انتقل إلى المحتوى

درء تعارض العقل والنقل/33

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة


الوجه الرابع والأربعون

[عدل]

أن يقال: العقليات التي يقال إنها أصل للسمع وأنها معارضة له ليست مما يتوقف العلم بصحة السمع عليها فامتنع أن تكون أصلا له بل هي أيضا باطلة وقد اعترف بذلك أئمة أهل النظر من أهل الكلام والفلسفة فإن جماع هذه الطرق هي طريقان أو ثلاثة :

طريقة الأعراض والاستدلال بها على حدوث الموصوف بها أو ببعضها كالحركة والسكون

وطريقة التركيب والاستدلال بها أن الموصوف بها ممكن أو محدث فهاتان الطريقتان هي جماع ما يذكر في هذا الباب

والثالثة: الاستدلال بالاختصاص على إمكان المختص أو حدوثه قد يقال: إنها طريقة أخرى وقد تدخل في الأولى

والاستدلال باجتماع الجواهر وافتراقها - على رأي من يقول: إن الجسم مركب من الجواهر المنفردة - يدخل في الأولى والثانية

أما دخولها في الأولى فبناء على أن الجواهر لا تخلو من الاجتماع والافتراق كما لا يخلو الجسم - بل الجوهر - من الحركة والسكون

وأما دخولها في الثانية فبناء على أن الجسم مركب من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وحينئذ فيكون: إما ممكنا عند من يستدل بذلك على الإمكان وإما محدثا عند من يستدل بذلك على الحدوث

ولكن الاستدلال بهذه الطريق مبني على أن الجسم مركب من الجواهر المحسوسة التي لا تنقسم وهي الجواهر المنفردة أو من الجواهر العقلية وهي المادة والصورة وهذا مما ينازعهم فيه جمهور العقلاء بخلاف كون الجسم لا يخلو عن نوع من الأعراض فلا يخالف فيه إلا شذوذ

ثم الطريقة الأولى مبنية على امتناع وجود ما لا يتناهي من الحوادث والثانية مبنية على أن ما اجتمعت فيه معان لزم أن يكون ممكنا أو حادثا والثالثة مبنية على أن المختص لا بد له من مخصص منفصل عنه

وهذه المقدمات الثلاث قد نازع فيها جمهور العقلاء وكل من هذه الطرق تسلكه الجهمية والمعتزلة نفاة الصفات والأفعال ويسلكه أيضا نفاة الأفعال القائمة به دون الصفات

وأما المتفلسفة القائلون بقدم العالم نفاة الصفات فأصل كلامهم مبني على طريقة التركيب بناء على أن الموصوف مركب وإذا استدلوا بطريقة الأعراض فإنما يستدلون بها على أن الموصوف بها ممكن ويسندون ذلك إلى التركيب فإنما استدلالهم بالأعراض على حدوث الموصوف فلا يمكنهم بل هذا نقيض قولهم

وكل من الطائفتين تطعن في طريقة الأخرى وتبين فسادها ومعلوم أن المتكلمين القائلين بإثبات الصفات لله تعالى أقرب إلى الإسلام والسنة من نفاة الصفات وأن نفاة الصفات القائلين بحدوث السماوات والأرض أقرب إلى الإسلام والسنة من القائلين بقدم ذلك ومن كان إلى الإسلام والسنة أقرب كانت عقلياته التي يعارض بها النصوص الإلهية أقل بعدا عن دين المسلمين

فإذا كان أئمة العلم قد أنكروا هذه التي هي أقرب من غيرها إلى العقل والنقل وبينوا أنها فاسدة في العقل محرمة في الشرع - كان ما هو أبعد منها وأضعف أعظم فسادا في العقل وتحريما في الشرع

وما زال أئمة العلم على ذلك حتى أئمة النظر من أهل الكلام والفلسفة فالاستدلال بالحكة والسكون على حدوث المتحرك الساكن بل الاستدلال بالأعراض مطبقا على حدوث ما قامت به من الجواهر والأجسام والاستدلال بحدوث الصفات على حدوث ما قامت به من الموصوفات والاستدلال بتركيب الأجسام من الجواهر ونحو ذلك وجعل ذلك طريقا إلى العلم بحدوث العالم وإلى العلم بإثبات الصانع تعالى هو طريق الجهمية والمعتزلة ونحوهم من أهل الكلام المذموم - عند السلف المحدث في الإسلام وهم الذين ابتدعوا هذه الطريقة والاستدلال بها - والتزام لوازمها والتفريع عليها وإن كان قد شركهم في ذلك قوم من غير المسلمين أو سبقوهم إلى ذلك سواء كانوا من الصابئين أو اليهود أو غيرهم

والمقصود أن ظهور هذه في الإسلام كان ابتداؤه من جهة هؤلاء المتكلمين المبتدعين وهذه هي من أعظم أصول هؤلاء المتكلمين وهذه وأمثالها هي من الكلام الذي اتفق سلف الأمة وأئمتها على ذمه والنهي عنه وتجهيل أصحابه وتضليلهم حيث سلكوا في الاستدلال طرقا ليست مستقيمة واستدلوا بقضايا متضمنة للكذب فلزمهم بها مسائل خالفوا بها نصوص الكتاب والسنة وصرائح المعقول فكانوا جاهلين كاذبين ظالمين في كثير من مسائلهم ووسائلهم وأحكامهم ودلائلهم

وكلام السلف والأئمة في ذم ذلك كثير مشهور في عامة كتب الإسلام وما من أحد قد شدا طرفا من العلم إلا وقد بلغه من ذلك بعضه لكن كثير من الناس لم يحيطوا علما بكثير من أقوال السلف والأئمة في ذلك وبمعانيها وقد جمع الناس من كلام السلف والأئمة في ذلك مصنفات مفردة مثل ما جمعه الشيخ أبو عبد الرحمن السلمي ومثل المصنف الكبير الذي جمعه الشيخ أبو إسماعيل عبد الله بن محمد الأنصاري الملقب بشيخ الإسلام الذي سماه ذم الكلام وأهله ومن ذلك في كتب الآثار والسنة ما شاء الله

كلام الغزالي في الإحياء عن ذم علم الكلام

[عدل]

وممن ذكر اتفاق السلف على ذلك الغزالي في أجل كتبه الذي سماه إحياء علوم الدين قال: ( فإن قلت: فعلم الجدل والكلام مذموم كعلم النجوم أو هو مباح أو مندوب إليه؟ فاعلم أن للناس في هذا غلوا وإسرافا في أطراف فمن قائل: إنه بدعة وحرام وإن العبد أن يلقى الله بكل ذنب - سوى الشرك - خير له من أن يلقاه بالكلام ومن قائل: إنه واجب فرض: إما على كفاية أو على الأعيان وإنه أجل الأعمال وأعلى القربات وإنه تحقيق لعلم التوحيد ونضال على دين الله )

قال: ( وإلى التحريم ذهب الشافعي ومالك وأحمد بن حنبل وسفيان وجميع أهل الحديث من السلف قال ابن عبد الأعلى سمعت الشافعي يوم ناظر حفصا الفرد - وكان من متكلمي المعتزلة - يقول: لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بشيء من الكلام وإني سمعت من حفص كلاما لا أقدر أن أحكيه وقال أيضا: قد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما كنت ظننته قط ولأن يبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما عدا الشرك خير له من أن ينظر في الكلام )

وقال أيضا: )لو علم الناس ما في الكلام من الأهواء لفروا منه فرارهم من الأسد )

وقال: )حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد ويطاف بهم في العشائر والقبائل ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام )

وقال ( وقال أحمد بن حنبل: لا يفلح صاحب الكلام أبدا ولا تكاد ترى أحدا نظر في الكلام إلا وفي قلبه دغل )

قال: ( وبالغ فيه حتى هجر الحارث المحاسبي مع زهده وورعه بسبب تصنيفه كتابا في الرد على المبتدعة وقال: ويحك ألست تحكي بدعتهم أولا ثم ترد عليهم؟ ألست تحمل الناس بتصنيفك على مطالعة البدعة والتفكر في تلك الشبهات فيدعوهم ذلك إلى الرأي والبحث )

تعليق ابن تيمية

[عدل]

قلت: هجران أحمد للحارث لم يكن لهذا السبب الذي ذكره أبو حامد وإنما هجره لأنه كان على قول ابن كلاب الذي وافق المعتزلة على صحة طريق الحركات وصحة طريق التركيب ولم يوافقهم على نفي الصفات مطلقا بل كان هو وأصحابه يثبتون أن الله فوق الخلق عال على العالم موصوف بالصفات ويقررون ذلك بالعقل وإن كان مضمون مذهبه نفي ما يقوم بذات الله تعالى من الأفعال وغيرها مما يتعلق بمشيئته واختياره وعلى ذلك بنى كلامه في مسألة القرآن

وهذا هو المعروف عند من له خبرة بكلام أحمد من أصحابه وغيرهم من علماء أهل الحديث والسنة ولأبي عبد الله الحسين والد أبي القاسم الخرقي صاحب المختصر المشهور - كتاب في قصص من هجره أحمد سال فيه لأبي بكر المروذي عن ذلك فأجابه عن قصصهم واحدا واحدا

وقد ذكر ذلك أيضا أبو بكر الخلال في كتاب السنة وقد ذكر ذلك ابن خزيمة وغيره ممن يعرف حقيقة هذه الأمور وكذلك السري السقطي كان يحذر الجنيد بن محمد من شقاشق الحارث ثم ذكر غير واحد أن الحارث رجع عن ذلك كما ذكره معمر بن زياد في أخبار شيوخ أهل المعرفة والتصوف وذكر أبو بكر الكلاباذي في كتاب التعرف لمذاهب التصوف عن الحارث المحاسبي أنه كان يقول: إن الله يتكلم بصوت وهذا يناقض قول ابن كلاب

وأبو حامد ليس له من الخبرة والآثار النبوية والسلفية ما لأهل المعرفة بذلك الذين يتميزون بين صحيحه وسقيمه ولهذا يذكر في كتبه من الأحاديث والآثار الموضوعة والمكذوبة ما لو علم أنها موضوعة لم يذكرها

وأحمد رضي الله عنه قد رد على الجهمية وغيرهم بالأدلة السمعية والعقلية وذكر من كلامهم وحججهم ما لم يذكره غيره بل استوفى حكاية مذهبهم وحججهم أتم استيفاء ثم أبطل ذلك بالشرع والعقل

وقد نقل أبو حامد في كتابه ما ذكر أنه سمعه من بعض الحنابلة وهو أن أحمد لم يتأول إلا ثلاث أحاديث وهذا غلط على أحمد وقد بسط الكلام على هذا في غير هذا الموضع وتبين ما في هذا الكلام وتوابعه من الصواب والخطأ نقلا وتوجيها ولو اقتصر أبو حامد على ما نقله من كتاب ابن عبد البر عن الأئمة لم يكن فيه شيء من هذا الخطأ فإن ابن عبد البر وأمثاله أعلم بالآثار من هؤلاء ولكن لعله نقل ذلك من كلام أب طالب أو غيره

ونظير هذا ما ذكره أبو المعالي في كتابه أصول الفقه المسمى بالبرهان لما ذكر مذهب الناس في القياس العقلي والشرعي فقال: ( القياس فيما ذكره أصحاب المذاهب ينقسم إلى شرعي وعقلي ثم الناظرون في الأصول والمنكرون تفرقوا على مذاهب فذهب بعضهم إلى رد القياسين وقال القائلون: هذا مذهب منكري النظر وقال قائلون بالقياس العقلي والسمعي وهذا مذهب الأصوليين والقياسيين من الفقهاء وذهب ذاهبون إلى القول بالقياس العقلي وجحد القياس الشرعي وهذا مذهب النظام وطوائف من الرافضة والإباضية والأزارقة ومعظم فرق الخوارج إلا النجدات وصار صائرون إلى النهي عن القياس النظري والأمر بالقياس الشرعي

وقال ( وهذا مذهب أحمد بن حنبل والمقتصدين من أتباعه وليس ينكرون إفضاء النظر العقلي إلى العلم ولكن ينهون عن ملابسته والاشتغال به )

كلام الجويني في البرهان

[عدل]

قال: ( وذهب الغلاة من الحشوية وأهل الظاهر إلى رد القياس العقلي والشرعي ) قال أبو المعالي: أطلق النقلة القياس العقلي فإن عنوا به النظر العقلي فهو من نوعه إذا استجمع شرائط الصحة مفض إلى العلم مأمور به شرعا والقياس الشرعي متقبل معمول به إذا صح على السبر اللائق به وإن عنى الناقلون بالقياس العقلي اعتبار شيء بشيء ووقوف نظر في غائب على استثارة معنى في شاهد فهذا باطل عندي لا أصل له فليس في المعقولات قياس وقد فهم عنا ذلك طلبة المعقولات

تعليق ابن تيمية

[عدل]

قلت: هذا الذي ذكره أبو المعالي من إنكار القياس في المعقولات وافقه عليه طائفة من المتأخرين كأبي حامد الرازي وأبي محمد المقدسي قال: قياس التمثيل إنما يكون في الشرعيات والمنطقيون قد يدعون أن قياس التمثيل في العقليات إنما يفيد الظن وأما جمهور العقلاء فعلى أنه لا فرق بين قياس الشمول وقياس التمثيل في إفادة العلم والظن فإن مما يجعل في قياس الشمول حدا أوسط يجعل في قياس التمثل مناط الحكم ويسمى العلة والوصف والمشترك

فإذا قيل: النبيذ المسكر حرام لأنه مسكر وكل مسكر حرام - فهذا قياس شمول ولا بد له من دليل يدل على صحة المقدمة الكبرى القائلة: كل مسكر حرام فإذا استدل بقياس التمثيل: قال: إنه مسكر فكان حراما قياسا على عصير العنب المسكر ثم يبين أن العلة في الأصل هو السكر فالدليل الدال على علة الوصف في الأصل هو الدال على صحة المقدمة الكبرى والسكر هو الوصف الذي علق به الحكم وهو مناطه وهو المشترك بين الأصل والفرع الذي علق به الحكم والسكر المتصف بالسكر هو الحد الأوسط المقرر في قياس الشمول الذي هو محمول في المقدمة الصغرى موضوع في الكبرى

وأما ما ذكره عن أحمد فقد أنكره أصحاب أحمد حتى قال أبو البقاء العكبري لمن قرأ عليه كتاب البرهان: ( هذا النقل ليس بصحيح عن مذهب الإمام أحمد )

وهو كما قال فإن أحمد لم ينه عن نظر في دليل عقلي صحيح يفضي إلى المطلوب بل في كلامه في أصول الدين في الرد على الجهمية وغيرهم من الاحتجاج بالأدلة العقلية على فساد قول المخالفين للسنة ما هو معروف في كتبه وعند أصحابه

ولكن أحمد ذم من الكلام البدعي ما ذمه سائر الأمة وهو الكلام المخالف للكتاب والسنة والكلام في الله ودينه بغيره علم

واستدل أحمد بقوله تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف: 33 ]

وأحمد أشهر وأكثر كلاما في أصول الدين بالأدلة القطعية: نقلها وعقلها من سائر الأئمة لأنه ابتلي بمخالفي السنة فاحتاج إلى ذلك والموجود في كلامه من الاحتجاج بالأدلة العقلية على ما يوافق السنة لم يوجد مثله في كلام سائر الأئمة ولكن قياس التمثيل في حق الله تعالى لم يسلكه أحمد لم يسلك فيه إلا قياس الأولى وهو الذي جاء به الكتاب والسنة فإن الله لا يماثل غيره في شيء من الأشياء حتى يتساويا في حكم القياس بل هو سبحانه أحق بكل حمد وأبعد عن كل ذم فما كان من صفات الكمال المحضة التي لا نقص فيها بوجه من الوجوه فهو أحق به من كل ما سواه وما كان من صفات النقص فهو أحق بتنزيهه عنه من كل ما سواه

والقرآن لما بين قدرته في إعادة الخلق بفعله لما هو أبلغ من ذلك كان هذا من باب قياس الأولى وكذلك بين تنزيهه عن الولد والشريك وكذلك أحمد سلك هذا المسلك - كما ذكره في موضعه - مثل بيانه لإمكان كونه عالما بجميع المخلوقات مع كونه بائنا عن العالم فوق العرش بقياسين عقليين: أحدهما أن الإنسان قد يكون معه قد صاف فيرى ما فيه مع مباينته له فالرب سبحانه قدرته على العالم ومباينته له أعظم من قدرة هذا على ما في يده فلا تمتنع رؤيته لما فيه وأحاطته به مع مباينته له

والقياس الثاني من بنى دارا وخرج منها فهو يعلم ما فيها لكونه فعلها وإن لم يكن فيها فالرب الذي خلق كل شيء وأبدعه هو أحق بأن يعلم ما خلق وهو اللطيف الخبير وإن لم يكن حالا في المخلوقات

والمقصود أن أحمد يستدل بالأدلة العقلية على المطالب الإلهية إذا كانت صحيحة إنما يذم ما يخالف الكتاب والسنة أو الكلام بلا علم والكلام المبتدع في الدين كقوله في رسالته إلى المتوكل: ( لا احب الكلام في هذا إلا ما كان في كتاب الله أو حديث عن الرسول أو الصحابة أو التابعين فأما غير ذلك فإن الكلام فيه غير محمود )

وهو لا يكره - إذا عرف معاني الكتاب والسنة - أن يعبر عنها بعبارات أخرى إذا احتيج إلى ذلك بل هو قد فعل ذلك بل يكره المعاني المبتدعة في هذا أي فيما خاض الناس فيه - من الكلام في القرآن والرؤية والقدر والصفات - غلا بما يوافق الكتاب والسنة وآثار الصحابة والتابعين

ولهذا كره الكلام في ( الجسم ) وفي ( الحيز ) وفي اللفظ بالقرآن نفيا وإثباتا لما في كل من النفي والإثبات من باطل وكلامه في هذه الأمور مبسوطة في موضع آخر كما هو معروف في كتابه وخطابه

والمذموم شرعا ما ذمه الله ورسوله كالجدل بالباطل والجدل بغير علم والجدل في الحق بعد ما تبين

فأما المجادلة الشرعية كالتي ذكرها الله تعالى على الأنبياء عليهم السلام وأمر بها مثل قوله تعالى: { قالوا يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا } [ هود: 32 ]

وقوله: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } [ الأنعام: 83 ] وقوله تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } [ البقرة: 258 ] وقوله تعالى: { وجادلهم بالتي هي أحسن } [ النحل: 125 ]

وأمثال ذلك فقد يكون واجبا أو مستحبا وما كان كذلك لم يكن مذموما في الشرع

وما ذكره أبو حامد الغزالي من كلام السلف في ذم أهل الكلام لو أنه معروف عنهم في كتب يعتمد عليها لم يذكره هنا وقد نقل من ذلك ما نقله من كتاب أبي عمر بن عبد البر الذي سماه فضل العلم وأهله وما يلزمهم في تأديته وحمله وأبو عمر من اعلم الناس بالآثار والتميز بين صحيحيها وسقيمها

كلام الغزالي في الإحياء عن علم من الكلام وتعليق ابن تيمية عليه

ومن ذلك ما نقله أبو حامد أيضا عن أحمد أنه قال ( علماء الكلام زنادقة ) قال: ( وقال مالك: أرأيت إن جاء من هو أجدل منه أيدع دينه كل يوم بدين جديد؟ ) قال: ( يعني أن أقوال المتجادلين تتقاوم )

وقال: ( وقال مالك: لا تجوز شهادة أهل الأهواء والبدع فقال بعض أصحابه في تأويله: انه أراد بأهل الأهواء: أهل الكلام على أي مذهب كانوا )

قلت: هذا الذي كنى عنه أبو حامد هو محمد بن خويز منداد البصري الإمام المالكي وقد قال: ( إن أهل الأهواء عند مالك وأصحابه الذين ترد شهادتهم هم أهل الكلام )

قال: ( فكل متكلم فهو من أهل الأهواء والبدع عند مالك وأصحابه وكل متكلم فهو عندهم من أهل الأهواء: أشعري كان أو غير أشعري ) هكذا ذكره عنه ابن عبد البر ومنه نقل ذلك أبو حامد لكان كنى عن التصريح بذلك

قال أبو حامد: ( وقال أبو يوسف: من طلب العلم بالكلام تزندق ) وقال: ( وقد اتفق أهل الحديث من السلف على هذا ولا ينحصر ما ينقل عنهم من التجديدات فيه وقالوا: ما سكت عن الصحابة مع أنهم أعرف بالحقائق وأفصح في ترتيب الألفاظ من غيرهم إلا لعلمهم بما يتولد منه ولذا قال النبي : [ هلك المتنطعون هلك المتنطعون ] أي المتعمقون في البحث والاستقصاء )

قال: واحتجوا بأن ذلك لو كان من الدين لكان أهم ما يأمر به النبي ويعلم طريقه ويثني على أربابه فقد علمهم الاستنجاء وندبهم إلا حفظ الفرائض وأثنى عليهم ونهاهم عن الكلام في القدر وعلى هذا استر الصحابة فالزيادة على الأستاذ طغيان وظلم وهم الأستاذون والقدوة ونحن الأتباع والتلامذة )

قال: ( وأما الفرقة الأخرى فاحتجوا بان المحذور من الكلام: إن كان هو من أجل لفظ ( الجوهر ) و( العرض ) وهذه الاصطلاحات الغريبة لأجل التفهم كالحديث والتفسير والفقه ولو عرض عليهم عبارة النقض والكسب والتعدية والتركيب وفساد الوضع لما كانوا يفهمونه وإحداث عبارة للدلالة على مقصود صحيح كإحداث آنية على هيئة جديدة لاستعمالها في مباح وإذا كان المحذور هو المعنى فنحن لا نعني به إلا معرفة الدليل على حدوث العالم ووحدانية الخالق تعالى وصفاته كما جاء به الشرع فمن أين تحرم معرفة الله بالدليل؟ وإن كان المحذور هو الشغب والتعصب والعداوة والبغض وما يفضي إليه الكلام فذلك يحرم ويجب الاحتراز منه كما أن الكبر والرياء وطلب الرياسة مما يفضي إليه على الحديث والتفسير والفقه وهو محرم يجب الاحتراز منه ولكن لا يمنع من العلم لأجل أدائه أليه

وكيف يكون ذلك الحجة المطالبة والبحث عن محظورا وقد قال تعالى: { قل هاتوا برهانكم } [ النمل: 64 ] وقال تعالى: { ليهلك من هلك عن بينة ويحيا من حي عن بينة } [ الأنفال: 42 ]

وقال تعالى: { إن عندكم من سلطان } [ يونس: 68 ] أي من حجة وبرهان

وقال تعالى { قل فلله الحجة البالغة } [ الأنعام: 149 ]

وقال تعالى: { ألم تر إلى الذي حاج إبراهيم في ربه } إلى قوله { فبهت الذي كفر } [ البقرة: 158 ] وذكر إبراهيم مجادلته وإفحامه خصمه في معرض الثناء عليه وقال تعالى: { وتلك حجتنا آتيناها إبراهيم على قومه } [ الأنعام: 83 ]

وذكر كلاما طويلا ذكرناه وتكلمنا على ما فيه من مقبول ومردود كلاما مبسوطا في غير هذا الموضع إلى أن قال: ( فهذا ما يمكن أن يذكر للفريقين )

ثم ذكر تفصيلا اختاره مضمونه: أن فيه مضرة من آثار الشبهات وتحريك العقائد وإزالتها عن الجزم والتصميم ومضرة في تأكيد اعتقاد المبتدعة وتثبيته في صدورهم بحيث تنبعث دواعيهم ويشتد حرصهم على الإصرار عليه ولكن هذا الإصرار بواسطة التعصب الذي يثور عن الجدل )

قلت: المضرة التي ذكرها: نوعان: أحدهما: يتعلق بالعلم وهو التنبيه على شبه الباطل التي تضعف اعتقاد الحق وتفضي إلى الباطل والثاني: يتعلق بالقصد وهو إثارة الهوى والحمية والعصبية التي تدعو إلى الإصرار ولو على الباطل لئلا يغلب الشيطان

قال: ( وأما منفعته فقد يظن أن فائدته كشف الحقائق ومعرفتها على ما هي عليه وهيهات فليس في الكلام وفاء بهذا المطلب الشريف وهذا إذا سمعته من محدث أو حشوي ربما خطر ببالك أن الناس أعداء ما جهلوا فاسمع هذا ممن خبر الكلام ثم قلاه بعد حقيقة الخبرة وبعد التغلغل فيه إلى منتهى درجة المتكلمين وجاوز ذلك إلى التعمق في علوم أخرى سوى نوع الكلام وتحقق أن الطريق إلى حقائق المعرفة من هذا الوجه مسدود )

قال ( ولعمري لا ينفك الكلام عن كشف وتعريف وإيضاح لبعض الأمور ولكن على الندور وفي أمور جلية تكاد تنال قبل التعمق في صناعة الكلام )

قال: ( بل منفعته شيء واحد وهو حراسة العقيدة التي ترجمناها على العوام وحفظها عن تشويشات المبتدعة بأنواع الجدل فإن العامي يستفزه جدل المبتدع وإن كان فاسدا ومعارضة الفاسد بالفاسد نافعة والناس متعبدون بهذه العقيدة التي قدمناها إذ ورد الشرع بها لما فيها من صلاح دينهم ودنياهم اجتماع السلف عليها والعلماء متعبدون بحفظ ذلك على العوام من تلبيسات المبتدعة كما تعبد السلاطين بحفظ أموالهم عن تهجمات الغصاب والظلمة )

قال: ( وإذا وقعت الإحاطة بضرره ومنفعته فينبغي أن يكون كالطبيب الحاذق في استعمال الدواء الخطر إذ لا يضعه إلا في موضعه وذلك في وقت الحاجة وعلى قدر الحاجة )

قلت فهذا كلام أبي حامد مع معرفته بالكلام والفلسفة وتعمقه في ذلك يذكر اتفاق سلف أهل السنة على ذم الكلام ويذكر خلاف من نازعهم ويبين أنه ليس فيه فائدة إلا الذب عن العقائد الشرعية التي أخبر بها الرسول لأمته وإذا لم يكن فيه فائدة إلا الذب عن هذه العقائد امتنع أن يكون معارضا لها فضلا عن أن يكون مقدما عليها فامتنع أن يكون الكلام العقلي المقبول مناقضا للكتاب والسنة وما كان من ذلك مناقضا للكتاب والسنة وجب أن يكون من الكلام الباطل المردود الذي لا ينازع في ذمه أحد من المسلمين: لا من السلف والأئمة ولا أحد من الخلف المؤمنين أهل المعرفة بعلم الكلام والفلسفة وما يقبل من ذلك وما يرد وما يحمد وما يذم وإن من قبل ذلك وحمده كان من أهل الكلام الباطل المذموم باتفاق هؤلاء

هذا مع أن السلف والأئمة يذمون ما كان من الكلام والعقليات والجدل باطلا وإن قصد به نصر الكتاب والسنة فيذمون من قابل بدعة ببدعة وقابل الفاسد بالفاسد فكيف من قابل السنة بالبدعة وعارض الحق بالباطل وجادل في آيات الله بالباطل ليدحض به الحق

ولكن المقصود هنا بيان ما ذكره من اتفاق أئمة السنة على ذمه وما ذكره من أنه هو وطريق الفلسفة لا يفيد كشف الحقائق ومعرفتها مع خبرته بذلك وهو تكلم بحسب ما بلغه عن السلف وما فهمه وعلمه مما يحمد ويذم ولم تكن خبرته بأقوال السلف وحقيقة ما جاء به الرسول كخبرته بما سلكه من طرق أهل الكلام والفلسفة فلذلك لم يكن في كلامه من هذا الجانب من العلم والخبرة ما فيه من الجانب الذي هو به أخبر من غيره وذلك أن ما ذكره من أن مضرته هي إثارة الشبهات في العلم وإثارة التعصب في الإرادة إنما يقال إذا كان الكلام في نفسه حقا بأن تكون قضاياه ومقدماته صادقة بل معلومة

فإذا كان مع ذلك قد يورث النظر فيه شبها وعداوة قيل فيه ذلك: والسلف لم يكن ذمهم للكلام لمجرد ذلك ولا لمجرد اشتماله على ألفاظ اصطلاحية إذا كانت معانيها صحيحة ولا حرموا معرفة الدليل على الخالق وصفاته وأفعاله بل كانوا أعلم الناس بذلك وأعرفهم بأدلة ذلك ولا حرموا نظرا صحيحا في دليل صحيح يفضي إلى علم نافع ولا مناظرة في ذلك نافعة: إما لهدى مسترشد وإما لإعانة مستنجد وإما لقطع مبطل متلدد بل هم أكمل الناس نظرا واستدلالا واعتبارا وهم نظروا في أصح الأدلة وأقومها فإن الناظر الطالب للعلم: إما أن يكون نظره في كلام معلم يبين له ويخاطبه بما يعرفه الحق وإما أن يكون في نفس الأمور الثابتة التي يخبر عنها المتكلم ويريد أن يعلم أمرها المتعلم كسائر الناظرين في الطب والنحو وغير ذلك: إما أن ينظر في كلام المعلمين لهذا الفن وإما أن ينظر فيما من شأنه أنه يخبر عنه كالأبدان واللغات

والسلف كان نظرهم في خير الكلام وأفضله وأصدقه وأدله على الحق وهو كلام الله تعالى وهم ينظرون في آيات الله تعالى التي في الآفاق وفي أنفسهم فيرون في ذلك من الأدلة ما يبين أن القرآن حق قال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق } [ فصلت: 53 ]

والمناظرة المحمودة نوعان: والمذمومة نوعان وذلك لأن المناظر: إما أن يكون عالما بالحق وإما أن يكون طالبا له وإما أن لا يكون عالما به ولا طالبا له فهذا الثالث هو المذموم بلا ريب وأما الأولان: فمن كان عالما بالحق فمناظرته المحمودة أن يبين لغيره الحجة التي تهديه إن كان مسترشدا طالبا للحق إذا تبين له أو يقطعه ويكف عداوته إن كان معاندا غير متبع للحق إذا تبين له ويوقفه ويسلكه ويبعثه على الناظر في أدلة الحق إن كان يظن أنه حق وقصده الحق

وذلك لأن المخاطب بالمناظرة إذا ناظره العالم المبين للحجة: إما أن يكون ممن يفهم الحق ويقبله فهذا إذا بين له الحق فهمه وقبله وإما أن يكون ممن لا يقبله إذا فهمه أو ليس له غرض في فهمه بل قصده مجرد الرد له فهذا إذا نوظر بالحجة انقطع وانكف شره عن الناس وعداوته وهذا هو المقصود الذي ذكره أبو حامد وغيره وهو دفع أعداء السنة المجادلين بالباطل عنها

وإما أن يكون الحق قد التبس عليه وأصل قصده الحق لكن يصعب عليه معرفته لضعف علمه بأدلة الحق مثل من يكون قليل العلم بالآثار النبوية الدالة على ما أخبر به من الحق أو لضعف عقله لكونه لا يمكنه أن يفهم دقيق العلم أو لا يفهمه إلا بعد عسر أو قد سمع من حجج الباطل ما اعتقد موجبه وظن أنه لا جواب عنه فهذا إذا نوظر بالحجة أفاده ذلك: إما معرفة الحق وإما شكا وتوقفا في اعتقاد الباطل أو في اعتقاد صحة الدليل الذي استدل به عليه وبعث همته على النظر في الحق وطلبه إن كان له رغبة في ذلك فإن صار من أهل العصبية الذين يتبعون الظن وما تهوى النفس الحق بقسم المعاندين كما تقدم

وأما المناظرة المذمومة من العالم بالحق فأن يكون قصده مجرد الظلم والعدوان لمن يناظره ومجرد إظهار علمه وبيانه لإرادة العلو في الأرض فإذا أراد علوا في الأرض أو فسادا كان مذموما على إرادته ثم قد يكون من الفجار الذين يؤيد الله بهم الدين كما قال النبي : [ إن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر ] فكما قد يجاهد الكفار فاجر فينتفع المسلمون بجهاده فقد يجادلهم فاجر فينتفع المسلمون بجداله لكن هذا يضر نفسه بسوء قصده وربما أوقعه ذلك في أنواع من الكذب والبدعة والظلم فيجره إلى أمور أخرى

وقد وقع في ذلك كثير من هؤلاء وهؤلاء

وأما إن كان المناظر غير عالم بالحق بأن لا يعرف الحق في نفس المسألة أو يعرف الحق لكن لا يعرف بعض الحجج أو الجواب عن بعض المعارضات أو الجمع بين دليلين متعارضين وأمثال ذلك - فهذا إذا ناظر: طالبا لمعرفة الحق وأدلته والجواب عما يعارضها والجمع بين الأدلة الصحيحة - كان محمودا وإن ناظر بلا علم فتكلم بما لا يعرف من القضايا والمقدمات - كان مذموما

والسلف رضوان الله عليهم كانت مناظرتهم مع الكفار وأهل البدع - كالخوارج وغيرهم - من القسم الأول وكانت مناظرة بعضهم لبعض في مسائل الأحكام والتفسير: تارة من القسم الأول وتارة من القسم الثاني وهي المشاورة التي مدحهم الله عليها بقوله عز وجل { وأمرهم شورى بينهم } [ الشورى: 38 ]

وما ذكره الله تعالى عن الأنبياء والمؤمنين من المجادلة يتناول هذا وهذا وقد ذم الله تعالى في القرآن ثلاثة أنواع من المجادلة: ذم أصحاب المجادلة بالباطل ليدحض به الحق وذم المجادلة في الحق بعد ما تبين وذم المحاجة فيما لا يعلم المحاج

فقال تعالى: { وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق } [ غافر: 5 ]

وقال تعالى: { يجادلونك في الحق بعد ما تبين } [ الأنفال: 6 ]

وقال: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } [ آل عمران: 66 ]

والذي ذمه السلف والأئمة من المجادلة والكلام هو من هذا الباب فإن أصل ذمهم الكلام المخالف للكتاب والسنة وهذا لا يكون في نفس الأمر إلا باطلا فمن جادل به جادل بالباطل وإن كان ذلك الباطل لا يظهر لكثير من الناس أنه باطل لما فيه من الشبهة فإن الباطل المحض الذي يظهر بطلانه لكل أحد لا يكون قولا ومذهبا لطائفة تذب عنه وإنما يكون باطلا مشوبا بحق كما قال تعالى: { لم تلبسون الحق بالباطل وتكتمون الحق وأنتم تعلمون } [ آل عمران: 71 ]

أو تكون فيه شبهة لأهل الباطل وإن كانت باطلة وبطلانها يتبين عند النظر الصحيح كالذين قالوا: إن محمدا شاعر وكاهن ومجنون قالوا: إنه شاعر لأن الشعر كلام موزون مقفى فشبهوا القرآن به من هذا الوجه والكاهن يخبر أحيانا بواحدة تصدق فشبهوا الرسول به من هذا الوجه والمجنون يقول ويفعل خلاف ما في عقول ذوي العقول فلما زعموا أن ما يأتي به الرسول يخالف ما يأتي به العقلاء نسبوه إلى ذلك

لكن ما ينصبه الله من الأدلة ويهدي إليه عباده من المعرفة يتبين به الحق من الباطل الذي يشتبه به ولكن ليس كل من عرف الحق - إما بضرورة أو بنظر - أمكنه أن يحتج على من ينازعه بحجة تهديه أو تقطعه فإن ما به يعرف الإنسان الحق نوع وما به يعرفه به غيره نوع وليس كل ما عرفه الإنسان أمكنه تعريف غيره به فلهذا كان النظر أوسع من المناظرة فكل ما يمكن المناظرة به يمكن النظر فيه وليس كل ما يمكن النظر فيه يمكن مناظرة كل أحد به

ولهذا كان أهل العلم بالحديث لهم علوم ضرورية بأقوال الرسول ومقاصده لا يشركهم فيها إلا من شركهم في أسبابها

والمقصود هنا أن السلف كانوا أكمل الناس في معرفة الحق وأدلته والجواب عما يعارضه وإن كانوا في ذلك درجات وليس كل منهم يقوم بجميع ذلك بل هذا يقوم بالبعض وهذا يقوم بالبعض كما في نقل الحديث عن النبي وغير ذلك من أمور الدين

والكلام الذي ذموه نوعان: أحدهما أن يكون في نفسه باطلا وكذبا وكل ما خالف الكتاب والسنة فهو باطل كذب فإن أصدق الكلام كلام الله

والثاني أن يكون فيه مفسدة مثلما يوجد في كلام كثير منهم: من النهي عن مجالسة أهل البدع ومناظرتهم ومخاطبتهم والأمر بهجرانهم وهذا لأن ذلك قد يكون أنفع للمسلمين من مخاطبتهم فإن الحق إذا كان ظاهرا قد عرفه المسلمون وأراد بعض المبتدعة أن يدعو إلى بدعته فإنه يجب منعه من ذلك فإذا هجر وعزر كما فعل أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه بصبيغ بن عسل التميمي وكما كان المسلمون يفعلونه أو قتل كما قتل المسلمون الجعد بن درهم وغيلان القدري وغيرهما - كان ذلك هو المصلحة بخلاف ما إذا ترك داعيا وهو لا يقبل الحق: إما لهواه وإما لفساد إدراكه فإنه ليس في مخاطبته إلا مفسدة وضرر عليه وعلى المسلمين

والمسلمون أقاموا الحجة على غيلان ونحوه وناظروه وبينوا له الحق كما فعل عمر ابن عبد العزيز رضي الله عنه واستتابه ثم نكت التوبة بعد ذلك فقتلوه

وكذلك علي - رضي الله عنه - بعث ابن عباس إلى الخوارج فناظرهم ثم رجع نصفهم ثم قاتل الباقين

والمقصود أن الحق إذا ظهر وعرف وكان مقصود الداعي إلى البدعة إضرار الناس قوبل بالعقوبة

قال الله تعالى: { والذين يحاجون في الله من بعد ما استجيب له حجتهم داحضة عند ربهم وعليهم غضب ولهم عذاب شديد } [ الشورى: 16 ]

وقد ينهون عن المجادلة والمناظرة إذا كان المناظر ضعيف العلم بالحجة وجواب الشبهة فيخاف عليه أن يفسده ذلك المضل كما ينهى الضعيف في المقاتلة أن يقاتل علجا قويا من علوج الكفار فإن ذلك يضره ويضر المسلمين بلا منفعة وقد ينهى عنها إذا كان المناظر معاندا يظهر له الحق فلا يقبله - وهو السوفسطائي - فإن الأمم كلهم متفقون على أن المناظرة إذا انتهت إلى مقدمات معروفة بينة بنفسها ضرورية وجحدها الخصم كان سوفسطائيا ولم يؤمر بمناظرته بعد ذلك بل إن كان فاسد العقل داووه وإن كان عاجزا عن معرفة الحق - ولا مضرة فيه - تركوه وإن كان مستحقا للعقاب عاقبوه مع القدرة: إما بالتعزير وإما بالقتل وغالب الخلق لا ينقادون للحق إلا بالقهر

والمقصود أنهم نهوا عن المناظرة من لا يقوم بواجبها أو من لا يكون في مناظرته مصلحة راجحة أو فيها مفسدة راجحة فهذه أمور عارضة تختلف باختلاف الأحوال

وأما جنس المناظرة بالحق فقد تكون واجبة تارة ومستحبة تارة أخرى وفي الجملة جنس المناظرة والمجادلة فيها: محمود ومذموم ومفسدة ومصلحة وحق وباطل

ومنشأ الباطل من نقص العلم أو سوء القصد كما قال تعالى: { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس } [ النجم: 23 ]

ومنشأ الحق من معرفة الحق والمحبة له والله هو الحق المبين ومحبته أصل كل عبادة فلهذا كان أفضل الأمور على الإطلاق معرفة الله ومحبته وهذا هو ملة إبراهيم خليل الله تعالى الذي جعله الناس إماما وجعله أمة يأتم به الخلق وهو الذي ناظر المعطلين والمشركين

ثم ذكر الله تعالى محاجته لمن حاجه في ربه: { إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت قال أنا أحيي وأميت قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب فبهت الذي كفر } [ البقرة: 258 ] ومحاجته لقومه الذين كانوا يعبدون الكواكب

والجهمية نفاة الصفات الذين هم رؤوس أهل الكلام المذموم قولهم مأخوذ من قول خصمائه كما هو مأخوذ من قول فرعون خصم موسى عليه السلام فإن فرعون أظهر جحد الصانع وعلوه على خلقه وجحد تكليمه لموسى وقوم إبراهيم كانوا مشركين كما أخبر الله تعالى عنهم بذلك وكان فيهم من هو معطل كما ذكر الله تعالى ذلك

والفلاسفة القائلون بدعوة الكواكب: فيهم المشرك وفيهم المعطل ونفي الصفات من أقوالهم فمنهم من لا يثبت لهذا العالم المشهود ربا أبدعه كما هو قول الدهرية الطبيعية منهم ويجعلون العالم نفسه واجب الوجود بذاته ومنهم من يثبت له مبدعا واجبا بنفسه أبدعه كما هو قول الدهرية الإلهية منهم ويقولون: إن الواجب ليس له صفة ثبوتية بل صفاته: إما سلب وإما إضافة وإما مركبة منهما

وكان الجعد بن درهم من أهل حران وكان فيهم بقايا من الصابئين والفلاسفة - خصوم إبراهيم الخليل عليه السلام فلهذا أنكر تكليم موسى وخلة إبراهيم موافقة لفرعون والنمرود بناء على أصل هؤلاء النفاة وهو أن الرب تعالى لا يقوم به كلام ولا يقوم به محبة لغيره فقتله المسلمون ثم انتشرت مقالته فيمن ضل من هذا الوجه

والمحبة متضمنة للإرادة ومسألة الكلام والإرادة ضل فيها طوائف كما ضلوا في إنكار العلو الذي أنكره فرعون على موسى كما قد بسط هذا في موضعه

ومما يبين هذا أن السلف لم يذموا التكلم بأسماء مفردة: كالجوهر والجسم والعرض فإن الاسم المفرد ليس بكلام ولا يتكلم به أحد وإنما ذموا الكلام المؤلف الدال على معان والذين كانوا يتكلمون بهذه الأسماء كان كلامهم متضمنا لأمور فيها افتراء على الله ورسوله: إما إثبات ما نفاة الله وإما نفي ما أثبته الله ومتضمنة لمعان باطلة هي كذب وباطل في نفس الأمر

والمقصود هنا التنبيه على جنس ما مدحه السلف وذموه وأنهم كانوا أعرف الناس بالحق وأدلته وبطلان ما يعارضه وإنما يظن بهم التقصير في هذا من كان جاهلا بحقيقة الحق وبما جاء الرسول من العلم والإيمان وبما وصل إليه السلف والأئمة فجهله بالأول يوجب أن لا يعلم الحق بل يعتقد نقيضه وجهله بالثاني يوجب ظنه أن ليس فيما جاء به الرسول بيان الحق بأدلته والمناظرة عنه وجهله بالثالث يوجب ظنه أن السلف ذموا الكلام بالأدلة الصحيحة المفضية إلى العلم بالله وصفاته خوفا من الشبهات والأهواء بل الأصل في ذم السلف لكلام هو اشتماله على القضايا الكاذبة والمقدمات الفاسدة المتضمنة للافتراء على الله تعالى وكتابه ورسوله ودينه

فهذا هو الكلام المذموم بالذات وهو الكلام الكاذب الباطل وأما الكلام الذي هو حق وصدق فهذا لا يذم بالذات وإنما يذم المتكلم به أحيانا لاشتمال ذلك على مضرة عارضة مثل ما يحرم القذف وإن كان القاذف صادقا إذا لم يكن له أربعة شهداء ومثل ما تحرم الغيبة والنميمة ونحو ذلك مما هو صدق لكن فيه ظلم للغير

وأما الكلام في الدين فنوعان: أحدهما أمر والثاني خبر والكلام في أصول الدين هو من النوع الثاني ولا ريب أن الله تعالى أخبر بإثبات أمور ونفي أمور وأصدق الكلام كلام الله فما ناقض ذلك كان كذبا وقولا على الله غير الحق

كما قال تعالى: { يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق } [ النساء: 171 ]

وقال تعالى: { ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق } [ الأعراف: 169 ]

وقال تعالى: { إن الذين اتخذوا العجل سينالهم غضب من ربهم وذلة في الحياة الدنيا وكذلك نجزي المفترين } [ الأعراف: 152 ]

وقال تعالى: { سبحان ربك رب العزة عما يصفون } [ الصافات: 180 ] وأمثال ذلك

وعامة الكلام الذي ذمه السلف تشتمل مسائله على كذب وفرية ودلائل مسائله على كذب وفرية كأقوال الجهمية النفاة لما أثبته الله تعالى له من الأسماء والصفات وكلام القدرية النافية لما أثبته الله من قدرته ومشيئته

ودلائل الجهمية والنفاة: هو استدلالهم بدليل الجواهر والأعراض فإنهم زعموا أن الأعيان المشاهدة كالسماوات والأرض مركبة من الجواهر المنفردة أو من المادة والصورة وأن المركب مسبوق بجزئه ومفتقر إلى مركب يركبه فيكون محدثا وممكنا وما قام بها من الصفات والحركات أعراض والأعراض - أو بعضها - حادثة وما كان شخصه حادثا وجب أن يكون نوعه حادثا فيمتنع وجود حوادث لا تتناهى قالوا: بهذا عرفنا أن السماوات مخلوقة وبذلك عرفنا أن الله موجود فلزمهم على ذلك أن ينفوا صفات الله وأفعاله وذلك باطل شرعا وعقلا ولم يكن ما أقاموه دليلا صحيحا فلا هم عرفوا الحق بدليل صحيح قويم ولا هم نصروا بميزان مستقيم ولكنهم قد يقابلون الفاسد بالفاسد فإن أعداد الملة قد يقيمون شبهة على نقيض ما جاء به الرسول كشبهة الدهرية على قدم السماوات فيقابلون ذلك بفاسد آخر كاستدلالهم على حدوث ذلك بدليل الأعراض والصفات

وحفظ مثل هذا الكلام لاعتقاد العوام كدفع المظلمة عنهم بعقوبات فيها عدوان ومن ظن أن الخلف أعلم بالحق وأدلته أو المناظرة فيه من السلف فهو بمنزلة من زعم أنهم أقوم بالعلم والجهاد وفتح البلاد منهم وكلا الظنين طريق من لم يعرف حقيقة الدين ولا حال السلف السابقين

وهذا مثل كلام الرافضة وأمثالهم من أهل الفرية الذي يتضمن قولهم التكذيب بالحق والتصديق بالباطل فهؤلاء فيما يحدثون به من الكذب ويكذبون به من الصدق في المقولات بمنزلة أهل الكلام الباطل في البحث والنظر كالجهمية الذين يكذبون بالحق ويصدقون بالباطل في العقليات

ولهذا كان غير واحد من السلف يقرن بين الجهمية والرافضة وهما شر أهل الأهواء وكان الكلام المذموم عند السلف أعظم من الشهادة بالزور وظلم الحق

وذلك لأن الكاذب الظالم إذا علم أنه كاذب ظالم كان معترفا بذنبه معتقدا لتحريم ذلك فترجى له التوبة ويكون اعتقاده التحريم وخوفه من الله تعالى من الحسنات التي يرجى أن يمحوا الله بها سيئاته

وأما إذا كذب في الدين معتقدا أن كذبه صدق وافترى على الله ظانا أن فريته حق فهذا أعظم ضررا وفسادا

ولهذا كان السلف يقولون: البدعة أحب إلى إبليس من المعصية لأن المعصية يتاب منها والبدعة لا يتاب منها

ولهذا أمر النبي بقتال الخوارج المبتدعين مع كثرة صلاتهم وصيامهم وقراءتهم ونهى عن الخروج على أئمة الظلم وأمر بالصبر عليهم

[ وكان يجلد رجلا يشرب الخمر فلعنه رجل فقال: لا تلعنه فإنه يحب الله ورسوله ]

[ وجاءه ذو الخويصرة التميمي وبين عينيه أثر السجود فقال: يا محمد اعدل فإنك لم تعدل فقال: ويحك ومن يعدل إذا لم أعدل؟ لقد خبت وخسرت إن لم أعدل ثم قال: يخرج من ضئضئ هذا أقوام يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم وصيامه مع صيامهم وقراءته مع قراءتهم يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية أينما لقيتموهم فاقتلوهم فإن في قتلهم أجرا عند الله لمن قتلهم يوم القيامة ]

فهذا المبتدع الجاهل لما ظن أن ما فعله الرسول ليس بعدل كان ظنه كاذبا وكان في إنكاره ظالما وهذا حال كل مبتدع نفى ما أثبته الله تعالى أو أثبت ما نفاه الله أو اعتقد حسن ما لم يحسنه الله أو قبح ما لم يكرهه الله فاعتقادهم خطأ وكلامهم كذب وإرادتهم هوى فهم أهل شبهات في آرائهم وأهواء في إرادتهم

فالسلف ذموا أهل الكلام الذين هم أهل الشبهات والأهواء لم يذموا أهل الكلام الذين هم أهل كلام صادق يتضمن الدليل على معرفة الله تعالى وبيان ما يستحقه وما يمتنع عليه ولكن قد يورث شبهة وهوى

وقد اعترف أبو حامد بأن ما ذكره هو من الكلام والفلسفة ليس فيه كشف الحقائق ومعرفتها

وأما حراسة عقيدة العوام

فيقال: أولا: لا بد أن يكون المحروس هو نفس ما ثبت عن الرسول أنه أخبر به لأمته فأما إذا كان المحروس فيه ما يوافق خبر الرسول وفيه ما يخالفه كان تمييزه قبل حراسته أولى من الذب عما يناقض خبر الرسول فإن حاجة المؤمنين إلى معرفة ما قاله الرسول وأخبرهم به ليصدقوا به ويكذبوا بنقيضه ويعتقدوا موجبه قبل حاجتهم إلى الذب عن ذلك والرد على من يخالفه فإذا كان المتكلم الذي يقول إنه يذب عن السنة قد كذب هو بكثير مما أخبر به الرسول واعتقد نقيضه - كان مبتدعا مبطلا متكلما بالباطل فيما خالف فيه خبر الرسول كما أن ما وافق فيه خبر الرسول فهو فيه متبع للسنة محق يتكلم بالحق

وأهل الكلام الذين ذمهم السلف لا يخلو كلام أحد منهم على مخالفة السنة ورد بعض ما أخبر به الرسول كالجهمية والمشبهة والخوارج والروافض والقدرية والمرجئة

ويقال بأنها لا بد أن تحرس السنة بالحق والصدق والعدل كما تحرس بكذب ولا ظلم فإذا رد الإنسان باطل بباطل وقابل بدعة ببدعة كان هذا مما ذمه السلف والأئمة

وهؤلاء - كما ذكره أبو حامد - يدخلون في هذا وكلام السلف في ذم الكلام متناول لما ذمه الله في كتابه والله سبحانه قد ذم في كتابه الكلام الباطل والكلام بغير علم

والأول كثير وأما الثاني فقد قال تعالى: { قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون } [ الأعراف: 33 ]

وقال تعالى: { ها أنتم هؤلاء حاججتم فيما لكم به علم فلم تحاجون فيما ليس لكم به علم } [ آل عمران: 66 ]

وقال: { ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولا } [ الإسراء: 36 ]

وهذا النوعان مذمومان في القضاء والفتيا والتفسير

قال النبي : [ القضاة ثلاث: قاض في الجنة وقاضيان في النار رجل علم الحق وقضى به فهو في الجنة ورجل قضى بين الناس على جهل فهو في النار ورجل علم الحق وحكم بخلافه فهو في النار ]

وفي السنن: [ من قال في القرآن برأيه فأصاب فقد أخطأ ومن قال في القرآن برأيه فأخطأ فليتبوأ مقعده من النار ]

فهذان النوعان من الكلام مذمومان مطلقا لا سيما ما كان في نفسه كذبا باطلا وأما جنس النظر والمناظرة فهذا لم ينه السلف عنه مطلقا بل هذا - إذا كان حقا - يكون مأمورا به تارة ومنهيا عنه أخرى كغيره من أنواع الكلام الصدق فقد ينهى عن الكلام الذي لا يفهمه المستمع أو الذي يضر المستمع وعن المناظرات التي تورث شبهات وأهواء فلا تفيد علما ولا دينا

ومن هذا الباب أنه خرج على طائفة من أصحابه وهم يتناظرون في القدر فقال: أبهذا أمرتم؟ أم إلى هذا دعيتم؟ وأن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض وإنما نزل القرآن ليصدق بعضه بعضا لا ليكذب بعضه بعضا

فإذا كانت المناظرة تتضمن أن كل واحد من المتناظرين يكذب ببعض الحق نهي عنه لذلك وأكثر الاختلاف بين ذوي الأهواء من هذا الباب كالقائلين بأن الله جسم متحيز في جهة والنافين لذلك والقائلين: إن الله يجبر العباد والنافين لذلك وأمثال ذلك من الكلام المجمل المتشابه الذي يتضمن حقا وباطلا في جانبي النفي والإثبات

والكلام بلفظ ( الجسم ) و( الجوهر ) و( العرض ) في مسائل الصفات هو من هذا الباب قال: أبو عبد الرحمن السلمي - وقد ذكر شيخ الإسلام في ذم الكلام من طريقة: سمعت أبا نصر أحمد بن محمد السجزي يقول: سمعت أبي يقول: قلت لأبي العباس بن سريج: ما التوحيد؟ قال: توحيد أهل العلم وجماعة المسلمين شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله وتوحيد أهل الباطل الخوض في الأعراض والأجسام وإنما بعث النبي بإنكاره ذلك

والمقصود هنا بيان فساد الطرق المعارضة للكتاب والسنة وأما بيان اشتمال الكتاب والسنة على الطرق التي بها تحصل معرفة الله والإيمان به وبرسله وباليوم الآخر فهذا مذكور في موضع آخر

تابع كلام الغزالي في الإحياء

[عدل]

قد قال أبو حامد أيضا لما ذكر أقسام العلوم: ( فإن قلت: لم تورد في أقسام العلوم الكلام والفلسفة وتبين أنهما محمودان أو مذمومان؟ فاعلم أن حاصل ما يشتمل عليه علم الكلام في الأدلة التي ينتفع بها فالقرآن والأخبار مشتملة عليه وما خرج عنه فهو: إما مجادلة مذمومة وهي من البدع وإما مشاغبات بالتعلق بمناقضات الفرق وتطويل وقت بنقل المقالات التي أكثرها ترهات وهذيانات تزدريها الطباع وتمجها الأسماء وبعضها خوض في ما لا يتعلق بالدين ولم يكن شيء منها مألوفا في العصر الأول فكان الخوض فيه بالكلية من البدع

كلام الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر

[عدل]

قال أبو الحسن الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر بباب الأبواب: ( ووقفت على ما التمسوه من ذكر الأصول التي عول سلفنا رحمة الله عليهم عليها وعدلوا إلى الكتاب والسنة من أجلها واتباع خلفنا الصالح لهم في ذلك وعدولهم عما صار إليه أهل البدع من المذاهب التي أحدثوها وصاروا إلى مخالفة الكتاب والسنة بها وما ذكرتم من شدة الحاجة إلى ذلك فبادرت - أيدكم الله - بإجاباتكم إلى ما التمسوه وذكرت لهم جملا من الأصول مقرونة بأطراف من الحجاج تدلكم على صوابكم في ذلك وخطأ أهل البدع فيما صاروا إليه من مخالفتهم وخروجهم عن الحق الذي كانوا عليه قبل هذه البدع معهم ومفارقتكم بذلك الأدلة الشرعية وما أتى به الرسول منها ونبه عليها وموافقتكم بذلك لطرد الفلاسفة الصادين عنها والجاحدين لما أتت به الرسل صلوات الله عليهم منها: اعلموا - أرشدكم الله - أن الذي مضى عليه سلفنا وأتباعهم من صالح خلفنا: أن الله تعالى بعث محمد إلى سائر العالمين وهم أحزاب متشتتون وفرق متباينون: منهم كتابي يدعو إلى الله بما في كتابه وفلسفي قد تشعبت به الأباطيل في أمور يدعيها بقضايا العقول وبرهمي يمكن أن يكون لله رسول ودهري يدعي الإهمال ويخبط في عشواء الضلال وثنوي قد اشتملت عليه الحيرة ومجوسي يدعي ما ليس له به خبرة وصاحب صنع يعكف عليه ويزعم أن له ربا يتقرب بعبادة ذلك الصنم إليه لينبههم جميعا على حدثهم ويدعوهم إلى توحيد المحدث لهم ويبين لهم طرق معرفته بما فيهم من آثار صنعتهم ويأمرهم برفض كل ما كانوا عليه من سائر الأباطيل بعد تنبيهه عليه السلام لهم على فسادها ودلالته على صدقه فيما يخبرهم به عن ربهم بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة ويوضح لهم سائر ما تعبدهم الله به من شريعته وأنه عليه السلام دعا جماعتهم إلى ذلك ونبههم على حدثهم بما فيهم من اختلاف الصور والهيئات وغير ذلك من اختلاف اللغات وكشف لهم عن طريق معرفة الفاعل لهم بما فيهم وفي غيرهم مما يقتضي وجوده ويدل على إرادته وتدبيره حيث قال عز وجل: { وفي أنفسكم أفلا تبصرون } [ الذاريات: 21 ] فنبههم عز وجل بتقلبهم في سائر الهيئات التي كانوا عليها على ذلك

وشرح لهم ذلك بقوله سبحانه: { ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين * ثم جعلناه نطفة في قرار مكين * ثم خلقنا النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين } [ المؤمنون: 12 - 14 ]

وهذا مما أوضح ما يقتضي الدلالة على حدث الإنسان ووجود المحدث له من قبل أن العلم قد أحاط بأن كل متغير لا يكون قديما وذلك أن تغيره يقتضي مفارقة حال كان عليها قبل تغيره وكونه قديما ينفي تلك الحال فإذا حصل متغيرا بما ذكرناه من الهيئات التي لم يكن قبل تغيره عليها دل ذلك على حدوثها وحدوث الهيئة التي كان عليها قبل حدوثها إذ لو كانت قديمة لما جاز عدمها وذلك أن القديم لا يجوز عدمه وإذا كان هذا على ما قلنا وجب أن يكون ما عليه الأجسام من التغير منتهيا إلى هيئات محدثة ولم تكن الأجسام قبلها موجودة بل كانت معها محادثة ويدل ترتيب ذلك على محدث قادر حكيم من قبل أن ذلك لا يجوز أن يقع بالاتفاق فيتم من غير مرتب له ولا قاصد إلى ما وجد منه فيها دون ما كان يجوز وقوعها عليه من الهيئات المخالفة لها وجواز تقدمها في الزمان وتأخرها وحاجتها بذلك إلى محدثها ومرتبها لأن سلالة الطين والماء المهين بنفسه لا يجوز أن يقع شيء من ذلك فيها بالاتفاق لاحتمالها لغيره فإذا وجدنا ما صار إليه الإنسان في هيئته المخصوصة به دون غيره من الأجسام وما فيه الآلات المعدة لمصالحه: كسمعه وبصره وشمه وحسه وآلات ذوقه وما أعد له من آلات الغذاء التي لا قوام له إلا بها على ترتيب ما قد أحوج إليه من ذلك حتى يوجد في حال حاجته إلى الرضاع بلا أسنان تمنع من غذائه وتحول بينه وبين مرضعته فإذا نقل من ذلك وخرج إلى غذاء لا ينتفع به ولا يصل منه إلا غرضه إلا بطحنها له جعل له منها بقدر ما به الحاجة في ذلك إليه والمعدة المعدة لطبخ ما يصل إليها من ذلك وتلطيفه حتى يصل إلى الشعر والظفر وغير ذلك من سائر الأعضاء في مجاز لطاف قد هيئات لذلك بمقدار ما يقيمها والكبد المعدة لتسخينها بما يصل من حرارة القلب والرئة المهيأة لإخراج بخار الحرارة التي في القلب وإدخال ما يعتدل به من الهواء البارد باجتذاب المناخر وما فيها من الآلات المعدة كخروج ما يفضل من الغذاء عن مقدار الحاجة في مجاز ينفذ ذلك منها وغير لك مما يطول شرحه مما لا يصح وقوعه بالاتفاق ولا يستغني في ما هو عليه عن مقوم له يرتبه إذا كان ذلك لا يصح أن يترتب وينقسم في سلالة الطين والماء المهين بغير صانع لها مدبر عند كل عاقل متأمل كما لا يصح أن تترتب الدار على ما تحتاج إليه فيها من البناء بغير مدبر ينقسم ذلك فيها ويقصد إلى ترتيبها

ثم زادهم الله تعالى في ذلك بيانا بقوله عز وجل: { إن في خلق السماوات والأرض واختلاف الليل والنهار لآيات لأولي الألباب } [ آل عمران: 190 ] فدلهم تعالى بحركة الأفلاك على المقدار الذي بالخلق الحاجة إليه في مصالحهم التي لا تخفى مواقع انتفاعهم بها كالليل الذي جعل لسكونهم ولتبريد ما زاد عليهم من حر الشمس في زروعهم وثمارهم والنهار الذي جعل لانتشارهم وتصرفهم في معايشهم على القدر الذي يحتملونه في ذلك

ولو كان دهرهم كله ليلا لأضر بهم ما فيه من الظلمة التي تقطعهم عن التصرف في مصالحهم وتحول بينهم وبين إدراك منافعهم وكذلك لو كان دهرهم كله نهارا لأضر بهم ذلك ودعاهم إلى ما فيه من الضياء إلى التصرف في طلب المعاش مع حرصهم على ذلك إلى ما لا يطيقونه فأداهم قلة الراحة إلى عطبهم فجعل لهم من النهار قسطا لتصرفهم لا يجوز بهم قدر الطاقة فيه وجعل لهم من الليل قسطا لسكونهم لا يقتصر عن درك حاجتهم لتعتدل في ذلك أحوالهم وتكمل مصالحهم وجعل لهم من الحر والبرد فيهما بمقدار ما لهم من ثمارهم ولمواشيهم من الصلاح رفقا لهم وجعل لون ما يحيط بهم من السماء ملاوما لأبصارهم ولو كان لونها على اختلاف ذلك من الأولون لأفسدها ودلهم على حدثها بما ذكرناه من حركتها واختلاف هيئاتها كما ذكرنا أنفا ودلهم على حاجتها وحاجة الأرض وما فيهما من الحكم ومع عظمها وثقل أجرامها إلى إمساكه عز وجل لهما بقوله تعالى: { إن الله يمسك السماوات والأرض أن تزولا ولئن زالتا إن أمسكهما من أحد من بعده إنه كان حليما غفورا } [ فاطر: 41 ]

فعرفنا تعالى أن وقوفهما لا يصح أن يكون من غيره وأن وقوفهما لا يجوز ان يكون بغير موقف لهما ثم نبهنا على فساد قول الفلاسفة بالطبائع وما يدعونه من فعل الأرض والماء والنار والهواء في الأشجار وما يخرج منها من سائر الثمار بقوله عز وجل: { وفي الأرض قطع متجاورات وجنات من أعناب وزرع ونخيل صنوان وغير صنوان يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل } ثم قال عز وجل { إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } [ الرعد: 4 ]

ثم نبه تعالى خلقه على انه واحد باتساق أفعاله وترتيبها وأنه تعالى لا شريك له فيها بقوله عز وجل: { لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا } [ الأنبياء: 22 ]

ووجه الفساد بذلك: لو كان إلهين ما اتسق أمرهما على نظام ولا يتم إحكام وكان لا بد أن يلحقهما العجز أو يحلقهما عند التمانع في الأفعال والقدرة على ذلك وذلك أن كل واحد منهما لا يخلو أن يكون قادرا ما يقدر عليه الآخر على طريق البدل من فعل لآخر أو لا يكون كل واحد منهما قادرا على ذلك فإن كان كل واحد منهما قادرا على فعل ما يقدر الأخر بدلا منه لم يصح أن يفعل كل واحد منهما ما يقدر عليه الآخر وإلا بترك الآخر له وإذا كان كل واحد منهما لا يفعل إلا بترك الآخر له جاز أن يمنع كل واحد منهما صاحبه من ذلك

ومن يجوز أن يمنع ولا يفعل إلا بترك غيره له فهو مذموم عاجز وإن كان كل واحد منهما لا يقدر على فعل مقدور الآخر بدلا منه وجب عجزهما وحدوث قدرتيهما والعاجز لا يكون إلها ولا ربا

ثم نبه المنكرين للإعادة مع إقرارهم بالابتداء على جواز إعادته تعالى لهم حيث قال لهم لما استنكروها وقالوا: من يحي العظام وهي رميم؟ { قل يحييها الذي أنشأها أول مرة وهو بكل خلق عليم } ثم أوضح لهم ذلك بقوله: { الذي جعل لكم من الشجر الأخضر نارا فإذا أنتم منه توقدون } [ يس: 79 - 80 ] فدلهم بما يشاهدونه من جعله النار من العفار والمرخ وهما شجرتان خضراوان إذا حكت أحدهما الأخرى بتحريك الريح لها اشتعل النار فيهما على جواز إعادته الحياة في العظام والنخرة والجلود المتمزقة

ثم نبه عباد الأصنام بتعريفه لهم على فساد ما صاروا إلى عبادتها مع نحتها بقوله تعالى: { أتعبدون ما تنحتون } ثم قال: { والله خلقكم وما تعملون } [ الصافات: 95 - 96 ] فبين لهم فساد عبادتها ووجوب عبادته دونها بأنها إذا كانت لا تصير أصناما إلا بنحتكم لها فأنتم أيضا لن تكونوا على ما أنتم عليه من الصور والهيئات إلا بفعلي وإني - مع خلقي لكم وما تنحتونه - خالق لنحتكم إذ كنت أنا المقدر لكم عليه والممكن لكم منه

ثم رد على المنكرين لرسله بقوله عز وجل: { وما قدروا الله حق قدره إذ قالوا ما أنزل الله على بشر من شيء قل من أنزل الكتاب الذي جاء به موسى نورا وهدى للناس } [ الأنعام: 191 ]

وقال تعالى: { رسلا مبشرين ومنذرين لئلا يكون للناس على الله حجة بعد الرسل } [ النساء: 165 ]

ثم احتج النبي على أهل الكتب بما في كتبهم من ذكر صفته والدلالة على اسمه ونعته وتحدي النصارى - لما كتموا ما في كتبهم من ذلك وجحدوه - بالمباهلة عند أمر الله عز وجل له بذلك بقوله: { فمن حاجك فيه من بعد ما جاءك من العلم فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم ثم نبتهل فنجعل لعنة الله على الكاذبين } آل عمران: 61 ]

وقال لليهود لما بهتوه: { فتمنوا الموت إن كنتم صادقين } [ البقرة: 94 ] فلم يجسر أحد منهم على ذلك مع اجتماعهم على تكذيبه وتناهيهم في عداوته واجتهادهم في التنفير عنه لما أخبرهم بحلول الموت بهم إن أجابوه إلى ذلك فلولا معرفتهم بحاله في كتبهم وصدقه فيما يخبرهم لأقدموا على إجابته ولسارعوا إلى فعل ما يعلمون أن فيه توهين أمره

ثم إن الله تعالى بعد إقامة الحجج عليهم أزعج خواطر جماعتهم للنظر فيما دعاهم إليه ونبههم عليه بالآيات الباهرة والمعجزات القاهرة وأيده بالقرآن الذي تحدى به فصحاء قومه الذين بعث إليهم لما قالوا: إنه مفترى أن يأتوا بعشر سور مثله مفتريات أو سورة من مثله وقد خاطبهم فيه بلغتهم فعجزوا عن ذلك مع إخباره لهم أنهم لا يأتون بمثله ولو تظاهر على ذلك الإنس والجن وقطع عليه السلام عذرهم به عذر غيرهم كما قطع موسى عليه السلام عذر السحرة وغيرهم في زمانه بالعصا التي فضحت سحرهم وبان بما كان منها - لهم ولغيرهم - أن ذلك من فعل الله تعالى وأن هذا ليس تبلغه قدرتهم ولا تطمع فيه خواطرهم وكما قطع عيسى عليه السلام عذر من كان في زمانه من الأطباء الذين قد برعوا في معرفة العقاقير وقوى ما في الحشائش وقدر ما ينتهي إليه علاجهم وتبلغه حيلهم بإحياء الموتى بغير علاج وإبراء الأكمة والأبرص وغير ذلك مما بهرهم به وأظهر لهم منه ما يعلمون بيسير الفكر أنه خارج عن قدرهم وما يصلون إليه بحيلهم

وكذلك قد أزاح نبينا بالقرآن - وما فيه من العجائب - علل الفصحاء من أهله وقطع به عذرهم لرؤيتهم أنه خارج عما انتهت إليه فصاحتهم في لغاتهم ونظموه في شعرهم وبسطوه في خطبهم وأوضح لجميع من بعث إليه من الفرق التي ذكرناها فساد ما كانوا عليه بحجج الله وبيناته ودل على صحة ما دعاهم إليه ببراهين الله وآياته حتى لم يبق لأحد منهم شبهة فيه ولا احتيج مع ما كان منه عليه السلام في ذلك إلى زيادة من غيره ولو لم يكن ذلك كذلك لم يكن له عليه السلام حجة على جماعتهم ولا كانت طاعته لازمة لهم مع خصامهم وشدة عنادهم ولكانوا قد احتجوا عليه بذلك ودفعوه عما يوجب طاعتهم له وقرعوه بتقصيره عن إقامة الحجة عليهم فيما يدعوهم إليه مع طول تحديه لهم وكثرة تبكيتهم وطول مقامه فيهم ولكنهم لم يجدوا إلى ذلك سبيلا مع حرصهم عليه

وإذا كان هذا على ما ذكرناه علم صحة ما ذهبنا إليه في دعوته عليه الصلاة والسلام إلى التوحيد وإقامة الحجة على ذلك وإيضاحه لطرق إليها وقد أكد الله تعالى دلالة نبوته بما كان من خاص آياته عليه السلام التي تنقض بها عاداتهم كإطعامه الجماعة الكثيرة في المجاعة الشديدة من الطعام اليسير وسقيهم الماء في العطش الشديد من الماء اليسير وهو ينبع من بين أصابعه حتى رووا ورويت مواشيهم وكلام الذئب وإخبار الذراع المشوية أنها مشوية وانشقاق القمر ومجيء الشجرة إليه عند دعائها إليه ورجوعها إلى مكانها بأمره لها وإخباره لهم عليه السلام بما تجنه صدورهم وما يغيبون به عنه من أخبارهم

ثم دعاهم عليه السلام إلى معرفة الله عز وجل وإلى طاعته فيما كلف تبليغه إليهم بقوله تعالى: { وأطيعوا الله وأطيعوا الرسول } [ التغابن: 12 ] وعرفهم أمر الله بإبلاغه ذلك وما ضمنه له من عصمته منهم بقوله تعالى: { يا أيها الرسول بلغ ما أنزل إليك من ربك وإن لم تفعل فما بلغت رسالته والله يعصمك من الناس } [ المائدة: 67 ] فعصمه الله منهم مع كثرتهم وشدة بأسهم وما كانوا عليه من شدة عنادهم وعداوتهم له حتى بلغ رسالة ربه إليهم مع كثرتهم ووحدته وتبري أهله منه ومعاداة عشيرته وقصد الجميع المخالفين له حين سفه آراءهم فيما كانوا عليه من تعظيم أصنامهم وعبادة النيران وتعظيم الكواكب وإنكار الربوبية وغير ذلك مملا كانوا عليه حتى بلغ الرسالة وأدى الأمانة وأوضح الحجة في فساد جميع ما نهاهم مما كانوا عليه ودلهم على صحة جميع ما دعاهم إلى اعتقاده وفعله بحجج الله وبيناته وأنه عليه السلام - لم يؤخر عنهم بيان شيء مما دعاهم إليه عن وقت تكليفهم فعله لما يوجبه تأخير ذلك عنهم من سقوط تكليفه لهم وأنه جوز فريق من أهل العلم تأخير البيان فيما أجمله الله من الأحكام قبل لزوم فعله لهم فأما تأخير ذلك عن وقت فعله فغير جائز عن كافتهم

ومعلوم عند سائر العقلاء أن ما دعا النبي إليه من واجهه من أمته من اعتقاد حديثهم ومعرفة المحدث لهم وتوحيده ومعرفة أسمائه الحسنى وما هو عليه من صفات نفسه وصفات فعله وتصديقه فيما بلغهم من رسالته مما لا يصلح أن يؤخر عنهم البيان فيه لأنه - عليه السلام - لم يجعل لهم فيما كلفهم من ذلك من مهلة ولا أمرهم بفعله في الزمن المتراخي عنه وإنما أمرهم بفعل ذلك على الفور وإنما كان ذلك من قبل أنه لو أخر ذلك عنهم لكان قد كلفهم ما لا سبيل لهم إلى فعله والزمهم ما لا طريق لهم إلى الطاعة فيه وهذا غير جائز عليه لما يقتضيه ذلك من بطلان أمره وسقوط طاعته

ولهذا المعنى لم يوجد عن أحد من صحابته خلاف في شيء ما وقف عليه جماعتهم ولا شك في شيء منه ولا نقل عنهم كلام في شيء من ذلك ولا زيادة على ما نبههم عليه من الحجج بل مضوا جميعا على ذلك وهم متفقون: لا يختلفون في حدثهم ولا في توحيد المحدث لهم وأسمائه وصفاته وتسليم جميع المقادير إليه والرضى فيها بأقسامه لما قد ثلجت به صدورهم وتبينوا وجوه الأدلة التي نبههم - عليه السلام عليها عند دعائه لهم إليها وعرفوا به صدقه في جميع ما أخبرهم به وإنما تكلفوا البحث والنظر فيما كلفوه من الاجتهاد في حوادث الأحكام عند نزولها بهم وحدوثها فيهم وردها إلى معاني الأصول التي وقفهم عليها ونبههم بالإشارة على ما فيها فكان منهم رحمة الله عليهم في ذلك ما نقل إلينا عنهم من طريق الاجتهاد التي اتفقوا عليها والطرق التي اختلفوا فيها ولم يقلد بعضهم بعضا في جميع ما صاروا إليه من جميع ذلك لما كلفوا من الاجتهاد وأمروا به فأما ما دعاهم إليه عليه السلام من معرفة حدثهم والمعرفة بمحدثهم ومعرفة أسمائه الحسنى وصفاته العليا وعدله وحكمته - فقد تبين لهم وجوه الأدلة في جميعه حتى ثلجت صدورهم به واستغنوا على استئناف الأدلة فيه وبلغوا جميع ما وقفوا عليه من ذلك واتفقوا عليه إلى من جاء بعدهم فكان عذرهم فيما دعوا إليه من ذلك مقطوعا بما نبههم عليه النبي من الأدلة على ذلك وما شاهدوا من آياته الدالة على صدقه وعذر سائر من تأخر عنه مقطوع بنقلهم ذلك إليهم ونقل أهل كل زمان حجة على من بعدهم ومن غير أن تحتاج - أرشدكم الله - في المعرفة لسائر ما دعينا إلى اعتقاده إلى استئناف أدلة غير الأدلة التي نبه النبي عليها ودعا سائر أمته إلى تأملها إذ كان من المستحيل أن يأتي في ذلك أحد بأهدى مما أتى به أو يصل من ذلك إلى ما بعد عنهم عليه السلام

وجميع ما اتفقوا عليه من الأصول المشهورة في أهل النقل الذين عنوا بحفظ ذلك وانقطعوا إلى الاحتياط فيه والاجتهاد في طلب الطرق الصحية إليه: من المحدثين والفقهاء يعلم أكابرهم أصاغرهم ويدرسون صبيانهم في كتاتيبهم لتقر ذلك عندهم وشهرته فيهم واستغنائهم في العلم بصحة جميع ذلك بالأدلة التي نبههم صاحب الشريعة عليها في وقت دعوته

واعلموا - أرشدكم الله - أن ما دل على صدق النبي من المعجزات - بعد تنبيهه لسائر المتكلفين على حدثهم ووجود المحدث لهم - قد أوجب صحة أخباره ودل على أن ما أتى به من الكتاب والسنة من عند الله عز وجل وإذا ثبت بالآيات صدقه فقد علم صحة كل ما أخبر به النبي عنه وصارت أخباره عليه السلام أدلة على صحة سائر ما دعانا إليه من الأمور الغائبة عن حواسنا وصفات فعله وصار خبره - عليه السلام - عن ذلك سبيلا إلى إدراكه وطريقا إلى العلم بحقيقته وكان ما يستدل به من أخباره - عليه السلام - على ذلك أوضح دلالة من دلالة الأعراض التي اعتمد على الاستدلال بها الفلاسفة ومن اتبعها من القدرية وأهل البدع المنحرفين عن الرسل عليهم السلام من قبل أن الأعراض لا يصح الاستدلال بها إلا بعد رتب كثيرة يطول الخلاف فيها ويدق الكلام عليها فمنها ما يحتاج إليه في الاستدلال على وجودها والعرفة بفساد شبه المنكرين لها والمعرفة بمخالفتها للجواهر في كونها لا تقوم بنفسها ولا يجوز ذلك على شيء منها والمعرفة بأنها لا تبقى والمعرفة باختلاف أجناسها وأنه لا يصح انتقالها من محالها والمعرفة بأن ما لا ينفك منها فحكمه في الحدث حكمها ومعرفة ما يوجب ذلك من الأدلة وما يفسد به شبه المخالفين في جميع ذلك حتى يمكن الاستدلال بها على ما هي أدلة عليه عند مخالفينا الذين يعتمدون في الاستدلال على ما ذكرناه بها لأن العلم بذلك لا يصح عندهم إلا بعد المعرفة بسائر ما ذكرناه آنفا

وفي كل رتبة من ما ذكرنا فوق تخالف فيها ويطول الكلام معهم عليها وليست يحتاج - أرشدك الله - في الاستدلال بخبر الرسول على ما ذكرناه من المعرفة بالأمر الغائب عن حواسنا إلى مثل ذلك لأن آياته والأدلة على صدق محسوسة مشاهدة قد أزعجت القلوب وبعثت الخواطر على النظر في صحة ما يدعوا إليه وتأمل ما استشهد به على صدقه والمعرفة بأن آياته من قبل الله تعالى تدرك بيسير الفكر فيها وأنها لا يصح أن تكون من البشر بوضوح الطرق إلى ذلك ولا سيما مع إزعاج الله قلوب سائر من أرسل إليه النبي على النظر في آياته بخرق عوائدهم له وحلول من يعدهم به من النقم عند إعراضهم عنه ومخالفتهم له على ما ذكرنا مما كان من ذلك موسى وعيسى ومحمد

وإذا كان ذلك على ما وصفنا بان لكم - أرشدكم الله - أن طرق الاستدلال بإخبارهم - عليهم السلام - على سائر ما دعينا إلى معرفته وما لا يدرك بالحواس - أوضح من الاستدلال بالأعراض إذ كان أقرب إلى البيان على حكم ما شوهد من أدلتهم المحسوسة مما اعتمدت عليه الفلاسفة ومن اتبعهم من أهل الأهواء واغتروا بها لبعدهم عن الشبهة كما ذكرناه وقرب من أخلد ممن ذكرنا إلى الاستدلال به من الشبه وكذلك ما منع الله رسله من الاعتماد عليه لغموض ذلك على كثير ممن أمروا بدعائهم وكلفوا - عليهم السلام - إلزامهم فرضه فأخلدنا سلفنا رحمة الله عليهم ومن اتبعهم من الخلف الصالح بعد ما عرفوه من صدق النبي في ما دعاهم إليه من العلم بحذفهم ووجود المحدث لهم بما نبههم عليه من الأدلة - إلى التمسك بالكتاب والسنة وطلب الحق في سائر ما ادعوا إلى معرفته منهم والعدول عن كل ما خالفها لثبوت نبوته عليه السلام عندهم وثقتهم بصدقه في ما أخبرهم به عن ربهم لما وثقته الأدلة لهم فيه وكشفته لهم العبرة وأعرضوا عما صارت إليه الفلاسفة - ومن اتبعهم من القدرية وغيرهم من أهل البدع - من الاستدلال بذلك على ما كلفوا معرفته لاستغنائهم بالأدلة الواضحة في ذلك عنه وإنما صار من أثبت حدث العلم والمحدث له من الفلاسفة إلى الاستدلال بالأعراض والجواهر لدفعهم الرسل وإنكارهم لجواز مجيئهم وإذا كان العلم قد حصل لنا بجواز مجيئهم في العقول وغلط من دفع لك وبان صدقهم بالآيات التي ظهرت عليهم - لم يسع لمن عرف من ذلك ما عرفه أن يعدل عن طريقتهم إلى طرق من دفعهم وأحال مجيئهم فلما كان هذا واجبا لما ذكرناه عند سلف الأمة والخلف كان اجتهاد الخلف - في طلب أخبار النبي والاحتياط في عدالة الرواة لها - واجبا عندهم ليكونوا فيما يعتقدونه من ذلك على يقين

لذلك كان أحدهم يرحل إلى البلاد البعيدة في طلب الكلمة تبلغه عن رسول الله حرصا على معرفة الحق من وجهه وطلبا للأدلة الصحيحة فيه حتى تثلج صدورهم بما يعتقدونه وتسكن نفوسهم إلى من يتدينون به ويفارقوا بذلك من ذمه في تقليده لمن يعظمه من سادته بغير دلالة تقتضي ذلك ولما كلفهم الله عز وجل ذلك وجعل أخبار نبيه طريقا إلى المعارف بما كلفهم إلى آخر الزمان - حفظ أخباره عليه السلام في سائر الأزمنة ومنع من تطرق الشبه عليها حتى لا يروم أحد تغيير شيء منها أو تبديل معنى كلمة قالها إلا كشف الله تعالى ستره وأظهر في الأمة أمره حتى يرد ذلك عليه العربي والعجمي ومن قد أهل لحفظ ذلك من حملة علمه عليه السلام والمبلغين عنه كما حفظ كتابه حتى لا يطيق أحد من أهل الزيغ على تحريك حرف ساكن فيه أو تسكين حرف متحرك إلا يبادر القراء في رد ذلك عليه مع اختلاف لغاتهم وتباين أوطانهم لما أراده الله عز وجل من صحة الأداء عنه ووقوع التبليغ لما أتى به نبينا عليه السلام إلى من يأتي في آخر الزمان لانقطاع الرسل بعده واستحالة خلوهم من حجة الله عليهم حتى قد ظهر ذلك بينهم وأيست من نيله خواطر المنحرفين عنه وجعل الله ما حفظه من ذلك وجمع القلوب عليه حجة على من تعبد بعده عليه السلام بشريعته ودلالة لمن دعا إلى قبول ذلك ممن لم يشاهد الأخبار وأكمل الله لجميعهم طرق الدين وأغناهم بها عن التطلع إلى غيرها من البراهين

ودل على ذلك بقوله تعالى: { اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا } [ المائدة: 3 ]

وليس يجوز أن يخبر الله عز وجل عن إكماله الدين مع الحاجة إلى غير ما أكمل لهم به الدين وبين النبي معنى ذلك في حجة الوداع لمن كان بحضرته من الجم الغفير من أمته عند اقتراب أجله ومفارقته لهم بقوله: اللهم هل بلغت؟

فلو كنا نحتاج مع ما كان منه - عليه السلام - في معرفة ما دعانا إليه إلى ما رتبه أهل البدع من طرق الاستدلال لما كان مبلغا إذ كنا نحتاج إلى المعرفة بصحة ما دعانا إليه إلى علم ما لم يبينه لنا من هذه الطرق التي ذكروها ولو كان هذا كما قالوا لكان فيما دعانا إليه وقوله بمنزلة الملغز ولو كان كذلك لعارضه المنافقون وسائر المرصدين لعداوته في ذلك ولم يمنعهم مانع كما لم يمنعهم من تعنيته في طلب الآيات ومجادلته في سائر الأوقات ولكنهم لم يجدوا سبيلا إلى الطعن لأنه عليه السلام لم يدع شيئا مما بهم الحاجة إليه في معرفة سائر ما دعاهم إلى اعتقاده أو مثل فعله كذا إلا وقد بينه لهم

ويزيد هذا وضوحا قوله عليه السلام [ إني قد تركتكم على مثل الواضحة: ليلها كنهارها ] وإذا كان هذا على ما وصفنا علم أنه لم يبق بعد ذلك عتب لزائغ ولا طعن لمبتدع إذ كان - عليه السلام - قد أقام الدين بعد أن أرسى أوتاده وأحكم أطنابه ولم يدع النبي لسائر من دعاه إلى توحيد الله حاجة إلى غيره ولا لزائغ طعنا عليه ثم مضى - - محمودا بعد إقامة الحجة وتبليغ الرسالة وأداء الأمانة والنصيحة لسائر الأمة حتى لم يحوج أحدا من أمته إلى البحث عن شيء قد أغفله هو مما ذكره لهم أو معنى أسره إلى أحد من أمته

بل قد قال - عليه والسلام - في المقام الذي لم ينكتم قوله فيه لاستحالة كتمانه على من حضره أو طي شيء منه على من شهده: إني خلفت فيكم ما إن تمسكتم به لن تضلوا: كتاب الله وسنتي ولعمر إن فيهما الشفاء من كل أمر مشكل والبرء من كل داء معضل وإن في حراستهما من الباطل - على ما تقدم ذكرنا له - آية لمن نصح نفسه ودلالة لمن كان الحق قصده )

قال: ( وفيما ذكرنا دلالة على صحة ما استندوا إلى الاستدلال به وقوة ما عرفوا الحق منه فإذا كان ذلك ما وصفنا فقد علمتم بهت أهل البدع لهم في نسبتهم لهم إلى التقليد وسوء اختيارهم لهم في المفارقة لهم والعدول عما كانوا عليه معهم وبالله التوفيق وإذ قد بان بما ذكرناه استقامة لطرق استدلالهم وصحة معارفهم فلنذكر الآن ما اجتمعوا عليه من الأصول

تعليق ابن تيمية

[عدل]

قلت: الطريقة المذكورة في القرآن هي الاستدلال بحدوث الإنسان وغيره من المحدثات المعلوم حدوثها بالمشاهدة ونحوها على وجود الخالق سبحانه وتعالى فحدوث الإنسان يستدل به على المحدث لا يحتاج أن يستدل على حدوثه بمقارنة التغير أو الحوادث له ووجوب تناهي الحوادث

والفرق بين الاستدلال بحدوثه والاستدلال على حدوثه بين والذي في القرآن هو الأول لا الثاني كما قال تعالى: { أم خلقوا من غير شيء أم هم الخالقون } [ الطور: 35 ] فنفس حدوث الحيوان والنبات والمعدن والمطر والسحاب ونحو ذلك معلوم بالضرورة بل مشهود لا يحتاج إلى دليل وإنما يعلم بالدليل ما لم يعلم بالحس وبالضرورة

والعلم بحدوث هذه المحدثات علم ضروري لبا يحتاج إلى دليل وذلك معلوم بالحس أو بالضرورة: إما بإخبار يفيد العلم الضروري أو غير ذلك من العلوم الضرورية

وحدوث الإنسان من المني كحدوث الثمار من الأشجار وحدوث النبات من الأرض وأمثال ذلك ومن المعلوم بالحس أن نفس الثمرة حادثة كائنة بعد أن لم تكن وكذلك الإنسان وغيره كما قال تعالى: { أو لا يذكر الإنسان أنا خلقناه من قبل ولم يك شيئا } [ مريم: 67 ] { قال كذلك قال ربك هو علي هين وقد خلقتك من قبل ولم تك شيئا } [ مريم: 9 ]

ومعلوم أن هذه المخلوقات خلقت من غيرها كما خلق الإنسان من نطفة والطائر من بيضة والثمر من شجرة والشجرة من نواة والسنبلة من حبة ومعلوم أن ما منه خلق هذا استحال وزال فالحبة التي أنبتت سبع سنابل لم تبق حبة ولم يبق منها شيء بل استحال

وقد تنازع الناس في هذا الموضع فقال طائفة من أهل الكلام: هنا أجسام وجواهر منتقلة من حال إلى حال كالاجتماع بعد الافتراق والافتراق بعد الاجتماع وأت تلك الجوهر باقية ولكن تغيرت صفاتها وأعراضها وأنكر هؤلاء أن تكون نفس الأعيان القائمة بنفسها انقلبت حقيقتها فاستحالت ذاتها ولكن تغيرت صفاتها وهذا مبني على أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة

وهؤلاء يقولون: إنما يعلم بالحس والضرورة حدوث ما يحدث من الأعراض والصفات وأما حدوث شيء من الأجسام القائمة بأنفسها فلا نعلمه إلا بالاستدلال

والذي ذكر الأشعري أولا مبني على هذا الأصل وهو في ذلك موافق لمن قال به من المعتزلة وغيرهم وهذا من بقايا التي بقيت عليه من أصولهم العقلية بعد رجوعه عن مذهبهم وبيانه لبطلان أقوالهم التي أظهروا بها خلاف أهل السنة والجماعة

وجمهور العقلاء من أصناف الناس - أهل النظر والفلسفة وغيرهم - يقولون: إن هذا باطل وإن الأجسام يستحيل بعضها إلى بعض كما يقول ذلك الفقهاء والأطباء وغيرهم وكما يشهد ذلك وإن الحادث هو نفس أعيان الحيوان والنبات لا مجرد صفاتها وينكرون أن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة

والمنكرون للجوهر المفرد أكثر طوائف الكلام كالنجارية والضرارية والهشامية والكلابية وطائفة من الكرامية مع جمهور الفلاسفة وقالت طائفة من الفلاسفة وغيرهم: بل الأجسام التي يستحيل بعضها إلى بعض بينها مادة: وهي هيولى مشتركة بينها هي بعينها باقية لم تتبدل وإنما تبدلت الصورة وتلك الهيولى جوهر عقلي

وجمهور العقلاء أيضا ينكرون ذلك وذلك أن المني إذا صار حيوانا والماء هواء والهواء ماء ونحو ذلك فالجسم الثاني له عين وصفات وليس عين الأول ولا صفاته وإنما يشتركان في النوع وهو: أن هذا له قدر وهذا له قدر وكل منهما يقبل الاتصال والانفصال ولكن ليس عين القدر هذا هو عين قدر هذا ولا نفس ما يقوم به الاتصال والانفصال من أحدهما هو عين الآخر الذي يقوم به الاتصال والانفصال وأحدهما إذا قبل الاتصال والانفصال فهو اجتماعه وافتراقه وذلك عرض له والقابل للاجتماع - الذي هو القائم به هو هو ولكن تفرق بعد اجتماعه كالثوب والحجر ونحوهما مما يقطع ويكسر وهو كالشمع التي تختلف صورها وهي هي بعينها وكالفضة التي تختلف صورها مع بقاء عينها فنفس العين - التي هي الجوهر والجسم - باقية وإنما تغير شكلها وصفتها وذلك هو الصورة العرضية التي تغيرت لم تتغير الحقيقة

ولفظ ( الصورة ) لفظ مشترك: يراد بالصورة الشكل والهيئة كصورة الخاتم والشمعة والمادة الحامية لهذه الصورة هي الجسم بعينه

ويراد بالصورة نفس الجسم المتصور وهذا الجسم المتصور ليس له مادة تحمله فإن الجسم القائم بنفسه لا يكون شائعا في الجسم قائما بنفسه لكن خلق من مادة كما خلق الإنسان من المني وهذه المادة لا تبقى مع وجود ما خلق منها بل تفنى وتعدم شيئا فشيئا وهذا هو العدم المشهود في الأعيان فإن الله تعالى كما ينشئ ما يخلقه شيئا فشيئا فينفي ما يعدمه شيئا فشيئا وقد بسط الكلام على هذه الأمور في غير هذا الموضع

وإذ كان كذلك فالطريقة المذكورة في القرآن هي المعلومة بالحس والضرورة ولا يحتاج مع ذلك إلى إقامة دليل على حدوث ما يحدث من الأعيان بل يستدل بذلك على وجود المحدث لله تعالى

وأما المعتزلة والجهمية ومن تبعهم فطريقتهم المشهورة في إثبات حدوث العالم وإثبات الصانع هي الاستدلال: ( بإثبات الأعراض أولا وإثبات حدوثها ثانيا وبيان استحالة خلو الجواهر عنها ثالثا وبيان استحالة حوادث لا أول لها رابعا ) وقد وافقهم عليها اكثر الأشعرية وغيرهم وهذه هي التي ذمها الأشعري وبين أنها ليست طريقة الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم ولا من اتبعهم وإنما سلكها من يخالفهم من الفلاسفة وأتباعهم المبتدعة كما تقدم وقد تقدم نقل كلامه في ذلك وهو المقصود وكلامه يقتضي أنها محرمة في الدين مبتدعة لا حاجة إليها لطول مقدماتها وغموضها وما فيها من النزاع

وهذا هو الذي قصدناه وهو أنه نقل اتفاق السلف على الاستغناء عن هذه الطريقة وأما بطلانها فذاك مقام آخر ليس في كلامه تعرض لذلك ولهذا كان ما سلكه هو من جنس هذه الطريق

كلام الشهرستاني عن حدوث العالم في نهاية الإقدام

[عدل]

قال الشهرستاني في مسألة حدوث العالم: ( وللمتكلمين طريقان في المسألة: أحدهما: إثبات حدوثه والثاني إبطال القول بالقدم أما الأول فقد سلك عامتهم طريق الإثبات بإثبات الأعراض ) - كما تقدم ذكره - قال: ( وأما الثاني فقد سلك شيخنا أبو الحسن الأشعري رضي الله عنه طريق الإبطال فقال: لو قدرنا قدم الجوهر لم يخل من أمور: إما أن تكون مجتمعة أو مفترقة أو لا مجتمعة ولا مفترقة أو مجتمعة ومفترقة معا أو بعضها مجتمعا وبعضها مفترقا وبالجملة ليس يخلو من اجتماع وافتراق وجواز طريان الاجتماع والافتراق عليها أو تبدل بعضها ببعض وهي بذاتها لا تجتمع ولا تفترق لأن حكم الذات ل يتبدل فلا بد إذا من جامع فارق )

قال: ( وقد أخذ الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني هذه الطريقة فكساها عبارة أخرى )

تعليق ابن تيمية

[عدل]

قلت: هذه الطريقة: إنما أراد بها امتناع قدم جميع الجواهر فهي مبنية على إثبات الجوهر الفرد حتى يمكن أن يفرض إمكان اجتماع الجواهر وافتراقها وإلا فإذا قيل: إن من الأجسام ما هو واحد في نفسه أو كل جسم متشابه فهو واحد في نفسه أو قيل: إنه مركب من المادة والصورة - لم يلزم الافتراق فيما هو واحد في نفسه ولا يسلم المنازع إمكان افتراق كل جسم فيمنع قوله: ( لا يخلو من اجتماع وافتراق وجواز طريان الاجتماع والافتراق ) بل ويمكن مع هذا أن يقال: هي مركبة من الجواهر ويمنع قبول كل منهما للافتراق لكن يبنيه على أن الجواهر متماثلة فما جاز على أحدهما جاز على الآخر

ولا ريب أن تماثل الجواهر والأجسام: إن سلمه المنازع كان القول بحدوث الأجسام كلها ظاهرا فإن منها ما هو حادث قطعا فيكون جميعها قابلا للحدوث وما قبل الحدوث لم يكن بنفسه موجودا فلا بد له من صانع وهو الذي سماه جامعا فارقا

لكن هم يقولون: إن الحادث المعلوم حدوثه هو الأعراض وحينئذ فلا يكون في الجواهر ما يعلم حدوثه إلا بالدليل وإن أراد به امتناع قدم بعض الجواهر فهذا لا ينازعه فيه من يقول: إن الأعيان المحدثة جواهر وهم اكثر العقلاء فإنه من المعلوم بالاضطرار حدوث ما يشهد حدوثه من الحيوان والنبات والمعدن لكن من يقول بأن الأجسام مركبة من جواهر قد يقول: إن المحدث تأليف وتركيب وهي أعراض وأما جمهور العقلاء فيقولون: إن المحدث المشهود جواهر قائمة بأنفسها

فالمقصود أن من قال: الأجسام مركبة من الجواهر المنفردة فهذه الحجة توجب أنه لا بد لذلك التركيب من مركب

وكلام الأشعري - الذي ذكره الشهرستاني - مبني على هذه الأصل ومن نازع في ذلك لم يفده شيئا

وإذا دلت هذه الحجة فإنما تدل على حدوث التركيب الذي هو عرض لا تدل على حدوث الجواهر إلا بالطريقة الأولى وهي إثبات حدوث التركيب وامتناع حوادث غير متناهية وهذه الطريقة تسلكها الكرامية ونحوهم ممن يقول: إن الله جسم قديم أزلي وإنه لم يزل ساكنا ثم تحرك لما خلق العالم ويحتجون على حدوث الأجسام المخلوقة بأنها مركبة من الجواهر المفردة فهي تقبل الاجتماع والافتراق ولا تخلو من اجتماع وافتراق وهي أعراض حادثة لا تخلو منها وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث

وأما الرب فهو عندهم واحد لا يقبل الاجتماع والافتراق ولكنه لم يزل ساكنا والسكون عندهم أمر عدمي وهو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك كما يقول ذلك من يقوله من المتفلسفة وهؤلاء يقولون: إن الباري لم يزل خاليا من الحوادث حتى قامت به بخلاف الأجسام المركبة من الجواهر المفردة فإنها لا تخلو من الاجتماع والافتراق

بقية كلام الشهرستاني

[عدل]

قال الشهرستاني: ( وربما سلك أبو الحسن طريقا في حدوث الإنسان بكونه من نطفة أمشاج وتقلبه في أطوار الخلقة وأكوار الفطرة وليس يشك في أنه ما غير ذاته ولا بدل صفاته: لا الأبوان ولا الطبيعة فتعين احتياجه إلى صانع مدبر قال: وما ثبت من الأحكام لشخص واحد أو لجسم واحد ثبت في الكل لاشتراك الكل في الجسمية )

تعليق ابن تيمية

[عدل]

قلت: هذه الطريقة هي المتقدمة التي ذكرها الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر وهي مبنية على أنه أثبت حدوث الإنسان بما فيه من اختلاف الصور والهيئات ولهذا قال: إنه سلك طريقا في إثبات حدوث الإنسان فجعل حدوثه هو المدلول وجعل الدليل اختلاف الصور عليه وقد جعل الصورة الحادثة دليلا على حدوث المتصور ولا بد في هذه الطريقة من بيان امتناع حوادث لا أول لها فهذه الطريقة من جنس طريقة الأعراض لكنها أخص دليلا ومدلولا فإن الهيئات أخص ومدلولها إنما هو حدوث ما حدثت هيئته ودليل أولئك يعم ولكن الأشعري عدل عن طريقة غامضة إلى طريقة واضحة وهذه الطريقة هي التي يسميها الرازي وأمثاله: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض القائمة بالأجسام فإنهم يقولون في الاستدلال على وجود الصانع ما قاله الرازي في ( نهاية العقول ) وغيره

كلام الرازي في الاستدلال على وجود الله تعالى وتعليق ابن تيمية

[عدل]

وقد ذكرنا في غير هذا الموضع ما ذكره من ذلك في ( الأربعين )

وقال في النهاية: ( اعلم أن الاستدلال على ما يعلم بالضرورة إنما يكون بما يعلم بالضرورة والمعلوم بالضرورة: الأجسام والأعراض القائمة بها وكل منهما إما أن يعتبر إمكانه أو حدوثه فلا جرم كانت الأدلة الدالة على الصانع تعالى هذه المسالك الأربعة )

وذكر أن الأول هو الاستدلال بحدوث الأجسام لقيام الأعراض بها أو بعضها بها فهذه هي الطريقة المشهورة عند الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية ومن دخل في ذلك من الفقهاء أتباع الأئمة الأربعة وغيرهم

وهذه هي التي ذكر الأشعري أنها طريقة الفلاسفة ومن اتبعهم من القدرية وذكر أنها مبتدعة مذمومة في الدين لم يسلكها السلف الصالح وذكر أنها خطرة مبتدعة وأنه لا حاجة إليها

قال الرازي: والثاني: ( الاستدلال بإمكان الأجسام على وجود الصانع تعالى )

قال: ( وهذه عمدة الفلاسفة )

قلت: هذه طريقة ابن سينا ومن وافقه ليست طريقة قدماء الفلاسفة وهي مبنية على أصلهم الفاسد في التوحيد ونفي الصفات الذين بين الناس فساده وتناقضهم فيه وهو طريقة التركيب الذي يقولون: إن المتصف بالصفات مركب والمركب مفتقر إلى أجزائه قد تكلمنا عليها في مواضع

قال الرازي: ( والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو ممكنة قديمة أو حادثة )

قلت: وهذه الحجة مبنية على تماثل الأجسام وقد بين الناس فساد هذه الحجة وبين الرازي نفسه فسادها بل وجمهور العقلاء على فسادها وقد بين ذلك في موضع آخر على وجه لا يبقي في القلب شبهة

قال الرازي: ( والمسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض على وجود الصانع ولنفرض الكلام في أعراض لا يقدر عليها بشر مثل صيرورة النطفة المتشابهة الأجزاء أنسانا فإذا كانت تلك التركيبات أعراضا حادثة والعبد غير قادر عليها فلا بد من فاعل آخر ثم من ادعى أن العلم بحاجة المحدث إلى الفاعل ضروري ادعى الضرورة ههنا ومن بنى ذلك على الإمكان أو على القياس على حدوث الذوات فكذلك يقول في حدوث الصفات )

قال: ( والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي ان لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك )

قلت: قد ذكرنا في غير موضع أن هذا المسلك صحيح لكن الرازي قصر فيه من وجهين: أحدهما: أنه لا يستدل بنفس الحدوث بل يجعل الحدوث دليلا على إمكان الحادث ثم يقول: والممكن لا بد له من مرجح وهذا الإمكان الذي يثبته هو الإمكان الذي يثبته ابن سينا وهو الإمكان الذي يشترك فيه القديم والحادث فجعل القديم الأزلي ممكنا يقبل الوجود والعدم وهذا مما خالفوا فيه سلفهم وسائر العقلاء فإنهم متفقون على أن الممكن الذي يقبل الوجود والعدم لا يكون إلا حادثا

وابن سينا وأتباعه يوافقن الناس على ذلك لكن يتناقضون وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع كما تكلمنا على ذلك فيما ذكره الرازي في إثبات الصانع في أول المطالب العالية وأول الأربعين وبينا فساد ذلك وأنه على هذا التقدير لا ينفي لهم دليل على إثبات واجب الوجود

الوجه الثاني: إنه جعل ذلك استدلالا بحدوث الصفات والأعراض ليس بمستقيم بل هو مبني على مسألة الجوهر الفرد وقد ذكرنا في غير موضع أن هؤلاء بنوا مثل هذا الكلام على مسألة الجوهر الفرد وأن الأجسام مركبة من الجواهر المفردة وأن الحادث إنما هو اجتماع الجواهر وافتراقها وحركتها وسكونها وهذه الأربعة هي الأكوان عندهم أو حدوث غير ذلك من الأعراض فيجعلون تبديل الأعيان وإحداثها إنما هو تبديل أعراض

وقد قابلهم في ذلك طائفة من المتفلسفة كابن سينا وأمثاله فجعلوا الصور كلها جواهر كما جعل أولئك الصور كلها أعراضا وذلك أن هؤلاء المتفلسفة نظروا في المصنوعات: كالخاتم والدرهم والسيف والسرير والبيت والثور ونحو ذلك مما يؤلفه الآدميون ويصورونه فوجدوها مركبة من مادة كالفضة ويسمونها أيضا الهيولى والهيولى في لغتهم معناه المحل وتصرفهم فيه بحسب عرفهم الخاص كتصرف متكلمي العرب في اللغة المعربة فهذه المصنوعات مركبة من مادة هي المحل ومن صورة وهي الشكل الخاص وهذا نظر صحيح

ثم زعموا أن صور الحيوان والنبات والمعدن لها مادة هي هيولاها كذلك وأن النار والهواء والتراب لها أيضا مادة هي هيولاها ومنهم من قال: جميع الأجسام لها مادة مشتركة هي هيولاها وجعلوا الهيولى ثلاث مراتب صناعية وطباعية وكلية وتنازعوا: هل تنفرد المادة الكلية عن الصور فتكون الهيولى مجردة عن الصور؟ على قولين :

وإثبات هذه المادة المجردة يذكر عن شيعة أفلاطون وإنكار ذلك قول أصحاب أرسطو

والتحقيق أن الصور الصناعية إنما هي أعراض وصفات قائمة بالأجسام كالفضة والحديد والخشب والغزل واللبن ونحو ذلك وأما الحيوان والنبات والمعدن فهي جواهر استحالت عن جواهر أخرى وإثبات مادة مشتركة بينها باقية مع اختلاف الصور عليها قول باطل كما أن إثبات أولئك للجوهر الفرد قول باطل

والذين قالوا: إن بدن الإنسان وأمثاله من المحدثات إنما حدثت أعراضه لم تحدث عين قائمة - أخطأوا والذين قالوا: إن جميع الصور جواهر أخطأوا بل الصورة قد تكون عرضا كالشكل والصور الصناعية من هذا الباب

وقد يعبر بالصورة عن نفس الشيء المصور كالإنسان فالصورة هنا جوهر قائم بنفسه ليس قائما بجوهر آخر

والقرآن العزيز ذكر خلق الله تعالى لما خلقه من الجواهر التي هي أعيان قائمة بأنفسها مع ما نشهده من إحداث الصفات والأعراض أيضا والاستدلال بذلك على الخالق سبحانه وجعل ذلك من آياته هو مما بينه القرآن

ولكن هؤلاء لم يسلكوا طريقة القرآن من وجهين: أحدهما: أنهم جعلوا الحوادث إنما هي أعراض لا أعيان كما جعله الرازي وغيره

لكن الرازي وغيره مع ذلك استدلوا بذلك على إثبات الصانع فكان دليلا صحيحا في نفسه وإن كان فيه تقصير من ذلك الوجه ومن حيث رد ذلك إلى طريقة الإمكان

الثاني: ما ذكره الأشعري حيث أنه استدل بذلك على حدوث محل هذه الصفات والأعراض بناء على أن الحادث صورة هي عرض ولها محل فتكون الأجسام التي هي محل هذه الأعراض حادثة وهذا لا يتم إلا ببيان امتناع حوادث لا أول لها ثم إذا أراد أن يستدل بذلك على حدوث سائر الأجسام احتاج أن يبنيه على تماثل الأجسام

وهذه ثلاث مقدمات ينازعهم فيها أكثر العقلاء بل يبينون فسادها بصريح المعقول فهي من جنس طريقة المعتزلة

لكن مقصود الأشعري أن هذه الطريقة تغني الناس عن تلك الطريقة الطويلة الكثيرة المقدمات الغامضة التي يقع فيه نزاع فإذا كانت الطريقتان مشتركتان في البناء على امتناع حوادث لا أول لها وهذه الطريقة لا تحتاج إلى ما تحتاج إليه تلك فكانت هذه أقرب وأيسر فبحث الأشعري مع المعتزلة في هذه الطريقة من جنس بحوثه معهم في غير ذلك من أصولهم فإنه يبين تناقضهم ويلزمهم فيما نفوه نظير ما يلزمونه لأهل الإثبات فيما أثبتوه فيستفاد من مناظرته لهم معرفة فساد كثير من أصولهم ولكن سلم لهم أصولا وافقهم عليها مثل تسليمه لهم صحة طريق الأعراض مع طولها ومثل إثباته للصانع بهذه الطريق التي هي من جنسها وبنى ذلك على إثبات الجوهر الفرد فلزم من تسليمه ذلك لهم لوازم أراد أن يجمع بينها وبين ما أثبته من الرؤية وإثبات الكلام والصفات والعلو لله تعالى فقال جمهور طوائف العقلاء من أهل السنة والحديث وغيرهم ومن المعتزلة والفلاسفة وغيرهم: أن هذا مناقضة مخالفة لصريح المعقول

ولهذا قال من قال: بقيت عليه بقية من الاعتزال وقالوا: إنه وافقهم على بعض أصولهم التي بنوا عليها قولهم كهذا الأصل

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55