإن قلتم ما ذكره أبو الحسين: المعقول من الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم فيمتنع وجوده في الأزل

قيل لكم: إن الفاعل لا يكون فاعلا حتى يحصل الشيء عن عدمه فلا يكون الفعل نفسه أو المفعول نفسه قديما لكن لم قلتم: إنه يشترط في الفعل المعين عدم غيره؟ ولم قلتم: إنه لا يكون فاعلا لهذه السموات والأرض حتى لا يكون قبل ذلك فاعلا أصلا ولا يكون فاعلا حتى يكون جنس الفعل منه معدوما بل ممتنعا؟ فهذا غير واجب في المعقول بل المعقول يعقل أنه حصل الشيء عن عدم

وإن كان قبل تحصيله حصل غيره عن عدم وهم قد يقولون: كان في الأول قادرا على الفعل فيما لم يزل وهذا كلام متناقض فإنه في حال كونه قادرا لم يكن الفعل ممكنا له عندهم

فحقيقة قولهم: كان قادرا حين لم يكن قادرا فإن القادر إنما يكون قادرا على ما يمكنه دون ما لا يمكنه فإذا كان الفعل في الأزل - وهو الفعل الدائم أي الذي يدوم جنسه - غير ممكن له مقدورا له فلا يكون قادرا عليه

وهذا مما أنكره المسلمون على هؤلاء المتكلمين وكان هذا من أسباب لعنة بعضهم على المنابر

ويقال لهم: مقصودكم الأول نصر الإسلام والرد على مخالفيه وليس في كتاب الله ولا سنة رسوله ولا عن أحد من السابقين الأولين والتابعين لهم بإحسان هذا القول الذي أحدثتموه وجعلتموه أصل دين المسلمين ليس فيه أن الرب لم يزل لا يفعل شيئا

ولا يتكلم بشيء ولا يمكنه ذلك ثم إنه بعد تقدير أزمنة لا نهاية لها فعل وتكلم وإنه

صار ممكنا من الفعل والكلام بعد أن لم يكن متمكنا بل القرآن والسنة وكلام الصحابة والتابعين يناقض ما ذكرتموه فكان ما ابتدعتموه من الكلام الذي ادعيتم أنه أصل الدين مخالفا للسمع والعقل ثم إنه صار من تقلدكم ينقل عن المسلمين واليهود والنصارى أن هذا قولهم

ولا يعرف هذا القول عن أحد من الأنبياء ولا أصحابهم بل المعروف عنهم يناقض ذلك ولكن الثابت عند الأنبياء أن كل ما سوى الله مخلوق حادث بعد أن لم يكن خلاف قول الفلاسفة الذين يقولون: إن الأفلاك أو العقول أو النفوس أو شيئا غير ذلك مما سوى الله قديم أزلي لم يزل ولا يزل

ويقال: قول القائل: الفاعل هو المحصل للشيء عن عدم أتريد به الفاعل للشيء المشار إليه أنه لا يكون فاعلا له إلا إذا حصله عن عدم؟ أم تريد به أنه لا يكون الفاعل في نفسه فاعلا لشيء حتى تكون فاعليته ممتنعة ثم صارت ممكنة؟

أما الأول فمسلم والثاني ممنوع وسبب ذلك الفرق بين الفعل ونوعه فإذا لم يعقل فاعل لمعنى إلا بعد عدمه لم يلزم ألا يعقل كون الفاعل فاعلا إلا بعد أن لم يكن فاعلا بل العقل لا يعقل حدوث فاعلية بلا سبب

تابع كلام أبي الحسين البصري[عدل]

قال أبو الحسين البصري: فإذا ثبت حدوث العالم فالدلالة على أن له محدثا هي أنه لا يخلو أن يكون حدث وكان يجوز أن لا يحدث أو كان يجب أن يحدث فلو حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه على حال إذا كان حدوثه واجبا في نفسه وإن حدث مع جواز ألا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه ويستدل على أنه عالم قادر فصح قولنا

قال: واستدل شيوخنا على أن الأجسام تحتاج إلى محدث بأن تصرفنا يحتاج إلى محدث لأجل أنه محدث فحدوث كل محدث يحوجه إلى محدث فإذا كانت الأجسام محدثة احتاجت إلى محدث والدلالة على حاجة تصرفنا إلى محدث هو أنه لو حدث بنفسه من غير محدث لحدث 0 وإن كرهناه أو كنا ممنوعين منه فلما وقع بحسب قصدنا وانتفى بحسب كراهتنا علمنا أنه محتاج إلينا 0

قال: والدليل على أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه أنه إما أن يحتاج إلينا لحدوثه أو لبقائه أو لعدمه احتاج إلينا لبقائه لوجب ألا يبقى البناء إذا مات الباني 0 ولا يجوز أن يحتاج إلينا لعدمه لأن تصرفنا كان معدوما قبل وجودنا وقبل كوننا قادرين 0 فصح أنه يحتاج إلينا ليحدث ولإن حدوثه هو المتجدد بحسب قصدنا وإرادتنا وهو الذي لا يتجدد إذا كرهناه 0 فعلمنا أنه يحتاج إلينا لأجل حدوثه

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: فهذا أصل أصول القوم الذي بنوا عليه دينهم الصحيح والفاسد فإن الإقرار بوجود الصانع تعالى وأنه حي عالم قادر ونبوة نبيه ﷺ حق لا ريب فيه وأما نفيهم صفات الرب تعالى ودعواهم أنه لم يتكلم بكلام قائم به ولا يرى لا في الدنيا ولا في الآخرة ونحو ذلك فهو من دينهم الفاسد

وهذه الطريقة هي التي سلكها ابن عقيل إذا مال إلى شيء من أقوال المعتزلة فإنه كان قد أخذ عن أبي علي بن الوليد وأبي القاسم بن التبان وكانا من أصحاب أبي الحسين البصري ولهذا يوجد في كلامه نصر كلامهم تارة وإبطاله أخرى فإنه كان ذكيا كثير الكلام والتصنيف فيوجد له من المقالات المتناقضة بحسب اختلاف حاله كما يوجد لأبي حامد والرازي وأبي الفرج بن الجوزي وغيرهم

وابن الجوزي يقتدي به فيما يدخل فيه من الكلام مثل كلامه في منهاج الأصول وفي كف التشبيه ونحو ذلك

ولهذا يوجد في كلام هؤلاء من نفي الصفات الخبرية ومنعهم أن تسمى الآيات والأحاديث آيات الصفات وأحاديث الصفات بل آيات الإضافات ونصوص الإضافات ونحو ذلك من الكلام الموافق لأقوال المعتزلة ما يبين به أن الأشعري وأئمة أصحابه من المثبتين للصفات الخبرية ونحو ذلك أقرب إلى السنة والسلف والأئمة كأحمد بن حنبل وغيره من كلام هؤلاء الذي مالوا في هذا إلى طريقة المعتزلة

وهذه الطريقة التي سلكها أبو الحسين في إثبات أن المحدث لا بد له من حادث هي طريقة أبي المعالي وابن عقيل في كثير من كلامهم وغيرهم

والقاضي أبو بكر يذكر ما يشبهها في الأصلين من استدلاله على افتقار المحدث إلى محدث بالتخصيص والاستدلال على ذلك بالقياس

والأشعري أحسن استدلالا منه مع أنهم كلهم سلكوا سبيل المعتزلة في هذا الأصل وسلموا كلامهم وهي طريقة أثبتوا فيها الجلي بالخفي وأرادوا بها إيضاح الواضح كمن يقرر القضايا البديهية بقضايا نظرية يسندها إلى قضايا أخرى بديهية وذلك العلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين في العقل من العلم بأن ما جاز حدوثه لم يكن بالحدوث أولى من ألا يحدث لولا شيء اقتضى حدوثه وبأن ما وجب حدوثه وجب في كل حال

فإن هذه القضايا وإن كانت حقا وهي ضرورية فالعلم بأن المحدث لا بد له من محدث أبين منها والعقل يضطر إلى التصديق بهذه أعظم مما يضطر إلى التصديق بتلك وتصور طرفي هذه القضية أبده في العقل من تصور تلك ولا تعرض هذه القضية وتلك على سليم الفطرة إلا صدق بهذه قبل تلك

وهذا كقول أبي المعالي ومن وافقه على طريقة إذا أثبت حدوث العالم: فالحادث جائز وجوده وكل وقت صادفه كان من المجوزات تقدمه عليه بأوقات ومن الممكنات استئخار وجوده عن وقته بساعات فإذا وقع الوجود الجائز بدلا عن استمرار العدم المجوز قضت العقول ببداهتها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع وذلك - أرشدك الله - مستبين على ضرورة لا حاجة فيه إلى سبر الغير والتمسك فيه بسبيل النظر

ثم إذا وضح اقتضاء الحادث مخصصا على الجملة فلا يخلو ذلك المخصص من أن يكون موجبا وقوع الحدوث بمنزلة العلة الموجبة معلولها وإما أن تكون طبيعة كما صار إليه الطبائعيون وباطلا أن يكون جاريا مجرى العلل فإن العلة توجب معلولها على الاقتران فلو قدر المخصص علة لم يخل من أن تكون قديمة أو حادثة فإن كانت قديمة فيجب أن يجب وجود العالم أزلا وذلك يفضي إلى القول بقدم العالم وقد أقمنا الدلالة على حدثه وإن كانت حادثة افتقرت إلى مخصص ثم يتسلسل القول في مقتضى المقتضي

ومن زعم أن المخصص طبيعة فقد أحال فيما قال فإن الطبيعة عند مثبتها توجب أثرها إذا ارتفعت الموانع فإن كانت الطبيعة قديمة فلتقتض قدم العالم وإن كانت حادثة فلتكن مفتقرة إلى مخصص

قال: وإذا بطل أن يكون مخصص العالم علة أو طبيعة موجبة بنفسها لا على اختيار فتعين بعد ذلك القطع بأن مخصص الحوادث فاعل لها على الاختيار مخصص إيقاعها ببعض الصفات والأوقات قلت: فهذه الطريقة هي من جنس طريقة أبي الحسين كما ترى وهي من جنس طريقة القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى وابن عقيل وغيرهم ومعلوم لكل ذي فطرة سليمة أن العلم بأن الحادث لا بد له من محدث أبين من العلم بأن التخصص لا بد له من مخصص فإنه ليس التخصص إلا نوعا من الحوادث فإنهم لا يريدون بذلك أن كل تخصيص سواء كان محدثا أو قديما لا بد له من مخصص فاعل له على الاختيار فإن القديم يمتنع عندهم أن يكون له فاعل فلم يبق إلا التخصص الحادث فيكون المعنى أن كل تخصيص حادث لا بد له من مخصص فاعل مختار

والتخصص الحادث إما أن يكون مساويا للحادث في العموم والخصوص أو يكون أخص منه فإن كان مساويا له كان هذا بمنزلة أن يقال: المفعول الحادث والمتجدد الحادث وما أشبه ذلك وإن كان أخص منه كان استدلالا على أن كل محدث لا بد له من محدث لأن هذا النوع من الحادث لا بد له من محدث

ثم إن هذا النوع هو المطلوب إثباته بالدليل فيكون استدلالا على هذا النوع بالجنس ثم استدلالا على الجنس بذلك النوع فيكون استدلالا بالشيء على نفسه

لكن يقال من جهتهم: التخصص وإن كان مساويا للحدوث في العموم والخصوص فجهة كونه تخصيصا غير جهة كونه حدوثا وهم استدلوا بما فيه من التخصيص وإن كان مشروطا بالحدوث على أنه لا بد له من مخصص

فيقال: هذا صحيح لكن عليه سؤالان: أحدهما أن جهة كونه حدوثا أدل على المحدث من جهة دلالة كونه مخصصا على المخصص فإنه لو قال لهم قائل: لا نسلم أن التخصص لا بد له من مخصص لم يكن لهم جواب إلا ما هو دون جوابهم لمن قال: لا نسلم أن المحدث لا بد له من محدث

وإذا كان قد قال: إن ما جاز تقدمه وتأخره فإذا وقع وجوده بدلا عن عدمه قضت العقول ببدائهها بافتقاره إلى مخصص خصصه بالوقوع فلأن يقال: ما حدث بعد أن لم يكن فإن العقول تقضي ببدائهها بافتقاره إلى محدث أحدثه أولى وأحرى فإن العلم بافتقاره المحدث إلى محدث أبين من العلم بافتقار المخصص إلى المخصص وافتقار ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر إلى مرجح

السؤال الثاني: أن يقال لهؤلاء كلهم ك أبي الحسين ومن وافقه: هذه المقدمة التي بنيتم عليها إثبات الصانع تعالى تناقضهم فيها فإن حاصلها أن الممكن لا يترجح أحد طرفيه على الآخر إلا بمرجح أو لا يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح

فإن هؤلاء يقولون: إذا حدث مع جواز أن يحدث وأن لا يحدث لم يكن بالحدوث أولى من أن لا يكون والآخرون يقولون إذا تخصص بوقت دون وقت مع تشابه الأوقات أو بقدر دون قدر لم يكن تخصيصه بأحدهما أولى من الآخر إلا بمخصص والأول ينبني على أنه قد استوى بالنسبة إلى ذاته الحدوث وعدمه فيفتقر إلى مرجح للحدوث والثاني ينبني على أن الأزمنة والمقادير والصفات مستوية فلا بد من مخصص يخصص أحدهما بالوقوع فيه وكل هذا مبني على أن الأمرين المتساويين في الإمكان لا يترجح أحدهما إلا بمرجح وهذا حق في نفسه لكنهم نقضوه حيث قالوا: إن هذه المحدثات والتخصيصات تقع بلا سبب يقتضي حدوثها ولا اختصاصها

فإنهم وإن أثبتوا فاعلا لكن يقولون: إن نسبة قدرته وإرادته إلى جميع الممكنات سواء وأنه حدثت الحوادث بلا سبب حادث أصلا بل حال الفاعل قبل الفعل وحين الفعل سواء ومعلوم أن هذا تصريح برجحان الممكن بلا مرجح تام

وهؤلاء يقولون: القادر المختار يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وهذا هو أصل قول القدرية وهو أصل قول الجهمية الجبرية القدرية أخرجوا به أفعال الحيوان أن تكون مخلوقة لله وقالوا: إن العبد قادر مختار فترجح الفعل على الترك بال مرجح

وقالوا: إن ما أنعم الله به على أهل الإيمان والطاعة مما يؤمنون به ويطيعون هو مثل ما أنعم به على أهل الكفر والمعصية فإن أرسل الرسل إلى الصنفين وأقدر الصنفين وأزاح علل الصنفين وفعل كل ما يمكن من اللطف الذي يؤمن عنده الصنفان بمنزلة من أعطى أبنيه مالا بالسوية ثم قالوا: إن المؤمن فعل الطاعة من غير نعمة خصه الله بها تعينه على الإيمان والكافر فعل الكفر من غير سبب من الله وهذا القول مخالف للشرع والعقل فإن الله بين ما خص به المؤمنين من نعمة الإيمان في غير موضع كقوله تعالى: { ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون }

والقدرية يقولون: إن هذا خطاب لجميع الخلق وليس الأمر كذلك بل هو خطاب للمؤمنين كما قال: { أولئك هم الراشدون } وكما قال قبل ذلك: { يا أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين * واعلموا أن فيكم رسول الله لو يطيعكم في كثير من الأمر لعنتم ولكن الله حبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم }

فهذا خطاب للمؤمنين لا لجميع الناس

وأيضا فإن العبد إذا كان قادرا على الطاعة والمعصية فلو لم يحدث سبب يوجب وقوع أحدهما دون الآخر للزم الترجيح بلا مرجح وذلك السبب إن كان من العبد فالقول فيه كالقول في الفعل فلا بد أن يكون السبب الحادث الموجب للترجيح من غير العبد والسبب الذي به وقعت الطاعة نعمة من الله خص بها عبده المؤمن

ثم إن القدرية من المعتزلة وغيرهم بنوا على هذا أن الرب لم يكن يتكلم ولا يفعل ثم خلق الكلام والمفعولات بغير سبب اقتضى الترجيح وأما المثبتون للقدر من الجهمية ونحوهم فخالفوهم في فعل العبد وقالوا إنه لا يترجح أحد مقدوريه على الآخر إلا بمرجح ووافقوهم في فعل الله

ولهذا يوجد كلام الرازي - ونحوه من هؤلاء - متناقضا في هذا الأصل فإذا ناظروا القدرية استدلوا على أن القادر لا يرجح مقدورا إلا بمرجح وإذا أرادوا إثبات حدوث العالم وردوا على الدهرية بنوا ذلك على أن القادر يرجح أحد مقدوريه على الآخر بلا مرجح وقالوا: إن ترجيح أحد طرفي الممكن على الآخر بغير مرجح يصح من القادر المختار ولا يصح من العلة الموجبة وادعوا الفرق بين الموجب بالذات وبين الفاعل بالإختيار في هذا الترجيح

وهذا حقيقة قول القدرية لكن جهم نفسه نفى كون العبد قادرا ونفى أن يكون له قدرة على فعل وحينئذ إذا قال: إن القادر المختار يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح لم ينتقض قوله بناء على أصله الفاسد

والأشعري وغيره ممن يقول: إن العبد كاسب وله قدرة ويقولون: ليس بفاعل حقيقة ولا لقدرته تأثير في المقدور إن حصل فرق معنوي بين قولهم وقول جهم احتاجوا الى الفرق بين فعل الرب وفعل العبد وإلا كانوا مثل جهم

وأما جمهور المثبتين للقدر الذين يقولون: للعبد قدرة وفعل وهذا قول السلف والأئمة فعندهم أن العبد فاعل قادر مختار وهو لا يرجح أحد مقدوريه على الآخر إلا لمرجح

والرازي يميل إلى قول هؤلاء ويثبت للعبد قدرة وداعيا وأن مجموعهما يستلزم وجود الفعل

فهؤلاء الطوائف من الكلابية والكرامية والأشعرية ومن وافقهم من أهل الحديث والفقه وغيرهم وإن خالفوا المعتزلة بقدر فهم يشاركونهم في الأصل الذي بنى أولئك قولهم في القدر عليه وهم يناظرون الفلاسفة القائلين بالموجب بالذات وأهل الطبع القائلين بأن فاعل العالم علة تامة أزلية تستلزم معلولها

وهذا القول أشد فسادا فإن حقيقة القول هؤلاء أنه ليس لحوادث العالم محدث كما أن حقيقة قول القدرية أنه ليس لفعل الحيوان محدث فما قاله القدرية في فعل الحيوان قاله هؤلاء في جميع حوادث العالم لأن العلة التامة المستلزمة لمعلولها لا يصدر عنها حادث لا بوسط ولا بغير وسط

فهؤلاء شبهوا فعله بفعل الجمادات مع تناقضهم وتقصيرهم في ما جعلوه فعل الجمادات والقدرية شبهوا فعله بفعل الحيوانات مع تناقضهم وتقصيرهم فيما جعلوه فعل الحيوانات ثم المثبتين للقدر من الكلابية وغيرهم يخالفون المعتزلة في إثبات القدر وفي بعض مسائل الصفات ويجعلون المخصص هو الإرادة القديمة التي نسبتها إلى جميع المرادات سواء وقالوا: إن من شأن الإرادة أن تخصص أحد المثلين عن الآخر بلا سبب ولهذا بنوا أصولهم على أن التخصيص بأحد الوقتين لا بد له من مخصص

ثم كلام أبي الحسين وأمثاله أحذق من كلام هؤلاء من وجه وأنقص من وجه فإنه من حيث جعل نفس وجود الحدوث بدلا عن العدم مع جواز أن لا يحدث دليلا على المقتضي لحدوثه كلامه أرجح من كلام من جعل الدليل هو التخصيص بوقت دون وقت فإن نفس الحدوث فيه من التخصيص ما يستغنى به عن نسبة الحادث إلى الأوقات

وأما كونه أنقص فإنه متناقص من وجه آخر وذلك أنه قال: لو حدث مع وجوب أن يحدث لم يكن بأن يحدث في تلك الحال أولى من أن يحدث من قبل فلا يستقر حدوثه على حال إذا كان حدوثه واجبا فإنه بعد أن يتجاوز عن أن نفس الحدوث يستلزم المحدث ولو قدر واجبا يقال له: إذا قدرت الحدوث واجبا فلم لا يجوز أن يكون حدوثه في حال أولى منه في حال أخرى ويكون واجبا في تلك الحال دون غيرها؟

فإن قال: لأن الأحوال مستوية

قيل له: الأحوال مستوية سواء قدر أن الحدوث واجب أو جائز فلا بد من مخصص سواء قدر الحدوث واجبا أو جائزا

وإن قال: إن الواجب لا يختص بحال دون حال خلاف الجائز

قيل: هذا حق فيما وجب بنفسه لكن ليس العلم به بأبين من العلم يكون الحادث لا يحدث بنفسه بل يحتاج ذلك إلى مزيد بيان وإيضاح أكثر من هذا لأنه قد تقدم تقريره بأن القديم واجب الوجود في كل حال فإنه موجود في الأزل فلا يجوز أن يكون وجوده على طريق الجواز ولا بالفعل فتعيين أن يكون واجبا ولم يقرر أن الواجب لا يختص بوقت دون وقت

فإن قال: هذا بين معروف بنفسه معلوم بالضرورة

قيل له: إذا عرضنا على عقول العقلاء: أن الواجب: هل يكون واجبا في وقت دون وقت؟ وأن الحادث: هل يحدث بنفسه كان ردهم لهذا الثاني أعظم من ردهم لذاك فلا يقرر الأبين بالأخفى

وأيضا فهذا أرجح من ذاك من وجه آخر وذلك أن الفلاسفة الدهرية الإلهين من المتأخرين ك ابن سينا وغيره يقولون: إن الواجب قد يكون قديما وهو واجب بغيره فالواجب بغيره عندهم قد لا يكون محدثا مع كونه مفتقرا إلى مخصص موجب فإذا عرف افتقاره إلى موجب لم يلزم على قولهم أن يكون له محدثا ولم يقل أحد من هؤلاء: إن المحدث يكون بغير محدث ومن قال هذا فإنه لا ينكر افتقار المخصص إلى مخصص فحينئذ فمن أقر بالمحدث أقر بالمخصص من غير عكس وما دل على المحدث دل على المخصص بالاتفاق وفي العكس نزاع

وأيضا فلو نازعه منازع في أن ما وجب حدوثه يجوز أن يحدث في وقت دون وقت وقال: هذا كما تقول أنت: إن القادر يخصه بوقت دون وقت لاحتاج إلى جواب

فإن قال: القادر له أن يرجح أحد مقدوريه بلا مرجح كالجائع والهارب

قال له المعترض: فهذا الترجيح واجب أو جائز؟

فإن قال: واجب

قال: فلم اختص بوقت دون وقت؟

وإن قال: جائز

قال: فحدوثه مع جواز أن لا يحدث يفتقر إلى ترجيح آخر وإلا لم يكن بالحدوث أولى

وإن قال: العلم بأن الواجب بنفسه لا يختص بزمان دون زمان ضروري

قال المعترض: والعلم بأن الحادث لا بد له من محدث علم ضروري

فإن زعم أن هذا ليس بضروري بل نظري أمكن المعترض أن يقابله ويقول: العلم بأن الواجب لا يختص نظري لا ضروري

والمقصود هنا التنبيه على أصول هؤلاء التي هي عمدتهم وعليها بنوا دينهم الحق وما أدخلوا فيه من البدع وأن ذلك إما أن يكون باطلا وإما أن يكون حقا طولوه بما لا ينفع بل قد يضر واستدلوا على الجلي بالخفي بمنزلة من يحد الشيء بما هو أخفى منه

وإذا كانت الحدود والأدلة إنما يراد بها البيان والتعريف والدلالة والإرشاد فإذا كان المعروف المعلوم في الفطرة ويجعل خفيا يستدل عليه بما هو أخفى منه أو يدفع ويذكر ما هو نقيضه ومخالفه وكانت هذه طرق السلف والأئمة التي دل عليها الكتاب والسنة وهي الطرق الفطرية العقلية اليقينية الموافقة للنصوص الإلهية - تبين أن من عارض تلك الطرق الشرعية - معقولها ومنقولها - بمثل هذه الطرق البدعية بل عدل عنها إليها كان في ضلال مبين كما هو الواقع في الوجود والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: { والله يدعو إلى دار السلام ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم }

وأما طريق شيوخ المعتزلة التي ذكرها أبو الحسين وعدل عنها فهي أبعد وأطول والأسولة عليها أكثر كما لا يخفى ذلك مع أن هذه الطرق لم تتضمن كذبا ولا باطلا من جهة أنها إخبار بالشيء على خلاف ما هو عليه أو من جهة أنها قضايا كاذبة بل من جهة الاستدلال على الشيء بما هو أخفى منه بخلاف كلامهم في الترجيح بل مرجح والحدوث بلا سبب وإبطال دوام الحوادث فإن منازعيهم يقولون: كلامهم في ذلك من نوع الكذب الباطل وإن لم يعتمدوا الكذب كسائر المقالات الباطلة

وهاتان الطريقتان اللتان ذكرهما أبو الحسين عنه وعن شيوخه هما اللتان اعتمد عليهما كثير من المثبتين للصفات الذين استدلوا بطريقة الأعراض والحركات على حدوث الأجسام كالقاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى في المعتمد ) وغيرهما فإنهم سلكوا هذه الطريق فأثبتوا وجودها وأن الأجسام لا تخلو عنها وأنها لا تبقى زمانين وأنها محدثة وأن ما لا يخلو منها فهو محدث لأن الحوادث لها أول وأبطلوا وجود ما لا يتناهى مطلقا وذكروا النزاع في ذلك مع معمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم وأثبتوا ذلك بنظير ما تقدم من الحجيج وقالوا: إن ما لا ينفك عن الحوادث فهو محدث وقالوا: إذا ثبت أن ذلك محدث فلا بد له من محدث أحداثه وصانع صنعه خلافا للملحدة في نفي الصانع

قالوا: والدلالة عليه أن المحدث لو لم يتعلق بمحدث لم تتعلق الكتابة بكتاب ولا الضرب بضارب لأن ذلك كله يتعذر إذا استحالة محدث لا محدث له كاستحالة كتابة لا كاتب لها فلو جاز وجود محدث لا محدث له لجاز محدث لا إحداث له وذلك محال

وهؤلاء يقولون: المحدث عين الإحداث فحقيقة قولهم وجود محدث لا إحداث له وقد جعلوا هنا نفي هذا مقدمة معلومة يحتج بها

قالوا: وأيضا فإنا نرى الحوادث يتقدم بعضها بعضا ويتأخر بعضها عن بعض ولولا أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر لم يكن ما تقدم منها أولى من أن يكون متأخرا وما تأخر أولى من أن يكون متقدما فدل ذلك على أن لها مقدما محدثا لها قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر ثم لا يخلو ذلك الأمر من أن يكون نفس الحادثات أو معنى فيه أو نفسه ولا معنى فيه أو لجاعل جعله فيستحيل أن يكون ذلك لنفسه لأن نفسه هو وجوده والشيء لا يجوز أن يفعل نفسه ولا يجوز أن يكون لذلك المعنى لأن ذلك المعنى لا بد أن يكون موجودا إذ المعدوم ليس له تأثير في ذلك وإذا كان موجودا فلا يخلو من أن يكون قديما أو محدثا فلا يجوز أن يكون قديما لأنه لو كان قديما لوجب قدم الجسم المحدث وذلك باطل وإن كان محدثا فلا بد أن يكون متقدما أو متأخرا فإن كان كذلك مع جواز أن لا يكون متقدما لقدم موجبه فلا يكون كذلك إلا لمعنى آخر وذلك المعنى لمعنى آخر إلى غير نهاية

ولا يجوز أن يكون كذلك: لا لنفسه ولا لمعنى ولا لأمر لأن ذلك يؤدي إلى أن لا يكون بالوجود في وقت أولى من عدمه وبقائه على عدمه ولما علو أن اختصاصه بالوجود أولى من عدمه بطل أن يكون إلا لأمر وإذا بطلت هذه الأقسام علم أن هذه الحوادث إنما اختصت في الوجود في أوقات معينة لجاعل جعله وأراد تقديم أحدهما على الآخر وتأخر بعضها عن بعض فثبت ما قلناه

فهذا الذي ذكره القاضي أبو يعلى ومن سلك هذه الطريقة كأبي محمد بن اللبان وقبلهما القاضي أبو بكر وغيرهم: هي من جنس ما تقدم

وهؤلاء غالبهم إذا ذكروا طريقتهم في حدوث الأجسام بأن ما لا يسبق الحوادث فهو حادث ذكروا ذلك مسلما كأنه بين وإذا ذكروا مع ذلك أن الحوادث يجب تناهيها وجعلوا ذلك بمنزلة المسلم أو المقدمة الضرورية تسوية بين النوع وأشخاصه فيقولون مثلا إذا أثبتوا حدوث الأعراض وأن الجسم مستلزم لها: الحوادث لها أول أبتدئت منه خلافا لابن الراوندي وغيره من الملحدة

والدلالة على ذلك علمنا بأن معنى المحدث أنه الموجود عن عدم ومعنى الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما لا أول له لوجب أن يكون قديما وذلك فاسد لما بينا من إقامة الدلالة على حدوثها

والجمع بين قولنا: حوادث وأنه لا أول لها مناقضة ظاهرة في اللفظ والمعنى وذلك باطل

ثم يقولون: وإذا ثبت ما ذكرنا من ثبوت الأعراض وحدوثها وأن الجواهر لم تخل منها ولم تسبقها وجب أن تكون محدثة كهي لأن الجواهر لا تخلو من أن تكون موجودة معها أو بعدها أو قبلها فإذا بطل أن تكون الجواهر موجودة قبل الأعراض وبطل أن توجد بعدها وجب أن تكون موجودة معها وثبت حدوثها كحدوث الأعراض فهذا الذي يقوله هؤلاء كالقاضيين ومن وافقهما على ذلك وهذا لفظ القاضي أبي بكر والقاضي أبي يعلى ونحوهما

والمعترض على ذلك يقول إن موضع المنع لم يقيموا عليه حجة وإنما قالوا: معنى الحوادث أنها موجودة عن عدم فلو كان فيها ما هو لا أول له لوجب أن يكون قديما وهم لا يقولون فيها ما لا أول له بل كل حادث له أول عندهم وإنما يقولون: إن جنسها لا أول له بمعنى أنه لم يزل كل حادث قبله حادث وبعده حادث

وحينئذ فيقولون: إنه لا مناقضة بين قولنا: حوادث وقولنا: لا أول لها لأن معنى قولنا: حوادث أن كل واحد واحد منها حادث منها حادث بعد أن لم يكن ليس معناه أن جنسها حادث

والذي لا أول له هو الجنس عندهم لا كل واحد واحد فالذي أثبتوا له الحدوث هو كل واحد واحد من الأعيان وتلك لم يثبتوا لشيء منها قدما ولا قالوا: لا أول لشيء منها والذي قالوا: لا أول له بل هو قديم هو النوع المتعاقب وذلك لم يقولوا: إنه حادث

ثم إن هؤلاء أيضا بعد ذلك يقررون ما يدقونه من امتناع حوادث لا أول لها في ضمن دعواهم امتناع وجود ما لا يتناهى فيقعدون قاعدة فبقولون: لا يجوز وجود موجودات لا نهاية لعددها سواء كانت قديمة أو محدثة خلافا لمعمر والنظام وابن الراوندي وغيرهم من الملحدة في قولهم: يجوز وجود ذوات محدثة لا نهاية لها وخلافا للفلاسفة في قولهم: يجوز وجود جواهر قديمة لا غاية لها 0

ثم يقولون: والدليل على ذلك أن كل جملة من الجمل لو ضممنا إليها خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها زادت أو نقصت منه خمسة أجزاء لعلم ضرورة أنها قد نقصت

وإذا كان هذا كذلك وجب أن تكون متناهية لجواز قبول الزيادة والنقصان استحال أن تكون متناهية وإذا كان كذلك استحال وجود موجودات غير متناهية قديمة كانت أو محدثة

وليس لأحد أن يقول يلزمكم على هذا أن تقولوا: إن معلومات الباري عز وجل أكثر من مقدوراته لأن جميع مقدوراته معلومة وله معلومات لا يصح أن تكون مقدورة وهي ذاته تعالى وسائر صفاته وسائر الباقيات والمحالات التي لا يصح وجودها لأن مقدورات الباري ومعلوماته على ضربين: موجودات ومعدومات فالموجودات من المقدورات والمعومات كلها متناهية والمعدومات منها غير متناهية ولا يصح فيها الزيادة والنقصان وإذا كان الأمر على ما ذكرناه بطل ما قالوه فهذا الذي يذكره مثل هؤلاء كالقاضيين وابن اللبان أو غيرهم

وهذه الطريق هي طريق التطبيق ومبناها على أن ما لا يتناهى لا يتفاضل وعليها من الكلام والاعتراض ما قد ذكر في غير هذا الموضع إذ المقصود هنا التنبيه على طرق الناس في الأصول التي يقول القائل: إنها تستلزم ما يخالف النصوص

كلام الجويني في الإرشاد عن امتناع حوادث لا أول لها[عدل]

ومنهم من يسلك في دعوى امتناع دوام الحوادث مسلك الضرورة كما سلكه طوائف منهم أبو المعالي في إرشاده الذي جعله إرشادا إلى قواطع الأدلة وجعل أصل الأصول الذي بنى عليه جميع ما يذكره من أصول الدين التي بها كفر أو بدع من خالفه هو دليل الأعراض المذكور وسلك فيه مسلك من تقدمه من أهل الكلام السالكين طريق المعتزلة في تقرير ذلك وهو مبني على أربعة أركان: إثبات الأعراض ثم إثبات حدوثها ثم إثبات لزومها للجسم

قال والأصل الرابع يشتمل على إيضاح استحالة حوادث لا أول لها

قال: والاعتناء بهذا الركن حتم فإن إثبات العرض منه يزعزع جملة مذاهب الملحدة فأصل مقالتهم أن العالم لم يزل على ما هو عليه فلم تزل دورة الفلك قبل جورة إلى غير أول ثم لم تزل الحوادث في عالم الكون والفساد تتعاقب كذلك إلى غير مفتتح فكل ولد مسبوق بوالد وكل زرع مسبوق ببذر وكل بيضة مسبوقة بدجاجة فنقول: موجب أصلكم يقضي بوجود حوادث لا نهاية لأعدادها ولا غاية لآحادها على التعاقب في الوجود وذلك معلوم بطلانه بأوائل العقول فإنا نفرض القول في الدورة التي نحن فيها ونقول من أصل الملحدة أنه انقضى قبل الدورة التي نحن فيها دورات لا نهاية لها وما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الدورات التي قبل هذه الدورة أذن انقضاؤها بتناهيها وهذا القدر كاف في غرضنا

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: وهذه الحجة هي التي تقدم ذكر اعتراض كثير من النظار عليها حتى أتباع أبي المعالي كالرازي والآمدي والأرموي وغيرهم وهم ينازعونه في قوله: إن بطلان ذلك معلوم بأوائل العقول ويقولون: قد جوز ذلك طوائف متنوعة من العقلاء الذين لم يتلقه بعضهم عن بعض من أهل الملل: المسلمين واليهود والنصارى ومن الفلاسفة الأولين والآخرين وغيرهم بل قد يقولون: إن هذا قول الأنبياء وأتباعهم وفضلاء الطوائف لا يريدون أن قدم العالم هو قول الأنبياء بل يعلمون أن الله خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام كما أخبرت به الأنبياء لكن يقولون: ما زال الله تعالى متكلما تكلم بما شاء أو ما زال فاعلا يفعل بنفسه ما شاء أو ما زال يفعل الحوادث شيئا بعد شيء أو نحو ذلك من المقالات التي يقولون: إنها موافقة لقول الأنبياء صلوات الله عليهم وأن أقوال الأنبياء لا تتم إلا بها

وأما قدم الأفلاك ودوامها فهو قول طائفة قليلة كأرسطو وأتباعه وقد نقل أرباب المقالات أنه أول من قال بقدم ذلك من الفلاسفة وأن الفلاسفة المتقدمين كانوا على خلاف قوله في ذلك وقول أرسطو هذا وأتباعه هو من أقوال الملاحدة المخالفين للرسل فإن الأقوال التي تخالف ما علم من نصوص الأنبياء هي من أقوال الملاحدة ومن عارض نصوص الأنبياء بعقله كان من الملاحدة

وما الأقوال التي قالها الرسل أو قالت ما يستلزمها ولم تقل نقيض ذلك فهذه لا تضاف إلى الملاحدة بل من عارض نصوص الأنبياء بمعقوله وادعى تقديم عقله على أقوال الأنبياء واستند في ذلك إلى أصل اختلف فيه العقلاء ولم يوافقه عليه الأنبياء كان أقرب إلى أقوال أهل الإلحاد ولكن قد تشتبه على كثير من النظار فينصرون ما يظنونه من أقوال الأنبياء بما يظنونه دليلا عقليا ويكون الأمر في الحقيقة بالعكس لا القول من أقوال الأنبياء بل قد يكون مناقضا لها ولا الدليل دليلا صحيحا في العقل بل فاسدا فيخطئون في العقل والسمع ويخالفونهما ظانين أنهم موافقون للعقل والسمع وآية ذلك مخالفتهم لصرائح نصوص الأنبياء وما فطر الله عليه العقلاء فمن خالف هذين كان مخالفا للشرع والعقل كما هو الواقع في كثير من نفاة الصفات والأفعال

والمقصود هنا أن المعترضين على ما ذكر في تناهي الحوادث يقولون: لم يذكر على وجوب تناهيها دليلا فإن عمدته قوله: ما انتفت عنه النهاية يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإذا تصرمت الحوادث أذن انقضاؤها بتناهيها

وهم يقولون لفظ الانتهاء لفظ مجمل: أتريد به الانتهاء بمعنى أنه لا أول لها؟ أو الانتهاء بمعنى انقضاء ما مضى؟

أما الانتهاء بالمعنى الثاني فإنهم لا ينازعون فيه بل يسلمون أن ما انتهى فقد انتهى لكن لا يسلمون أن الحوادث انتهت بل يقولون: لم تزل ولا تزال فإن الانتهاء انقطاعها وانصرامها ونفادها وهي لم تنفد ولم تنقطع

وإن قيل: الماضي قد وجد بخلاف المستقبل

قيل: وجود ما وجد مع دوامها لا يوجب انتهاؤه

فإن قيل: فنحن نقدر أنها انتهت وفرغت

قيل: إذا قدر تناهيها لزم تناهيها على هذا التقدير وقيل: إن أريد بتناهيها أن ما مضى هو محدود بالحد الفاصل بين الماضي والمستقبل وهذا انتهاء

قيل: هب أن هذا يسمى انتهاء لكن على هذا التقدير فهي منتهية من هذا الطرف الذي انتهت إليه لا من الطرف الأول الذي لا ابتداء له

وعلى هذا فهؤلاء لا ينازعون في الانتهاء بهذا المعنى بل يقولون: كل ما مضى من الحوادث فقد انتهى وانقضى وانصرم وفرغ

وهذا هو الذي نفاه الله عن كلماته وعن نعيم أهل الجنة كما قال تعالى: { إن هذا لرزقنا ما له من نفاد } [ ص: 54 ]

وقال: { أكلها دائم وظلها } [ الرعد: 35 ] وقال: { لا مقطوعة ولا ممنوعة } [ الواقعة: 33 ]

وقال: { قل لو كان البحر مدادا لكلمات ربي لنفد البحر قبل أن تنفد كلمات ربي ولو جئنا بمثله مددا } [ الكهف: 109 ]

وأما عدم الانتهاء بمعنى أنه لا ابتداء لها فلم يذكر دليلا على امتناعه فإن القائل إذا قال: ما انتفت عنه النهاية بمعنى أنه لا ابتداء له يستحيل أن ينصرم بالواحد على إثر الواحد فإن الحوادث إذا انصرمت أذن انقضاؤها بتناهيها

قيل له: انقضاؤها يؤذن بتناهيها من آخرها فالانتهاء والانصرام هنا معناهما واحد فكأن القائل قال: إذا انتهت فقد انتهت وإذا انصرمت فقد انصرمت

وأما كون الانقضاء والانتهاء من الآخر يؤذن بأن لها مبدأ كان بعد أن لم يكن فليس في الانتهاء ما يؤذن بحدوث الابتداء بل هذا هو رأس المسألة وليس الاطراد بالانتهاء هنا انقطاعها بالكلية حتى لا يوجد شيء منها بل المراد انتهاء ما مضى منها فإن ما انقطع بالكلية فعدم جنسه يمكن أن يقال إن له مبتدأ ولو كان قديم الجنس لم يعد فإن ما وجب قدمه امتنع عدمه سواء كان شخصا أو نوعا

وأما إذا أريد بالانتهاء انتهاء ما مضى مع دوام النوع في المستقبل فليس في هذا الانتهاء ما يستلزم أن يكون أوله محدودا

ومن المعلوم أن العقل إذا قدر حوادث متوالية لم تزل ولا تزال كان يعلم أن كل واحد منها قد انصرم وانصرم ما قبله مع أنه قد قدر دوام هذا النوع كما يعلم أن كل واحد منها له أول مع تقديره أنه لا أول لها فعلم أن هذا التقدير ينافي انصرام ما انصرم ولا حدوث ما حدث وإذا لم يتناف هذا وهذا لم يكن ثبوت أحدهما دليلا على انتفاء الآخر فعلم أن ما ذكروه لا ينافي جواز دوام الحدوث

وقد عارضهم المعترضون بالحوادث المستقبلة وأوردوا سؤالهم

قالوا: فإن قيل: مقام أهل الجنان فيها مؤبد مسرمد فإذا لم يبعد إثبات حوادث لا آخر لها لم يبعد إثبات حوادث لا أول لها

قلنا: المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادا على التوالي وليس في توقع الوجود في الاستقبال والمآل قضاء بوجود ما لا يتناهى ويستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى: ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد والذي يحقق ذلك أن حقيقة الحادث ما له أول وإثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض وليس في حقيقة الحادث أن يكون له آخر

وقد أجاب المعترضون عن هذا الكلام بأن ما مضى دخل في الوجود ثم خرج فليس هو الساعة داخلا في الوجود وما يستقبل سيدخل في الوجود ثم يخرج فكلاهما في الحال ليس بداخل في الوجود وكلاهما لا بد من دخوله في الوجود وخروجه منه فقد استوى هذا وهذا في الدخول والخروج وفي العدم الآن لكن دخول هذا وخروجه ماض ودخول هذا وخروجه مستقبل وليس في هذا الفرق ما يمنع اشتراكهما فهما اشتركا فيه لا سيما والمضي والاستقبال أمران إضافيان فما من حادث إلا ولا بد أن يوصف بالمضي والاستقبال فيوصف بالمضي باعتبار ما بعده ويوصف بالاستقبال باعتبار ما قبله فإذا نظر إلى حادث معين فما قبله ماض وما بعده مستقبل وهكذا كل حادث

وإذا كانت الحوادث الدائمة كل منها يوصف بالمضي والاستقبال لم يصح الفرق بينهما بذلك فإن من شرط الفرق اختصاص أحد النوعين به وتأثيره في الحكم الذي فرق بينهما فيه لأجله وكلا الأمرين منتف هنا والدليل الدال على انتفاء دوام الحدوث يتناول هذا كتناول هذا فإما أن يصحا جميعا وإما أن يبطلا جميعا

ولهذا كان من طرد هذا الدليل وهما إماما أهل الكلام نفاة الصفات: الجهم بن صفوان إمام الجهمية وأبو الهذيل العلاف إمام المعتزلة كلاهما ينفي دوام الحدوث في المستقبل كما نفاه في الماضي

وإذا قال القائل: المستحيل أن يدخل في الوجود ما لا يتناهى آحادا على التعاقب

قيل له: فالمستقبلات تدخل في الوجود وهي لا تتناهى آحادا على التعاقب لكن لم تدخل بعد وذاك دخل ثم خرج

وقوله: يستحيل أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري تعالى ما لا يحصره عدد ولا يحصيه أمد هو محل النزاع إذا قصره على الماضي وإن كان اللفظ عاما فهو خلاف ما سلمه بل هؤلاء يقولون: يجب أن يدخل في الوجود من مقدورات الباري ما لا يتناهى وإلا لزم أن يكون الرب لم يكن قادرا ثم صار قادرا أو بالعكس من غير حدوث أمر أوجب انتقاله من القدرة إلى العجز وبالعكس وهذا فيه سلب للرب صفة الكمال وإثبات التغير بلا سبب يقتضيه وذلك مخالفة لصريح المعقول والمنقول

ولهذا كان ما أنكره المسلمون على هؤلاء قولهم: إن الرب في الأزل لم يكن قادرا ثم صار قادرا وهو مما استحل به المسلمون لعنة بعض من أضيف إليه ذلك من أهل الكلام لا سيما من يسلم أن الرب تعالى لم يزل ولا يزال موصوفا بصفات الكمال فإنه يجب أن يصفه بأنه لم يزل ولا يزال قادرا والقدرة لا تكون إلا على ممكن فلزم إمكان فعله فيما لم يزل ولا يزال

وقول القائل: من هؤلاء: أنه كان قادرا في الأزل على ما لم يزل كلام متناقض فإنه يقال لهم: حين كان قادرا: هل كان الفعل ممكنا؟ فلا بد أن يقولوا: لا فإنه قولهم

فيقال لهم: كيف وصف بالقدرة مع امتناع شيء من المقدور؟ فعلم أنه مع امتناع الفعل يمتنع أن يقال إنه: قادر على الفعل

وأما قوله: إثبات الحوادث مع نفي الأولية تناقض فيقولون: هو تناقض إذا نفى الأولية عن نفس ما له أول وهو كل واحد واحد من الحوادث أما إذا نفى الأولية عما لم تثبت له أولية وهو نوع الحوادث لم يتناقض كما تقدم

ثم قالوا في الفرق بين الماضي والمستقبل ما قاله أبو المعالي قال: وضرب المحصلون لذلك مثالين في الوجهين قالوا: مثال إثبات حوادث لا أول لها قبل كل حادث قول القائل لمن يخاطبه: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك قبله دينارا ولا أعطيك دينارا إلا وأعطيك قبله درهما فلا يتصور أن يعطي على حكم شرطه دينارا ولا درهما ومثال ما ألزمونا أن يقول القائل: لا أعطيك دينارا إلا وأعطيك بعده درهما ولا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا فيتصور منه أن يجري على حكم الشرط

فيقول المعترضون: هذا التمثيل ليس مطابقا لمسألتنا فإن قوله: لا أعطيك حتى أعطيك نفي للمضارع المستقبل إذا وجد قبله ماض فحق القياس الصحيح والاعتبار المستقيم أن يقال: ما أعطيتك درهما إلا أعطيتك قبله دينارا ولا أعطيتك دينارا إلا أعطيتك قبله درهما فهذا إخبار أن كل ماض من الدراهم كان قبله دينار وكل دينار كان قبله درهم وهو نظير الحوادث الماضي التي قبل كل حادث منها حادث

كما أن قوله: لا أعطيك درهما إلا أعطيك بعده دينارا أو لا دينارا إلا وبعده درهم هو نظير الحوادث المستقبلة التي بعد كل حادث منها حادث فإن أمكن أن يصدق في قوله في المستقبل أمكن أن يصدق في قوله في الماضي وإن امتنع صدقه في الماضي امتنع صدقه في المستقبل إذ العقل لا يفرق بين هذا وهذا ولكنه يفرق بين قوله: لا أعطيك حتى أعطيك وبين قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك

فإذا كان منتهى النظار هو القياس العقلي والإعتبار وهم في القياس الذي جعلون أصل أصول الدين يقيسون الشيء بما يبين مفارقته إياه في عين الحكم الذي سووا بينهما فيه علم أن ذلك قياس باطل

وهذا من أعظم أصولهم أو أعظم أصولهم الذي بنوا عليها نفيهم لما نفوه من أفعال الرب وصفاته وعارضوا بذلك ما أرسل به رسله من أنبائه وآياته

وقوله: لا أعطيك حتى أعطيك مثل قول: ما أعطيتك حتى أعطيتك فهنا نفي الماضي حتى يوجد الماضي وهناك نفي المستقبل حتى يوجد المستقبل وكلاهما ممتنع فإنه نفي للشيء حتى يوجد الشيء وحقيقته الجمع بين النقيضين حتى يجعل الشيء موجودا معدوما كما لو قيل: لا يوجد هذا حتى يوجد هو نفسه فيقتضي أن يكون وجوده قبل وجوده بل في حال عدمه فيكون قد جعل موجودا حال كونه معدوما وهذا ممتنع بين الامتناع

بخلاف قوله: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله ولا أعطيك إلا أعطيك بعده فإنه إثبات بعد كل عطاء عطاء وقبل كل عطاء عطاء فهذا يتضمن إثبات بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل وقبل كل حادث ماض حادث ماض فأين هذا من هذا؟

وليتدبر العاقل القياس العقلي في هذا الباب فإنهم قد سلموا أنه يجوز أن يكون بعد كل حادث مستقبل حادث مستقبل كما إذا قال: لا أعطيك درهما إلا وأعطيك بعده دينارا

واتفقوا على أنه لا يجوز أن نقول لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا وتنازعوا هل يجوز أن يكون قبل كل حادث ماض حادث ماض أم لا؟ فمنهم من منع ذلك وقال: هذا مثل أن نقول: لا أعطيك درهما حتى أعطيك دينارا ومنهم من جوز ذلك وقال: ليس هذا مثل هذا الممتنع ولكن هذا نظير ذلك الجائز وهو قوله: لا أعطيك درهما إلا أعطيتك بعده دينارا فإن هذا معناه أن يكون بعد كل حادث حادث وذاك معناه أن يكون قبل كل حادث حادث

وهذا المعنى هو هذا المعنى لكن هذا قدم اللفظ بما بعد وهناك قدم التلفظ بما قبل وأما من جهة المعنى فلا فرق بينهما

قالوا: وأما الممتنع فنظيره أن نقول: ما أعطيتك إلا حتى أعطيتك فهذا نظير قوله: لا أعطيك حتى أعطيك ليس نظيره: ما أعطيتك إلا وقد أعطيتك قبله فهنا أصل متفق على جوازه وأصل متفق على امتناعه بل أصلان متفق على امتناعهما وأصل متنازع فيه هل هو نظير هذا الجائز أو نظير الممتنعين؟

ولهذا كان الذين اتبعوا هؤلاء من المتأخرين كالرازي والآمدي وغيرهما قد يتبين لهم ضعف هذا الأصل الذي بنوا عليه حدوث الأجسام ويترجح عندهم حجة من يقول بدوام فاعلية الباري تعالى وهم يعلمون أن دين المسلمين واليهود والنصارى: أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وأن الله خالق كل شيء لكن قد لا يجمعون بين ذلك وبين دوام فاعلية الباري لكنهم لم يبنوا على ثبوت الأفعال القائمة به المقدورة المرادة له فيبقون دائرين بين مذهب الفلاسفة الدهرية القائلين بقدم الأفلاك معظمين لأرسطوا وأتباعه كابن سينا وبين مذهب أهل الكلام القائلين بتناهي الحدوث وربما رجحوا هذا تارة وهذا تارة حتى قد يصير الأمر عندهم كأن دين المسلمين ودين الملاحدة عدلا جهل أو ربما مالوا أحيانا إلى دين الملاحدة حتى قد يصنفون في الشرك والسحر كعبادة الكواكب والأصنام

وأصل ذلك نفيهم لما يجب إثباته من فعل الرب تعالى كما دل عليه المنقول والمعقول فإن هؤلاء قد يثبتون أن الذين نفوا قيام الأمور الاختيارية بذات الله تعالى وسموا ذلك نفي حلول الحوادث به ليس لهم على ذلك حجة صحيحة: لا عقلية ولا سمعية بل الذين نفوا ذلك من جميع الطوائف يلزمهم القول به

فإن كان هذا الأصل في المعقول ولزومه للطوائف ودلالة الشرع عليه بهذه القوة وبتقدير إبطاله يلزم ترجيح مذهب الملاحدة المبطلين شرعا وعقلا على أقوال المرسلين الثابة شرعا وعقلا أو تكافي المسلمين بين أهل الإيمان وأهل الإلحاد - تبين ما ترتب على إنكار ذلك من الضلال والفساد

ومصداق ذلك أن الرازي - مثلا - إذا قرر في مثل نهاية العقول وأمثالها من كتبه الكلامية تناهي الحوادث واستوعبت ما ذكره أهل الكلام في ذلك من الحجج عارضه إخوانه المتكلمون فقدحوا فيها واحدة واحدة ثم هو نفسه يقدح فيها في مواضع من كتبه مثل المباحث المشرقية والمطالب العالية وغير ذلك ويبين أن دوام فاعلية الرب مما يجب القول به كما ذكره في المباحث المشرقية فإنه قال في بيان دوام فاعلية الباري: اعلم أنا بينا أن واجب الوجود لذاته كما أنه واجب الوجود لذاته فهو واجب الوجود من جميع جهاته وإذا كان كذلك وجب أن تدوم أفعاله بدوامه وبينا أيضا أن سبق العدم ليس بشرط في احتياج الفعل إلى الفاعل وبينا في باب الزمان أن الزمان لا يمكن أن يكون له مبدأ زماني وحللنا فيه الشكوك والشبه

قال: وأيضا العالم غير ممتنع أن يكون دائم الوجود وما لا يمتنع أن يكون دائم الوجود يجب أن يكون دائم الوجود فالعالم يجب أن يكون دائم الوجود أما الصغرى فقد مضى تقريرها وأما الكبرى فهي أن الذي لا يمتنع أن يكون موجودا دائما لو كان جائز العدم لكان: إما أن يكون عدمه ممكنا دائما أو لا يكون دائما فإن لم يكن له إمكان العدم دائما كان ذلك الإمكان محدودا وإذا تعدى ذلك الحد وجب فيه وجوده وامتنع عدمه مع أن الأحوال واحدة وهذا محال يبقى أنه إن كان عدمه ممكنا فهو ممكن العدم دائما وكل ما كان ممكنا فإنه إذا فرض موجودا أمكن أن يعرض منه كذب وأما المحال فلا يعرض البتة إذا فرض معدوما لكن فرض هذا العدم يعرض منه محال وبيانه هو: أنا نفرض أن أحد طرفي الممكن وهو الوجود الدائم وجد وهو مع ذلك يقوى على عدم الصورة دائما فلا يمتنع أن يقع ذلك الممكن فإن استحالة وقوعه لم يكن ذلك ممكنا لكنه يستحيل مع فرض وجوده دائما عدمه دائما وإلا لكان الشيء في زمان غير متناه معدوما وموجودا معا وهو محال نعم يمكن فرض عدمه بعد وجوده ولكن ذلك العدم غير دائم بل هو عدم متجدد وإذا كان هذا محالا بالوضع ليس بكذب غير محال بل هو محال فالحكم على ما يمكن وجوده دائما بأنه جائز العدم محال فإذا وجوده واجب وهو المطلوب

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: فهذه الحجة مضمونها أن الفعل يمكن أن يكون واجب الوجود فيجب أن يكون دائم الوجود لأنه لو لم يكن كذلك لكان ممكن الوجود والعدم

والمقصود هنا أنه يمكن دوام وجوده بغيره فيجب دوام وجوده بغيره لا بنفسه إذ لو لم يجب بنفسه ولا بغيره بل أمكن عدمه لوجب أن يمكن عدمه دائما إذ إمكان عدمه في حال دون حال مع تساوي الأحوال محال وإمكان عدمه دائما ينافي وجوبه بنفسه أو بغيره في شيء من الأوقات فإنه لو وجب موجودا في حال بنفسه أو بغيره لم يكن ممكن العدم في حال وجوبه وهو إذا كان موجودا كان بغيره فيكون واجبا بالغير فإذا كان موجودا امتنع - في حال وجوده - أن يمكن عدمه فإذا قدر أنه ممكن العدم دائما بحيث لا يجب لا بنفسه ولا بغيره امتنع أن يكون موجودا في شيء من الأحوال

والتقدير أنه ممكن الوجود بل ممكن دوام الوجود وإمكان الوجود ينافي امتناع الوجود فما أمكن وجوده دائما امتنع عدمه

ونكته الحجة أن ما أمكن وجوده دائما يكون مع وجوده واجبا بغيره فإن الممكن إن اقترن به ما يوجب وجوده صار واجبا بغيره وإن لم يقترن به ما يوجب وجوده صار ممتنعا لغيره إذ الممكن لا يحصل إلا عند المرجح التام الذي يوجب وجوده إذ لو لم يجب معه لكان ممكنا وإذا كان ممكنا لم يترجح وجوده على عدمه إلا بمرجح

وهذا الموضع قد نازع فيه طوائف المعتزلة وغيرهم من أهل الكلام طائفة يقولون إن القادر يرجح أحد المقدورين المتماثلين بلا مرجح أصلا كما يقول ذلك طوائف من الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من أصناف المتكلمين

وهؤلاء يقولون: عند وجود القدرة والداعي لا يجب الفعل بل يكون جائز الوجود والعدم

وطائفة من المعتزلة الكرامية يقولون: بل عند وجود المرجح يكون الوجود راجحا على العدم من غير وجود وهذا قول محمود الخوارزمي وابن الهيصم الكرامي وغيرهما

والقول الثالث: هو قول طوائف من أهل السنة والمعتزلة كأبي الحسين: أنه عند وجود القدرة التامة والداعي التام يجب وجود المقدور

والقول الذي اختاره محمود يقول أصحابه: إنه عند وجود المرجح يكون الممكن أولى بالوجود منه بالعدم وإن لم ينته الترجيح إلى حد الوجوب وجعلوا فعل القادر المختار من هذا الوجه

وبهذا يناظرون الناس في مسألة القدر ويناظرون الفلاسفة في مسألة حدوث العالم لكن الناس بينوا فساد قولهم وذلك أنه إذا حصل مرجح وكان مع وجوده يمكن وجود الممكن ويمكن عدمه فلا بد من ترجيح لأحدهما على الآخر

فإن قيل: جانب الوجود: أقوى أو أضعف؟

قيل: قول القائل: أقوى يريد به أنه مع هذه القوة يمكن وجوده وعدمه أو لا بد من وجوده

فإن قال بالثاني: ثبت وجوبه عند المرجح

وإن قال بالأول قيل له: فإن كان مع القوة يمكن وجوده وعدمه فلا بد من ترجيح وإلا كان الممكن نوعين أو له حالان: حال يحصل فيها بغير مرجح وحال لا يحصل فيها إلا بمرجح

والممكن ليس له من نفسه وجود أصلا بل وجوده ممكن ولا يحصل إلا بغيره فكل ما وصف بهذه الحقيقة يمتنع أن يوجد إلا بغيره فما دام ممكنا لا يوجد إلا بغيره وذلك الغير إذا كان يمكن أن يفعل ويمكن أن لا يفعل كان فعله ممكنا والممكن لا يحصل إلا بغيره

وإذا قيل: الغير هو القادر أو القادر المريد أو نحو ذلك

قيل: مجرد القادر المريد إذا كان معه وجود الفعل تارة وعدمه الأخرى كان ممكنا فلا بد له من مرجح وإلا فإذا قدر استوىء الحال من كل وجه فلا يترجح وإذا لم يكن ترجيح لزم حصول الممكن بلا ترجيح مرجح وهو ممتنع

وهذا الموضع هو الذي أنكره من أنكره من أئمة السنة والحديث ومن أئمة الفلاسفة أيضا على من صار إليه من أهل الكلام: المعتزلة والكلابية كالأشعرية وطائفة من أصحاب أحمد وغيره من الأئمة وهو أصل قول ابن كلاب في مسألة القرآن الذي أنكره عليه الإمام أحمد وغيره من أئمة السنة وهو أصل شبهة الفلاسفة في مناظرتهم لهؤلاء في قدم العالم وقد بسط في موضعه

وإذا كان الممكن نفسه إما واجبا بغيره وإما ممتنعا لغيره فما كان يمكن دوام وجوده كان مع وجوده واجب الدوام بغيره فيمتنع أن يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه مع كونه واجب الدوام بغيره فيمتنع أن يكون حينئذ ممكن العدم والحال هذه مع كونه واجب الدوام بغيره فكل ما أمكن وجوده بغيره وأمكن دوامه امتنع مع وجوده عدمه وامتنع مع عدمه وجوده فإنه إذا لم يدم وجوده لزم أن لا يكون هناك ما يقتضي وجوده أو ما يقتضي وجوده في حال دون حال فإن ممكن الوجود إنما يعدم لعدم مقتضيه فالعدم الدائم عدم فيه مقتضى الوجود على سبيل الدوام والعدم الحادث عدم فيه مقتضى الوجود في تلك الحال

والمراد أنه عدم كمال المقتضى لا أنه عدم كل شرط من شروط الاقتضاء بل عدم بعض الشروط كاف في عدمه وعدم المقتضى في حال دون حال مع تماثل الأحوال منتف وعدمه دائما يوجب أنه يمتنع وجوده دائما والتقدير أنه فرض إمكان وجوده دائما

ومادة هذه الحجة مشاركة لمادة الحجة التي اعتمدوها في قدم العالم وهي أن الحدوث بدون سبب الحدوث ممتنع ووجود المقتضى التام في الأزل يستلزم وجود مقتضاه فإن الأصل في ذلك أنه لا يتجدد شيء بدون سبب يقتضي التجدد

فالمنازع لهم من أهل الكلام من المعتزلة والأشعرية ونحوهم إما أن يقول: الفعل في الأزل ممتنع كما قاله طوائف منهم وإما أن يقول: هو ممكن لكن لم يحصل ما به يوجد فكان عدمه لفوات شرط الاتحاد إذ التقسيم العقلي يوجب أن يقال: الفعل في الأزل: إما ممكن وإما ممتنع وإذا كان ممكنا فإما أن يحصل مجموع ما به يوجد وإما أن لا يحصل

فالتقدير الأول أنه ممتنع لاستلزام تسلسل الحوادث والثاني أنه وإن قدر إمكانه لكن لم تتعلق به مشيئة الرب تعالى أو قدرته أو لم يحصل تعلق العلم بوجوده قبل ذلك الزمن أو نحو ذلك مما لا يوجد الفعل إلا به

فمن قال: إن دوام الفعل ممتنع فقد أبطلوا قوله كما ذكر ومن قال: إنه ممكن لكن لم يوجد تمام شرطه قالوا له: فهو قبل ذلك كان ممتنعا ثم صار ممكنا بل موجودا مع تساوي الحالين فيلزم الترجيح بلا مرجح

وإذا قال: إنه ممكن وما به يحصل موجود قالوا: فيلزم وجوده

ولما ذكر الرازي هذه الحجة قال: عمدة المنكرين لهذا امتناع حوادث لا أول لها وقد مضى القول فيه في باب الزمان فلا نطول بذكره تطويلاتهم الخارجة عن الأصول

كلام الرازي في المباحث المشرقية عن مسألة حدوث العالم وتعليق ابن تيمية[عدل]

والموضع الذي أحال فيه ذكر فيه الحجج التي احتج بها هو وغيره على حدوث الزمان ولوازم ذلك من حدوث الحركة والجسم وأبطل ذلك كله فذكر ما احتج به المعتزلة والأشعرية وما ذكره هو في الأربعين ونهاية العقول في مسألة حدوث العالم وأبطل ذلك كله فركب لهم سبع حجج: أولها: الحوادث الماضية تتطرق إليها الزيادة والنقصان وما كان كذلك فبه بداية فللحوادث الماضية بداية بيان الأولى بأربعة أوجه أحدها أن الحوادث الماضية إلى زمن الطوفان أقل من الحوادث إلى زماننا بمقدار ما بين الطوفان وزماننا الثانية: أن الدورات الماضية إما أن تكون شفعا أو وترا وكيفما كان فهو ناقص عن العدد الذي فوقه الثالث: أن عودات القمر لا شك أنها أقل من عودات زحل والمشتري الرابع: أن الدورات الماضية لو كانت غير متناهية لكانت الأبدان البشرية الماضية غير متناهية فكانت النفوس البشرية غير متناهية لامتناع التناسخ فكانت النفوس البشرية الموجودة في زماننا غير متناهية لوجوب بقاء الأنفس البشرية لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا غير متناهية لوجوب بقاء الأنفس البشرية لكن عدد النفوس الموجودة في زماننا قابل للزيادة والنقصان فهو متناه فالنفوس التي كانت موجودة في زمان الطوفان لا شك أنها أقل عددا من عدد النفوس إلى زماننا وكل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه فالنفوس الموجودة البشرية متناهية ثم يستدل بتناهيها على تناهي الأبدان وتناهي الأبدان على تناهي الحركات والمتحركات وتناهي كل العالم

قال: وأما بيان أن كل عدد يقبل الزيادة والنقصان فهو متناه فقد زعموا أن العلم بذلك بديهي

قال: والحجة الثانية: لو كانت الحوادث الماضية غير متناهية لتوقف حدوث الحادث اليومي على انقضاء ما لا نهاية له وما يتوقف على انقضاء ما لا نهاية له استحال وجوده وكان يلزم أن لا يوجد الحادث اليومي فلما وجد علمنا أن الحوادث الماضية متناهية

قلت: وهذه هي التي ذكرها من ذكرها من شيوخ المعتزلة والشيعة وقد ذكرها أبو المعالي وأمثاله من أئمة الكلام

والثالثة: أن كل واحد واحد من الحوادث: إذا كان له أول وجب أن يكون للكل أول كما أن كل واحد واحد من الزنج لما كان أسود وجب أن يكون الكل سودا

قلت: وهذه حدة أبي الحسين البصري وأمثاله من المعتزلة

والرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية لكان ما لا نهاية له متناهيا وذلك محال وأمثاله من المعتزلة

والرابعة: أن الحوادث الماضية قد انتهت إلينا فلو كانت الحوادث الماضية بلا نهاية لكان ما لا نهاية له متناهيا وذلك محال وهذا من جنس الثاني

والخامسة: أن الأزل إما أن يكون قد وجد فيه حادث أو لم يوجد والأول محال لأن ذلك الحادث يكون مسبوقا بالعدم والأزل لا يكون مسبوقا بالعدم وإن لم يوجد شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة ما كان شيء من الحوادث هناك موجودا فإذا كل من الحوادث مسبوق بالعدم

السادسة: أن الأمور الماضية قد دخلت في الوجود وما دخل في الوجود فقد حصره الوجود وما حصره الوجود كان متناهيا فالحوادث الماضية يجب أن تكون متناهية

السابعة: أن كل واحد من الحوادث مسبوق بعدم لا أول له فإذا فرضنا جسما قديما وفرضنا حوادث لا أول لها لزم أن لا يكون ذلك الجسم متقدما لا على وجود تلك الحوادث ولا على عدمها ومحال أن يكون الشيء لا يتقدم أمورا ولا يتقدم ما هو سابق على كل واحد واحد من تلك الأمور فيصير حكم السابق والمسبوق في السبق والتقدم حكما واحدا

ثم قال: قالت الفلاسفة: الجواب عما ذكروه أولا من وجوه ثلاثة

الأول: المحكوم عليه بالزيادة والنقصان: إما كل الحوادث وإما كل واحد واحد منهما والأول محال لأن الكل من حيث هو كل غير موجود لا في الخارج ولا في الذهن على ما بيناه في باب اللانهاية وما لا يكون موجودا امتنع أن يكون موصوفا بالأوصاف الثبوتية من الزيادة والنقصان وغيرهما لما بينا في باب الوجود: أن ما لا يكون ثابتا في نفسه لا يمكن أن يكون موصوفا بالأوصاف الثبوتية

قلت: هذا كقولهم: الحركة غير موجودة والصوت غير موجود والكلام غير موجود وهذا لفظ مجمل فإن أريد بالموجود ما تقترن أجزاؤه في زمن واحد فهذا غير موجود وأما إن أريد ما هو أعم من ذلك بحيث يدخل فيه ما يوجد شيئا بعد شيء فهذا كله موجود وهو من حيث هو موجود شيئا بعد شيء لا موجود على سبيل الاقتران

الثاني: أنا بينا في باب تناهي الأجسام أن الشيء إذا كان متناهيا من جانب وغير متناه من جانب آخر فإذا انضم إلى الجانب المتناهي شيء حتى ازداد هذا الجانب فالزيادة إنما حصلت في الجانب المتناهي لا في الجانب الآخر فلا يلزم أن يصير الجانب الآخر متناهيا إلا أن يقال: إنا نفرض في الذهن انطباق الجانب المتناهي من الزائد على الجانب المتناهي من الناقص فلا بد وأن يظهر التفاوت من الجانب الآخر

ولكن إذا سلمنا لهم صحة هذا التطبيق فإنه لا يصح تطبيق طرف الزائد على طرف الناقص إلا بوقوع فضلة عددية من الزائد ومع ذلك فمن المحتمل أن يمتد الزائد مع الناقص أبدا من غير أن ينقطع الناقص بل يبقى أبدا مع الزائد بتلك الفضلة العددية

الثالث: معارضة ذلك بأمور أربعة: أولها: صحة حدوث الحوادث من الأزل إلى الطوفان أقل من صحتها من الأزل إلى زماننا هذا مع أنه لا يلزم تناهي الصحة

وثانيها: صحة حدوث الحوادث من الطوفان إلى الأبد أكثر من صحة حدوثها من الآن إلى الأبد مع أنه لا يلزم تناهي هذه الصحة في جانب الأبد

وثالثهما: تضعيف الألف مرارا غير متناهية أقل من تضعيف الألفين مرارا غير متناهية

ورابعها: معلومات الله أكثر من مقدوراته مع أن تلك غير متناهية

قال: والجواب عما ذكروه ثانيا - يعني الحجة الثانية - أنه إما أن يعني بالتوقف المذكور أن يكون أمران معدومان في وقت وشرط وجود أحدهما في المستقبل أن يوجد المعدوم الآخر قبله فإن كان الأمر على هذا فقد وجدنا أمرا معدوما ومن شرط وجوده أن توجد أمور بغير نهاية في ترتيبها وكلها معدومة فيبتدي في الوجود من وقت ما اعتبر هذا الاشتراط فالذي يكون كذلك كان ممتنع الحدوث في الوجود وأما أن يعني بهذا التوقف أنه لا يوجد هذا الحادث إلا وقد وجد قبله ما لا نهاية له ثم ادعى أن التوقف بهذا المعنى محال فهذا هو نفس المطلوب فإن النزاع ما وقع إلا فيه

والجواب عما ذكروه ثالثا أنه لا يلزم من ثبوت الأول لكل واحد ثبوت الأول للكل لأن من الجائز أن يكون حكم الكل مخالفا لحكم الآحاد لأن كل واحد من آحاد العشرة ليس بعشرة والكل عشرة وكل واحد من الأجزاء ليس بكل مع أن كلها كل وكل واحد من الحوادث اليومية غير مستغرق لكل اليوم مع أن مجموعها مستغرق لكل اليوم بل نقول: إن الكل من حيث هو كل يستحيل أن يكون مساويا لجزئه من حيث هو جزء وإلا لم يكن أحدهما كلا والآخر جزءا وأما المثال الواحد فلا يكفي لأنا لا ندعي أن حكم الكلية يجب أن يكون مخالفا لحكم الآحاد حتى يضرنا المثال الواحد بل نقول: إن ذلك التساوي قد يكون وقد لا يكون والأمر فيه موقوف على البرهان

قال: والجواب عما ذكروه رابعا أن انتهاء الحوادث إلينا يقتضي ثبوت النهاية لها من الجانب الذي يلينا وثبوت النهاية من أحد الجانبين لا ينافي أن لا نهاية لها من الجانب الآخر والدليل عليه الصحة فإنه لا بداية لها مع أنها قد تناهت إلينا وكذلك حركات أهل الجنة لا نهاية لها مع أنها في جانب البداية لها نهاية

قال: والجواب عما ما ذكروه خامسا وهو قولهم: الأزل هل وجد فيه حادث أم لا؟ فنقول الأزل ليس حالة معينة بل هو عبارة عن نفي الأولية فالحادث بالزمان الذي هو عبارة عن الشيء المسبوق بالعدم يمتنع وقوعه في الأزل فأما قولهم: لما لم يقع شيء من الحوادث في الأزل فقد أشرنا إلى حالة لم يكن شيء من الحوادث هناك موجودا فنقول: قد بينا أن الأزل ليس وقتا مخصوصا حتى يقال بأن ذلك الوقت قد خلا عن الحوادث بل الأزل عبارة عن نفي الأولية فقولنا: الأزل لم يوجد فيه شيء من الحوادث معناه: أن نفي الأولية لم يوجد فيه شيء من الحوادث أي كل واحد من الحوادث مسبوق بالعدم فلم قلتم: إنه لما كان واحد منها مسبوقا بالعدم وجب أن يكون الكل كذلك فإن النزاع ما وقع إلا فيه

والذي يحسم مادة هذا الوهم معارضته بالصحة فنقول: صحة حدوث الحوادث: هل كانت حاصلة في الأزل أم لا؟ فإن كانت حاصلة في الأزل أمكن حدوث حادث أزلي وذلك محال وإن لم تكن فللصحة مبدأ أول وهو محال ولما لم يكن هذا الكلام قادحا في أن الصحة لا بداية لها لم يكن قادحا في هذه المسألة

قال: والجواب عما ذكروه سادسا وهو أن ما دخل في الوجود فقد حصره الوجود فهو أن المراد بالحصر أن يكون للشيء طرف ونحن نسلم أن الحوادث محصورة من الجانب الذي يلينا أما لم قلتم: إنه يلزم من ذلك أن تكون محصورة من الطرف الذي لا يلينا ثم نعارض ذلك بصحة حدوث الحوادث؟

والجواب عما ذكره سابعا من أنه لا يلزم أن لا ينفك الجسم عن حدوث الحوادث وعدمها فنقول: إن عنيتم به أنه يكون موصوفا بوجود كل الحوادث ويكون موصوفا بعدمها معا فذلك باطل لأن الحوادث ليس لكلها وجود حتى يكون الجسم موصوفا بعدمها معا فذلك باطل لأن الحوادث ليس لكلها وجود حتى يكون الجسم موصوفا به وإن عنيتم به أنه في كل واحد من الأزمان يكون موصوفا بواحد من تلك الحوادث فهو في ذلك الوقت لا يكون موصوفا بعدم ذلك الحادث حتى يلزم التناقض بل يكون موصوفا بعدم سائر الحوادث والتناقض إنما يلزم إذا كان الشيء موصوفا بالحادث المعين وبعدم ذلك الحادث معا فأما أن يكون في ذلك الوقت موصوفا بوجوده وبعدم غيره فأي تناقض فيه؟

قال: هذا جملة ما قيل في هذه المسألة

قلت: فهذا كلام الرازي في هذا مع أنه من عادته في الكتاب المذكور الذي صنفه في الفلسفة وهو أكبر كتبه في ذلك إذا تمكن من القدح فيما يورده الفلاسفة قدح فيه كما قدح في قولهم: الواحد لا يصدر عنه إلا واحد والشيء الواحد لا يكون قابلا وفاعلا ونحو ذلك مما يتوجه له القدح فيه وكما تقرر ما ذكره بزيادات وتكميلات لم يذكروها هم إذا توجه له تقرير ذلك فإنه بحسب ما يتوجه له من البحث والنظر

ولهذا كان تارة يعارض ما ذكره الفلاسفة بما يناقضه من كلام المتكلمين كما يعارض من الكتب الكلامية ما يذكره المتكلمون بما يذكره في مناقضة الفلاسفة ويرجح ما يترجح له في تلك الحال وهو مع هذا ذكر هذه الحجج التي هي عمد القائلين بأن الحوادث لا تدوم وعليها بنوا حدوث الجسم وأبطلها كلها وذكر أدلة أولئك في دوام فاعلية الرب تعالى ولم يبطلها

وقد ذكر أيضا حجج هؤلاء في دوام الزمان بكلام طويل ليس هذا موضع بسطه والمقصود هنا أن من يريد هذا وأمثاله من كلام هؤلاء تبين له أن ما ذكره أئمتهم الأشعرية وشيوخ أئمتهم المعتزلة في هذا الباب كان مما تبين لهم فساده ثم مع هذا لا يمكنهم القدح في أدلة الفلاسفة إن لم يقروا بما أنكروه من مدلول الكتاب والسنة الموافق لصريح المعقول فحينئذ يمكنهم القول بالمعقولات الصريحة ويتبين لهم أنها موافقة للمنقولات الصحيحة وليس مما أمر الله به ورسوله ولا مما يرتضيه عاقل أن تقابل الحجج القوية بالمعاندة والجحد بل قول الصدق والتزام العدل لازم عند جميع العقلاء وأهل الإسلام والملل أحق بذلك من غيرهم إذ هم - ولله الحمد - أكمل الناس عقلا وأتمهم إدراكا وأصحهم دينا وأشرفهم كتابا وأفضلهم نبيا وأحسنهم شريعة

ومن المعلوم في دين الإسلام أن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة الخارجين عن الملل وأصح عقلا ودينا ولهذا كان خيار الصابئة من انتسب إلى ملة من الملل وقد اتفق أئمة الدين على إقرار اليهود والنصارى بالجزية وعلى حل ذبائحهم ونسائهم وإن خالف في ذلك أهل البدع

وأما الفلاسفة فإما أن يكونوا من المشركين وإما أن يكونوا من المجوس وإما يكونوا من الصابئين وإما أن يكونوا منتسبين إلى أهل الملل الثلاث فمن كان من المشركين كما يذكر عن الفلاسفة اليونان ونحوهم أو من المجوس كفلاسفة الفرس ونحوهم فاليهود والنصارى خير منه ولذلك هم خير من فلاسفة الصابئين والصابئون للعلماء فيهم طريقتان: إحداهما: أنهم هل يقرون بالجزية أم لا؟ على قولين والثانية: إنه يفصل الأمر فيهم فمن تدين بدين أهل الكتاب ألحق بهم وإلا فلا وهاتان الطريقتان في مذهب الشافعي وأحمد وغيرهما

والنزاع في إقرارهم الجزية هو على قول من لا يقبل الجزية إلا من المجوس وأهل الكتاب كقول الشافعي وأحمد في إحدى الروايتين وأما من يقر مشركي العجم بالجزية ك أبي حنيفة ومالك وأحمد في الرواية الأخرى فهؤلاء يتنازعون في حل ذبائحهم ونسائهم ولذلك ينتازع في ذلك من يفرق بين الكتابي الذي دخل سلفه قبل النسخ والتبديل وبين الذين دخلوا بعد النسخ والتبديل كما هو قول الشافعي وطائفة من أصحاب أحمد بناء على أن أهل الكتاب الاعتبار فيهم بنسبتهم وهم من كان سلفهم مستمسكين به قبل النسخ والتبديل لكن جمهور العلماء ك مالك وأبي حنيفة وأحمد في المنصوص عنه على أن الاعتبار بنفس الرجل لا ينسبه كما دل على ذلك الكتاب والسنة وإجماع الصحابة

والمقصود هنا أنه من رجح بعض أقوال الفلاسفة التي يخالفون فيها أقوال أهل الملل كان شرا ممن رجح بعض أقوال اليهود والنصارى على أقوال المسلمين

وإذا كانت الطريق التي سلكها أهل طريقة الأعراض والتركيب والاختصاص من أهل الكلام يوجب أن يصلوا إلى حد يرجحون فيه طريقة الفلاسفة على طريقة سلفهم من أهل الكلام علم بذلك أنهم جعلوا دين سلفهم المتكلمين أنقص من دين اليهود والنصارى بدرجتين إن كانوا مسلمين وإن لم يكونوا مسلمين جعلوا قول الفلاسفة الملحدين خيرا من قول الأنبياء والمرسلين فإنهم رجحوا كلام الفلاسفة على كلام سلفهم المتكلمين مع اعتقادهم أن أقوال الفلاسفة المناقضة لقول الرسول ﷺ باطلة وأن اليهود والنصارى خير من الفلاسفة لزم الأول

وإن اعتقدوا أن قول الفلاسفة خير من قول سلفهم وقول سلفهم هو قول الأنبياء لزمهم أن يجعلوا قول الفلاسفة خيرا من قول الأنبياء فإن طرودا قولهم لزمهم ترجيح اليهود والنصارى على سلفهم أو ترجيح الفلاسفة على الأنبياء

وممن كان أقل علما وإيمانا منهم مال إلى القول الثاني ومن كان أعظم علما وإيمانا كان ميله إلى الأول أهون عليه فإن كفر لا حيلة فيه اللهم إلا أن يسلكوا مسلك القرامطة الباطنية فيدعون أن ما أظهرته الأنبياء من الأقوال والأفعال إنما هو للجهال والعامة دون الخاصة وأن لهذه الأقوال والأعمال بواطن تخالف ما أظهروه

وحينئذ فهؤلاء شر الطوائف هم شر من اليهود والنصارى ومن الفلاسفة المشركين القدماء الذين لم تقم عليهم حجة بكتاب منزل ونبي مرسل فإن أولئك وإن كانوا ضالين فهؤلاء شركوهم في الضلال ولكن هؤلاء حصل من حجة الله عليهم بكتابه ورسوله ومن كفرهم الذين يستحقون العقوبة عليه ما لم نعلمه من حال أولئك

وإن كان أولئك قد بلغهم نبوة بعض الأنبياء وأرسل إليهم رسول فليس هو مثل محمد ﷺ بل نعلم قطعا أنهم لم يأتهم كتاب مثل القرآن ولا رسول مثل محمد ﷺ ولا شريعة كشريعته

وكل من علم حاله يعلم بالاضرار من دينه أنه أخبر أن الله خلق السموات والأرض في ستة أيام وأنه خالق كل شيء وأن هذه الأفلاك ليست قديمة أزلية فالقائل بذلك مناقض لأخباره وأخبار موسى وغيرهما من المرسلين مناقضة لا يتمارى فيها من له معرفة بذلك وأي هذين الوجهين اختاره السالك فما فيه مختار

وأصل هذا الضلال جهلهم بحقيقة ما جاء به الرسول ﷺ ونصرهم لما يظنونه جاء به بما يظنونه من المعقول ومعارضتهم لما يعلم أنه جاء به بما يظنونه من المعقول وتوهمهم تعارض صحيح المنقول وصريح المعقول وهذا هو الكلام الذي عابه السلف والأئمة

وأما أهل المعرفة العالمون بالمعقول والمنقول فلا يقولون في سلفهم ما هو من لوازم قولهم كما أنهم لا يقولون في الأنبياء ذلك بل يعلمون قطعا أن كلام الأنبياء هو الحق وكل ما ناقضه من قول متفلسف أو متكلم أو غيرهما فباطل وأنه لا يجوز أن يكون في العقل ما يناقض قول الأنبياء ولا يجوز تعارض الأدلة العلمية السمعية والعقلية أبدا ويعلمون أن جنس المتكلمين أقرب إلى المعقول والمنقول من جنس كلام الفلاسفة وإن كان الفلاسفة قد يصيبون أحيانا كما أن جنس المسلمين خير من جنس أهل الكتابين وإن كان قد يوجد في أهل الكتاب من له عقل وصدق وأمانة لا توجد في كثير من المنتسبين إلى الإسلام

كما قال تعالى: { ومن أهل الكتاب من إن تأمنه بقنطار يؤده إليك ومنهم من إن تأمنه بدينار لا يؤده إليك إلا ما دمت عليه قائما } [ آل عمران: 75 ]

وهم يعلمون مع هذا أن كل من كان مؤمنا بنبوة محمد ﷺ باطنا وظاهرا على الوجه الذي يرضاه الله فهو خير من كل كتابي لكن من المظهرين للإسلام من المنافقين من يكون في الآخرة أشد عذابا من بعض اليهود والنصارى فإن المنافقين في الدرك الأسفل من النار والإسلام الظاهر يتناول المؤمن والمنافق والسعداء في الآخرة هم المؤمنون دون المنافقين والمنافقون وإن أجريت عليهم في الدنيا أحكام الإسلام فما لهم في الآخرة من خلاق

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55