درء تعارض العقل والنقل/37

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: ابن تيمية


كلام أبي الفرج صدقة بن الحسين[عدل]

وكثير من النزاع في ذلك قد يكون لفظيا وقد رأيت من ذلك عجائب كطائفة من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد سلكوا الطريقة الأولى ونسبوا من خالفهم في ذلك إلى الجهل والغباوة حتى أن بعض متأخري أصحاب أحمد وهو أبو الفرج صدقة ابن الحسين البغدادي صنف مصنفا سماه محجة الساري في معرفة الباري سلك فيه مسلك ابن عقيل وأمثاله من المتكلمين المنتسبين إلى السنة مشوب من كلام المعتزلة مع مخالفتهم لهم في شعار مذهبهم فذكر أنه سئل عن المعرفة بأي طريق تحصل؟ ومن أي طريق تجب؟ وأن يبين اختلاف الناس في ذلك وذكر أن الناس تنازعوا في أول واجب على الإنسان بعد سن البلوغ والعقل هل هو النظر أو المعرفة؟ وأنهم اتفقوا على وجوب المعرفة واختلفوا في طريقه

قال: ( فذهب أهل الحق والسنة والجماعة إلى أن طريق الوجوب هو السمع والنقل وقالت المعتزلة: طريق الوجوب هو العقل )

ثم قال: ( وهنا مزلة أقدام لبعض أصحابنا الحنابلة لأنهم إذا سئلوا مطلقا عن معرفة الله وقيل لهم: بم يعرف الله؟ قالوا: بالشرع من غير فصل بين الوجوب والحصول )

قال: ( وقد نبهتهم على هذا غير مرة فما هبوا من رقدتهم ولا انتبهوا من سنتهم )

ثم ذكر قول الإمامية والباطنية وأن المعرفة تحصل عندهم بقول الرسول والإمام المعصوم دون نظر العقل وتكلم في مسألة نفي الوجوب العقلي بما ليس هذا موضعه

وتكلم في طرق المعلومات بالكلام المعروف لأهل هذه الطريقة وأن منها ما لا يعلم إلا بالعقل ومنها ما لا يعلم بالسمع ومنها ما يعلم بهما فالذي لا يعلم إلا بالعقل: علمنا بأنه لا بد من موجود قديم لأن الكل لو كان حادثا لكان حادثا بلا سبب وهذه المعرفة تتقدم على ورود الرسول فلا حاجة فيها إلى الرسول بل مثاله علمنا بدلالة معجزة رسول الله ﷺ على صدقه والذي يعلم بمجرد التعليم من النبي المعصوم مثل علمنا بمقادير العبادات الواجبة وما يتعلق بالآخرة من الجنة والنار وعذاب القبر والحساب والميزان وغير ذلك

قال: ( فالرسول ﷺ إنما بعث ليفصل الشرع وليشرح أمر الآخرة فأما معرفة افتقار هذا العالم إلى صانع قادر على إرسال الرسل فهو متقدم على قول الرسول فكيف يكون مستفادا من قول الرسول؟ فمعرفة المرسل إذا تقدم على معرفة الرسول ومعرفة صدقه فكيف يعرف بقول الرسول؟ قال: وأما مثال ما يدرك بالعقل والسمع جميعا فهو كرؤية الله تعالى وكونه خالقا لأعمال العباد فهذا مما يعلم بمجرد السمع وبمجرد العقل

ثم قال: ( وأما حجتنا في حصول المعرفة بمجرد العقل فقوله تعالى: { أفلا ينظرون إلى الإبل كيف خلقت * وإلى السماء كيف رفعت * وإلى الجبال كيف نصبت * وإلى الأرض كيف سطحت } وقال في موضع آخر { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } وقال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } فهذا كله دعوة إلى الدلائل العقلية وهو التأمل في الآيات الدالة على حدوث العالم وقدم الصانع من غير شرط على ما نبنيه من بعد )

قال: ( ولأنه بالعقل يستدل بالشاهد على الغائب وبالبناء على الباني وبالكتابة على الكتاب من غير سماع خطاب )

قال: ( وآثار صنع الباري - عزت قدرته - في الموجودات أكثر وأظهر من كل دليل وكل من وقف على آثار صنعته بنور عقله يقع له العلم بوجود الصانع إذ لا يتصور مصنوع بلا صانع ولا مخلوق بلا خالق )

قال: ( والدليل على أن النظر أول الواجبات هو أن سائر الواجبات من الصلاة والصيام إنما يوجد بعد المعرفة لأن إنما يصح أن يتقرب إلى الله من يعرفه فصارت المعرفة متقدمة على سائر الواجبات والنظر متقدم على المعرفة لأنه طريق إليها وطريق الشيء متقدم عليه فصح أن النظر متقدم على كل شيء واجب وهنا التقدم في النظر إنما هو في وجوده لا في وجوبه وإلا فالواجب الأول هو المعرفة يعني: الواجب قصدا )

قال: ( والحاجة التي دعت إلى النظر هو أنه لا طريق إلى المعرفة إلا به والدليل على ذلك أن المعرفة إما تكون واقعة مبتدأة كمعرفة العاقل أن العشرة أكثر من الخمسة وإما أن تكون واقعة عن طريق كمعرفتنا بالمدركات إذا أدركناها بحواسنا الخمس وكمعرفتنا بما غاب عنا إذا أخبرنا به خلق عظيم شاهدوه نحو معرفتنا بمكة من جهة الخبر وإما أن تكون بالاستدلال كاستدلالنا بالبناء على الباني )

قال: ( ومعلوم أن معرفة الله تعالى لا تجري مجرى معرفتنا بأن العشرة أكثر من الخمسة لأنه لو جرت هذا المجرى لاستغنينا عن الاستدلال عليه كما نستغني عن الاستدلال على أن العشرة أكثر من الخمسة ومعلوم أن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال على الله تعالى ولا يجوز أن تكون معرفتنا بالله تعالى لإدراك الحواس لأنه لا يجوز أن يدرك بشيء منها في الدنيا ولا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة وليس أحد يخبرنا بالله عن مشاهدة ولا يجوز أن تكون معرفته بطريق الإلهام كما زعمت طائفة من الصوفية وبعض الشيعة لأن الإلهام هو تخايل يقع في القلب قد يكون ذلك من الله وقد يكون من وسوسة الشيطان وليس على أحدهما دليل يدل عليه ولأن من يدعي الإلهام يمكن خصمه أن يدعي خلافه فإنه إذا قال: ألهمت بكذا فيقول خصمه: وأنا ألهمت بكذا فكان العمل به عملا بلا دليل ألا ترى أن صاحب الشرع أمرنا بالاجتهاد عند فقد النصوص؟ هو عمل بدلالة النصوص كما روي في حديث معاذ )

قال: ( ولا يلزم على هذا التحري في الأواني وغيرها في الشرع فإنه عمل بشهادة القلب لأنه هناك ليس ثم دليل سواه

وذلك ليس من قبل ما ذكرنا لأن الإلهام لا يصلح حجة لإلزام الحكم على الغير وكذلك التحري أيضا لا يصلح للإلزام على غيره وإنما اعتبر لجواز العمل في حق نفسه عند عدم سائر الأدلة أما المشروعات فلا يتصور أن تنفك عن نوع دليل: إما الكتاب أو السنة أو إجماع أو قياس فلا ضرورة في العمل بغير حجة ودليل فإذا بطلت هذه الأقسام كلها ثبت أنه لا طريق إلى معرفة الله إلا بالنظر )

قال: ( فإن قيل: بماذا تعلمون أن في العقول حجة ودليلا؟ قيل: بأن تبين في كل مسألة تبيينا عقليا يفضي النظر فيه إلى العلم فإن قيل لم قلتم إن معرفة الله لا تنال إلا بالنظر في حجة العقل؟ قيل: الدلالة على ذلك: أن الكتاب إنما يصح أن يستدل به إذا علم أنه كلام الله الحكيم فيجب تقدم العلم بالله وحكمته وبأن هذا كلامه وإنما لم يصح الاستدلال عليه بالسنة لأنه إنما يصح الاستدلال بها إذا ثبت أنها كلام رسول الله ﷺ الحكيم فيجب تقدم العلم بالله وحكمته وأن هذا الرسول رسوله وإنما لم يصح الاستدلال بالإجماع على الله لأنه إنما يصح الاستدلال بالإجماع بعد أن يعلم أن الله ورسوله قد شهدا بأنه حجة فيجب تقدم العلم بالله فصح أن العلم بالله لا يستفاد بغير حجة العقل )

قال: ( فإن قيل فما الدليل الذي يؤدي النظر فيه إلى معرفة الله تعالى؟ قيل: نفسك وسائر ما تشاهدوه من الأجسام فوجه دلالة الإنسان من نفسه على الله تعالى أنه قد كان نطفة ثم تقلبت به الأحوال إلى أن انتهى إلى حال الكمال فلا بد لهذا التنقل والتغير من مغير ولم يكن التغير في وقت أولى من وقت فلا يخلو ذلك المغير إما أن يكون قد اقتضى تغيرها على سبيل الإيجاب من غير اختيار بالطبع أو القالب أو يكون اقتضى تغيرها على سبيل الاختبار وهو الفاعل ولا يخلو ذلك الفاعل إما أن يكون هو الإنسان أو غيره وإن كان غيره فلا يخلو إما أن يكون من جنسه أو من غير جنسه فإن كان من جنسه فإما أن يكون أبويه أو غيرهما فإن كان من غير جنسه فهو قولنا وسنبطل سائر الأقسام ونثبت هذا الأخير أما أنه لا يجوز أن يكون الإنسان قد تشكل لأجل أن الرحم على شكل القالب فلأن الكلام فيمن شكل ذلك القالب كالكلام فيمن شكل الإنسان ولأن القالب يقتضي تشكيل ظاهر ما يلقى فيه فما الذي اقتضى تشكيل باطن الإنسان ووضع أجزاء الباطن مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون المقتضى لتغيير الإنسان وتشكيله طبيعية غير عالمة ولا مختارة لأن الإنسان أبلغ في الترتيب والحكمة من بناء دار وصناعة تاج

وكما لم يجز أن يحصل ذلك ممن ليس بعالم فكذلك الإنسان ألا ترى أن أعضاء الإنسان مقسومة على حسب المنفعة وموضوعة مواضعها؟ ولا يجوز أن يكون الإنسان هو الذي غير نفسه من حال إلى حال لأنه لو قدر على ذلك في حال ضعفه لكان في حال كماله أقدر وإذا عجز عن خلق مثله وخلق أعضائه في حال كماله فهو عن ذلك في حال الضعف أعجز ولا يجوز أن يكون المغير له من حال إلى حال أبويه لأنه ليس يجري على حسب إيثارهما ألا ترى أنهما يريدانه فلا يكون ويكرهانه فيكون؟ ويريدانه ذكرا فيكون أنثى ويريدانه أنثى فيكون ذكرا؟ فإذا لم يكن لأبويه في ذلك تأثير فغيرهما مما لا تعلق له به أجدر فصح أن للإنسان فاعلا مخالفا له وهو الله تعالى )

قال: ( فإن قيل: فكيف يدل غير على الله؟ قيل: إن الأجسام لا تخلو عن الحركة والسكون والاجتماع والافتراق وهذه حوادث فيجب أن يكون للجسم محدثا إذ لم يتقدم الحوادث والدليل على أن الأجسام محدثة هو أن الأجسام محدثة وكل محدث يحتاج إلى محدث )

قال: ( وهذا الكلام يشتمل على أصلين: أحدهما: أن الأجسام محدثة والثاني: أن كل محدث يحتاج إلى محدث أما الأصل الأول فالغرض به أن يدل على أن الجواهر والأجسام محدثة غير قديمة ولا يصح أن تثبت صفة لشيء وتنقى صفة عن شيء إلا وقد عرفنا ما تثبت له الصفة والصفة التي نثبتها والصفة التي ننفيها فيجب أن نذكر ما الجوهر وما الجسم وما القديم وما المحدث ولما كان الوصلة إلى حدوث الجسم هو العرض الذي هو الحركة والسكون والكون والاجتماع والافتراق ولم يصح أن يتوصل بما لا نعرفه وجب أن نبين ما العرض وما الكون وما الحركة وما السكون وما الاجتماع والافتراق فالجوهر هو الذي يشغل الحيز في وجوده ويصح أن تحله الأعراض ومعنى شغله الحيز أن يوجد في جهة ومكان فيحوزه ويمنع مثله من أن يوجد معه بحيث هو والجسم هو المؤلف عند قوم: هو الطويل العميق والقديم هو: الموجود الذي لم يزل والذي لا أول لوجوده والمحدث هو الذي لوجوده أول والعرض هو ما يعرض في الوجود ولا يكون له لبث كلبث الجواهر والأجسام وذلك أن ما قل لبثه بالإضافة إلى غيره سموه عارضا قال الله تعالى: { هذا عارض ممطرنا } وذلك نحو الحركة والسكون والحركة زوال الجسم من مكان إلى مكان والسكون لبث الجوهر في المكان أكثر من وقت واحد والكون ما به كون الجوهر في مكان دون مكان والاجتماع كونا جوهرين متماسين والافتراق كونا جوهرين غير متماسين )

قال: ( وإذ قد ذكرنا حدود هذه الأشياء فلندل على حدوث الأجسام فنقول: إن الأجسام لم تسبق الحركة والسكون المحدثين وكل ما لم يسبق المحدث فهو محدث )

ثم إنه ساق هذه الحجة إلى آخرها كما ساقها من قبله مثل ابن عقيل ونحوه وقبلهم أبو الحسين البصري وأمثاله الذين هم أئمة هذه الحجة وقد ذكرنا سياق أبي الحسين لها فلا حاجة إلى تكريرها

وقال: ( فإن قيل: فما تقولون فيمن حصلت له هذه المعرفة بمجرد التقليد أو غيره؟ أيكون عارفا بالله مؤمنا؟ قيل: نعم إلا أنه يكون مأثوما بترك ما وجب عليه من النظر )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: أما هذه الحجة: حجة الأعراض فقد عرف اعتراض الناس عليه وذمهم لها وأما الحجة المتقدمة وهي الاستدلال بحدوث الإنسان فإنها حجة صحيحة وهي من الحجج التي دل عليها القرآن وأرشد إليها

والمقصود هنا أن هذا وأمثاله ممن يقولون: إن المعرفة لا تحصل إلا بالعقل ويشنعون على من يقول: إنها تحصل بالسمع من أصحابهم وغير أصحابهم إذا تدبر كثير من كلام أصحابهم الذين ينازعهم هؤلاء تبين أن نزاعهم لهم ليس في نفس ما ثبت معرفته بمجرد العقل بل في أمر آخر

والمعنى الذي أراد أولئك أنه يحصل بالسمع ليس هو المعنى الذي اتفقوا على أنه لا يحصل إلا بالعقل كما ذكر ذلك الشريف أبو علي بن أبي موسى وغيره وسنذكر إن شاء الله تعالى بعض كلامهم فالنزاع بينهم وبين كثير من أصحابهم قد يكون لفظيا وقد يكون معنويا فإن المقدمات التي حصروا بها المعرفة في طريقهم ينازعهم الناس في كل واحدة منها وإن تنوع المنازعون وهذا كله بناء على أن دلالة السمع هي مجرد خبر المخبر الصادق كما هو اصطلاح هؤلاء

وأما إذا عرف أن دلالة السمع تتناول الأخبار وتتناول الإرشاد والتنبيه والبيان للدلائل العقلية وأن الناس كما يستفيدون من كلام المصنفين والمعلمين الأدلة العقلية التي تبين لهم الحق فاستفادتهم ذلك من كلام الله أكمل وأفضل

فتلك الأدلة عقلية باعتبار أن العقل يعلم صحتها إذا نبه عليها وهي شرعية باعتبار أن الشرع دل عليها وهدى إليها فعلى هذا التقدير تكون الدلائل حينئذ شرعية عقلية

وعلى هذا فقد يقال: الأدلة الشرعية نوعان: عقلي وسمعي فالعقلي ما دل الشرع عليه من المعقولات والسمعي ما دل بمجرد الإخبار وقد ذكرنا في غير هذا الموضع أن أئمة النظار معترفون باشتمال القرآن على الدلائل العقلية وأما على اصطلاح أولئك فكثيرا ما يعنون بالدليل الشرعي الدليل السمعي الخبري وهو مجرد خبر الشارع الصادق فعلى اصطلاحهم ينازعهم الناس في تلك المقدمات العقلية التي زعموا أن المعرفة لا تحصل إلا بها

فأما المقدمة الأولى وهي قولهم: إن المعرفة لا تحصل مبتدأة في النفس بل لا بد لها من طريق فهي من موارد النزاع فإذا قيل لهم: إنها قد تحصل في النفس مبتدأة لم يكن لها على نفي ذلك دليل إلا مجرد الاستقراء الذي هو: إما فاسد وإما ناقص

وقولهم: إن نفوس العقلاء تتشوف إلى الاستدلال يقول لهم المنازعون: لا نسلم أن جميع العقلاء كذلك بل جمهور العقلاء مطمئنون إلى الإقرار بالله تعالى وهم مفطورون على ذلك ولهذا إذا ذكر لأحدهم اسمه تعالى وجد نفسه ذاكرة له مقبلة عليه كما إذا ذكر له ما هو عنده من المخلوقات

والمتجاهل الذي يقول: إنه لا يعرفه هو عند الناس أعظم تجاهلا ممن يقول: إنه لا يعرف ما تواتر خبره من الأنبياء والملوك والمدائن والوقائع وذلك عندهم أعظم سفسطة من غيره من أنواع السفسطة

ولهذا من تتبع مقالات الناس المخالفة للحس والعقل وجد المسفسطين فيها أعظم بكثير من المسفسطين المنكرين للصانع فعلم أن معرفته في الفطرة أثبت وأقوى إذ كان وجود العبد ملزوم وجوده وحاجته معلقة به سبحانه وتعالى بل كل ما يخطر بقلب العبد ويريده فهو ملزوم له وخواطر العباد وإرادتهم لا نهاية لها وانتقال الذهن من الملزوم إلى اللازم لا ينحصر بل إقرار القلوب به قد لا يحتاج إلى وسط وطريق بل القلوب مفطورة على الإقرار به أعظم من كونها مفطورة على الإقرار بغيره من الموجودات

وأشهر من عرف تجاهله وتظاهره بإنكار الصانع فرعون وقد كان مستيقنا في الباطن كما قال له موسى: { لقد علمت ما أنزل هؤلاء إلا رب السماوات والأرض بصائر } وقال تعالى عنه وعن قومه: { وجحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلما وعلوا }

ولهذا قال: { وما رب العالمين } على وجه الإنكار له قال له موسى: { رب السماوات والأرض وما بينهما إن كنتم موقنين * قال لمن حوله ألا تستمعون * قال ربكم ورب آبائكم الأولين * قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون * قال رب المشرق والمغرب وما بينهما إن كنتم تعقلون } وقد زعم طائفة أن فرعون استفهم استفهام استعلام فسأله عن الماهية وأن المسؤول عنه لما لم يكن له ماهية عجز موسى عن الجواب

وهذا غلط وعلى هذا التقدير يكون استفهم استفهام إنكار وجحد كما دل سائر آيات القرآن على أن فرعون كان جاحدا لله نافيا له لم يكن مثبتا له طالبا للعلم بماهيته

فلهذا بين لهم موسى أنه معروف وأن آياته ودلائل ربوبيته أظهر وأشهر من أن يسأل عنه بما هو فإن هذا إنما هو سؤال عما يجهل وهو سبحانه أعرف وأظهر وأبين من أن يجهل بل معرفته مستقرة في الفطرة أعظم من معرفة كل معروف وهو سبحانه له المثل الأعلى في السماوات والأرض وهو في السماء إله وفي الأرض فأهل السماوات والأرض يعرفونه ويعبدونه وإن كان أكثر أهل الأرض كما قال تعالى: { وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون }

ولهذا قالت الأنبياء عليهم السلام لأمهم: { أفي الله شك فاطر السماوات والأرض } وهذا استفهام إنكار يتضمن النفي ويبين أنه ليس في الله شك

وقول القائل: ليس في هذا شك يراد به أنه قد بلغ في الظهور والوضوح ولزوم معرفته إلى حيث لا ينبغي أن يشك فيه وإلى حيث لا يشك فيه وعلى كلا التقديرين يتبين أن الإقرار بالصانع بهذه المثابة

وأما الطريق الثاني وهو إدراك الحواس فلا ريب أنهم لا يقولون إنهم يدركونه بالحس الظاهر بل يقولون: إن الحس نوعان: ظاهر وباطن والإنسان يحس بباطنه الأمور الباطنة كالجوع والعطش والشبع والري والفرح والحزن واللذة والألم ونحو ذلك من أحوال النفس فهكذا يحسون ما في بطونهم من محبته سبحانه وتعظيمه والذل له والافتقار إليه مما اضطروا إليه وفطروا عليه ويحسون أيضا ما يحصل في بواطنهم من المعرفة المتضمنة لمثله الأعلى في قلوبهم

والإحساس نوعان: نوع بلا واسطة كالإحساس بنفس الشمس والقمر والكواكب وإحساس بواسطة: كالإحساس بالشمس والقمر والكواكب في مرآه أو ماء أو نحو ذلك

والقلوب مفطورة على أن يتجلى لها من الحقائق ما هي مستعدة لتجليها فيها فإذا تجلى فيها شيء أحست به إحساسا باطنا تجليه فيها

وأيضا فنفس مشاهدة القلوب لنفسه تبارك وتعالى أمر ممكن وإن كان ذلك قد يقال: إنه مختص ببعض الخلق كما قال أبو ذر وابن عباس وغيرهما من السلف: [ إن نبينا ﷺ رأى ربه بفؤاده ] وقال ابن عباس: رآه بفؤاده مرتين

فهذا النوع إذا كان ممكنا وقد قيل: إنه واقع لم يمكن نفيه إلا بدليل وأما الرؤية بالعين في الدنيا وإن كانت ممكنة عند السلف والأئمة لكن لم تثبت لأحد ولم يدعها أحد من العلماء لأحد إلا لنبينا ﷺ على قول بعضهم وقد ادعاها طائفة من الصوفية لغيره لكن هذا باطل لأنه قد ثبت بدلالة الكتاب والسنة أن أحدا لا يراه في الدنيا بعينه

وفي الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: [ واعلموا أن أحدا منكم لن يرى ربه حتى يموت ]

وقد بسطنا الكلام على مسألة الرؤية في غير هذا الموضع وبينا أن النصوص عن الإمام أحمد وأمثاله من الأئمة هو الثابت عن ابن عباس من أنه يقال: رآه بقلبه أو: رآه بفؤاده

وأما تقييد الرؤية العين فلم يثبت لا عن ابن عباس ولا عن أحمد

والذي في الصحيح [ عن أبي ذر أنه سأل النبي ﷺ هل رأيت ربك؟ قال: نور أنى أراه ] ! وقد روى أحمد بإسناده عن أبي ذر أنه رآه بفؤاده واعتمد أحمد على قول أبي ذر لأن أبا ذر سأل النبي ﷺ عن هذه المسألة وأجابه - وهو أعلم بمعنى ما أجابه به النبي ﷺ فلما ثبت أنه رآه بفؤاده دل ذلك على مراده

وأما قولهم: لا يجوز أن تكون معرفتنا به واقعة بالخبر لأن الخبر إنما يفضي إلى المعرفة إذا أخبر به خلق كثير عن مشاهدة وليس أحد يخبر بالله عن مشاهدة

فهذا مما ينازعهم فيه المنازعون ويقولون: ليس من شرط أهل التواتر أن يخبروا عن مشاهدة بل إذا أخبروا عن علم ضروري حصل العلم بمخبر أخبارهم وإن لم يكن المخبر مشاهدا

والمعرفة بالله قد تقع ضرورة وإذا كان كذلك أمكن المعرفة بتصديق أخبار المخبرين عن المعرفة الحاصلة ضرورة إلى ترى أن ما يخبر به الناس عن أنفسهم من لذة الجماع وكثير من المطاعم والمشارب بل ولذه العلم والعبادة والرئاسة وحال السكر والعشق وغير ذلك من الأمور الباطنة تحصل المعرفة بوجودها بالتواتر لمن لم يجدها من نفسه ولا عرفها بالضرورة في باطنه؟ وليست أمرا مشاهدا بل إطباق الناس على وصف رجل بالعلم أو العدل أو الشجاعة أو الكرم أو المكر أو الدهاء أو غير ذلك من الأمور النفسانية التي لا تعلم بمجرد المشاهدة يوجب العلم بذلك لمن تواترت هذه الأخبار عنده وإن لم يكن المخبرون أخبروا عن مشاهدة وكذلك الإخبار عن ظلم الظالمين

ولهذا كانت العداله والفسق تثبت بالاستفاضة ويشهد بها بذلك كما يشهد المسلمون كلهم أن عمر بن عبد العزيز كان عادلا وأن الحجاج كان ظالما والعدل والظلم ليس أمرا مشاهدا بالظاهر فإن الإنسان أكثر ما يشاهد الأفعال كما يسمع الأقوال فإذا رأى رجلا يعطى ويقتل شاهد الفعل أما كونه قتل بحق أو بغير حق أو أعطى عدلا وإحسانا أو غير عدل وأحسان فهذا لا يعلم بمجرد المشاهدة بل لابد من دخول العقل في هذا العلم

وكذلك من لا يعرف الطب والنحو: إذا رأى ما تواتر عند أهل الطب والنحاة من علم أبقراط وجالينوس وأمثالهما والخليل وسيبويه علم أن هؤلاء علماء بالطب والنحو وإن لم يعرف هو الطب والنحو وليست معرفة المخبرين بذلك عن المشاهدة

بل وكذلك إذا تواتر عنده كلام الناس بالإخبار عن علم مالك والشافعي وأحمد ويحيى بن معين والبخاري ومسلم وأمثالهم بالفقه والحديث علم علمهم بذلك وإن كان المخبرون لم يخبروا عن مشاهدة لكن من رآى كلام هؤلاء من أهل الخبرة بالفقه والحديث علم بالضرورة أنهم علماء بذلك ثم هؤلاء يخبرون بذلك غيرهم فيتواتر ذلك عند هؤلاء

وكذلك القضايا الحسابية كالعلم بالمضروبات والمنسوبات والمجموعات ونحو ذلك هو ضروري لمن علمه فإذا أخبر أهل تواتر بذلك لواحد حصل له العلم بذلك وإن كانوا إنما أخبروا عن علم ضروري

وهكذا العلم بصدق الصادق وكذب الكاذب يعلمه من باشره وجربه ضرورة ويعلمه من تواتر ذلك عنده بطريق الخبر ولهذا كان العلم بأن محمدا ﷺ كان صادقا معروفا بالصدق لا يكذب متواترا عند من لم يباشره لأن الذين جربوه من أعدائه وغيرهم كانوا متفقين على أنه صادق أمين حتى أن هرقل لما سأل أبا سفيان - وكان حين سأله من أشد الناس عداوة لرسول الله ﷺ -: هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال؟ فقال أبو سفيان: لا فأخبر أنه - هو وغيره من قريش - لم يكونوا يتهمونه بالكذب فضلا عن أن يخبروا عنه بالكذب وكانوا يسمونه الأمين

ولما كان أبو سفيان مخبرا بهذا بين جماعة من قومه يقرونه على ذلك مع قيام المقتضى للتكذيب لو كان قد كذب استفاد هرقل بهذا أنه لا يكذب فقال: قد علمت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله

وهذا وأمثاله باب واسع فالعلم بمخبر الأخبار يحصل إذا كان المخبر عالما بالضرورة سواء كان المخبر مشاهدا أو لم يكن

وأما طريقة الإلهام فالإلهام الذي يدعى في هذا الباب هو عند أهله علم ضروري لا يمكنهم دفعه عن أنفسهم أو مستند إلى أدلة خفية لا تقبل النقض فلا يمكن أن يكون باطلا

وأما الاستدلال على الأحكام بالإلهام فتلك مسألة أخرى ليس هذا موضعها والكلام في ذلك متصل بالكلام على الاستحسان والرأي وأنواعهما وأن ما يعنيه هذا بالاستحسان قد يعنيه هذا بالإلهام وليس الكلام فيما علم فساده من الإلهام لمخالفته دليل الحس والعقل والشرع فإن هذا باطل بل الكلام فيما يوافق هذه الأدلة لا يخالفها

وليس من الممتنع وجود العلم بثبوت الصانع وصدق رسوله إلهاما فدعوى المدعي امتناع ذلك يفتقر إلى دليل

فطرق المعارف متنوعة في نفسها والمعرفة بالله أعظم المعارف وطرفها أوسع وأعظم من غيرها فمن حصرها في طريق معين بغير دليل يوجب نفيا عاما لما سوى تلك الطريق لم يقبل منه فإن النافي عليه الدليل كما أن المثبت عليه الدليل

نعم من نفى تلك بحسب علمه لم ينازع في ذلك فإذ قال: لا أعلم طريقا آخر أو لم يحصل لي ولمن عرفته طريق آخر كان نافيا لعلمه ولما علم وجوده لا نافيا للأمور المحققة في نفس الأمر

كلام العلماء في ذم علم الكلام[عدل]

فهذا الكلام وأمثاله يرد على النزاع المعنوي ولهذا كان كثير من الفضلاء الذين يوجبون هذه الطريقة ويصححونها قد رجعوا عن ذلك وتبين لهم ذم هذا الكلام بل بطلانه كما يوجد مثل ذلك في كلام غير واحد منهم مثل أبي المعالي وابن عقيل وأبي حامد والرازي وغيرهم من الذين يصححون هذه الطريق بل يوجبونها تارة ثم إنهم ذموها أو أبطلوها تارة

قال أبو المعالي في آخر عمره: ( خليت أهل الإسلام وعلومهم وركبت البحر الخضم وغصت في الذي نهوا عنه والآن قد رجعت عن الكل إلى كلمة الحق عليكم بدين العجائز فإن لم يدركني الحق ببره فأموت على دين العجائز وإلا فالويل لابن الجويني )

وسأل رجل ابن عقيل فقال له: هل ترى لي أن أقرأ الكلام فإني أحسن من نفسي بذكاء؟ فقال له: ( إن الدين النصيحة فأنت الآن على مابك مسلم سليم وإن لم تنظر في الجزء - يعني الجوهر الفرد - وتعرف الطفرة - يعني طفرة النظام - ولم تخطر ببالك الأحوال ولا عرفت الخلاء والملاء والجوهر والعرض وهل يبقى العرض زمانين وهل القدرة مع الفعل او قبله وهل الصفات زوائد على الذات وهل الاسم المسمى أو غيره وهل الروح جسم أو عرض فإني أقطع أن الصحابة ماتوا وما عرفوا ذلك ولا تذاكروه فإن رضيت أن تكون مثلهم بإيمان ليس فيه معرفة هذا فكن وإن رأيت طريقة المتكلمين اليوم أجود من طريقة أبي بكر وعمر والجماعة فبئس الاعتقاد والرأي )

قال: ( ثم هذا علم الكلام قد أفضى بأربابه إلى الشكوك وأخرج كثيرا منهم إلى الإلحاد بشم روائح الإلحاد من فلتات كلامهم وأصل ذلك كله أنهم ما قنعوا بما قنعت به الشرائع وطلبوا الحقائق وليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها ولا أخرج الباري من علمه ما علمه هو من حقائق الأمور وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعات ولما راموا ما وراءها ردوا إلى مقام غايته التحكيم والتسليم وهو الذي يزرى به طائفة المتكلمين على أهل النقل والسنة وتسميهم الحشوية وإليه ينتهي المتكلمون أيضا لكنهم يتحسنون بما ليس لهم وبما لم يتحصل عندهم فهم بمثابة من يدعي الصحة بتجلده وهو سقيم ويتغانى على الفقراء وهو عديم والعقل وإن كان للتعليل طالبا فإنه يذعن بأن فوقه حكمة إلهية توجب الاستكانة والتحكيم لمن هو بعض خلقه )

قال: ( وإنما دخلت الشبه من ثلاث طرق ترجع إلى طريق واحد وذلك أن قوما نظروا إلى أن العقل هو الأصل في النظر والاستدلال اللذين هما طريقة العلم فإذا قضى العقل بشيء عولوا عليه فلما قضى بوجود صانع لهذا العالم المحكم بالقواعد أثبتوه ثم نظروا في أفعاله فرأوا هدم الأبنية المحكمة وشاهدو جزيئات لم تأت على نظام الكليات ومضمار تعقب منافع فجحدوا الأول بالآخر ففسد اعتقادهم في الكل بما عرض لهم من اختلال الجزء وقالوا: إن دل الإحكام على حكيم فقد دل الاختلال على الإهمال فشكوا والقبيل الآخر أثبتوا صانعا للكليات وأضافوا الشرور إلى صانع آخر فثنوا بعد أن وحدوا والقبيل الآخر عللوا بما انحرم بعلل لم تشف غليل العقل فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد فسلموا لمن استحق التسليم وهو الصانع وهذه طائفة أهل الحديث )

قال: ( وهذا الذي يقال له مذهب العجائز وإليه كل عالم محق )

قال: وقد ظن قوم أن مذهب العجائز ليس بشيء وليس كذلك وإنما معناه أن المدققين لما بالغوا في النظر فلم يشهدوا ما يشفي العقل من التعليلات وقفوا مع هذه الجملة التي هي مراسم )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: قول القائل: ( إن الصحابة - رضي الله عنهم - ماتوا وما عرفوا ذلك ) فيه تفصيل وذلك أن هذا الكلام فيه حق وباطل فأما الباطل فهو مثل إثبات الجوهر الفرد وطفرة النظام وامتناع بقاء العرض زمانين ونحو ذلك فهذا قد لا يخطر ببال الانبياء والأولياء من الصحابة وغيرهم وإن خطر ببال أحدهم تبين له أنه كذب فإن القول الباطل الكذب هو من باب ما لا ينقض الوضوء ليس له ضابط وإنما المطلوب معرفة الحق والعمل به وإذا وقع الباطل عرف أنه باطل ودفع وصار هذا كالنهي عن المنكر وجهاد العدو فليس كل شيء من المنكر رآه كل من الصحابة وأنكروه ومع هذا فلا يقطع على كل من الصحابة بأنهم لم يعرفوا أمثال هذه الأقاويل ويعرفوا بطلانها فإنهم فتحوا أرض الشام ومصر والمغرب والعراق وخراسان وكان بهذه البلاد من الكفار المشركين الصابئين وأهل الكتاب من كان عنده من كتب أهل الضلال من الفلاسفة وغيرهم ما فيه هذه المعاني الباطلة فربما خوطبوا بهذه المعاني بعبارة من العبارات وبينوا بطلانها لمن سألهم

والواحد منا قد يجتمع بأنواع من أهل الضلال ويسألونه عن أنواع من المسائل ويوردون عليه أنواعا من الأسولة والشبهات الباطلة فيجيبهم عنها وأكثر الناس لا يعلمون ذلك ولا ينقلونه

والشافعي وأحمد وغيرهما من الأئمة قد ناظروا أنواعا من الجهمية أهل الكلام وجرى بينهم من المعاني ما لم ينقل ولكن من عرف طريق المناظرين لهم والمسائل التي ناظروهم فيها علم ما كانوا يقولونه كالفقيه الذي يعرف أن فقيهين تناظرا في مسألة من مسأئل الفقه مثل مسألة قتل المسلم بالذمي أو القتل بالمثقل ونحو ذلك فينقل المناظرة من لم يفهم ما قالاه فيعرف الفقيه الفاضل - مما نقل - ما لم ينقل

وأما الخوض في مسألة الروح: هل هي قائمة بنفسها أم هي عرض؟ فكلام الصحابة والتابعين وغيرهم من الأئمة في أن الروح: عين بنفسها تخرج من البدن وتصعد وتعرج وتنعم وتعذب وتتكلم وتسأل وتجيب وأمثال ذلك أكثر من أن يمكن سطره هنا فكيف يقال: إن الصحابة ماتوا وما عرفوا هل الروح عين قائمة بنفسها أو صفة من الصفات؟ وإن كانوا هم كانوا لا يتخاطبون بلفظ الجسم والعرض

وكذلك قول القائل: إن الصحابة لم يعرفوا هل الصفات زوائد على الذات ليس بسديد فإن كلام الصحابة في إثبات الصفات لله تعالى أكثر وأعظم من أن يمكن سطره هنا بل كلام الصحابة في إثبات الصفات العينية الخبرية التي تسميها نفاة الصفات تجسيما أكثر من أن يمكن سطره هنا وكلامهم وكلام التابعين صريح في أنهم لم يكونوا يثبتون ذاتا مجردة عن الصفات

وأما اللفظ: هل الصفات زائدة على الذات أم لا؟ فلفظ مجمل فإن أراد به المريد أن هناك ذاتا قائمة بنفسها منفصلة عن الصفات الزائدة عليها فهذا لا يقوله أهل الإثبات ولا الصحابة وإن أراد به أن الصفات زائدة على الذات المجردة التي يعترف بها النفاة فهذا حق ولكن ليس في الخارج ذات مجردة فالسلف والأئمة لم يثبتوا ذاتا مجردة حتى يقولوا: الصفات زائدة عليها بل الذات التي أثبتوها هي الذات الموصوفة بصفات الكمال الثابتة لها وهذا المعنى متواتر في كلام الصحابة

ففي الجملة: المعاني الصحيحة الثابتة كان الصحابة أعرف الناس بها وإن كان التعبير عن تلك المعاني يختلف بحسب اختلاف الاصطلاحات والمعاني الباطلة قد لا تخطر ببال أحدهم وقد تخطر بباله فيدفعها أو يسمعها من غيره فيردها فإن ما يلقيه الشيطان من الوسواس والخطرات الباطلة ليس لها حد محدود وهو يختلف بحسب أحوال الناس

وأما ما ذكره ابن عقيل من قوله: ( ليس في قوة العقل درك لما عند الله من الحكمة التي انفرد بها إلى آخر كلامه ) فهذا كله في العلل الغائية وحكمة الأفعال وعواقبها ومسائل القدر والتعديل والتجوير فإن ابن عقيل كان - لكثرة نظره في كتب المعتزلة وما عارضها - عنده في هذا الأصل أمر عظيم وهو من أعظم الأصول التي تشعب فيها كلام الناس

وكان طوائف من المنتسبين إلى الحديث والسنة كالأشعري والقاضي أبي بكر ومن وافقهم في أصل قولهم وإن كان يختلف كلامه كالقاضي أبي يعلى وابن الزاغوني وطوائف لا يحصيهم إلا الله ينكرون التعليل جملة ولا يثبتون إلا محض المشيئة ولا يجعلون في المخلوقات والمأمورات معاني لأجلها كان الخلق والأمر إلى غير ذلك من لوازم قولهم

والمعتزلة يثبتون تعليلا متناقضا في أصله وفرعه فيثبتون للفاعل تعليلا لا تعود إليه حكمة ثم يزعمون أن كل واحد من العباد قد أراد به الفاعل كل من هو صالح له أو أصلح وفعل معه ما يقدر عليه من ذلك ويتكلمون في الآلام والتعويضات والثواب والعقاب بكلام فيه من التناقض والفضائح ما لا يحصى

وفي ذلك الحكاية المشهورة لأبي الحسن الأشعري مع أبي علي الجبائي لما سأله عن إخوة ثلاثة: مات أحدهم قبل البلوغ والآخر بلغ فكفر والآخر بلغ فآمن وأصلح فرفع الله درجات هذا في الجنة والصغير جعله دونه في الجنة والكافر أدخله النار فقال له الصغير: يارب ارفعني إلى درجة أخي قال: إنك لا تستحق ذلك فإن أخاك عمل عملا صالحا استحق به ذلك فقال: يارب إنك أحييته حتى بلغ وأنا أمتني فلو أبقيتني لعملت مثل ما عمل فقال له: إنه كان في علمي إنك لو بقيت لكفرت فاخترتك إحسانا إليك

قال: فصرخ الكافر من النار: يارب فهلا أمتني قبل البلوغ ما فعلت بهذا؟ قالوا: فما سأله عن ذلك انقطع

ولهم على الكلام أبي الحسن اجوبة لها موضع آخر

والمقصود هنا أن ابن عقيل نظر في تعليلات المعتزلة فرآها عليلة ورأى أنه لا بد من إثبات الحكمة والتعليل في الجملة خلافا لما كان ينصره شيخه القاضي أبو يعلى: فصار يثبت الحكمة والتعليل من حيث الجملة ويقر بالعجز عن التفصيل

والقاضي أبو خازم بن القاضي أبي يعلى في كتابه المصنف في أصول الدين الذي رتبه ترتيب محمد بن الهيصم في كتابه المسمى بجمل المقالات يسلك مسلك من أثبت الحكمة والمصلحة العامة التي تجب مراعاتها وإن أفضى ذلك إلى مفسدة جزيئة كما يشخد ذلك في المخلوقات والمأمورات وهذا مذهب الفقهاء في تعليل الشرعيات وهو مذهب كثير من النظار أو أكثرهم في تعليل المخلوقات كما ذهب إلى ذلك الكرامية والفلاسفة وغيرهم من الطوائف وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع

ولم يرد ابن عقيل بقوله: ( وقد درج الصدر الأول على ما درج عليه الأنبياء من هذه الإقناعيات ) والإقناعيات تكون في الأدلة الدالة على العلم بإثبات الصانع وإثبات الصفات له والمعاد ونحو ذلك فإن تلك عند ابن عقيل وامثاله برهانيات يقينيات فكيف يجعلها عند الأنبياء والسلف إقناعيات؟ ولكن أراد بذلك الإقناعيات في تعليل أفعاله وسماها هو إقناعيات لأن هذا مبلغ أمثاله من العلم ومنتهاهم من المعرفة في ذلك

وأما الأنبياء عليهم السلام والسلف رضوان الله عليهم فإن الله تعالى أطلعهم من حكمته في خلقه وأمره على ما لم يطلع عليه هو وأمثاله ولكن هؤلاء ليس لهم بحقائق أحوال الأنبياء والصحابة من الخبرة ما يعرفون به منتهاهم في هذه المطالب العالية كما أنه ليس لهم من الخبرة بهذه المسائل الكبار ما انتهوا معه إلى غايتها لكنهم يعلمون أن الأنبياء أفضل الخلق والصحابة بعدهم أفضل الخلق فيعتقدون فيهم أنهم وصلوا إلى منتهى ما يصل إليه الخلق في هذه المسائل

ثم إنهم لما نظروا - مع فرط ذكائهم - ولم يصلوا إلا إلى هذا ظنوا أنه لا غاية وراءهم فقالوا ما قالوا وهكذا كل طائفة سلكت فانتهت إلى حيث رأت أنه منتهى الخلق فإنها تقضي على كل من تعظمه بأن هذا منتهاه كما قد رأينا طائفة من الفلاسفة لما رأوا أن قول الفلاسفة هو منتهى معارف العقلاء صاروا إذا رأوا شخصا ظهر عنه ما يدل على كمال عقله وعظم علمه وفضله ومعرفته بأقوالهم على الحقيقة يجعلون قوله هو منه ورأينا من كلامه ما يناقض قول الفلاسفة يقول ذلك الفيلسوف الفاضل: هذا والله قد عرف حقيقة قولنا ومن عرف حقيقة قولنا لم يعدل عنه إلا أن يكون هناك شيء أعلى منه ثم يبقى حائرا: هل فوق قولهم ما هو أكمل منه لما ظهر منه من كون العارف بحقيقة قولهم مع حسن قصده وعدله قد عدل عنه إلى قول يناقضه؟ أو ليس فوقه ما هو أكمل منه؟ لأن هذا الفيلسوف لا يعرف أن فوقه ما هو أكمل منه

وهكذا الاتحادية أهل الوحدة ينسبون كل من عرف علمه وعقله وكماله إلى أنه منهم وإن كان مظهرا للإنكار عليهم وهكذا أهل الحيرة في الصفات الخبرية يجعلون السلف والأئمة يمرون آيات الصفات وأحاديثها كما جاءت مع عدم علمهم بمعانيها

وإن كانوا من نفاتها قالوا: إنهم كانوا يعتقدون نفيها في الباطن: ولا يعلمون مدلول النصوص ولما كان هذا عندهم هو الغاية التي انتهوا إليها والسلف عندهم أعظم الناس جعلوا هذا غاية السلف

وهؤلاء الطوائف وقع لهم الخطأ من جهتين: أحداهما: أنهم لم يعرفوا الحق في نفسه على ما هو عليه لا بدليل عقلي ولا سمعي الثانية: أنهم لم يعرفوا حقيقة أقوال السلف وما كان عندهم من العلم والبيان فكان عندهم قصور في معرفة الحق في نفسه وفي معرفة الأنبياء والسلف به وظنوا أن ما وصلوا إليه هو الغاية الممكنة فجعلوا ذلك منتهى غيرهم فصاروا يحكون كلام المعظمين عندهم على هذا الوجه

وقد رأينا من ذلك أمورا حتى أن من قضاتهم وأكابرهم من يحكي أقوال الأئمة الأربعة في مسألة من المسائل الكبار فإذا قيل له: أهذا نقله أحد عن الشافعي أو فلان أو فلان؟ قال: لا ولكن هذا قاله العقلاء والشافعي لا يخالف العقلاء أو نحو هذا الكلام

فالطوائف المقصرة الضالة تجد حكايتهم للمنقولات مثل نظرهم في المعقولات فلا نقل صحيح ولا عقل صريح وكل من كان أبعد عن متابعة الأنبياء كان أبلغ في هذين الأمرين حتى ينتهي الأمر إلى القرامطة الباطنية الذي مبنى أمرهم على السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات

ثم الشيعة أقرب منهم فكان عندهم من السفسطة والقرمطة بحسبهم والمعتزلة خير منهم فهم أقل سفسطة وقرمطة ولكن دخل من ذلك عندهم بحسب ما فيهم من مخالفة الكتاب والسنة أمور كثيره

كلام ابن عقيل في ذم علم الكلام[عدل]

وابن عقيل لما خبر كلام المعتزلة لم يرض طريقهم فلهذا ذكر أن الناس ثلاث طوائف: طائفة شكت لما رأت وجود الشر والضرر في العالم وطائفة قالت بالأصلين وهم الثنوية والطائفة الثالثة عللوا ما انخرم بعلل لم تشف غليل العقل - كما فعلت المعتزلة - فلما لم يستقم لهم التعليل جنحوا وقالوا: خفي علينا وجه الحكمة فيما عرض في العالم من الفساد فسلموا لمن استحق التسليم وهو الصانع

قال: ( وهذه طائفة أهل الحديث ) وهذا بناء على إثبات الحكمة والغاية والتعليل من حيث الجملة والاعتراف بجهلة من جهة التفصيل وذكر أن هذا منتهى كل عالم محق وهذا مبلغ علم من انتهى إلى هنا

ولابن عقيل أنواع من الكلام فإنه كان من أذكياء العالم كثير الفكر والنظر في كلام الناس فتارة يسلك مسلك نفاة الصفات الخبرية وينكر على من يسميها صفات ويقول: إنما هي إضافات موافقة للمعتزلة كما فعله في كتابه ذم التشبيه وإثبات التنزيه وغيره من كتبه واتبعه على ذلك أبو الفرج بن الجوزي في كتابه كف التشبيه بكف التنزيه ) في كتابه منهاج الوصول وتارة يثبت الصفات الخبرية ويرد على النفاة والمعتزلة بأنواع من الأدلة الواضحات وتارة يوجب التأويل كما فعله في الواضح وغيره وتارة يحرم التأويل ويذمه وينهي عنه كم فعله في كتاب الأنتصار لأصحاب الحديث فيوجد في كلامه من الكلام الحسن البليغ ما هو معظم مشكور ومن الكلام المخالف للسنة والحق ما هو مذموم مدحور

وكذلك يوجد هذا وهذا في كلام كثير من المشهورين بالعلم مثل أبي محمد بن حزم ومثل أبي حامد الغزالي ومثل أبي عبد الله الرازي وغيرهم

ولابن عقيل من الكلام في ذم من خرج عن الشريعة من أهل الكلام والتصوف ما هو معروف كما قال في الفنون ومن خطه نقلت قال: ( فصل: المتكلمون وقفوا النظر في الشرع بأدلة العقول فتفلسفوا واعتمد الصوفية المتوهمة على واقعهم فتكهنوا لأن الفلاسفة اعتمدوا على كشف حقائق الأشياء بزعمهم والكهان اعتمدوا على ما يقلى إليهم من الاطلاع وجميعا خوارج على الشرائع هذا يتجاسر إن يتكلم في المسائل التي فيها صريح نقل بما يخالف ذلك المنقول بمقتضى ما يزعم أنه يجب في العقل وهذا يقول: قال لي قلبي عن ربي فلا على هؤلاء أصبحت ولا على هؤلاء أمسيت لا كان مذهب جاء على طريق السفراء والرسل يريد تعلم بيان الشرايع وبطلان المذاهب والتوهمات والطرايق المخترعات: هل لعلم الصوفية عمل في إباحة دم أو فرج أوتحريم معاملة أو فتوى معمول بها في عبادة أو معاقدة؟ أو للمتكلمين بحكم الكلام حاكم ينفذ حكمه في بلد أو رستاق؟ أو تصيب للمتوهمة فتاوي وأحكام؟ إنما أهل الدولة الإسلامية والشريعة المحمدية المحدثون والفقهاء: هؤلاء يروون أحاديث الشرع وينفون الكذب عن النقل ويحمون النقل عن الاختلاف وهؤلاء المفتون يفنون عن الأخبار تحريف الغالين وانتحال المبطلين هم الذي سماهم النبي ﷺ: الحملة العدول فقال: يحمل هذا العلم من كل خلف عدوله ينفون عنه تحريف الغالين وانتحال المبطلين فالخارج - وإن خفقت بنوده وكثرت جموعه وسمي بالملك - يبعد أن يضرب له دينار أو درهم أو يخطب له على منبر أو تكون أموره إلا على المغالطة والمخالسة بينا هو على حاله يتضعضع لكتاب الملك وتخشى من أن يقابله بقتال أو يصافه بحرب لأن في نفس الخارجي بقية من انخساس الباطل وللملك - وإن قل جمعه - صولة الحق وكذلك البرخشتي مع الطبيب المقيم: هذا مختار يطلب من الأدوية ما يسكن الألم في الحال ويضع على الأمراض الأدوية الجواد العاملة بسرعة فيأخذ العطية والخلعة لسكون الألم وإزاله المرض ويصبح على أرض أخرى ومنزل بعيد وطبه مجازفة لأنه يأمن الموافقة والمعاينة والأطباء المقيمون يلامون على تطويل العلاج وإنما سلكوا الملاطفة بالأدوية المتركبة دون الحادة من الأدوية وإن عجلت سكون الألم فإنها غير مأمونة الغوائل ولا سليمة العواقب لأن ماتعطى الأدوية الحادة من السكون إنما هو لغلبة المرض وحيثما غلبت الأمراض أوهت قوى المحل الذي حلته الأمراض فهو كما قيل: الدواء للبدن كالصابون للثوب ينقيه ويبليه كذلك كلما احتد الصابون وجاد أخلق الثوب فكذلك الفقهاء والمحدثون يقصرون عن إزالة الشبه لأنهم عن نقل يتكلمون وللخوف على قلوب العوام من الشكوك يقصرون القول ويقللون فهم حال الأجوبة ينظرون في العاقبة والمبتدعة والمتوهمة يتهجمون كتهجم البرخشتي فعلومهم فرح ساعة ليس لعلومهم ثبات فإن اشتبه على قوم ما دلسه الصوفيه عليهم من قول النبي ﷺ: إن في أمتي محدثين ومكلمين وهو ما يلقي من الفراسات والدرايات كما نطق به عمر قيل لهم: لونطق عمر برأيه ولم يصدقه الوحي على لسان السفير لما التفت إلى واقعته ولا يبتنى الشرع على فراسته ألاتراه لما مات السفير قال من هو أعلى طبقة منه: أي سماء تظلني وأي أرض تقلني إذا قلت في كتاب الله برأيي؟ وقال في الكلالة ما قال يقول الصديق هذا وأسلم اليوم لشيخ رباط يخلو بأمرد في سمعه ويسمع الغناء من أمرد وحرة ويأكل من الحرام شبعة ويرقص كما تشمس الخيل لا يسأل الفقهاء ولا يبنى أمره على النقل يقول بواقعة ويقول أتباعه: الشيخ يسلم إليه طريقته وأي طريقة مع الشرع؟ وهل أبقت الشريعة لقائل قولا؟ وهل جاءت إلا بهدم العوايد ونقض الطرايق؟ ما على الشريعة أضر من المتكلمين والمتصوفين هؤلاء يفسدون العقول بتوهمات شبهات العقول وهؤلاء يفسدون الأعمال ويهدمون قوانين الأديان يحبون البطالات والاجتماع على اللذات وسماع الأصوات المشوشات للمعايش والطاعات وأولئك يجرئون الشباب والأحداث وعلى البحث وكثرة السؤال والاعتراضات وتتبع الشرع بالمناقضات وما عرفنا للسلف الصالح أعمال هؤلاء الصوفية بل كانت أحوالهم الجد لا الهزل ولا أحوال المتكلمين: لا التكشف ولا البحث بل كانوا عبيد تسليم وتحكيم في المعتقدات وجد وتشهير في الأعمال والطاعات فنصيحتي لأخواني من المؤمنين الموحدين أن لا يقرع أبكار قلوبهم كلام المتكلمين ولا تصغي مسامعهم إلى خرافات المتصوفين بل الشغل بالمعايش أولى من بطالة المتصوفة والوقوف مع الظواهر أولى من توغل المنتحلة للكلام وقد خبرت طريقة الفريقين: غاية هؤلاء الشك وغاية هؤلاء الشطح والمتكلمون عندي خير من المتصوفة لأن المتكلمين مرادهم مع التحقيق مزيد الشكوك في بعض الأشخاص ومؤدي المتصوفة إلى توهم الإشكال والتشبيه هو الغاية في الإبطال بل هو حقيقة المحال مما يسقط المشايخ من عيني وإن نبلوا في أعين الناس أقدارا وانسابا وعلوما وأخطارا إلا قول القائل منهم إذا خوطب بمقتضى الشرع: عدتي كذا وكذا يشير إلى طريقة قد قننها لنفسه تخرج عن سمت الشرع فذاك مختلق طريقة وكل مختلق مبتدع ولو كان في ترك النوافل لأن الاستمرار على ترك السنن خذلان قال أحمد رضي الله عنه وقد سئل عن رجل استمر على ترك الوتر: هذا رجل سوء أنا أنصح بحكم العلم والتجارب: إياك أن تتبع شيخا يقتدي بنفسه ولا يكون له إمام يعزى إليه ما يدعوك إليه ويتصل ذلك بشيخ إلى شيخ إلى السفير ﷺ الله الله الثقة بالأشخاص ضلال والركون إلى الآراء ابتداع اللين والانطباع في الطريقة مع السنة أحب إلي من الخشونة والانقباض مع البدعة الله لا يتقرب إليه بالامتناع مما لم يمنع منه كما لا يتقرب إليه بأعمال لم يأمر بها اصحاب الحديث رسل السفير: الفقهاء المترجمون لما أراد السفير من معاني كتابه ولا يتم اتباع إلا بمنقول ولا يتم فهم المنقول إلا بترجمان وما عداهما تكلف لا يفيد وإلى هذين القسمين انقسم أصحاب رسول الله ﷺ: نقلة وفقهاء ولا نعرف فيهم ثالثا أصحاب أسواق وصفقات وتجارات لا ربط ولا مناخ للبطالات يا أصحاب المخالطات والمعاملات عليكم بالورع يا أصحاب الزوايا والانقطاعات عليكم بحسم مواد الطمع يا طراق المبتدئين إياكم واستحسان طرائق أهل التوهم والخدع ليس السني عندي المحب لمعاوية ويزيد ولا لأبي بكر وعمر ولا الشيعة عندي من زار المشاهد وأنشد المراثي والقصايد السني عندي من تتبع آثار الرسول فعمل بها بحسب ما يفتيه الفقهاء واحتذى الرسم واتبع الأمر وكف عن النهي وتنزه عن الشبه ووقف عند الشك وتفرغ من كل علم خالف النقل وإن كانت له طلاوة في السمع وقبول في القلب ليس قلبك معيارا على الشرع مالله طائفة أجل من قوم حدثوا عنه وما أحدثوا وعولوا على ما رووا ولا على ما رأوا الصبر على الرواية مقام الصديقين قال الخضر للسفير: { إنك لن تستطيع معي صبرا } لأن مستحسنا برأيه ومستقبحا برأيه لا يتبع لأنه قد بان لك بنص القرآن أن استحسان عقل السفير الكليم واستقباحه ما كان على القانون الصحيح حتى كشف له عن العذر فيما كان استقبحه )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: ولا ابن عقيل من هذا الجنس في تعظيم الشرع وذم من يخالفه من أهل النظر والكلام وأهل الإرادة والعبادة كلام كثير من هذا الجنس كما قد تقدم تكلم في ذلك طوائف من اهل العلم والدين لكن من غلب عليه طريق النظر والكلام كان ذمه لمنحرفه العباد أكثر من ذمه لمنحرفه أهل الكلام وهذا كثير في أهل الكلام والفقهاء لاسيما في العتزلة وهؤلاء قد لا يعرفون ما في طريق أهل العبادة والتصوف من الأمور المحمودة في الشرع ومن غلب عليه طريقة أهل التصوف وهذا يوجد كثيرا في كلام أهل الزهد والعبادة لا سيما المعظمين لطريق الصوفية فمثل أبي عبد الرحمن السلمي وأبي طالب المكي وأبي إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري وأبي حامد الغزالي وإن كانوا يذمون من منحرفة الصوفية ما يذمون فذمهم لجنس أهل الكلام والبحث والنظر أعظم ومثل أبي بكر بن فورك وأبن عقيل وأبي بكر الطرطوشي وأبي عبد الله المازري وأبي الفرج بن الجوزي وإن كانوا يذمون من بدع أهل الكلام والفلسفة ما يذمون فذمهم لما يذمونه من بدع أهل التصوف والتاله أعظم

وقد قال الله تعالى: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } وقد قال النبي ﷺ: [ اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضالون ] رواه الترمذي وصححه

وكان طائفة من السلف يقولون: من فسد من الفقهاء ففيه شبه من اليهود ومن فسد من العباد ففيه شبه من النصارى فمن كان فيه بدعة من أهل الكلام والنظر والفقه كالمعتزلة تجدهم يذمون النصارى أكثر مما يذمون اليهود واليهود يقرأون كتبهم ويعظمونهم ومن كان فيه بدعة من أهل العبادة والتصوف والزهد تجدهم يذمون اليهود أكثر مما يذمون النصارى وتجد النصارى يميلون إليهم وقد يحصل من مبتدعة الطائفين من موالاة اليهود والنصارى بحسب ما فيهم من مشابهتهم وهذا موجود كثيرا كما دل عليه الكتاب والسنة

وهذه الطريقة الأولى التي يعتمد عليها من يعتمد مثل ابن عقيل وصدقه بن الحسين وغيرهما هي التي ذكرها أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر وهي التي اعتمد عليها في كتابه المشهور المسمى: ب اللمع في الرد على أصحاب البدع وهو أشهر مختصراته وقد شرحوه شروحا كثيرة ومن أجلها شرح القاضي أبي بكر له

كلام الأشعري في اللمع عن إثبات وجود الله تعالى[عدل]

وهذه السياقة النتقدمة هي سياقة أبي الحسن في اللمع فإنه قال في أوله: ( إن سأل سائل: ما الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ قيل: الدليل على ذلك أن الإنسان الذي هو في غاية الكمال والتمام كان نطفة ثم علقة ثم مضغة ثم لحما ودما وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال إلى حال لأنا نراه في حال كمال قوته وتمام عقله ولا يقدر أن يحدث لنفسه سمعا ولا بصرا ولا أن يخلق لنفسه جارحة فدل ذلك على أنه قبل تكامله واجتماع قوته وعقله كان عن ذلك أعجز لأن ما عجز عنه في حال الكمال فهو في حال النقصان عنه أعجز ورأيناه طفلا ثم شابا ثم كهلا ثم شيخا وقد علمنا أنه لم ينقل نفسه من حال الشباب إلى حال الكبر والهرم لأن الإنسان لو جهد أن يزيل عن نفسه الكبر والهرم ويردها إلى حال الشباب لم يمكنه ذلك فدل ما وصفناه على أنه ليس هو الذي نقل نفسه في هذه الأحوال وأن له ناقلا نقله من حال إلى حال ودبره على ما هو عليه لأنه لا يجوز انتقاله من حال إلى حال بغير ناقل ولا مدبر )

قال: ( ومما يبين ذلك أيضا: أن القطن لا يجوز أن يتحول غزلا مفتولا ولا ثوبا منسوجا يغير صانع ولا ناسج ومن اتخذ قطنا فانتظر أن يصي رغزلا مفتولا ثم ثوبا منسوجا بغير صانع ولا ناسج كان عن المعقول خارجا وفي الجهل والجا وكذلك من قصد إلى برية لم يجد فيها قصرا مبنيا فانتظر أن يتحول الطين إلى حال الآجر وينتضد بعضه إلى بعض بغير صانع ولا بان كان جاهلا فإذا كان تحول النطفة علقة ثم مضغة ثم لحما ثم عظما ودما أعظم في الأعجوبة كأن أولى أن يدل على صانع صنعها أعني النطفة ونقلها من حال إلى حال )

قال: ( وقد قال تعالى: { أفرأيتم ما تمنون * أأنتم تخلقونه أم نحن الخالقون } فما استطاعوا بحجة أن يقولوا إنهم يخلقون ما يمنون مع تمنيهم الولد فلا يكون ومع كراهتهم له فيكون وقال تنبيها لخلقه على وحدانيته: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } فبين لهم عجزهم وفقرهم إلى صانع صنعهم ومدبر دبرهم )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: هذا الدليل مبني على مقدمتين: على تحول الإنسان من حال إلى حال وأن ذلك لا بد له من صانع حوله من حال إلى حال وكلتا المقدمتين ضرورية والأولى هي مسألة حدوث صفات الأجسام كما تقدم بيانه وأن من أهل الكلام من يقول إن: المشهود هو حدوث الصفات لا حدوث الأعيان وإن أكثر الناس على خلاف ذلك

وهذا هو طريقة القرآن ولكن حدوث الصفات هي أقرب الطرق إلى طريقة القرآن وأما الثانية فهي ضرورية ولهذا لم يذكر أبو الحسن عليها دليلا لكن كثير من أصحابه يقولون: إنها طريقة موافقة منهم لمن قال ذلك من المعتزلة

كلام الباقلاني شرحا لكلام الأشعري[عدل]

ولهذا اعترض من اعترض من المعتزلة على كلام أبي الحسن فأجابه القاضي أبو بكر على أصله بجواب ذكره قال القاضي أبو بكر: ( أعلم أنه إنما ضرب المثل بما ذكره من القطن واللبن لظهوره في نفوس العامة والخاصة واعتقاد جميعهم لجهل من جوز تنضد البنيان واجتماع الآجر والتراب وتصوير المصنوعات بغير صانع ولا مدبر وأنت لو اعترضت كل من سلمت حاسته وصح عقله فسألته: هل يجوز وجود ما ذكره من ضروب المحكمات بغير صانع مع العلم بأنها لم تكن كذلك من قبل؟ لمنع ذلك ولاستجهل قائله لتقدم الأدلة وتقررها على فساده في نفوس العامة والخاصة وإن كانت العامة تقصر عبارتها عن عبارة الخاصة وألفاظ المتكلمين وطريق المستنبطين في التعبير وقولهم: لم تجد كتابة إلا من كاتب ولا ضربا إلا من ضارب ولا بناء إلا من بان وإن استحالة وجود ضرب من لا ضارب وبناء من لا بان كاستحالة ضارب لا ضرب له وبان لا بناء له وقد تقرر هذا المعنى في نفوسهم وإن قصروا عن تأديته وصار مقارنا للعلوم الضرورية وصار المخالف فيه عند سائرهم كالمخالف فيما يدرك من جهة الحواس )

قال: ( وجملة القول في هذا الباب أنا لا ندعي ولا صاحب الكتاب أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك من جهة الضروريات وتعلم صحته من طريق درك الحواس لكنه يدرك بالاستنباط فإذا حصل في نفوس من يجوز أن يشك في هذه المسألة وفي صانع الأشياء التي غاب عنها نظير لما يشك فيه ومثل لما ارتاب فيه رده إليه وجعله أصلا معه في تصحيح ما ينبغي تصحيحه وكشف ما يرجى له كشفه )

قال: وقوله: لو أن منتظرا انتظر اجتماع المصنوعات من غير صانع كان متجاهلا كلام صحيح لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع كما يستحيل في العقول وجود صانعا لا صنعة له وكاتب لا كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في كونه صانعا بوجود صنعته واستحالة أحد الأمرين في المعقول كاستحالة الآخر )

قال: ( وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل وإنما نذكر ضروبا من ضروب الصنائع تقريبا بذكره وليس القصد بذكره تخصيص تعليقه بالصانع وإنما يراد بذلك وجوب تعلق سائر المصنوعات بصانع صنعها فاعرف ذلك )

وذكر كلاما آخر إلى أن قال: ( فإن قال قائل: فما الدليل الآن على أنه لا بد لسائر الأفعال الحاضرة والغائبة من فاعل فعلها ومدبر دبرها؟ وكيف وجه تعلق الإنسان وغيره من المصنوعات بفاعل ومدبر صنعه وقصده متى لم يكن هو الفاعل لنفسه؟ قيل له: قد تقدم من كلام صاحب الكتاب ما هو دلالة على ذلك وقد مضى شرحنا له حيث قلنا: إن تعلق الفعل بالفاعل كتعلق الفاعل في كونه فاعلا بفعله

ثم نقول في الدليل على ذلك: إنه لا يسوغ أن يجيب عن هذه المسألة إلا من سلم لنا هذه الأمور - التي هي التأليفات والتصويرات والتركيبات - معان محدثات وإن كان لا يقر بأنها أفعال كلم في أصل هذه المسألة وقرر معه القول بوجوب حدوثها فإذا كان الأمر على ما وصفناه لم يكن لأحد أن يسأل عن هذه المسألة

وقد يخالف في أن هذه الأمور التي ذكرناها أفعال لأنه إذا قال: ما الدليل على أن هذه الأفعال تتعلق بفاعل؟ فقد أثبتها أفعالا فإذا أنكر أن تكون أفعالا فقد أبطل بآخر كلامه ما أثبته بأوله ولكن قد يسوغ أن يقول: ما الدليل على أن التأليف يتعلق بمؤلف؟ وإن لم يسلم أنه فعل لشبهة تدخل عليه

فإذا كان الأمر على ما وصفنا رجعنا فقلنا: الدليل على أنه لا بد للأفعال من تعلق بفاعل أنا وجدناها يتقدم بعضها على بعض في الوجود ويتأخر بعضها عن بعض وتوجد في زمان كان يصح عدمها فيه بدلا من الوجود وتعدم في زمان يصح وجودها فيه بدلا من العدم

فإذا كان هذا وصفها قلنا: لا يخلو ما تقدم منها: أن يكون متقدما لنفسه أو لمعنى يوجد به أو لا لنفسه ولا لعلة أولمقدم قدمه وكذلك حكم القول فيما تأخر منها فنظرنا فإذا هو مستحيل أن يكون إن ما تقدم منها إنما تقدم لنفسه لأنه قد يتقدم على ما هو جنسه وتأخر عنه ما ذاته مثل ذاته كالجواهر وأجزاء السواد وغير ذلك من المتماثلات فلو كان ما تقدم منها متقدما لنفسه لم يكن بالتقدم أولى مما هو مثل له ولا كان المتأخر منها بالتأخر أولى منه بالتقدم إذ قد صح وثبت أن المتماثلين هما ما سد أحدهما مسد صاحبه وناب منابه واقتضت ذاته من الأحكام ما اقتضته ذات ما كان مثلا له

وفي العلم بتقدم بعض المتماثلات على بعض وتأخر بعضها عن بعض - فإن ما تقدم منها فالتقدم أولى منه بالتأخر وما تأخر منها فالتأخر أولى منه بالتقدم - دليل على أنه لا يجوز أن يكون المتقدم منها متقدما لنفسه ولا المتأخر منها متأخرا لنفسه ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدما لعلة توجد به لأنه ليس بأن توجد له تلك العلة - إذا لم تكن تلك العلة منه معلقة بموجد - أولى من وجودها بغيره ووجود سائر ما جانسها بسائر ما يحتمله ذلك الجنس من العلل المقتضية بالتقدم الذي هو الوجود في الوقت المخصوص الذي يتكلم عليه حتى تتساوى في الوجود ولا يتأخر بعضها عن بعض لاحتمالها ما يقتضي وجودها من المعاني وكونها متماثلة على أنه لو كان المتقدم من الجواهر وأجزاء السواء متقدما لعلة والمتأخر عنها متأخرا لعلة لكانت علة التقدم قبل علة التأخر إذ كانت موجودة مع المتقدم الذي هو قبل المتأخر

ولو كان ذلك كذلك لوجب أن يكون لعلة ايضا ما تقدمت إحدى العلتين على الأخرى لأن علة التقدم والتأخر يجب أن تكونا من جنس واحد لأنهما حدوثان ووجودان للحادث الموجود ولو ثبتا معنى من المعاني وقد أبنا فيما سلف أنه لا يجوز تقدم أحد المثلين على صاحبه لنفسه وجنسه ووجود الشيئين في زمانين متغايرين لا يخرج الوجود عن حقيقته فيجب لذلك أن تكون علة وجود الشيء في زمان كعلة وجود غيره في غير ذلك الزمان ومن جنسها

وإذا كان كذلك وجب أن يكون تقدم إحدى العلتين للأخرى لعلة ثانية والقول في الثانية وفي وجوب تعليقها بثالثة - إذا كانت متقدمة لعلة - كالقول في الأولى وكذلك القول في علة التأخر وهذا يوجب ما لا نهاية له من الحوادث وذلك محال

فإن اعترف المخالف أن الشيء الذي يتقدم وجوده وجود ما هو مثل له لعلة فعلها فاعل أقر أن الفعل يتعلق بالفاعل وكان حكم المعلول حكم العلة ففي ذلك ما أردناه

وإن امتنع من تعلق العلة المقتضية لوجود ما يوجد به الفاعل دخل عليه ما كلمناه به آنفا: من أنه ليس احتمال بعض الجواهر لما يقتضي وجوده في زمان بعد زمان بأولى من احتمال وجود ذلك فيما هو مثل له )

قال: ( وسنبين بعد هذا أن الجواهر المعدودات ليست بذوات ولا أعيان ولا جواهر قبل وجود الأعراض وأنها لم توجد إلا مع وجودها وإنما لم نقدم هذا الباب في هذه الدلالة لعدم حاجتنا إليه وذلك أنا نجعل مكان قولنا: ( تقدمت الجواهر بعضها على بعض ) أن نقول: إن بعضها ينتضد قبل بعض وبعضها يتفرق قبل بعض وبعضها يجتمع قبل بعض وأنه لا يجوز أن يكون ما ينتضد منها منتضدا لنفسه وما افترق منها مفترقا لنفسه لقيام الدليل على تماثلها وأن ما اقتضاه ذوات بعضها من الأحكام اقتضاه ذوات سائرها وفي العلم بأن منها ما يكون مجتمعا منتضدا ومنها ما يكون متفرقا متباينا دليل على أنه ليس الذي اقتضى لها ذلك ذواتها وإن كانت تلك العلة فعلها فاعل فصارت بوجودها على صفة ما ذكرناه من الاجتماع والافتراق فصح أن الأفعال تتعلق بالفاعل وأن تلك العلة إذا كانت متعلقة بالفاعل من حيث كانت فعلا محدثا وجب أن يكون هذا سبيل الجسم إذ كان فعلا لمساواته لما تعلق بالفاعل فيما لو كان متعلقا به وهذا إقرار بتعلق الأفعال بالفاعل )

قال: ( ويستحيل أن يكون ما تقدم منها متقدما لا لنفسه ولا لعلة لأنه كان يجب أن لا يكون بالتقدم - في وقت تقدمه - أولى منه بالتأخر ولا بالتأخر أولى منه بالتقدم ولا كان هو بأن يكون متقدما لا لنفسه ولا لعلة أولى من تقدم ما هو مثل له في زمانه لا لنفسه ولا لعلة وفي العلم بكون المتقدم أولى منه بالتأخر والمتأخر أولى منه بالتقدم وإن وصفه بالتقدم والتأخر يفيد فوائد متغايرة لا تجري مجرى الألقاب التي لا تفيد - دليل على أنه لا يجوز أن يكون ما تقدم منها متقدما لا لنفسه ولا لعلة )

قال: ( وفي فساد هذه الأقسام التي لا يخلو الأمر منها في التقدم والتأخر دليل على أن مقدما قدم منها ما قدم وأخر منها ما أخر )

قال: ( وهذا أحد ما يعول عليه في وجوب تعلق الأفعال بفاعل )

قلت: مضمون هذا الكلام أن العلم بأن المحدث لا بد له من محدث يستدل عليه بأن ذلك يتضمن الاختصاص بزمان دون زمان والتخصيص لا بد له من مخصص لأنه ترجيح لأحد المتماثلين على الآخر وترجيح أحد المتماثلين بلا مرجح معلوم الفساد بالضرورة ولم يحتج بعد هذا أن يستدل على أن الترجيح لا بد له من مرجح لأن ذلك ترجيح لأحد طرفي الممكن على الآخر فلا بد له من مرجح وقد ذكرنا فيما بعد أن هذا هو الطريق الذي سلكه أبو الحسين وأبو المعالي وابن عقيل وابن الزاغوني وغيرهم: قرروا افتقار المحدث إلى المحدث بأن ذلك تخصيص بأحد الجائزين والتخصيص بأحد الجائزين لأنه لا بد له من مخصص وهذا عندهم مختص بالمحدثات ولا يتصور عندهم ممكن قديم حتى يستدلوا بافتقار الممكن المتساوي الطرفين إلى مرجح لأحدهما أو مرجح لوجوده

وذكر القاضي أبو بكر أن ما ذكر من ضرب المثل باللبن إذا صار بناء والغزل إذا صار ثوبا إنما هو لأجل ظهور ذلك في نفوس العامة والخاصة لا لأن أحداهما مقيس على الآخر

وذلك أن كثيرا من المعتزلة كأبي علي وأبي هاشم يقررون ذلك بالقياس على أفعال العباد فيقولون: كما أن الكتابة لا بد لها من كاتب والبناء لا بد له من بان فكذلك الجسم المحدث لا بد له من فاعل للقدر المشترك لأن العلة الموجبة افتقار الأصل المقيس عليه إلى الفاعل هي موجوده في الفرع المقيس لأن افتقار الأصل إلى الفاعل إنما كان لحدوثه وهذا موجود في الفرع إلى سائر كلامهم المعروف في مثل هذا

فذكر القاضي أبو بكر أنه لا حاجة إلى هذا بل افتقار أحداهما كافتقار الآخر وقرر الجميع بالطريقة التي ذكرها وهو قوله: ( لأن الصنعة يستحيل وقوعها إلا من صانع كما يستحيل في العقول وجود صانع لا صنعة له وكاتب لا كتابة له فتعلق الصنعة بالصانع كتعلق الصانع في كونه صانعا بوجود صنعته )

قال: ( وهذه النكتة المعتمدة في هذا الدليل )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: بيان هذا أنه إذا قيل: صنعة أو فعل كان هذا اللفظ متضمنا صانعا فاعلا كما إذا قيل: فاعل صانع كان ذلك متضمنا فعلا وصنعة وذلك لأن المصدر يستلزم الفاعل كما يستلزم الفاعل المصدر فكما أن العقل يعلم امتناع فاعل لا فعل له فهو يعلم امتناع فعل لا فاعل له

والقاضي أبو بكر قرر هذا الوجه أيضا بناء على أن العلم بافتقار المحدث إلى محدث ليس بضروري وزعم أن الأشعري يقول بذلك كما تقدم من قوله: ( إنا لا ندعي - ولا صاحب الكتاب - أن العلم باستحالة وقوع الصنعة لا من صانع شيء يدرك من جهة الضرورات )

ومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا ولم يذكر في كلامه أن العلم بافتقار الصنعة إلى صانع يقرر بأن استلزام الصنعة للصانع كاستلزام الصانع للصنعة ولا بأن ذلك يتضمن تقديما وتأخيرا فيفتقر إلى مقدم ومؤخر

ثم إن القاضي قرر ذلك بأن ذلك التقدم والتأخر لا يجوز أن يكون لعلة تقوم بالمتقدم والمتأخر لأنه ليس وجود العلة به بأولى من وجودها بغيره إذا لم يكن هناك موجد وكذلك وجود سائر العلل المجانسة لها لسائر ما يحتمله ذلك الجنس الذي وجدت به العلة ولأن ذلك يتضمن تقدم علة على علة فتفتقر أيضا إلى لعة متقدمة وذلك يفضي إلى وجود حوادث لا نهاية لها وهو محال

وهذه المقدمة فيها نزاع مشهور لكنه احتج بها على من يسلمها من المعتزلة ولأنه عند نفسه قد أقام الدليل عليها في موضع آخر

وأيضا فإنه بنى دليله على تماثل الجواهر وهذا فيه نزاع مشهور لكنه أحال على تقريره لذلك في موضع آخر

وإبطال هذا القسم يظهر بدون هذه الأدلة التي اعتمد عليها وذلك أن الكلام في حدوث ما يحدث من الحوادث التي تقدمت وتأخرت وهذه لا تقوم بها العلل في حال عدمها إنما تقوم بها في حال وجودها فيمتنع أن يكون حدوثها لمعنى قام بها قبل حودثها لأن المعدوم لا يحدث الموجود ولا يكون المعدوم علة للموجود

ولكن سلوك هؤلاء لهذه الطرق البعيدة التي فيها شبهة وطول دون الطرق القريبة التي هي أقرب وأقطع قد يكون لكون المناظر لهم لا يسلم صحة الطرق القريبة الواضحة القطعية إما عنادا منه وإما لشبهة عرضت له افسدت عقله وفطرته مثلما يعرض كثيرا لهؤلاء فيحتاج مع من يكون كذلك إلى أن يعدل معه إلى طريق طويلة دقيقة يسلم مقدماتها مقدمة مقدمة إلى أن تلزمه النتيجة بغير اختياره وإن كانت المقدمات التي مانعها أبين وأقطع من المقدمات التي سلمها لكن هذا يحتاج إليه كثيرا في مخاطبة الخلق فكم من شخص لا يقبل شهادة العدول الذين لا يشك في صدقهم ويقبل شهادة من هو دونهم: إما لجهله وإما لظلمه وكذلك كم من الخلق من يرد أخبارا متواترة مستفيضة ويقبل خبر من يحسن به الظن لاعتقاده أنه لا يكذب وكم من الناس من يرد ما يعلم بالدلائل السمعية والعقلية ويقبله إذا رآى مناما يدل على ثبوته أو قاله من يحسن به الظن لثقة نفسه بهذا أكثر من هذا وكم ممن يرد نصوص الكتاب والسنة حتى يقول ما يوافقها شيخه أو إمامه فيقبلها حينئذ لكون نفسه اعتادت قبول ما يقوله ذلك المعظم عنده ولم يعتد تلقي العلم من الكتاب والسنة ومثل هذا كثير

فكذلك كثير من الناس قد يألف نوعا من النظر والاستدلال فإذا أتاه العلم على ذلك الوجه قبله وإذا أتاه على غير ذلك الوجه لم يقبله وإن كان الوجه الثاني أصح وأقرب كمن تعود أن يحج من طريق بعيدة معطشة مخوفة وهناك طرق أقرب منها آمنة وفيها الماء لكن لما لم يعتدها نفرت نفسه عن سلوكها

وكذلك الأدلة التي فيها دقة وغموض وخفاء قد ينتفع بها من تعودت نفسه الفكرة في الأمور الدقيقة ومن يكون تلقيه للعلم عن الطرق الخفية التي لا يفهمها أكثر الناس أحب إليه من تلقيه له من الطرق الواضحة التي يشركه فيها الجمهور ومثل هذا موجود في المطاعم والمشارب والملابس والعادات لما في النفوس من حب الرياسة

فهذه الطرق الطويلة الغامضة التي تتضمن تقسيمات أو تلازمات أو إدراج جزيئات تحت كليات قد ينتفع بها من هذا الوجه في حق طائفة من الناظرين والمناظرين وإن كان غير هؤلاء من أهل الفطر السليمة والأذهان المستقيمة لا يحتاج إليها بل إذا ذكرت عنده مجها سمعه ونفر عنها عقله ورأى المطلوب أقرب وأيسر من أن يحتاج إلى هذا فإن علم العقول بافتقار المحدث إلى محدث أبين وأظهر من علم العقول بأن تخصيص أحد المثلين بشيء دون الآخر يحتاج إلى مخصص ومن تصور هاتين القضيتين حق التصور لم يمكنه - مع الشك في الأولى - أن يجزم بالثانية بل قد لا يتصور إحداهما حق التصور

ألا ترى أنه إذا قيل لمن صدق بالثانية: لم قلت: إن التقديم والتأخير لا بد له من مقدم ومؤخر؟ رجع إلى فطرته السليمة وحكم بذلك وغايته أن يقول: الأشياء المتساوية لا يترجح بعضها على بعض إلا بمرجح فلو قال قائل: لما قلت ذلك؟ ولم لا يجوز أن يترجح هذا على هذا إلا بمرجح أصلا؟ ويختص بما اختص به لا لمخصص أصلا؟ لكان إنكاره لقول هذا القائل دون إنكاره لقول من قال: لم قلت: إن هذه الحوادث لا تحدث إلا بمحدث؟

وهذا التأليفات والتركيبات الحادثة كانت بعد أن لم تكن لا بمؤلف ولا مركب فإن ترجيح أحد المتساويين الحادثين على الآخر بلا مرجح هو نوع من حدوث الحادث بلا محدث فإن سوغ العقل حدوث حادث بلا محدث سوغ ان يحدث أحد المثلين دون الآخر بلا مخصص لحدوثه

وهل تخصيص أحد الحادثين بوقت دون وقت أو شكل دون شكل أو وصف دون وصف إلا نوع من حدوث حادث؟ فإن الصفات والأشكال حوادث والتقدم والتأخر إضافة للحوادث إلى وقتها فهو صفة في الحدوث كإضافة الحادث إلى مكانه وكل ذلك مما يعلم بصريح العقل وفطرته السليمة أنه لا بد له من محدث مخصص فاعل مؤلف سواه

ولهذا لم يحتج الأشعري إلى أن يقيم على ذلك دليلا كما فعله القاضي أبو بكر وأتباعه إلا أن يكون في موضع آخر فعل كما فعلوا ولعله إن فعل ذلك لأجل عناد المناظرين أو جهلهم فسلك بهم الطريق البعيدة لما لم يسلكوا الطريق القريبة لا لأنه عنده يحتاج إلى الطريق البعيدة

ولهذا لا توجد هذه الطريق البعيدة في كلام أحد من السلف والأئمة ولا ذكرت في القرآن فإنها من باب تضييع الزمان وإتعاب الحيوان في غير فائدة والقرآن لا يذكر فيه مخاطبة كل مبطل بكل طريق ولا ذكر كل ما يخطر بالبال من الشبهات وجوابها فإن هذا لا نهاية له ولا ينضبط وإنما يذكر الحق والأدلة الموصلة إليه لذوي الفطر السليمة ثم إذا اتفق معاند أو جاهل كان من يخاطبه من المسلمين مخاطبا له بحسب ما تقتضيه المصلحة كما يحتاج إلى الترجمة أحيانا وكما قد يستدل على أهل الكتاب بما يوجد عندهم من التوراة والإنجيل

ففي الجملة: الطرق التي تختص بطائفة طائفة مع طولها وثقلها على جمهور الخلق لا تكون في مثل الكتاب العزيز الذي جعله الله شفاء ورحمة ودعا به الخلق جميعهم ليخرجهم به من الظلمات إلى النور فإن مثل هذا الكتاب العزيز لا يليق أن يذكر فيه من الطرق ما يثقل على جمهور الخلق ويستركونه ويعدونه لكنة وعيا لا يحتاج إليه ويرونه من باب إيضاح الواضحات كما لو ذكر فيه الرد على السوفساطئية ببيان أن الشمس موجودة والقمر موجود والبحار موجودة والجبال موجودة والكواكب موجودة وأن الإنسان يعلم هذا بالمشاهدة - ونحو ذلك - لكن هذا مما يستقبح ذكره ويستثقله ويستركه جمهور العقلاء لأن هذا عندهم أمر معلوم مستقر في عقولهم لا يحتاجون فيه إلى خطاب عالم من العلماء فضلا عن كتاب منزل من السماء

وإذا قدر أن بعض الناس احتاج إلى إزالة ما عرض له من هذه الشبه السوفسطائية كان هذا من الأمراض النادرة التي لا تعرض لجمهور العقلاء وعلاج هذا لا يحتاج إلى كتاب منزل من السماء يقصد به هدى الخلق وبيان ما يحتاجون إليه في صلاح أمورهم

ولو ذكر في القرآن مثل هذا لم يكن لما يذكر من ذلك غاية لأن الخواطر الفاسدة لا نهاية لها ولا ضابط فكان يضيع زمان الناس في القراءة والسماع لما لا ينتفع به جماهيرهم ويشتغلون بذلك عما لا بد لهم منه ولا يصلح أمرهم إلا به

ونحن لم يكن بنا حاجة - في الإيمان بالله ورسوله - إلى مثل هذه الطرق وإنما ذكرناها لما كان الذين سلكوها يعارضون كلام الله ورسوله بمقتضاها يزعمون أنه قد قامت عندهم أدلة عقلية تناقض ما جاءت به الرسل فكشفنا حقائق هذه الطرق التي يعرضون بها لنبين أن ما عارض النصوص منها لا يكون إلا باطلا وما لم يعارض النصوص: فقد يكون حقا وقد يكون باطلا وماكان حقا ولم يعارض النصوص فقد لا يحتاج إليه بل في الطرق العقلية التي دلت النصوص عليها وهدت إليها ما يغني عن ذلك بل تلك الطرق أقوى وأقرب وأنفع فإن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم

وقد قال تعالى: { وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم } والصراط المستقيم هو أقرب الطرق إلى المطلوب بخلاف الطرق المنحرفة الزائفة فإنها إما أن لا توصل وإما أن توصل بعد تعب عظيم وتضييع مصالح أخر فالطرق المبتدعة إن عارضت كانت باطلا وإن لم تعارض فقد تكون باطلا وقد تكون حقا لا يحتاج إليه مع سلامة الفطرة

ولهذا كل من كان إلى طريق الرسالة والسلف أقرب كان إلى موافقة صريح المعقول وصحيح المنقول أقرب ف القاضي أبو بكر وإن كان أقرب إلى صريح المعقول وصحيح المنقول في أصول الدين - بخلاف أصول الفقه - من أبي المعالي وأتباعه والأشعري أقرب إلى ذلك من القاضي أبي بكر وأبو محمد بن كلاب أقرب إلى ذلك من أبي الحسن والسلف والأئمة أقرب إلى ذلك من ابن كلاب فكل من كان إلى الرسول أقرب كان أولى بصريح المعقول وصحيح المنقول لأن كلام المعصوم هو الحق الذي لا باطل فيه وهو المبلغ عن الله كلامه وخير الكلام كلام الله وخير الهدى هدى محمد وشر الأمور محدثاتها وكل بدعة ضلالة

ومما يبين ذلك أن ما ذكره القاضي أبو بكر من الطريقين البعيدين اقربهما مبني على أن دلالة الصنعة على الصانع كدلالة الصانع على الصنعة وهذا إنما يدل من جهة الاشتقاق اللفظي كما تقدم

ومن المعلوم أن من شاهد الحوادث قبل أن يعلم أن لها صانعا لا يعلم أنها صنعة ولا مفعولة لفاعل حتى يتضمن علمه بأحدهما علمه بالآخر فإن لم يعلم أن الحادث لا بد له من محدث لم يعلم أنها مفعولة ولا مصنوعة فضلا عن أن يعلم أن لها صانعا فاعلا وإذا علم أنها مصنوعة مفعولة امتنع مع ذلك أن لا يعلم أن لها صانعا فاعلا

يوضح ذلك أن علم الناس بأن الصنعة مفتقرة إلى الصانع ليس بدون علمهم بأن الصانع لا بد له من صنعة بل علمهم بالأول قد يكون أقوى من الثاني وذلك لأنه أراد بكلامه أن الصانع لا يكون صانعا الإبصنعة والفاعل لا يكون فاعلا إلا بفعل وهذا صحيح ولكن ليس هذا بأبين من كون المصنوع لا يكون مصنوعا إلا بصانع والمفعول لا يكون مفعولا إلا بفاعل والفعل لا يكون فعلا إلا بفاعل والصنعة لا تكون صنعة إلا بصانع بل إذا رأوا الحادث علموا بعقولهم أنه لا بد له من فاعل أحدثه وقد يرون ما يصلح أن يكون فاعلا ولا يعلمون: هل فعل شيئا أو لم يفعله؟ فكان فيما ذكره بيان الأبين الأظهر بالأخفى وهم يمنعون من تحديد الأظهر بالأخفة وقد قلنا: إن مثل هذا قد يستعمل مع جهل المخاطب أو عناده ونحو ذلك

وأما الطريق الثانية التي جعلها القاضي أبو بكر معتمدة فهي مع طولها يمكن تقريرها بمقدمات صحيحة لكنه أدخل في بعض مقدماتها تماثل الجواهر وتناهي الحوادث ومعلوم لكل مؤمن عاقل أن الإقرار بالصانع لا يفتقر إلى هذا وهذا بل وعلم الخلق بأن الحادث لا بد له من محدث لا يفتقر لا إلى هذا ولا إلى هذا وهو ذكر هاتين المقدمتين مع غيرهما وفيما ذكره من غيرهما غنية عنهما فإن تماثيل الأعراض كأجزاء السواد يغنيه عن تماثل الجواهر وما ذكره من الوجه الأول في امتناع التقدم لعلة يغنيه عن الوجه الثاني المبني على تناهي الحوادث

ثم مما ينبغي أن يعرف أن الذين سلكوا الطرق المبتدعة في إثبات الصانع وتصديق رسله إذا اعتقدوا أنه لا طريق إلا ذلك الطريق جعلوا من خالفهم في صحة تلك الطريق ملحدا أو دهريا أو نحو ذلك وهذا يذكرونه في مواضع

منها: أنهم لما اعتقدوا أن إثبات الصانع تعالى موقوف على إثبات الجوهر الفرد جعلوا إثبات ذلك من أقوال المسلمين ونفي ذلك من أقوال الملحدين

وكذلك قد يقولون: إن تماثل الجواهر والأجسام من أقوال المسلمين ونفي ذلك من أقوال الملحدين وكذلك قد يقولون: إن تناهي الحوادث من أقوال المسلمين والقول بعدم تناهيها من أقوال الدهرية الملحدين ولهذا نظائر مع أن الذين يضيفونه إلى المسلمين قد يكون إنما ابتدعه طائفة من أهل الكلام الذي ذمه السلف والأئمة والقول الآخر هو الذي عليه سلف الأمة وأئمتها وجمهور الخلق

وكذلك قد يضيفون إلى السنة ما لا يوجد في كتاب ولا سنة ولا قول أحد من السلف بل قد يكون المأثور ضد ذلك حتى يتناقض أحدهم في النقل فيحكي إجماع المسلمين أو إجماع أهل الملل على شيء ثم يحكي النزاع عنهم في موضع آخر

كلام أبي الحسن الطبري إلكيا[عدل]

كما رأيته قد ذكره بعض فضلاء المتكلمين من أصحاب أبي المعالي أظنه أبا الحسن الطبري المعروف بإلكيا أو بعض نظرائه ذكر في كتابه في الكلام لما استدل على حدوث العالم بدليل الأعراض المشهور عن المعتزلة وأتباعهم من الأشعرية والكرامية وغيرهم - قال: ( فإما الركن الرابع وفيه المعركة والتشاجر عنده يحصل وهو إثبات استحالة حوادث لا أول لها وقد أطبق المليون وأتباع الأنبياء كلهم على استحالة حوادث لا أول لها - وقال ملحدة الفلاسفة بإثبات حوادث لا أول لها )

وقال: في مسألة حلول الحوادث بعد أن ذكر قول الكرامية قال: ( واعلم أن المشبهة أيضا يقولون: إن الحوادث تقوم به وإن لم يصرحوا به فهم والكرامية في إثبات الجهة وقيام الحوادث بذات القديم على حد سواء وذلك أنهم يجوزون على الله الجيئة والذهاب والنزول والصعود والانتقال فيقولون: هذه الأشياء لم تكن فكانت وهذا هو الحادث ثم أثبتوا له التحيز وذلك لا يقوم إلا بمتحيز )

قال: ( وقد أثبتوا حوادث لا أول لها )

قال: ولا تصول الملحدة إلا بهذا وقد دللنا على بطلانه وأنه لا يتم القول بحدوث العالم إلا بإبطاله )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: وهذا القول الذي يحكيه هذا وأمثاله من إجماع المسلمين أو إجماع المليين في مواضع كثيرة يحكونه بحسب ما يعتقدونه من لوازم أقوالهم وكثير من الإجماعات التي يحكيها أهل الكلام هي من هذا الباب فإن أحدهم قد يرى أن صحة الإسلام لا تقوم إلا بذلك الدليل وهم يعلمون أن المسلمين متفقون على صحة الإسلام فيحكون الإجماع على ما يظنونه من لوازم الإسلام كما يحكون الإجماع على المقدمات التي يظنون أن صحة الإسلام مستلزمة لصحتها وأن صحتها من لوازم صحة الإسلام أو يكونون لم يعرفوا من المسلمين إلا قولين أو ثلاثة فيحكون الإجماع على نفي ما سواها وكثير مما يحكونه من هذه الإجماعات لا يكون معهم فيها نقل لا عن أحد من الصحابة ولا التابعين ولا عن أحد من أئمة المسلمين بل ولا عن العلماء المشهورين الذين لهم في الأمة لسان صدق ولا فيها آية من كتاب الله ولا حديث عن رسول الله ﷺ وهم مع هذا يعتقدون أنها من أصول الدين التي لا يكون الرجل مؤمنا أولا يتم دين الإسلام إلا بها ونحو ذلك

ومثل هذا الرجل وأمثاله من أهل الكلام لما اعتقدوا أن العلم بإثبات الصانع وصدق الرسول موقوف على هذا الدليل أخذ يحكيه عن جميع أهل الملل وجميع أتباع الأنبياء وهو مع هذا لا يمكنه أن ينقله عن عالم واحد لا من الصحابة ولا من التابعين ولا تابعيهم ولا معه فيه آية ولا حديث والمنصوص عن الأئمة المشهورين عند الأمة يناقض ذلك ولهذا عاد فحكى عن أهل الحديث الذين سماهم مشبهة أنهم يقولون بذلك وإن كان ذكره في معرض التشنيع عليهم ففي ذلك ما يبين أن أتباع الأنبياء تنازعوا في ذلك

وما ذكره من أن حدوث العالم لا يتم إلابإبطاله يقول منازعوه: إن الأمر في ذلك بالعكس وإن القول بما أخبرت به الرسل من أن الله تعالى خلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام لا يتم مع هذا القول ولا يتم إلا بنقيضه لأن إبطال هذا يستلزم ترجيح أحد طرفي الممكن بلا مرجح وحدوث مجموع الحوادث بلا سبب حادث ويصير الفاعل فاعلا بعد أن لم يكن بدون سبب جعله فاعلا بل حقيقة هذا القول أنه صار قادرا بعد أن لم يكن بغير سبب وصار الفعل ممكنا بدون سبب وهذا ممتنع في بدائه العقول

وبذلك صالت الدهرية على أهل الكلام الذين سلكوا هذه السبيل فإنهم لما رأوا فساد هذا القول في صريح المعقول وظنوا أن هذا قول الرسل وأبتاعهم اعتقدوا أن الرسل صلوات الله عليهم أخبرت بما يخالف صريح المعقول ثم من أحسن الظن بهم قال: فعلوا ذلك لمصلحة الجمهور إذ لم يمكن مخاطبتهم بالحق المحض فكذبوا لمصلحة الجمهور فساء ظن هؤلاء بما جاءت به الأنبياء وامتنع أن يستدلوا به على علم وأولئك المتكلمون بجهلهم قصدوا إقامة الدليل على تصديق الأنبياء ونصر ما جاؤوا به فما نقص علمهم بالسمعيات والعقليات أدى ما فعلوه إلى تكذيب الرسل والطعن فيما جاؤوا به

فأما القول بما أخبرت به الرسل فلا يناقض هذا الأصل بل يبطل ما يدفع به الملاحدة أقوال الرسل ثم إنه يحكي عن اهل الحديث هذا القول وأن معنى قولهم هو أنه تحله الحوادث وتجد كثيرا من متكلمة أهل الحديث كأبي الحسن بن الزاغوني وأبي بكر بن عربي يحكون الإجماع على امتناع قيام الحوادث به وأظن ان أبا علي بن أبي موسى ذكر ذلك وهذا من جملة الإجماعات التي يطلقها من يطلقها بحسب ما ظنه وهذا لأن هذه أقوال مجمله قد يفهم منها ما هو باطل بالإجماع والمطلقون لها أدرجوا فيها معاني كثيرة لا يفهمها إلا خواص الناس

وأول من أظهر هذه المقالات الجهمية والمعتزلة ونحوهم وصاروا يقولون: إنه منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والمقدار والحد ونحو ذلك ويدخلون في نفي الأعراض نفي الصفات وفي نفي الحوادث نفي الأفعال القائمة به وفي نفي المقدار نفي علوه على خلقه ومباينته لهم وفي نفي الأبعاض نفي علوه ومباينته ونفي الصفات الخبرية: كالوجه واليدين ونحو ذلك مما يستلزم عندهم أن يكون له أبعاض ومن عجيب ذلك ما ذكروه في هذه المسألة مسألة افتقار الحادث إلى المحدث فإن أبا الحسن لما قال: الدليل على أن للخلق صانعا صنعه ومدبرا دبره؟ واستدل بحدوث الإنسان كما تقدم فسر القاضي أبو بكر قوله بوجهين :

أحدهما: أنه يريد بالخلق: التقدير وكل جسم فله قدر فيكون المعنى: ما الدليل على أن لكل جسم قدرا من الأقدار قدره مقدر؟ لكن هذا الوجه لم يرده الأشعري ولا بنى كلامه على إرادته وإنه لم يذكر دليلا على ذلك

والوجه الثاني: أن يكون الخلق: بمعنى الإبداع والاختراع وجعل الشيء شيء شيئا عينا بعد أن لم يكن كذلك

وهذا هو الوجه الذي أراده لكن اعترض عليه بعض المعتزلة وأظنه القاضي عبد الجبار بأن كل من أقر بالمحدث المخلوق أقر بالخالق وكل من اعترف بمفعول اعترف بفاعل ولو سلم أن الجسم مخلوق لم يحتج إلى تعاطي الدليل على إثبات الصانع الخالق وأراد عبد الجبار بيان فساد الطريقة التي سلكها الأشعري وتصحيح طريق شيوخه وهو إثبات حدوث الأجسام أولا ثم إثبات المحدث بعد ذلك

وليس الأمر كما ذكره عبد الحبار بل الأشعري قصد العدول عن هذه الطريقة التي سلكها المعتزلة عمدا مع علمه بها كما قد بين ذلك في رسالته إلى الثغر وبين أنها بدعة محرمة في الشرائع لم يسلكها السلف والأئمة وعدل عنها إلى الاستدلال بحدوث صفات الإنسان لأن ذلك أمر مشهود معلوم والقرآن العزيز قد دل عليها وأرشد إليها

لكن الأشعري لما أراد تقرير حدوث النطفة سلك في الاستدلال على حدوثها الطريقة المعروفة للمعتزلة في حدوث الأجسام فهو وإن كان قد وافقهم على صحة هذه الطريقة فهو يقول إن فيها تطويلا وشبهات ومقدمات كثيرة فيها نزاع فلا يحتاج إليها ابتداء ولا يقف العلم والإيمان بالله تعالى عليها بخلاف نفس تحول النطفة من حال إلى حال فإن هذا أبين وأظهر من كون كل جسم لا بد له من أعراض مغايرة له وأن الأعراض حادثة النوع

ثم من أراد إثبات حدوث الأجسام بأنها لا تخلو عن الحركة والسكون كما فعله من فعله من المعتزلة ومن وافقهم فالأمر عليه أيسر من إثبات من أثبت ذلك بأنها لا يخلو من كل جنس من أجناس الأعراض عن واحد منها وأن جميع أنواع الأعراض لا تبقى زمانين كما سلك هذه الطريقة كثير من الأشعرية ومن وافقهم فإن هذه أبعد الطرق وأطولها وأضعفها مقدمات لوكان في هذه الطرق شيء صحيح

فالجواب لعبد الجبار عن الأشعري أن يقال له: هو استدل بحدوث الإنسان وهو أمر معلوم مشهود لا ينازع فيه عاقل وكان في ذلك مندوحة له عن الاستدلال بحدوث جميع الأجسام وحينئذ فإذا ثبت أن للإنسان صانعا ثبت سائر صفاته من العلم والقدرة وغير ذلك ثم أمكن أن يعلم حدوث السماوات والأرض بالسمع فلا يحتاج إلى ما يدل على حدوث جميع الأجسام مع أن تمام الطريقة التي ذكرها الأشعري تدل على ذلك فيقال لعبد الجبار: إن كانت طريقتكم صحيحة فقد سلكها الأشعري في آخر استدلاله وإن كانت باطلة لم يكن عليه ملام في تركها بل الذين ذموا ما ذموا منه من أتباع السلف والأئمة ذموا منها ما وافقكم فيه من هذه الطريقة وأمثالها فالذي تطلبون منه من موافقتكم هو الذي ينكره عليه السلف والأئمة كما ينكرون ذلك عليكم

وفي الجملة فإن كان طريقكم مذموما فالذم الذي يلحقه به أقل مما يلحقكم به وإن كان صحيحا فهو قد سلكه في آخر الدليل لكنه لم يجعل نفس إثبات الصانع تعالى مفتقرا إلى إثبات حدوث الأجسام لعلمه بأن الأمر ليس كذلك وبأن هذا مخالفة لدين المسلمين وسائر أهل الملل فكان في موافقتكم على سلوك هذه الطريق ابتداء مخالفة للشرع والعقل

وأما كون من أقر بالشيء المحدث المخلوق أقر بالخالق ومن اعترف بالمفعول اعترف بالفاعل كما ذكره هذا المعتزلي فالأمر كذلك ولهذا لم يتعرض الأشعري للدليل على ذلك بل جعل كون المحدث دالا على المحدث أمرا مستقرا معلوما بالفطرة إذ النزاع في ذلك أقبح من نزاع السوفسطائية

وأما القاضي أبو بكر فأراد أن يجيب عن الأشعري بوجه آخر فزعم أن افتقار المحدث إلى المحدث أمر نظري لا ضروري وأن الأشعري أثبت ذلك وذكر أن إثباته لذلك من جهة تتضمن الفعل للفاعل كتضمن الفاعل للفعل

ومن المعلوم أن كلام الأشعري ليس فيه شيء من هذا ولا يحتاج كلامه إلى هذا وإما نشأ الغلط من ظن القاضي أبي بكر أن العلم بافتقار المحدث إلى الفاعل أمر نظري وليس الأمر كذلك بل هو ضروري عند جماهير العقلاء وإن كان نظريا عند طائفة من أهل الكلام من المعتزلة ومن وافقهم

والشيء قد يكون ضروريا مع إمكان إقامة الأدلة النظرية عليه فلا منافاة بين كونه ضروريا مستقرا في الفطر وبين إمكان إقامة الدليل عليه

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55