درء تعارض العقل والنقل/6

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: ابن تيمية


جواز التسلسل[عدل]

أما جواز التسلسل فإن أرادوا به التسلسل المتعاقب في الآثار شيئا بعد شيء فهم يقولون بجواز ذلك وحينئذ فلا يمتنع أن يكون كل ما سوى الله محدثا كائنا بعد أن لم يكن كالفلك وغيره وإن كان حدوثه مؤقوفا على سبب حادث قبله وحدوث ذلك السبب موقوف على سبب حادث قبله

وإن أرادوا التسلسل المقترن ـ وهو أنه لو حدث حادث للزم أن يحدث معه تأثيره ومع حدوث تمام تأثيره يحدث تأثير المؤثرـ فهذا باطل بصريح العقل وهم يوافقون على امتناعه

وإن عنوا بالتسلسل: أنه لو حدث ترجيح جنس الفعل للزم هذا التسلسل فهو صادق ولكن هذا يفيد أنه لا يحدث مرجح يوجب ترجيح الفعل بل لا يزال جنس الفعل موجودا فهذا يسلمه لهم أئمة المسلمين

لكن ليس في هذا ما يقتضي صحة قولهم بقدم شيء من العالم بل هذا يقتضي حدوث كل ما سوى الله فإنه إذا كان جنس الفعل لم يزل لزم أنه لا تزال المفعولات تحدث شيئا بعد شيء وكل مفعول محدث مسبوق بعدم نفسه ولكن هؤلاء ظنوا أن المفعول يجب أن يقارن الفاعل في الزمان ويكون معه من غير أن يتقدم الفاعل على مفعوله بزمان

وهذا غلط بين لمن تصوره وهو معلوم الفساد بالعقل عند عامة العقلاء ولهذا لم يكن في العقلاء من قال: إن السماوات والأرض قديمة أزلية إلا طائفة قليلة ولم يكن في العالم من قال: إنها مفعولة وهي قديمة إلا شرذمة من هذه الطائفة الذين خالفوا المعقول وصحيح المنقول

وقولهم بأن المؤثر التام الأزلي يستلزم أثره بهذا الاعتبار الذي زعموه أي: يكون معه لا يتقدم المؤثر على أثره بالزمان يوجب أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف المشاهدة فقد قالوا بما يخالف الحس والعقل وأخبار الأنبياء وهذه هي طرق العلم

وإذن كان الممتنع إنما هو جواز التسلسل في أصل التأثير والتسلسل المقارن مطلقا

وأما التسلسل في الآثار شيئا بعد شيء فهم مصرحون به: معترفون بجوازه

وقدم العالم ليس لازما مستلزما لجواز التسلسل وإنما خصوا به المعتزلة ومن اتبعهم من الكلابية وغيرهم الذين وافقوهم على نفي الأفعال القائمة به أو نفي الصفات والأفعال فقالوا لهم: أنتم قدرتم في الأزل ذاتا معطلة عن الفعل فيمتنع أن يحدث عنها شيء لأنه يستلزم الترجيح بلا مرجح

فالطريق الذي به ينقطع هؤلاء الفلاسفة أن يقال: إن كان التسلسل في الآثار شيئا بعد شيء ممتنعا بطلت الحجة وإن كان جائزا أمكن أن يكون حدوث كل شيء من العالم مبينا على حوادث قبله إما معان حادثة شيئا بعد شيء في غير ذات الله تعالى وإما أمور قائمة بذات الله تعالى كما يقوله أهل الحديث وأهل الإثبات الذين يقولون: لم يزل متكلما إذا شاء فعالا لما يشاء وإما غير ذلك كما قاله الأرموي وغيره

وبالجملة: فالتقديرات في تسلسل الحوادث معددة ومهما قدر منها كان أسهل من القول بأن السماوات والأرض أزلية وأن الله لم يخلق السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وهؤلاء الفلاسفة إنما يبحثون بمجرد عقولهم فليس في العقل ما يوجب ترجيح قدم الأفلاك على سائر التقديرات ومن يقر بالسمع ـ كمن يقر بالشرائع منهم ـ فأي تقدير قدره كان أقرب إلى الشرع من قولهم بقدم الأفلاك

الترجيح بلا مرجح[عدل]

وأما المقدمة الثانية - وهي الترجيح بلا مرجح - فإنهم ألزموا بها القائلين بالحدوث بدون سبب حادث وهي لهم ألزم فإن الحوادث المتجددة تقتضي تجدد أسباب حادثة فالحدوث أمر ضروري على كل تقدير والذات القديمة المستلزمة لموجبها: إن لم يتوقف حدوث الحوادث عنها على غيرها لزم مقارنة الحوادث لها في الأزل وهذا باطل بالضرورة والحس وإن توقف على غيرها فذلك الغير إن كان قديما أزليا كان معها فيلزم مقارنة الحوادث لها وإن كان حادثا فالقول في سبب حدوثه كالقول في غيره من الحوادث

فهؤلاء الفلاسفة أنكروا على المتكلمين - نفاة الأفعال القائمة به - أنهم أثبتوا حدوث الحوادث بدون سبب حادث مع كون الفاعل موصوفا بصفات الكمال وهم أثبتوا حدوث الحوادث كلها بدون سبب حادث ولا ذات موصوفة بصفات الكمال بل حقيقة قولهم أن الحوادث تحدث بدون محدث فاعل إذ كانوا مصرحين بأن العلة التامة الأزلية يجب أن يقارنها معلولها فلا يبقى للحوادث فاعل أصلا لا هي ولا غيرها

فعلم أن قولهم أعظم تناقضا من قول المعتزلة ونحوهم وأن ما ذكروه من الحجة في قدم العالم هو على حدوثه أدل منه على قدمه باعتبار كل واحدة من مقدمتي حجتهم

ومن تدبر هذا وفهمه تبين له أن الذين كذبوا بآيات الله صم وبكم في الظلمات وأن هؤلاء وأمثالهم من أهل النار كما أخبر الله تعالى عنهم بقوله: { وقالوا لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } ( الملك: 10 ) وهذا مبسوط في موضع آخر

والمقصود هنا أن نبين أن أجوبة نفاة الأفعال الاختيارية القائمة بذات الله تعالى لهؤلاء الدهرية أجوبة ضعيفة كما بين ذلك وبهذا استطالت الفلاسفة والملاحدة وغيرهم عليهم

فالذين سلكوا هذه المناظرة لا أعطوا الإيمان بالله ورسوله حقه ولا أعطوا الجهاد لأعداء الله تعالى حقه فلا كملوا الإيمان ولا الجهاد

وقد قال الله تعالى: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } ( الحجرات: 15 ) وقال تعالى: { وإذ أخذ الله ميثاق النبيين لما آتيتكم من كتاب وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم لتؤمنن به ولتنصرنه قال أأقررتم وأخذتم على ذلكم إصري قالوا أقررنا قال فاشهدوا وأنا معكم من الشاهدين } ( آل عمران: 81 ) [ قال ابن عباس: ما بعث الله نبيا إلا أخذ عليه الميثاق: لئن بعث الله محمد ﷺ وهو حي ليؤمنن به ولينصرنه وأمره أن يأخذ الميثاق على أمته: لئن بعث محمد ﷺ وهم أحياء ليؤمنن به ولينصرنه ]

فقد أوجب الله تعالى على المؤمنين الإيمان بالرسول والجهاد معه ومن الإيمان به: تصديقه في كل ما أخبر به ومن الجهاد معه دفع كل من عارض ما جاء به وألحد في أسماء الله وآياته

وهؤلاء أهل الكلام المخالفون للكتاب والسنة الذين ذمهم السلف والأئمة لا قاموا بكمال الإيمان ولا بكمال الجهاد بل أخذوا يناظرون أقواما من الكفار وأهل البدع الذين هم أبعد عن السنة منهم بطريق لا يتم إلا برد بعض ما جاء به الرسول وهي لا تقطع أولئك الكفار بالمعقول فلا آمنوا بما جاء به الرسول حق الإيمان ولا جاهدوا الكفار حق الجهاد وأخذوا يقولون أنه لا يمكن الإيمان بالرسول ولا جهاد الكفار والرد على أهل الإلحاد والبدع إلا بما سلكناه من المعقولات وإن ما عارض هذه المعقولات من السمعيات يجب رده - تكذيبا أو تأويلا أو تفويضا - لأنها أصل السمعيات

وإذا حقق الأمر عليهم وجد الأمر بالعكس وأنه لا يتم الإيمان بالرسول والجهاد لأعدائه إلا بالمعقول الصريح المناقض لما ادعوه من العقليات وتبين أن المعقول الصريح مطابق لما جاء به الرسول لا يناقضه ولا يعارضه وأنه بذلك تبطل حجج الملاحدة وينقطع الكفار فتحصل مطابقة العقل للسمع وانتصار أهل العلم والإيمان على أهل الضلال والإلحاد ويحصل بذلك الإيمان بكل ما جاء به الرسول واتباع صريح المعقول والتمييز بين البينات والشبهات

كل ما يحتج به النفاة يدل على نقيض قولهم[عدل]

وقد كنت قديما ذكرت في بعض كلامي أني تدبرت عامة ما يحتج به النفاة من النصوص فوجدتها على نقيض قولهم أدل منها على قولهم كأحتجاجهم على نفي الرؤية بقوله تعالى { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } [ الأنعام: 103 ] فبينت أن الإدراك هو الإحاطة لا الرؤية وأن هذه الآية تدل على إثبات الرؤية أعظم من دلالتها على نفيها

وكذلك إحتجاجهم على أن القرآن أو عبارة القرآن مخلوقة بقوله تعالى { ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه } [ الأنبياء: 2 ] بينت أن دلالة هذه الآية على نقيض قولهم أقوى فإنها تدل على أن بعض الذكر محدث وبعضه ليس بمحدث وهو ضد قولهم

والحدوث في لغة العرب العامة ليس هو الحدوث في اصطلاح أهل ال كلام فإن العرب يسمون ما تجدد حادثا وما تقدم على غيره قديما وإن كان بعد أن لم يكن كقوله تعالى { كالعرجون القديم } [ يس: 39 ] وقوله تعالى عن إخوة يوسف { تالله إنك لفي ضلالك القديم } [ يوسف: 95 ] وقوله تعالى { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } [ تلأحقاف: 11 ] وقوله تعالى عن إبراهيم { أفرأيتم ما كنتم تعبدون * أنتم وآباؤكم الأقدمون } [ الشعراء: 75 - 76 ] وكذلك استدلالهم بقوله: الأحد الصمد على نفي علوه على الخلق وأمثال ذلك مما قد بسط في غير هذا الموضع

ثم تبين لي بعد ذلك مع هذا أن المعقولات في هذا كالسمعيات وأن عامة ما يحتج به النفاة من المعقولات هي أيضا على نقيض قولهم أدل منها على قولهم كما يستدلون به على نفي الصفات ونفي الأفعال وكما يستدل به الفلاسفة على قدم العالم ونحو ذلك والمقصود هنا التنبيه وإلا فالبسط له موضع آخر

وعمدة من نفى الأفعال والصفات من أهل الكلام الجهمية والمعتزلة ومن اتبعهم على هذه الحجة التي زعموا أنهم يقررون بها حدوث العالم وإثبات الصانع فجعلوا ما قامت به الصفات أو الأفعال محدثا حتى يستدلوا بذلك على أن العالم محدث ويلزم من ذلك أن لا يقوم بالصانع لا الصفات ولا الأفعال

وإذا تدبر العاقل الفاضل تبين له أن إثبات الصانع وإحداثه للمحدثات لا يمكن إلا بإثبات صفاته وأفعاله ولا تنقطع الدهرية من الفلاسفة وغيرهم قطعا تاما عقليا لا حيلة لهم فيه إلا على طريقة السلف أهل الإثبات للأسماء والأفعال والصفات وأما من نفى الأفعال أو نفى الصفات فإن الفلاسفة الدهرية تأخذ بخناقه ويبقى حائرا شاكا مرتابا مذبذبا بين أهل الملل المؤمنين بالله ورسوله وبين هؤلاء الملاحدة كما قال تعالى في المنافقين { مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء } [ النساء: 143 ]

وهذا موجود في كلام عامة هؤلاء الذين في كلامهم سنة وبدعة ولا ريب أنهم يردون على الفلاسفة وغيرهم أمورا ولكن الفلاسفة ترد عليهم أمورا وهم ينتصرون في غالب الأمر بالحجة العقلية على الفلاسفة أكثر مما تنتصر الفلاسفة بالحجة العقلية عليهم ولكن قد تقول الفلاسفة أمورا باطلة من جنس العقليات فيوافقونهم عليها فيستطيلون بها عليهم وقد تقول الفلاسفة أمورا صحيحة موافقة للشريعة فيردونها عليهم وهم لا يصيبون الصدق والعدل إلا إذا وافقوا الشريعة فإذا خالفوها كان غايتهم أن يقابلوا الفاسد بالفاسد الباطل بالباطل فتبقي الفلاسفة العقلاء في شك ويبقى العقلاء منهم في شك لا حصل لهؤلاء نور الهدى ولا لهؤلاء

وإنما يحصل النور والهدى بأن يقابل الفاسد بالصالح والباطل بالحق والبدعة بالسنة والضلال بالهدى والكذب بالصدق وبذلك يتبين أن الأدلة الصحيحة لا تعارض بحال وأن المعقول الصريح مطابق للمنقول الصحيح

وقد رأيت من هذا عجائب فقل أن رأيت حجة عقلية هائل لمن عارض الشريعة قد انقدح لي وجه فسادها وطريق حلها إلا رأيت بعد ذلك من أئمة بلك الطائفة من قد تفطن لفسادها وبينه

وذلك لأن الله خلق عباده على الفطرة والعقول السليمة مفطورة على معرفة الحق لولا المعارضات ولهذا أذكر من كلام رؤوس الطوائف من العقليات ما يبين ذلك لا لأنا محتاجون في معرفتنا إلى ذلك لكن ليعلم أن أئمة الطوائف معترفون بفساد هذه القضايا التي يدعي إخوانهم أنها قطعية مع مخالفتها للشريعة ولأن النفوس إذا علمت أن ذلك القول قاله من هو من أئمة المخالفين استأنست بذلك واطمأنت به ولأن ذلك يبين أن تلك المسألة فيها نزاع بين تلك الطائفة فتنحل عقد الإصرار والتصميم على التقليد

فإن عامة الطوائف ـ وإن ادعوا العقليات ـ فجمهورهم مقلدون لرؤوسهم فإذا رأوا الرؤوس قد تنازعوا واعترفوا بالحق انحلت عقدة الإصرار على التقليد

إبطال الأبهري حجة الفلاسفة على قدم العالم[عدل]

وقد رأيت الأثير الأبهري - وهو ممن يصفه هؤلاء المتأخرون بالحذق في الفلسفة والنظر ويقدمونه على الأرموي ويقولون: الأصبهاني صاحب القواعد هو وغيره تلامذته - رأيته قد أبطل حجة هؤلاء المتفلسفة على قدم العالم بما يقرر ما ذكرته من إبطالها وكان ما أجاب به عن حجتهم أولى بدين المسلمين كما ذكره الأرموي مع أنه ينتصر للفلاسفة أكثر من غيره

فقال في فصل ذكر فيه ما يصح من مذاهب الحكماء وما لا يصح :

قال: ( ثم قالوا: إن الواجب لذاته يجب أن يكون واجبا من جميع جهاته أي يجب أن تكون جميع صفاته لازمة لذاته إما أن تكون كافية فيما له من الصفات وجودية كانت أو عدمية أو لا تكون والثاني باطل وإلا لتوقف شيء من صفاته على غيره وذاته متوقفة على وجود تلك الصفة أو عدمها فذاته تتوقف على غيره وهو محال

قال: ( وهذا ضعيف لأنا نقول: لا نسلم أن ذاته تتوقف على وجود تلك الصفة أو عدمها بل ذاته تستلزم تلك الصفة أو عدمها ولا يلزم من ذلك ذاته إما على وجودها أو عدمها )

قال: ( ثم قالوا: إن الباري تعالى يستلزم جملة ما يتوقف عليه وجود العالم فيلزم من دوامه أزلية العالم وهو ممتنع لا محال أن يكون له إرادات حادثة كل واحدة منها تستند إلى الأخرى ثم تنتهي في في جانب النزول إلى أرادة تقتضي حدوث العالم فلزم حدوثه )

قلت: فهذا الجواب خير من الذي ذكره الأرموي وذكر أنه باهر والأرموي نقله من المطالب العالية للرازي فإنه ذكره وقال: ( إنه هو الجواب الباهر ) ووافقه عليه القشيري المصري: فهذا أصح في الشرع والعقل

أما الشرع: فإن هذا فيه قول بحدوث كل ما سوى الله وذلك القول فيه إثبات عقول ونفوس أزليبة مع الله تعالى والفرق بين القولين معلوم عند أهل الملل والشرائع

وأما العقل: فإن قول الأرموي فيه إثبات أمور ممكنة يحدث فيها حوادث متعاقبة من غير أمر يتجدد من الواجب وهذا يقتض حدوث الحوادث بلا محدث فإن الواجب بنفسه إذا كان علة مستلزمة لمعلولها لم يجز تأخر شيء من معلوله عنه بخلاف ما ذكره الأبهري فإنه ليس فيه إلا أن الواجب مستلزم لآثاره شيئا بعد شيء وهذا متفق عليه بينهم فإنه ليس فيه إلا تسلسل الآثار والأبهري والأرموي وغيرهما يقولون بتسلسل الآثار بل قول أولئك يقتضي أن يكون الفلك هو رب ما دونه وهو المحدث للحوادث بأفعاله القائمة به المتعاقبة وقول الأبهري يقتضي أن يكون الله هو رب العالمين وهو محدث لكل شيء مما يقوم به من الأفعال المتعاقبة

ولا ريب أن قول أولئك فاسد في العقل كما هو فاسد في الشرع فإن الفلك إذا كان ممكنا فجميع صفاته وحركاته ممكنة ولا يترجح شيء من ذلك إلا بوجود المرجح التام فالمرجح التام إن كان موجودا في الأزل لزم وجود مقتضاه في الأزل

ثم ذلك المرجح إن كان في نفسه علة تامة لمعلوله بحيث لا يتجدد به ولا منه شيء امتنع أن يصدر عنه شيء بعد أن لم يكن صادرا لا في الفلك ولا في غير الفلك لا دائم ولا منقطع وامتنع أن تكون حركة الفلك الدائمة صادرة عن هذا لا سيما مع اختلاف الحركات والمتحركات وأنه بسيط عندهم من كل وجه وهو في الأزل علة تامة فيمتنع أن تصدر عنه المختلفات والمتجددات كما أن جميع المتحركات الممكنات لا تدوم حركتها إلا بدوام السبب المحرك المنفصل عنها وهذا لأن حال الفاعل إذا كانت حين أحدث هذا المتأخر كحاله حين أحدث ذلك المتقدم امتنع تخصيص هذا الحال بالفصل دون هذه كما يقولون هم ذلك

وإن قالوا: ( إنما كان هذا لأن حركة الفلك لم يمكن وجودها كلها أو لم يمكن وجود الحوادث كلها في الأزل فتأخر فيضه لتأخر استعداد القوابل )

قيل: هذا إنما يمكن أن يقال إذا كان القابل ليس هو صادرا عن الفاعل مثل القوابل لأثر الشمس فإن أثر الشمس فيها مختلف باختلاف تلك القوابل فتسود وجه القصار وتبيض الثوب وترطب الفاكهة تارة وتجففها أخرى ولهذا إنما قال سلفهم هذا في العقل الفعال فقالوا إنه يتأخر فيضه على القوابل لتأخر استعداد القوابل بسب الحركات الفلكية فالموجب لاستعداد القوابل ليس هو الموجب للفيض عندهم

وهذا قالوه لاعتقادهم وجود هذا العقل وهذا لا يستقيم في المبدع لكل شيء الذي منه الإعداد ومنه الإمداد لا يتوقف فعله على غيره

فأما إذا كان الفاعل هو الفاعل للقابل والمقبول عاد السؤال جذعا وقيل: فلم جعل القوابيل تقبل على ذلك الوجه دون غيره؟ ولم جعل الحركة الفلكية علي هذا الوجه دون غيره مع أن الممكن ليس له من نفسه شيء أصلا لا طبيعة ولا غيرها؟ بل الموجب هو الفاعل لطبيعته وحقيقته وليس له حقيقة في الخارج مباينة للموجود في الخارج بل البارىء هو المبدع للحقائق كلها

ومن قال: ( إن للممكن ماهية مغايرة في الخارج للأعيان الموجودة في الخارج ) أو قال: ( إنه شيء ثابت في القدم ) فلا يمكنه أن يقول: إن تلك المعدومات أوجبت قدرة الفاعل على بعضها دون بعض مع أنها كلها ممكنة: إلا لأمر آخر مثل أن يقال: ما يمكن غير هذا وهذا هو الأصلح أو الأكمل والأفضل

وبهذا تظهر حجة الله تعالى في قوله: { يسقى بماء واحد ونفضل بعضها على بعض في الأكل إن في ذلك لآيات لقوم يعقلون } ( الرعد: 4 ) فإنه دل بهذا على تفضيله بعض المخلوقات على بعض مع استوائها فيما تساوت فيه من الأسباب

كما قال في الآية الأخرى: { ألم تر أن الله أنزل من السماء ماء فأخرجنا به ثمرات مختلفا ألوانها ومن الجبال جدد بيض وحمر مختلف ألوانها وغرابيب سود * ومن الناس والدواب والأنعام مختلف ألوانه كذلك إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر: 27 - 28 )

فإذا قال القائل: إنما تفاضلت واختلفت لاختلاف القوابل وأسباب أخرى من الهواء والتراب والحب والنوى

قيل له: وتلك القوابل والأسباب هي أيضا من فعله ليست من فعل غيره فهو الذي أعد القوابل وهو الذي أمد كل شيء بحسب ما أعده له وحينئذ فقد تبين أنه خلق الأمور المختلفة ومن كل شيء زوجين فبطل أن يكون واحدا بسيطا لا يصدر عنه إلا واحد لازم له لا يصدر عنه غيره ولا يمكنه فعل شيء سواه فإن فعل المختلفات الحادثات يدل على أنه فاعل بقدرته ومشيئته ولهذا قال: { إنما يخشى الله من عباده العلماء } ( فاطر: 28 )

قال طائفة من السلف: العلماء به فإن من جعله غير قادر على إحداث فعل ولا تغيير شيء من العالم بل لزمه ما لا يمكنه مفارقته: لم يخشه إنما يخشى الكواكب والأفلاك التي تفعل الآثار الأرضية عنده أو ما كان نحو ذلك ولهذا عبدها هؤلاء من دون الله ولهذا كان دعاؤهم لها وخشيتهم منها

ولهذا تبرأ الخليل من مخافتها لما ناظرهم في عبادة الكواكب والأصنام وقال: { لا أحب الأفلين } ( الأنعام: 76 ) قال تعالى: { وحاجه قومه قال أتحاجوني في الله وقد هدان ولا أخاف ما تشركون به إلا أن يشاء ربي شيئا وسع ربي كل شيء علما أفلا تتذكرون * وكيف أخاف ما أشركتم ولا تخافون أنكم أشركتم بالله ما لم ينزل به عليكم سلطانا فأي الفريقين أحق بالأمن إن كنتم تعلمون } ( الأنعام: 80 - 81 ) وقال تعالى: { الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون } ( الأنعام: 82 ) فإن المشركين يخافون بالمخلوقات من الكواكب وغيرها وهم قد أشركوا بالله ولا يخافون الله إذ أشركوا بالله ما لم ينزل به سلطانا وإنما يخشاه من عباده العلماء الذين لا يعلمون أنه على كل شيء قدير وأنه بكل شيء عليم فهؤلاء الدهرية الفلاسفة وأمثالهم لا يخافون الله تعالى

فإن قال قائل: فهم يقرون بالعبادات ويقولون: ( ضجيج الأصوات في هياكل العبادات بفنون اللغات تحلل ما عقدته الأفلاك الدائرات ) لا سيما الإسلاميون منهم فإنهم يعظمون الأدعية والعبادات

قيل: هم لا يقرون بأن الله نفسه يحدث شيئا بسبب الدعاء أو غيره وإنما الحوادث كلها عندهم بسبب حركة الفلك لا بشيء آخر أصلا وهم إذا قالوا: ( إن النفوس تقوى بالدعاء والعبادة والتجرد والتصفية فتؤثر في هيولى العالم ) كان هذا عندهم بمنزلة تأثير الأكل والشرب في الري والشبع لا يستلزم ذلك عندهم أمرا يحدث من عند الله تعالى فإنه لو حدث منه أمر لزم تغيره عندهم وبطل أصل قولهم

وهم قد يخافون ما يحدث من الحوادث بسبب أعمالهم لاقتضاء طبيعة الوجود ذلك كما يقولون: إن أكل المضرات يورث المرض أو الموت والسبب لكل الحوادث حركة الفلك وإن كانت الحوادث لا تحدث بمجرد الحركة بل بالحركة وغيرها: أما لكون الحركة توجب امتزاجا تستعد به الممتزجات لما يفيض عليها من العقل الفعال أو لغير ذلك فهم مطالبون بالموجب لحركة الفلك وحدوث جميع الحوادث: إن كان الموجب لها علة تامة في الأزل لا يتأخر عنها شيء من معلولها امتنع أن تكون حركات الممكنات وما فيها من الحوادث صادرة عن هذه العلة لأن ذلك يقتضي تأخر كثير من معلولاتها مع ما فيها من الاختلاف العظيم المنافي لبساطتها التي يسمونها الوحدة

وقد بين في غير هذا الموضع أن الواحد البسيط الذي يقدرونه لا حقيقة له في الخارج أصلا

وإذا قيل: ( القوابل المفعولة الممكنة المبدعة اختلفت وتأخر استعدادها مع كون الفاعل لها لم يزل ولا يزال على حال واحدة ) كان امتناع هذا ظاهرا

بخلاف ما إذا قيل: ( أن نفس الفاعل موصوف بصفات متنوعة وأفعال متنوعة وله تعالى شؤون وأحوال كل يوم هو في شأن فإنه يكون تنوع المفعولات وحدوث الحادثات لتنوع أحوال الفاعل وأنه يحدث من أمره ما شاء )

وإذا طلب الفرق بينهما قيل: أحواله من مقتضيات ذاته الواجبة الوجود بنفسه التي لا يتوقف شيء من أحوالها على أمر مستغن عنها ولا يحتاج إليه وإذا كان واجبا بنفسه فما كان من لوازمه كان أيضا واجبا لا يمكن عدمه بخلاف الممكن الذي ليس له من نفسه وجود

فإنه إذا قيل: اختلف فعل الفاعل وتأخر لاختلاف القابل وحدوثه

قيل: فهو أيضا الفاعل للقابل المختلف الحادث فكيف تصدر المختلفات الحادثات عن فاعل لا اختلاف في فعله ولا حدوث لشيء من أفعاله؟

رد الأبهري على الرازي وتعليق ابن تيمية

والأبهري قد أبطل حجة المعتزلة والأشعرية ونحوهم على حدوث الأجسام وأراد أن يعتذر عن الفلاسفة فقال :

فصل - في ذكر الطرائق التي سلكها الإمام - يعني أبا عبد الله الرازي - في كتبه لتقرير مذاهب المتكلمين وكيفية الاعتراض عليها[عدل]

أما الطريقة التي سلكها لحدوث العالم فمن وجهين :

أحدهما: أن العالم ممكن لذاته وكل ممكن لذاته فهو حادث لأن تأثير المؤثر فيه: إما أن يكون حال الوجود أوحال العدم أو لا حال الوجود ولا حال العدم والأول باطل لأن التأثير حال الوجود يكون إيجادا للموجود وتحصيلا للحاصل وهو محال والثاني محال لأن التأثير حال العدم يكون جمعا بين الوجود والعدم وهو محال فيلزم أن يكون: لا حال الوجود ولا حال العدم فيكون حال الحدوث فكل ما له مؤثر فهو حادث

الثاني: أن الأجسام لو كانت أزلية فإما أن تكون متحركة في الأزل أو ساكنة والقسمان باطلان

أما الأول فلوجوه :

أحدها: أنها لو كانت متحركة في الأزل للزم المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية في شيء واحد لأن الحركة تقتضي المسبوقية بالغير والأزل يتقضي عدم المسبوقية بالغير فيلزم الجمع ضرورة

الثاني: أنه لو كانت متحركة في الأزل لكانت بحال لا تخلو عن الحوادث وما يخلو عن الحوادث فهو حادث وإلا لكان الحادث أزليا هذا خلف

الثالث: أنها لو كانت متحركة في الأزل لكانت الحركة اليومية موقوفة على انقضاء ما لا نهاية له وهو محال والموقوف على المحال محال

الرابع: أنها لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان: إحداهما من الحركة اليومية إلى غير النهاية والثانية من الحركة التي وقعت من الأمس إلى غير النهاية

فالجملة الثانية إن صدق عليها أنها لو أطبقت على الأولى انطبقت عليها كان الزائد مثل الناقص وإن لم تصدق كانت متناهية فالجملة الاولى أيضا متناهية وقد فرضت غير متناهية هذا خلف

وأما الثاني: فلأنها لو كانت ساكنة في الأزل امتنع عليها الحركة لأن المؤثر في السكون إما أن يكون أزليا أو حادثا لا جائز أن يكون حادثا وإلا لكان السكون حادثا وقد فرض أزليا هذه خلف فتعين أن يكون أزليا فيلزم من دوامه دوام السكون فتمتنع الحركة على الأجسام وأنها ممكنة عليها لأن الأجسام إما أن تكون بسيطة أو مركبة فإن كانت بسيطة فيصح على أحد جوانبها ما يصح على الآخر فيصح أن يصير يمينها يسارا ويسارها يمينا فيصح عليها الحركة وإن كانت مركبة كانت مجتمعة من البسائط فكانت بسائطها قابلة للاجتماع والافتراق وكانت قابلة للحركة هذا خلف )

قال الأبهري ( الاعتراض: قوله: بأن التأثير في الممكن إما أن يكون حالة الوجود أو حالة العدم أو لا حالة الوجود ولا حاله العدم

قلنا: لم لا يجوز أن يكون حال الوجود؟

وقوله: التأثير حال الوجود إيجاد الموجود وتحصيل الحاصل

قلنا: لا نسلم وإنما يكون كذلك أن لو أعطى الفاعل وجودا ثانيا وليس كذلك فإن التأثير عبارة عن كون الأثر موجودا بوجود المؤثر وجاز أن يكون الأثر موجودا دائما لوجود المؤثر والذي يدل على حصول التأثير حالة الوجود أنه لو لم يكن كذلك لكان التأثير حالة العدم لاستحالة الواسطة بين الوجود والعدم والثاني كاذب لأن التأثير حاله العدم يقتضي الجمع بين الوجود والعدم وهو محال )

قال: ( أما قوله: الأجسام لو كانت أزلية: فإما أن تكون متحركة أو ساكنة في الأزل

قلنا: لم لا يجوز أن تكون متحركة؟

قوله: يلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في شيء واحد

قلنا: لا نسلم وهذا لأن المسبوق بالغير هو الحركة وغير المسبوق بالغير هو الجسم

فإن قال: ( إذا كانت الحركة أزلية كانت الحركة من حيث هي هي غير مسبوقة بالغير لكن الحركة من حيث هي هي مسبوقة بغير لأنها تغير وانتقال فتقتضي المسبوقية بالغير فيلزم الجمع بين المسبوقية بالغير وعدم المسبوقية بالغير في الحركة

قلنا: إذا ادعيتم ذلك فنقول: لا نسلم أن الجسم لو كان أزليا لكانت الحركة من حيث هي هي حركة أزلية ولم لا يجوز أن يكون الجسم أزليا ويصدق عليه أنه متحرك دائما بأن تتعاقب عليه الحركات المعنية ولا يصدق على الحركات الموجودة في الأعيان أنها أزلية ضرورة اتصاف كل واحد منها بكونها مسبوقة بالغير؟ )

قلت: هذا مضمونه ما نبه عليه في غير هذا الموضع: أن حدوث كل من الأعيان لا يستلزم حدوث النوع الذي لم يزل ولا يزال

وأما قوله: لو كانت الأجسام متحركة لكانت لا تخلو عن الحوادث

قلنا: نعم: ولكن لم قلتم بأن ما لا يخلو عن الحوادث فهو حادث؟

قوله: لو لم يكن كذلك لكان الحادث أزليا

قلنا: لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كان شيء من الحركات بعينها لازما للجسم وليس كذلك بل هو قبل كل حركة حركة لا إلى أول إلى ما لا نهاية )

قلت: هذه من نمط الذي قبله فإن الأزلي هو نوع الحادث لا عين الحادث

قوله: لو كانت حادثة في الأزل لكان الحادث اليومي موقوفا على انقضاء ما لا نهاية له

قلنا: لا نسلم بل يكون الحادث اليومي مسبوقا بحوادث لا أول لها ولم قلتم: إن ذلك غير جائز؟

قلت: مضمونة أنه يكون موقوفا على انقضاء ما لا ابتداء له ولا أول له وهو لا نهاية له من الطرف الأول لكن له نهاية من الطرف الآخر

قوله: لو كانت متحركة في الأزل لحصلت جملتان أحدهما: من الحركة اليومية والثانية: من الحركة التي وقعت في الأمس

قلنا: لا نسلم وإنما يلزم ذلك لو كانت الحركات مجتمعة في الوجود

قلت: هذا مضمونه أن التطبيق لا يكون إلا بين موجودين ولكن يقال التطبيق في الخارج لا يكون إلا بين موجودين ولكن يمكن تقدير التطبيق بين معدومين لا سيما إذا كانا قد دخلا جميعا في الوجود فالمطبق بينهما إما أن يكونا مقدرين في الأذهان لا يوجدان في الأعيان بحال كالأعداد المجردة عن المعدودات أو معدومين منتظرين كالمستقبلات أو معدومين ماضيين كالحوادث المتقدمة أو موجودين كالمقادير الموجودة والمعدودات الموجودة

ويجاب عن هذا بجواب ثان: وهو: أن الجملتين اللتين طبقت إحداهما على الأخرى مع التفاوت في أحد الطرفين وعدم التناهي في الآخر هما متفاضلتان في الطرف الواحد وتنطبق إحداهما على الآخرى في الطرف الآخر فلا يصدق ثبوت مطابقة إحداهما للأخرى مطلقا ولا نفي المطابقة مطلقا بل يصدق ثبوت الانطباق من أحد الطرفين وانتفاؤه من الآخر وحينئذ فلا يكون الزائد مثل الناقص: ولا يكونان متناهيين

وإذا قال القائل: نحن نطبق بينهما من الطرف الذي يلينا فإن استويا لزم أن يكون الزائد مثل الناقص وأن يكون وجود الزيادة كعدمها والشيء مع عدم غيره كهو مع وجوده وإن تفاضلا لزم أن يكون ما لا يتناهى بعضه متفاضلا

قيل: التطبيق بينهما من الجهة المتناهية مع تفاضلهما فيها ممتنع وفرض الممتنع قد يلزمه حكم ممتنع فإن الحوادث الماضية من أمس إذا قدرت منطبقة على الحوادث الماضية في اليوم كان هذا التطبيق ممتنعا فإنه يمتنع أن يطابق هذا هذا فإن الجملتين متفاضلتان: ومع التفاضل يمتنع التطبيق المستلزم للمعادلة والاستواء

وإذا قال القائل: أنا أقدر المطابقة في الذهن وإن كانت ممتنعة في الخارج

قيل له: فقد قدرت في الذهن شيئين مع جعلك أحدهما أزيد من الآخر من الطرف الواحد ومساويا له من الطرف الآخر ومعلوم أنك إذا قدرت لم يكن تفاضلهما ممتنعا بل كان الواجب هو التفاضل ودليلك مبني على تقدير التطبيق فيلزم التفاضل فيما لا يتناهى وكل من المقدمتين باطل فإن قدرت تطبيقها صحيحا عدليا فهو باطل وإن قدرته وإن كان ممتنعا لم يكن التفاضل في ذاك ممتنعا فدعواك أن التفاضل ممتنع فيما قدرته متفاضلا ممنوع بل مع تقدير التفاضل يجب التفاضل لكن يجب التفاضل من جهة التفاضل ولا يلزم التفاضل من الجهة الأخرى

قال الأبهري: ( وإن سلمنا أنه لا يجوز أن تكون متحركة في الأزل ولكن لم لا يجوز أن تكون ساكنة؟

قوله: بأن المؤثر في السكون إما أن يكون حادثا أو أزليا

قلنا: فلم قلتم بأنه لو كان أزليا للزم دوام السكون؟ ولم لا يجوز أن يكون تأثيره فيه موقوفا على شرط عجمي أزلي؟ والعدمي الأزلي جائز الزوال فإذا زال الشرط زال السكون )

قلت: لقائل أن يقول: العرض الأزلي إنما يزول بسبب حادث والقول فيه كالقول في غيره بل لا يزول إلا بسبب حادث فيحتاج إلى حدوث سبب يحدث ليزول السكون وهو يقول: المقتضي لزوال السكون كالمقتضي لحدوث العالم وهو الإرادة المسبوقة بإرادة لا إلا أول لكن هذا التقدير يصحح القول بحدوث العالم

فيقال: إن كان الجسم أزليا وأمكن حدوث الحركة فيه كان المقتضي لحركته مجوزا لحدوث العالم لكن هذا يبطل حجة الفلاسفة ولا يصحح حجية أن الجسم الأزلي يمتنع تحريكه فيما بعد

وأيضا فإنه ههنا بحثا آخر وهو أن السكون هل هو أمر ثبوتي مضاد للحركة أو هو عدم الحركة عما من شأنه أن يتحرك؟ وفيه قولان معروفان فإذا كان عدميا لم يفتقر إلى سبب

( قال: وأما الطريقة التي يسلكها في كون الباري فاعلا بالاختيار فمن وجهين :

أحدهما: أنه لو كان موجبا بالذات وجب أن لا ينفك عنه العالم فيلزم إما قدم العالم وإما حدوث الباري تعالى

الثاني: أنه لو كان موجبا بالذات لما حصل تغير في العالم لأنه يلزم من دوامه دوام معلوله وإلا كان ترجيحا بلا مرجح ويلزم من دوام معلوله دوام معلول معلوله وهكذا إلى أن يلزم دوام جميع المعلولات )

قال الأبهري: ( الاعتراض: أما الوجه الأول فلا نسلم أن القدم منتف وأما الحجة التي ذكرها فقد مر ضعفها وأما الثاني فلا نسلم أنه لو كان موجبا بالذات للزم دوام معلولاته وإنما يلزم ذلك أن لو كان جميع معلولاته قابلة للدوام وهذا لأن من جملة معلولاته الحركة وهي غير قابلة للبقاء )

ولقائل أن يقول: اعتراض الأبهري هنا ضعيف

أما الأول فيقال: هب أن ما ذكره على انتفاء القدم ضعيف لكن لا يلزم من ضعف الدليل المعين انتفاء المدلول وأنت قد بينت ضعف دليل الفلاسفة على القدم وإذا كان القول بالموجب بالذات يستلزم قدم العالم ولا دليل لهم عليه كان قولهم أيضا لا دليل عليه

والأبهري قد ذكر في غير هذه الموضع ما احتج به على حدوث العالم ببيان انتفاء لازم القدم ولكن إن كان قصده بيان فساد ما ذكره الرازي ف الرازي ذكر وجهين وهب أن الأول ضعيف لكن الثاني قوي وهو قوله: ( لو كان موجبا بالذات ما حصل تغير في العالم )

وتحرير ذلك أن يقال: الموجب بالذات يراد به العلة التامة التي تستلزم معلولها ولو كانت شاعرة به ويراد ما يفعل بغير إرادة ولا شعور وإن كان فعله متراخيا ومن المعلوم أنه لم يقصد إفساد القسم الثاني وإنما قصد إفساد القسم الأول

فيقال: إذا كان الموجب علة تامة تستلزم معلولها كان معلولها لازما لها ومعلول معلولها لازما فيمتنع تأخر شيء من لوزمها ولوازم لوازمها فلا يكون هناك شيء محدث فلا يحصل في العالم تغير

وأما قول المعترض: ( إنما يلزم أن لو كان جميع معلولاته قابلة للقدم والحركة لا تقبله )

فيقال: هذا الاعتراض باطل لوجوه: أحدها: أنه إذا جاز أن تكون العلة التامة التي تستلزم معلولها لها معلول لا يقبل البقاء وهو الحركة والحوادث تحدث بسببه جاز أن يكون ذلك المعلول حوادث يقوم بها وتكون كل الأمور المباينة موقوفة على تعاقب تلك الحوادث كما قد ذكره الأبهري نفسه في الإرادات المتعاقبة وقال: ( يجوز أن يكون للباري إرادات حادثة وكل واحدة منها تستند إلى الأخرى ثم تنتهي في جانب النزول إلى إرادة تقتضي حدوث العالم فيلزم حدوثه وإذا كان هذا جائزا امتنع أن يكون موجبا بذاته بمعنى أنه يسلتزم أن يكون موجبا بذاته بمعنى أنه يستلزم موجباته بل يجوز مع هذا أن تتأخر عنه موجباته وعلى هذا فلا يكون العالم قديما وليس هذا هو الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي تكلم به الرازي وأراد به إفساد قول الفلاسفة الدهرية فإن الموجب بذاته في هذا الاصطلاح الذي بينه وبينهم هو العلة التامة التي تستلزم معلولها

الوجه الثاني: أن يقال: إن أردتم بالموجب بالذات ما يستلزم معلوله فالتغيرات التي في العالم تبطل كونه موجبا بهذا الاعتبار وإن أردتم بالموجب بالذات ما قد تكون مفعولاته أمرا لا يلزمه بل يحدث شيئا بعد شيء فحينئذ إذا وافقكم المنازعون على تسميته موجبا بالذات لم يكن في ذلك ما ينافي أن تكون مفعولاته تحدث شيئا بعد شيء ولا يمتنع أن تكون هذه الأفلاك من جملة الحوادث المتأخرة فبطل قولكم

الوجه الثالث: ذلك المعلول الذي لا يقبل الدوام كحركة الفلك: هل للباري موجب له بذاته بوسط أو بغير وسط أو أيجابه له موقوف على حادث آخر؟

فإن قيل بالأول لزم الحركات المتعاقبة وأن تكون قابلة للدوام وهو ممتنع

وإن قيل بالثاني قيل: فإيجابه لما تأخر من هذه الحركة: إما يكون موقوفا على شرط أو لا يكون فإن يكن موقوفا على شرط لزم تقدمه لتقدم الموجب الذي لا يقف تأثيره على شرط وهو ممتنع

وإن قيل: بل إيجابه للجزء الثاني مشروط بحدوث الجزء الأول وهلم جرا: كان معناه أن إيجابه لكل جزء مشروط بوجود جزء آخر وهو قبله: وهو علة تامة لشيء من تلك الأجزاء فيجب أن لا يحصل شيء منها لأن تلك الأجزاء متعاقبة أزلا وأبدا وما من وقت يفرض إلا وهو مشابه من الأوقات فليس هو في شيء من الأوقات علة تامة لشيء من الحوادث فيكون إحداثه لكل حادث مشروطا بحادث لم يحدثه والقول في ذلك الحادث الذي هو شرط كالقول في الحادث الذي هو مشروط فإذا لم يكن محدثا للأول فلا يكون محدثا للثاني فلا يكون محدثا لشيء من الحوادث على قولهم ( هو علة تامة ) وهو المطلوب

فإنه لو قال: ( لو كان موجبا بذاته لما حصل في العالم شيء من التغير ) وهذا يهدم قولهم فإنهم بين أمرين: إما أن يقولوا ليس بعلة تامة لمعولاته أو يقولوا: معلولاته مقارنة له فأما جمعهم بين كونه علة تامة في الأزل وبين كون المعلول يوجد شيئا فشيئا فجمع بين الضدين

فإن العلة التامة: هي التي تستلزم معولولها لا يتأخر عنها معلولها ولا يقف اقتضاؤها على غيرها وهم يقولون: إنه في كل وقت ليس علة تامة لما يحدثه فيه بل فعله مشروط بأمر متقدم وليس هو علة تامة لذلك الشرط المتقدم فلا يكون علة تامة لا للمتقدم من الحوادث ولا للمتأخر فلا بد للحوادث من مقتض آخر

وهذا لا يرد على من يقول: ( أحدث الحوادث بإرادات متعاقبة أو أفعال متعاقبة ) فإنه لا يقول: هو موجب بنفسه للممكنات ولا يقول: هو في الأزل علة تامة لها بل بقوله: ليس بعلة أصلا لشيء من مخلوقاته بل فعلها بمشيئته وقدرته إذ الفعل الثاني منه مشروط بالأول لأن الأفعال الحادثة لا تكون إلا متعاقبة وليس هو موجبا بذاته لشيء من تلك الأفعال ولا للمفعولات بها ولا يلزم من ذلك لا قدم شيء من الأفعال بعينه ولا قدم شيء من المفعولات بعينه: لا فلك ولا غيره والحوادث جميعها التي في العالم والتغيرات يحدثها شيئا بعد شيء بأفعاله الحادثة شيئا بعد شيء فكل يوم هو في شأن

بخلاف ما إذا قالوا: هو علة تامة مستلزمة لمعلولها وجعلوا من المعلولات ما لا يكون إلا شيئا فشيئا فإن هذا جميع بين المتنافيين يمنزلة من قال: معلوله مقارن له معلوله ليس مقارنا له

وإذا قالوا: هو موجب بنفسه للفلك وأجزاء العالم الأصلية وليس موجبا بنفسه للحوادث المتجددة بل أيجابه لها مشروط بما يكون قبلها من الحوادث

قيل: هذه حقيقة قولكم وحينئذ فلا يكون نفسه موجبا لشيء من الحوادث لا الأول ولا الثاني لا بوسط ولا بغير وسط وهو المطلوب فالقول بالموجب بالذات وحدوث المحدثات عنه بوسط وبغير وسط جمع بين النقيضين

ثم هذا القول يبطل قولكم بكونه موجبا للعالم بذاته لأنهم يقولون: إن العالم لا قيام له بدون الحركة وإنها صورته التي لو لا هي لبطل فإذا كان إيجابه للعالم بدون الحركة ممتنعا وإيجابه للحركة في الأزل ممتنعا: لم يكن موجبا لا للعالم ولا للحركة فإن المبدع المشروط بشرط يمتنع إبداعه بدون إبداع شرطه وإبداع شرطه ممتنع على أصلهم فإذن إبداعه ممتنع وهذا لأنهم جعلوا الباري ليس له فعل يقوم بذاته أصلا ولا يتجدد منه شيء ولا فيه شيء أصلا وعندهم أن ما كان كذلك لا يحدث عنه شيء أصلا

ثم قالوا: الحوادث كلها صادرة عنه لأن الحركة لم تزل ولا تزال صادرة عنه وكيف تصدر حركات لم تزل ولا تزال في أمور ممكنة عن شيء لا يحدث عنه ولا فيه شيء على أصلهم؟

ومما يوضح هذا أن قدماء هؤلاء الفلاسفة كأرسطو وأتباعه كانوا يقولون: إن الأول محرك للعالم حركة الشوق كتحريك المحبوب لمحبه والإمام المقتدى به للمؤتم المقتدي به وبهذا أثبتوه وجعلوه علة للعالم حيث قالوا: إن الفلك لا يقوم إلا بالحركة الإرادية والحركة الإرادية لا تتم إلا بالمراد المحبوب الذي يحرك المريد حركة اشتياق فالباري عندهم علة بهذا الاعتبار وهو بهذا الاعتبار لم يبدع الأفلاك ولا حركاتها لكن هو شرط في حصول حركتها

وعلى هذا القول فقد يقال: العالم قديم واجب بنفسه بل هم يصرحون بذلك والأول الذي هو المحبوب واجب قديم بنفسه كما يقول آخرون منهم: بل العالم واجب قديم بنفسه وليس هناك علة محبوبة محركة له بالشوق خارجة عن العالم

وإذا كان كذلك كانت الحركات حادثة في واجب بنفسه وإذ لزمهم كون الواجب بنفسه محلا للحوادث والحركات لم يكن معهم ما يبطلون به كون الأول كذلك وحينئذ فلا يكون لهم حجة على كونه موجبا بالذات وهم يعترفون بذلك وإنما نفوا عن الأول ذلك لكونه ليس جسما عند أرسطو وأتباعه ولا دليل لهم على ذلك إلا كون الجسم لا يمكن أن يكون فيه حركة غير متناهية بناء على أن الجسم متناه فيمتنع أن يتحرك حركة غير متناهية

هذه الحجة عمدتهم وهي مغلطية من أفسد الحجج فإنه فرق بين ما لا يتناهى في الزمان بل يحدث شيئا بعد شيء وبين ما لا يتناهى في المقدار والنزاع إنما هو في حركة الجسم دائما حركة لا تتناهى ليس هو كونه في نفسه ذا قدر لا تتناهى فأين هذا من هذا؟ وهذا مبسوط في موضع آخر

ويقال لهم: حدوث الحوادث عن فاعل لا يحدث فيه شيء: إما أن يكون ممكنا وإما أن يكون ممتنعا فإن كان ممكنا أمكن حدوث الحوادث جميعها عن الأول بدون حدوث شيء كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وغيرهم من المعتزلة والكلابية وغيرهم وإن كان ممتنعا بطل قولهم بحدوث الحوادث الدائمة عنه مع أنه لم يحدث فيه شيء وهذا أفسد

وإذا قالوا: أولئك خصصوا بعض الأوقات بالحدوث بدون سبب حادث من الفاعل

قيل: وأنتم جعلتم جميع الحوادث تحصل بدون سبب حادث من الفاعل

وإذا قلتم لهم: كيف يحدث بعد أن لم يكن محدثا بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟

قالوا لكم: فكيف تحدث الحوادث دائما بدون حدوث قصد ولا علم ولا قدرة؟ بل بدون وجود ذلك؟ وأنتم تقولون: يحدث للفلك تصورات وإرادات وهي سبب الحركات المتعاقبة فما السبب الموجب لحدوث تلك الحوادث ولم يحدث شيء أصلا يوجب حدوثها؟

ولو قال قائل: الإنسان دائما يتجدد له تصورات وإرادات وحركات بدون سبب حادث ولا يحدثها محدث أصلا ألم يكن ذلك ممتنعا؟

فإن قيل: بإحداثه للأول استعان على إحداث الثاني

قيل: فما الموجب لإحداثه الأول وهو لم يزل في إحداث إذا قدر أزليا لم يكن هناك أول بل لم يزل في إحداث

فإن قيل تلك الحوادث التي للإنسان صدرت عن العقل الفعال بدون سبب حادث

قيل: فالعقل الفعال دائم الفيض عندهم فلم خص هذه التصورات والإرادت والحركات بوقت دون وقت؟

قالوا: لعدم استعداد القوابل فإذا استعد الإنسان للفيض أفاض عليه واهب الصور

فإذا قيل لهم: فما الموجب لحدوث الاستعداد؟

قالوا: ما يحدث من الحركات الفلكية والامتزاجات العنصرية فلا يجعلون العقل الفعال هو الموجب لما يحدث من الاستعداد بل يحيلون ذلك على تحركيات خارجة عنه وعن إفاضته

فإن قالوا مثل هذا في الأول لزم أن يكون المحدث لشروط الفيض غيره وشبهوه بالفعال في كونه لا يفيض عنه إلا بعض الأشياء دون بعض لكن الفعال تحدث عنه الأشياء شيئا بعد شيء عندهم أما الأول فلا يحدث عنه شيء بل معلوله لازم له فهو أنقص رتبة في الإحداث عندهم من الفعال

وإن قالوا: بل هو المحدث للشروط شيئا فشيئا

قيل: أنتم قلتم في الفعال: ( إنه دائم الفيض لا يخص من تلقاء نفسه وقتا دون وقت بفيض ) فالأول إذا خص وقتا دون وقت من تلقاء نفسه بشيء لم يكن فياضا بل كان الفياض أجود منه وإن كان التخصيص من غير تلقاء نفسه كان ذلك لمشارك له في الفعل كما في الفياض

فهم بين أمرين: إما أن يجعلوه عاجزا عن الانفراد بالإحداث كالفعال بل أدنى منه وإما أن يجعلوه بخيلا لا فياضا فيكون الفعال أجود منه

وأيضا فإذا قالوا: إنه علة تامة وموجب تام لمعلوله وموجبه وفاعل تام في الأزل لمفعوله فجعلوا ما سواه معلوله ومفعوله وموجبه وإن كان ذلك بوسط كان هذا ممتنعا في صرائح العقول فإن الموجب التام والعلة التامة والتكوين التام إما أن يقول القائل: يجوز تراخي المكون عنه كما يقوله من يقوله من أهل الكلام وإما أن يقول: هو مستلزم به

فإن قيل بالأول أمكن تراخي المفعولات كلها وبطل قولهم بوجوب قدم شيء من العالم بل يمتنع قدم شيء من العالم لامتناع مقارنة الكون للمكون

وإن قيل بالثاني فلا يخلو: إما أن يقال: يجب اقتران مفعوله به في الزمان بحيث يكون معه لا يكون عقب تكوينه وإما أن يقال: بل كون الكائن إنما يكون عقب تكوين المكون

فإن قالوا بالأول كما يدعونه لزمهم أن لا يحدث في العالم شيء وهو خلاف الحس والمشاهدة

وإن قالوا بالثاني لزم أن يكون كل معلول له مسبوقا بغيره زمانيا فلا يكون شيء من العالم قديما أزليا معه وهو المطلوب

وإذ كان أقتران المفعول بفاعله في الزمان ممتنعا على تقدير دعوى استلزامه له فاقترانه به على تقدير عدم وجوب الاستلزام أولى

فتبين أن يمتنع قدم شيء من العالم على كل تقدير وهذا بين لم تصوره تصورا تاما

ولكن وقع اللبس والضلال في هذا الباب من الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم من أهل الكلام لما ادعوا ما يمتنع في صريح العقل عند هؤلاء - من كون المؤثر التام يتأخر عنه أثره والحوادث تحدث بسبب حادث - فر هؤلاء إلى أن جعلوا المؤثر يقترن به أثره ولا يحدث حادث إلا بسبب حادث ولم يحققوا واحدا من الأمرين بل كان قولهم اشد فسادا وتناقضا من قول أولئك المتكلمين

فإن كون المؤثر يستلزم أثره يراد به شيئان :

أحدهما: أن يكون الأثر المكون المفعول المصنوع مقرنا للمؤثر ولتأثيره في الزمن بحيث لا يتأخر عنه تأخرا زمانيا بوجه من الوجوه وهذا مما يعرف جمهور العقلاء بصريح العقل أنه باطل في كل شيء فليس معهم في العالم مؤثر تام يكون زمنه زمن أثره ويكون زمن حصول الأثر المفعول زمن حصول التأثير بل إنما يعقل التأثير أن يكون الأثر عقب المؤثر وإن كان متصلا به كأجزاء الزمان والحركة الحادثة شيئا بعد شيء وإن كان ذلك متصلا

أما كون الجزء الثاني من الزمان والحركة مقارنا للجزء الأول في الزمن فهذا مما يعلم فساده بصريح العقل وهذا معلوم في جميع المؤثرات الطبيعية والإرادية وما صار مؤثرا بالشرع وغير الشرع

فإذا قال الرجل لامرأته: أنت طالق ولعبده أنت حر فالطلاق والعتاق لا يقع مع التكلم بالتطليق والإعتاق وإنما يقع عقب ذلك وإذا قال: إذا طلقت فلانة ففلانة طالق لم تطلق الثانية إلا عقب طلاق الأولى لا مع تطليق الأولى في الزمان وهذا الذي عليه عامة العلماء قديما وحديثا ولكن شرذمة من المتأخرين الذين استزل هؤلاء عقولهم ظنوا أن الطلاق يكون مع التكلم في الزمان وهذا غلط عند عامة العلماء وكذلك إذا قال: إذا مت فأنت حر فالمدبر يعتق عقب موت سيده لا مع موت سيده

وهكذا في الأمور الحسية إذا قال: ( كسرت الإناء فانكسر ) و( قطعت الحبل فانقطع ) فانكسار المنفعل وانقطاعه يحصل عقب كسر الكاسر وقطع القاطع ولهذا إذا لم يكن المحل قابلا قيل: ( قطعته فلم ينقطع وكسرته فلم نكسر ) كما يقال: علمته فلم يتعلم ولفظ ( التعليم والقطع والكسر ) ونحو ذلك يراد به الفعل التام الذي يستلزم أثره فهذا كالعلة التامة التي تستلزم معلولها لا تقبل التخصيص ويراد به المقتضي الموجب المتوقف اقتضاؤه على شروط فهذا قد يتخلف عنه موجبه

ومن هذا الباب قوله تعالى: { هدى للمتقين } [ البقرة: 2 ] وقوله: { إنما أنت منذر من يخشاها } [ النازعات: 45 ] وقوله: { إنما تنذر من اتبع الذكر } [ يس: 11 ] فالمراد به الهدى التام المستلزم لحصول الاهتداء وهو المطلوب في قوله: { اهدنا الصراط المستقيم } وكذلك الإنذار التام المستلزم خشية المنذر وحذره مما أنذر به من العذاب وهذا بخلاف قوله: { وأما ثمود فهديناهم فاستحبوا العمى على الهدى } ( فصلت: 17 ) فالمراد به البيان والإرشاد المقتضى للاهتداء وإن كان موقوفا على شروط وله موانع

وهكذا إذا قيل: هو موجب بذاته أو علة بذاتة ونحو ذلك: إن أريد بذلك أنه موجب ما يوجبه من مفعولاته بمشيئته وقدرته في الوقت الذي شاء كونه فيه فهذا حق لا منافاة بين كونه موجبا وفاعلا بالاختيار على هذا التفسير

وإن أريد به أنه موجب بذات عرية عن الصفات أو موجب تام لمعلول مقارن له - وهذا قول هؤلاء - وكل من الأمرين باطل

فقد قامت الدلائل القينية على اتصافه بصفات الإثبات وقامت الدلائل اليقينية على امتناع كون الأثر مقارنا للمؤثر وتأثيره في الزمان ولو كان فاعلا بدون مشيئته وقدرته كالمؤثرات الطبيعية فكيف في الفاعل بمشيئته وقدرته؟ فإن هذا مما يظهر للعقلاء امتناع أن يكون شيء من مقدوراته قديما أزليا لم يزل ولا يزال

فمن تصور هذه الأمور تصورا تاما علم بالاضطرار أنه يمتنع أن يكون في العالم شيئ قديم وهو المطلوب

فإن قال قائل: المنازعون لنا الذين يقولون: لم يزل متكلما إذا شاء أو لم يزل فاعلا إذا شاء أو لم تزل الإرادات والكلمات تقوم بذاته شيئا بعد شيء ونحو ذلك وهم يقولون بحدوث الحوادث في ذاته شيئا بعد شيء فنحن نقول بحدوث الحوادث المنفصلة عنه شيئا بعد شيء: إما حدوث تصورات وإرادات في النفس الفلكية وإما حصول حركات الفلك المتعاقبة فلم كان قولنا ممتنعا وقولهم ممكنا؟

قيل لهم: أنتم قلتم: إنه مؤثر تام أو علة تامة في الأزل فلزمكم أن لا يتأخروا عنه شيء من آثاره سواء كانت صادرة بوسط أو بغير وسط

فإذا قلتم: صدر عنه عقل - مثلا - والعقل أوجب نفسا فلكية وفلكا أو ما قلتم

قيل لكم: المعلول الأول إن كان تاما من كل وجه لا يمكن أن يحدث فيه شيء - فهو أزلي - كان معلوله العقل معه أزليا فإن العقل حينئذ يكون علة تامة في الأزل فيلزم أن يكون معلوله معه أزليا وهكذا معلول المعلول هلم جرا

وإذا قلتم: الحركة لا تقبل البقاء

قيل لكم: فيمتنع أن يكون لها موجب تام في الأزل بل يكون الموجب لها غير تام في الأزل بل صار موجبا وحدوثه كونه موجبا يمتنع أن يتوقف على أثر غيره إذ ليس هناك موجب غيره ويمتنع أن يحدث تمام إيجابه منه لأنه علة تامة يجب اقتران معلولها بها في الأزل فذلك التمام: إن كان قديما لزم كون معلول المعلول قديما وهلم جرا وإن كان حادثا حدث عن العلة التامة الأزلية حادث بدون سبب حادث وهذا ينقض قولهم بامتناع حادث بلا سبب

فأنتم بين أمرين أيهما قلتموه بطل قولكم: إن قلتم ( أنه علة تامة في الأزل ) لزم أن لا يتأخر عنه معلوله وإن قلتم ( ليس بعلة تامة ) لزم أن يحدث تمام كونه علة بدون سبب حادث فيلزمكم جواز حدوث الحوادث بلا سبب وأيهما كان بطل قولكم فإنه إذا بطل كونه علة تامة في الأزل امتنع قدم شيء من العالم وإن جاز حدوث الحوادث بلا سبب حادث بطلت حجتكم وجاز حدوث كل ما سواه

وإذا قلتم: هو علة تامة للفلك دون حركاته

قيل لكم: هو علة للفلك ولحركاته المتعاقبة شيئا بعد شيء فهل كان علة تامة لهذه الحركات في الأزل أم حدث تمام كونه علة لها شيئا بعد شيء؟

فإن قلتم: هو علة تامة في الأزل لزمكم إما مقارنتها كلها له في الأزل وإما تخلف المعلول عن علته التامة وكلاهما يبطل قولكم

وإن قلتم: حدث تمام كونه علة لحركة حركة منها

قيل لكم: فحدوث التمام قد حدث عندكم بدون سبب حادث وذلك يستلزم حدوث الحوادث بلا سبب وهذا أمر بين لمن تصوره تصورا تاما ليس لهم حيلة في دفعه

وأما الذين يقولون: ( إنه لم يزل متكلما إذا شاء أو فاعلا بمشيئته وإنه يقوم به إرادة أو كلمات متعاقبة شيئا بعد شيء ) فهؤلاء لا يجعلونه في الأزل قط علة تامة ولا موجبا تاما ولا يقولون: إن فاعلية شيء من المفعولات يتم في الأزل بل عندهم كون الشيء مفعولا ومصنوعا مع كونه أزليا جمع بين النقيضين وإذا امتنع كون المفعول الذي هو أثر المكون أزليا امتنع كون تأثيره وتكوينه المستلزم له قديما أزليا فأمتنع أن يكون علة تامة في الأزل لشيء من الأشياء ولكن ذاته تستلزم بما يقوم بها من الأفعال شيئا بعد شيء وكلما تم فاعلية مفعول وجد ذلك المفعول وجد ذلك المفعول كما قال تعالى: { إنما أمره إذا أراد شيئا أن يقول له كن فيكون } ( يس: 82 ) فكلما كون الشيء كونه فحصل المكون عقب تكوينه وهكذا الأمر دائما فكل ما سواه مخلوق حادث بعد أن لم يكن وتمام تكوينه وتخليقه لم يكن موجودا في الأزل بل إنما تم تخليقه وتكوينه بعدئذ وعند تمام التكوين والتخليق حصل المكون المخلوق عقب التكوين والتخليق لا مع ذلك في الزمان فأين هذا القول من قولكم؟

دلالة السمع على أفعال الله تعالى[عدل]

ونحن ننبه عى دلالة السمع على أفعال اله تعالى الذي به تنقطع الفلاسفة الدهرية ويتبين به مطابقة العقل للشرع

ولا ريب أن دلالة ظاهر السمع ليس فيها نزاع لكن الذين يخالفون دلالته يدعون أنها دلالة ظاهرة لا قاطعة والدلالة العقلية القاطعة خالفتها فأصل الدلالة متفق عليه فنقول :

معلوم بالسمع اتصاف الله تعالى بالأفعال الاختيارية القائمة به كالاستواء إلى السماء والاستواء على العرش والقبض والطي والإتيان والمجيء والنزول ونحو ذلك بل والخلق والإحياء والإماتة فإن الله تعالى وصف نفسه بالإفعال اللازمة كالاستواء وبالأفعال المتعدية كالخلق والفعل المتعدي مستلزم للفعل اللازم فإن الفعل لا بد له من فاعل سواء كان متعديا إلى مفعول أو لم يكن والفاعل لا بد له من فعل سواء كان فعله مقتصرا عليه أم متعديا إلى غيره والفعل المتعدي إلى غيره لا يتعدى حتى يقوم بفاعله إذ كان لا بد له من الفاعل وهذا معلوم سمعا وعقلا

أما السمع فإن أهل اللغة العربية التي نزل بها القرآن بل وغيرها من اللغات متفقون على أن الإنسان إذا قال: ( قام فلان وقعد ) وقال: ( أكل فلان الطعام وشرب الشراب ) فإنه لا بد أن يكون في الفعل المتعدي إلى المفعول به ما في الفعل اللازم وزيادة إذ كلتا الجملتين فعلية وكلاهما فيه فعل وفاعل والثانية امتازت بزيادة المفعول فكما أنه في الفعل اللازم معنا فعل وفاعل ففي الجملة المتعدية معنا أيضا فعل وفاعل وزيادة مفعول به

ولو قال قائل: الجملة الثانية ليس فيها فعل قائم بالفاعل كما في الجملة الأولى بل الفعل الذي هو ( أكل ) و( شرب ) نصب المفعول - من غير تعلق بالفاعل أولا - لكان كلامه معلوم الفساد بل يقال: هذا الفعل تعلق بالفاعل أولا كتعلق ( قام وقعد ) ثم تعدى إلى المفعول ففيه ما في الفعل اللازم وزيادة التعدي وهذا واضح لا يتنازع فيه اثنان من أهل اللسان

فقوله تعالى: { هو الذي خلق السماوات والأرض في ستة أيام ثم استوى على العرش } ( الحديد: 4 ) تضمن فعلين: أولهما متعد إلى المفعول به والثاني مقتصر لا يتعدى فإذا كان الثاني - وهو قوله تعالى: { ثم استوى } - فعلا متعلقا بالفاعل فقوله ( خلق ) كذلك بلا نزاع بين أهل العربية

ولو قال قائل: ( خلق ) لم يتعلق بالفاعل بل نصب المفعول به ابتداء لكان جاهلا بل في ( خلق ) ضمير يعود إلى الفاعل كما في ( استوى )

وأما من جهة العقل: فمن جوز ان يقوم بذات الله تعالى فعل لازم به كالمجيء والاستواء ونحو ذلك لم يمكنه أن يمنع قيام فعل يتعلق بالمخلوق كالخلق والبعث والإماتة والإحياء كما أن من جوز أن تقوم به صفة لا تتعلق بالغير كالحياة لم يمكنه أن يمنع قيام الصفات المتعلقة بالغير كالعلم والقدرة والسمع والبصر ولهذا لم يقل أحد من العقلاء بإثبات أحد الضربين دون الآخر بل قد يثبت الأفعال المتعدية القائمة به كالتخليق من ينازع في الأفعال اللازمة كالمجيء والإتيان وأما العكس فما علمت به قائلا

وإذا كان كذلك كان حدوث ما يحدثه الله تعالى من المخلوقات تابعا لما يفعله من أفعاله الاختيارية القائمة بنفسه وهذه سبب الحدوث والله تعالى حي قيوم لم يزل موصوفا بأنه يتكلم بما يشاء فعال لما يشاء وهذا قد قاله العلماء الأكابر من أهل السنة والحديث ونقلوه عن السلف والأئمة وهو قول طوائف كثيرة من أهل الكلام والفلسفة المتقدمين والمتأخرين بل هو قول جمهور المتقدمين من الفلاسفة

وعلى هذا فيزول الإشكال ويكون إثبات خلق السماوات والأرض إنما يتم بما جاء به الشرع ولا يمكن القول بحدوث العالم على أصل نفاة الأفعال الذين يزعمون أن العقل قد دل على نفيها ويقدمون هذا الذي هو عندهم دليل عقلي على ما جاء به الكتاب والسنة والعقل عند التحقيق يبطل هذا القول ويوافق الشرع فإنه إذا تبين أن القول بنفيها يمتنع معه القول بحدوث شيء من الحوادث: لا العالم ولا غيره والحوادث مشهودة كان العقل قد دل على صحة ما جاء به الشرع في ذلك والله سبحانه موصوف بصفات الكمال منزه عن النقائص وكل كمال وصف به المخلوق من غير استلزامه لنقص فالخالق أحق به وكل نقص نزه عنه المخلوق فالخالق أحق بأن ينزه عنه والفعل صفة كمال لا صفة نقص كالكلام والقدرة وعدم الفعل صفة نقص كعدم الكلام وعدم القدرة فدل العقل على صحة ما دل عليه الشرع وهو المطلوب

وكان الناس قبل أبي محمد بن كلاب صنفين فأهل السنة والجماعة يثبتون ما يقوم بالله تعالى من الصفات والأفعال التي يشاؤها ويقدر عليها والجهمية من المعتزلة وغيرهم تنكر هذا وهذا فأثبت ابن كلاب قيام الصفات اللازمة به ونفى أن يقوم به ما يتعلق بمشيئته وقدرته من الأفعال وغيرها ووافقه على ذلك أبو العباس القلانسي وأبو الحسن الأشهري وغيرهما وأما الحارث المحاسبي فكان ينتسب إلى قول ابن كلاب ولهذا أمر أحمد بهجره وكان أحمد يحذر عن ابن كلاب وأتباعه ثم قيل عن الحارث: إنه رجع عن قوله

وقد ذكر الحارث في كتاب فهم القرآن عن أهل السنة في هذه المسألة قولين ورجح قول ابن كلاب وذكر ذلك في قول الله تعالى: { وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون } [ التوبة: 105 ] وأمثال ذلك وأئمة السنة والحديث على إثبات النوعين وهو الذي ذكره عنهم من نقل مذهبهم كـ حرب الكرماني وعثمان بن سعيد الدارمي وغيرهما بل صرح هؤلاء بلفظ الحركة وأن ذلك هو مذهب أئمة السنة والحديث من المتقدمين والمتأخرين وذكر حرب الكرماني أنه قول من لقيه من أئمة السنة ك أحمد بن حنبل وإسحاق بن راهويه وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد ين منصور وقال عثمان بن سعيد وغيره: إن الحركة من لوازم الحياة فكل حي متحرك وجعلوا نفي هذا من أقوال الجهمية نفاة الصفات الذين اتفق السلف والأئمة على تضليلهم وتبديعهم

وطائفة أخرى من السلفية ك نعيم بن حماد الخزاعي والبخاري صاحب الصحيح وأبي بكر بن خزيمة وغيرهم كـ أبي عمر بن عبد البر وأمثاله: يثبتون المعنى الذي يثبته هؤلاء ويسمون ذلك فعلا ونحوه ومن هؤلاء من يمتنع عن إطلاق لفظ الحركة لكونه غير مأثور

وأصحاب أحمد منهم من يوافق هؤلاء ك أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأمثالهما ومنهم من يوافق الأولين ك أبي عبد الله بن حامد وأمثاله ومنهم طائفة ثالثة - كالتميميين وابن الزاغوني غيرهم - يوافقون النفاة من أصحاب ابن كلاب وأمثالهم

ولما كان الإثبات هو المعروف عند أهل السنة والحديث ك البخاري وأبي زرعة وأبي حاتم ومحمد بن يحيى الذهلي وغيرهم من العلماء الذين أدركهم الإمام محمد بن إسحاق بن خزيمة كان المستقر عنده ما تلقاه عن أئمته: من أن الله تعالى لم يزل متكلما إذا شاء وأنه يتكلم بالكلام الواحد مرة بعد مرة وكان له أصحاب ك أبي علي الثقفي وغيره تلقوا طريقة ابن كلاب فقام بعض المعتزلة وألقى إلى ابن خزيمة سر قول هؤلاء وهو أن الله لا يوصف بأنه يقدر على الكلام إذا شاء ولا يتعلق ذلك بمشيئته فوقع بين ابن خزيمة وغيره وبينهم في ذلك نزاع حتى أظهروا موافقتهم له فيما لا نزاع فيه وأمر ولاة الأمر بتأديبهم لمخالفتهم له وصار الناس حزبين فالجمهور من أهل السنة وأهل الحديث معه ومن وافق طريقة ابن كلاب معه حتى صار بعده علماء نيسابور وغيرهم حزبين ف الحاكم أبو عبد الله وأبو عبد الرحمن السلمي وأبو عثمان النيسابوري وغيرهم معه وكذلك يحيى بن عمار السجستاني وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي وشيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري وأبو القاسم سعد بن علي الزنجاني وغيرهم معه وأما أبو ذر الهروي وأبو بكر البيهقي وطائفة أخرى فهم مع ابن كلاب

وكذلك النزاع كان بين طوائف الفقهاء والصوفية والمفسرين وأهل الكلام والفلسفة وهذه المسألة كانت المعتزلة تلقبها بمسألة ( حلول الحوادث ) وكانت المعتزلة تقول: إن الله منزه عن الأعراض والأبعاض والحوادث والحدود ومقصودهم نفي الصفات ونفي الأفعال ونفي مباينته للخلق وعلوه على العرش وكانوا يعبرون عن مذاهب أهل الإثبات أهل السنة بالعبادات المجملة التي تشعر الناس بفساد المذهب فإنهم إذا قالوا ( إن الله منزه عن الأعراض ) لم يكن في ظاهر هذه العبارة ما ينكر لأن الناس يفهمون من ذلك أنه منزه عن الاستحالة والفساد كالأعراض التي تعرض لبني آدم من الأمراض والأسقام ولا ريب أن الله منزه عن ذلك ولكن مقصودهم أنه ليس له علم ولا قدرة ولا حياة ولا كلام قائم به ولا غير ذلك من الصفات التي يسمونها هم أعراضا

وكذلك إذا قالوا: ( إن الله منزه عن الحدود والأحياز والجهات ) أوهموا الناس أن مقصودهم بذلك أنه لا تحصره المخلوقات ولا تحوزه المصنوعات وهذا المعنىصحيح ومقصودهم: أنه ليس مباينا للخلق ولا منفصلا عنه وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله وأن محمدا لم يعرج به إليه ولم ينزل منه شيء ولا يصعد إليه شيء ولا يتقرب إليه شيء ولا يتقرب إلى شيء ولا ترفع إليه الأيدي في الدعاء ولا غيره ونحو ذلك من معاني الجهمية

وإذا قالوا: ( إنه ليس بجسم ) أوهموا الناس أنه ليس من جنس المخلوقات ولا مثل أبدان الخلق وهذا المعنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك أنه لا يرى ولا يتكلم بنفسه ولا يقوم به صفة ولا هو مباين للخلق وأمثال ذلك

وإذا قالوا: ( لا تحله الحوادث ) أوهموا الناس أن مرادهم أنه لا يكون محلا للتغيرات والاستحالات ونحو ذلك من الأحداث التي تحدث للمخلوقين فتحيلهم وتفسدهم وهذا معنى صحيح ولكن مقصودهم بذلك أنه ليس له فعل اختياري يقوم بنفسه ولا له كلام ولا فعل يقوم به يتعلق بمشيئته وقدرته وأنه لا يقدر على استواء أو نزول أو إتيان أو مجيء وأن المخلوقات التي خلقها لم يكن منه عند خلقها فعل أصلا بل عين المخلوقات هي الفعل ليس هناك فعل ومفعول وخلق ومخلوق بل المخلوق عين الخلق والمفعول عين الفعل ونحو ذلك

وابن كلاب ومن اتبعه وافقوهم على هذا وخالفوهم في إثبات الصفات وكان ابن كلاب والحارث المحاسبي وأبو العباس القلانسي وغيرهم يثبتون مباينة الخالق للمخلوق وعلوه بنفسه فوق المخلوقات وكان ابن كلاب وأتباعه يقولون: إن العلو على المخلوقات صفة عقلية تعلم بالعقل وأما استواؤه على العرش فهو من الصفات السمعية الخبرية التي لا تعلم إلا بالخبر وكذلك الأشعري يثبت الصفات بالشرع تارة وبالعقل أخرى ولهذا يثبت العلو ونحوه مما تنفيه المعتزلة وثبت الاستواء على العرش ويرد على من تأوله بالاستيلاء ونحوه مما لا يختص بالعرش بخلاف أتباع صاحب الإرشاد فإنهم سلكوا طريقة المعتزلة فلم يثبتوا الصفات إلا بالعقل وكان الأشعري وأئمة أصحابه يقولون: إنهم يحتجون بالعقل لما عرف ثبوته بالسمع فالشرع هو الذي يعتمد عليه في أصول الدين والعقل عاضد له معاون

فصار هؤلاء يسلكون ما يسلكه من سلكه من أهل الكلام المعتزلة ونحوهم فيقولون: إن الشرع لا يعتمد عليه فيما وصف الله به وما لا يوصف وإنما يعتمد في ذلك عندهم على عقلهم ثم ما لم يثبته إما أن ينفوه وإما أن يقفوا فيه

ومن هنا طمع فيهم المعتزلة وطمعت الفلاسفة في الطائفتين بإعراض قلوبهم عما جاء به الرسول وعن طلب الهدى من جهته وجعل هؤلاء يعارضون بين العقل والشرع كفعل المعتزلة والفلاسفة ولم يكن الأشعري وأئمة أصحابه على هذا بل كانوا موافقين لسائر أهل السنة في وجوب تصديق ماء جاء به الشرع مطلقا والقدح فيما يعارضه ولم يكونوا يقولون: ( إنه لا يرجح إلى السمع في الصفات ) ولا يقولون: ( الأدلة السمعية لا تفيد اليقين ) بل كل هذا مما أحدثه المتأخرون الذين مالوا إلى الاعتزال والفلسفة من أتباعهم وذلك لأن الأشعري صرح بأن تصديق الرسول ﷺ ليس موقوفا على دليل الأعراض وأن الاستدلال به على حدوث العالم من البدع المحرمة في دين الرسل وكذلك غيره ممن يوافقه على نفي الأفعال القائمة به قد يقول: إن هذا الدليل دليل الأعراض صحيح لكن الاستدلال به بدعة ولا حاجة إليه فهؤلاء لا يقولون: إن دلالة السمع موقوفة عليه لكن المعتزلة القائلون بأن دلالة السمع موقوفة على صحته صرحوا بأنه لا يستدل بأقوال الرسول على ما يجب ويمتنع من الصفات بل ولا الأفعال وصرحوا بأنه لا يجوز الاحتجاج على ذلك بالكتاب والسنة وإن وافق العقل فكيف إذا خالفه؟

وهذه الطريقة هي التي سلكها من وافق المعتزلة في ذلك كصاحب الإرشاد وأتباعه وهؤلاء يردون دلالة الكتاب والسنة تارة يصرحون بأنا وإن علمنا مراد الرسول فليس قوله مما يجوز أن يحتج به في مسائل الصفات لأن قوله إنما يدل بعد ثبوت صدقه الموقوف على مسائل الصفات وتارة يقولون: إنما لم يدل لأنا لا نعلم مراده لتطرق الاحتمالات إلى الأدلة السمعية وتارة يطعنون في الأخبار

فهذه الطرق الثلاث التي وافقوا فيها الجهمية ونحوهم من المبتدعة: أسقطوا بها حرمة الكتاب والرسول عندهم وحرمة الصحابة والتابعين لهم بإحسان حتى يقولون: إنهم لم يحققوا أصول الدين كما حققناها وربما اعتذروا عنهم بأنهم كانوا مشتغلين بالجهاد ولهم من جنس هذا الكلام الذي يوافقون به الرافضة ونحوهم من أهل البدع ويخالفون به الكتاب والسنة والإجماع مما ليس هذا موضع بسطه وإنما نبهنا على أصول دينهم وحقائق أقوالهم وغايتهم أنهم يدعون في أصول الدين المخالفة للكتاب والسنة: المعقول والكلام وكلامهم فيه من التناقض والفساد ما ضارعوا به أهل الإلحاد فهم من جنس الرافضة: لا عقل صريح ولا نقل صحيح بل منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات وهذا منتهى كل مبتدع خالف شيئا من الكتاب والسنة حتى في المسائل العملية والقضايا الفقهية

ومع ذلك فهم لا يحتاجون من العقليات في أصول الدين إلى ما يحتاج إليه المعتزلة فإن المعتزلة يزعمون أن النبوة لا تتم إلا بقولهم في التوحيد والعدل فيجعلون التكذيب بالقدر من أصولهم العقلية وكذلك نفي الصفات وأما هؤلاء فالمشهور عندهم أنه إذا رؤيت المعجزة المعتبرة علم بالضرورة أنه تصديق للرسول وإثبات الصانع أيضا معلوم بالضرورة أو بمقدمات ضرورية فالعقليات التي يعلم بها صحة السمع مقدمات قليلة ضرورية بخلاف المعتزلة فإنهم طولوا المقدمات وجعلوها نظرية فهم خير من المعتزلة في أصول الدين من وجوه كثيرة وإن كان المعتزلة خيرا منهم من بعض الوجوه

وأبو الحسن الأشعري لما رجع عن مذهب المعتزلة سلك طريقة ابن كلاب ومال إلى أهل السنة والحديث وانتسب إلى الإمام أحمد كما قد ذكر ذلك في كتبه كلها ك الإبانة والموجز والمقالات وغيرها وكان مختلطا بأهل السنة والحديث كاختلاط المتكلم بهم بمنزلة ابن عقيل عند متأخريهم لكن الأشعري وأئمة أصحابه أتبع لأصول الإمام أحمد وأمثاله من أئمة السنة من مثل ابن عقيل في كثير من أحواله وممن اتبع ابن عقيل ك أبي الفرج ابن الجوزي في كثير من كتبه وكان القدماء من أصحاب أحمد ك أبي بكر عبد العزيز وأبي الحسن التميمي وأمثالهما يذكرونه في كتبهم على طريق ذكر الموافق للسنة في الجملة ويذكرون ماذكره من تناقض المعتزلة وكان بين التميميين وبين القاضي أبي بكر وأمثاله من الأئتلاف والتواصل ما هو معروف وكان القاضي أبو بكر يكتب أحيانا في أجوبته في المسائل محمد بن الطيب الحنبلي ويكتب أيضا الأشعري ولهذا توجد أقوال التميميين مقاربة لأقواله وأقوال أمثاله المتبعين لطريقة ابن كلاب وعلى العقيدة التي صفنها أبو الفضل التميمي اعتمد أبو بكر البيهقي في الكتاب الذي صنفه في مناقب الإمام أحمد لما أراد أن يذكر عقيدته وهذا بخلاف أبي بكر عبد العزيز وأبي عبد الله بن بطة وأبي عبد الله بن حامد وأمثالهم فإنهم مخالفون لأصل قول الكلابية

والأشعري وأئمة أصحابه ك أبي الحسن الطبري وأبي عبد الله بن مجاهد الباهلي والقاضي أبي بكر متفقون على إثبات الصفات الخبرية التي ذكرت في القرآن كالاستواء والوجه واليد وإبطال تأويلها وليس له في ذلك قولان أصلا ولم يذكر أحد عن الأشعري في ذلك قولين أصلا بل جميع من يحكي المقالات من أتباعه وغيرهم يذكر أن ذلك قوله ولكن لأتباعه في ذلك قولان

وأول من اشتهر عنه نفيها أبو المعالي الجويني فإنه نفى الصفات الخبرية وله في تأويلها ففي الإرشاد أولها ثم إنه في ( الرسالة النظامية ) رجع عن ذلك وحرم التأويل

وبين إجماع السلف على تحريم التأويل واستدل بإجماعهم على أن التأويل محرم ليس بواجب ولا جائز فصار من سلك طريقته ينفي الصفات الخبرية ولهم في التأويل قولان وأما الأشعري وأئمة أصحابه فإنهم مثبتون لها يردون على من ينفيها أو يقف فيها فضلا عمن يتأولها

أقوال السلف في الأفعال الاختيارية بالله تعالى[عدل]

وأما مسألة قيام الأفعال الاختيارية به: فإن ابن كلاب والأشعري وغيرهما ينفونها وعلى ذلك بنوا قولهم في مسألة القرآن وبسبب ذلك وغيره تكلم الناس فيهم في هذا الباب بما هو معروف في كتب أهل العلم ونسبوهم إلى البدعة وبقايا بعض الاعتزال فيهم وشاع النزاع في ذلك بين عامة المنتسبين إلى السنة من أصحاب أحمد وغيرهم وقد ذكر أبو بكر عبد العزيز في كتاب الشافعي عن أصحاب أحمد في معنى أن القرآن غير مخلوق قولين مبنيين على هذا الأصل :

أحدهما: أنه قديم لا يتعلق بمشيئته وقدرته

والثاني: أنه لم يزل متكلما إذا شاء

وكذلك ذكر أبو عبد الله بن حامد قولين وممن كان يوافق على نفي ما يقوم به من الأمور المتعلقة بمشيئته وقدرته - كقول ابن كلاب - أبو الحسن التميمي وأتباعه والقاضي أبو يعلى وأتباعه ك ابن عقيل وأبي الحسن بن الزاغوني وأمثالهم وإن كان في كلام القاضي ما يوافق هذه تارة وهذا تارة وممن كان يخالفهم في ذلك أبو عبد الله بن حامد وأبو بكر عبد العزيز وأبو عبد الله بن بطة وأبو عبد الله بن منده وأبو نصر السجزي ويحيى بن عمار السجستاني وأبو إسماعيل الأنصاري وأمثالهم

والنزاع في هذا الأصل بين أصحاب مالك وبين أصحاب الشافعي وبين أصحاب أبي حنيفة وبين أهل الظاهر أيضا فداود بن علي صاحب المذهب وأئمتهم على إثبات ذلك وأبو محمد بن حزم على المبالغة في إنكار ذلك وكذلك أهل الكلام فالهشامية والكرامية على إثبات ذلك والمعتزلة على نفي ذلك وقد ذكر الأشعري في المقالات عن أبي معاذ التومني وزهير الأثري وغيرهما إثبات ذلك وكذلك المتفلسفة فحكوا عن أساطينهم - الذين كانوا قبل أرسطو أنهم كانوا يثبتون ذلك وهو قول أبي البركات صاحب المعتبر وغيره من متأخريهم وأما أرسطو وأتباعه - كالفارابي وابن سينا - فينفون ذلك وقد ذكر أبو عبد الله الرازي عن بعضهم أن إثبات ذلك يلزم جميع الطوائف وإن أنكروه وقرر ذلك

وكلام السلف والأئمة ومن نقل مذهبهم في هذا الأصل كثير يوجد في كتب التفسير والأصول

قال إسحاق بن راهويه: حدثنا بشر بن عمر: سمعت غير واحد من المفسرين يقول: الرحمن على العرش استوى: أي ارتفع

وقال البخاري في صحيحه: ( قال أبو العالية استوى إلى السماء: ارتفع ) قال: ( وقال مجاهد: استوى: علا على العرش )

وقال الحسين بن مسعود البغوي في تفسيره المشهور: ( وقال ابن عباس وأكثر مفسري السلف: ( استوى إلى السماء: ارتفع إلى السماء ) وكذلك قال الخليل بن أحمد

وروى البيهقي في كتاب الصفات قال: ( قال الفراء: ثم استوى أي صعد قاله ابن عباس وهو كقولك للرجل: كان قاعدا فاستوى قائما )

وروى الشافعي في مسنده عن أنس رضي الله عنه [ أن النبي ﷺ قال عن يوم الجمعة: وهو اليوم الذي استوى فيه ربكم على العرش ]

والتفاسير المأثورة عن النبي ﷺ والصحابة والتابعين مثل تفسير محمد بن جرير الطبري وتفسير عبد الرحمن بن إبراهيم المعروف بدحيم وتفسير عبد الرحمن بن أبي حاتم وتفسير أبي بكر بن المنذر وتفسير أبي بكر عبد العزيز وتفسير أبي الشيخ الأصبهاني وتفسير أبي بكر بن مردويه وما قبل هؤلاء التفاسير مثل تفسير أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم وبقي بن مخلد وغيرهم ومن قبلهم مثل تفسير عبد بن حميد وتفسير سنيد وتفسير عبد الرازق ووكيع بن الجراح فيها من هذا الباب الموافق لقول المثبتين مالا يكاد يحصى وكذلك الكتب المصنفة في السنة التي فيها آثار النبي ﷺ والصحابة التابعين

وقال أبو محمد حرب بن إسماعيل الكرماني في مسائله المعروفة التي نقلها عن أحمد وإسحاق وغيرهما وذكر معها من الآثار عن النبي صلى الله عيه وسلم والصحابة وغيرهم ما ذكر وهو كتاب كبير صنفه على طريقة الموطأ ونحوه من المصنفات قال في آخره في الجامع: ( باب القول في المذهب: هذا مذهب أئمة العلم وأصحاب الأثر وأهل السنة المعروفين بها المقتدى بهم فيها وأدركت من أدركت من علماء أهل العراق والحجاز والشام وغيرهم عليها فمن خالف شيئا من هذه المذاهب أو طعن فيها أو عاب قائلها فهو مبتدع خارج عن الجماعة زائل عن منهج السنة وسبيل الحق وهو مذهب أحمد وإسحاق بن إبراهيم بن مخلد وعبد الله بن الزبير الحميدي وسعيد بن منصور وغيرهم ممن جالسنا وأخذنا عنهم العلم ) وذكر الكلام في الإيمان والقدر والوعيد والإمامة وما أخبر به الرسول من أشراط الساعة وأمر البرزخ والقيامة وغير ذلك - إلى أن قال: ( وهو سبحانه بائن من خلقه لا يخلو من علمه مكان ولله عرش وللعرش حملة يحملونه وله حد والله أعلم بحده والله على عرشه عز ذكره وتعالى جده ولا إله غيره والله تعالى سميع لا يشك بصير لا يرتاب عليم لا يجهل جواد لا يبخل حليم لا يعجل حفيظ لا ينسى يقظان لا يسهو رقيب لا يغفل يتكلم ويتحرك ويسمع ويبصر وينظر ويقبض ويبسط ويفرح ويحب ويكره ويبغض ويرضى ويسخط ويغضب ويرحم ويغفو ويغفر ويعطي ويمنع وينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا كيف شاء وكما شاء ليس كمثله شيء وهو السميع البصير ) - إلى أن قال: ( ولم يزل الله متكلما عالما فتبارك الله أحسن الخالقين )

وقال الفقيه الحافظ أبو بكر الأثرم في كتاب السنة وقد نقله عنه الخلال في السنة: ( حدثنا إبراهيم بن الحارث - يعني العبادي - حدثني الليث بن يحيى سمعت إبراهيم بن الأشعث قال أبو بكر - هو صاحب الفضيل - سمعت الفضيل بن عياض: يقول: ( ليس لنا أن نتوهم في الله كيف وكيف لأن الله وصف نفسه فأبلغ فقال: { قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد * ولم يكن له كفوا أحد } ( الإخلاص ) فلا صفة أبلغ مما وصف الله عز وجل به نفسه وكل هذا النزول والضحك وهذه المباهاة وهذا الاطلاع كما شاء أن ينزل وكما شاء أن يباهي وكما شاء أن يطلع وكما شاء أن يضحك فليس لنا أن نتوهم أن كيف وكيف وإذا قال لك الجهمي: أنا أكفر برب يزول عن مكانه فقل أنت: أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء )

وقد ذكر هذا الكلام الأخير عن الفضيل بن عياض البخاري في كتاب خلق الأفعال هو وغيره من أئمة السنة وتلقوه بالقبول

وقال البخاري: ( وقال الفضيل بن عياض: إذا قال لك الجهمي ( أنا كافر برب يزول عن مكانه ) فقل: ( أنا أؤمن برب يفعل ما يشاء )

قال البخاري: ( وحدث يزيد بن هارون عن الجهمية فقال: ( من زعم أن الرحمن على العرش استوى على خلاف ما تقرر في قلوب العامة فهو جهمي )

كلام الخلال في كتاب السنة[عدل]

وقال الخلال في كتاب السنة: ( أخبرني جعفر بن محمد الفريابي حدثنا أحمد ابن محمد المقدمي حدثنا سلميان بن حرب قال: سأل بشر بن السري حماد بن زيد فقال: يا أبا إسماعيل الحديث الذي جاء [ ينزل الله إلى السماء الدنيا ] يتحول من مكان إلى مكان؟ فسكت حماد بن زيد ثم قال: هو في مكانه يقرب من خلقه كيف يشاء )

قول الأشعري في كتابه المقالات

وقال أبو الحسن الأشعري في كتابه المقالات لما ذكر مقالة أهل السنة وأهل الحديث فقال: ( ويصدقون بالأحاديث التي جاءت عن النبي ﷺ [ إن الله ينزل إلى السماء الدنيا فيقول: هل من مستغفر؟ ] كما جاء الحديث عن النبي ﷺ ويأخذون بالكتاب والسنة كما قال تعالى: { فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول } ( النساء: 59 ) ويرون اتباع من سلف من أئمة الدين وأن لا يحدثوا في دينهم ما لم يأذن الله ويقرون بأن الله يجيء يوم القيامة كما قال: { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر: 22 ) وأن الله يقرب من خلقه كيف شاء كما قال: { ونحن أقرب إليه من حبل الوريد } ( ق: 16 )

قال الأشعري: ( وبكل ما ذكرنا من أقوالهم نقول وإليه نذهب )

أقوال أهل السنة: لأبي عثمان الصابوني في رسالته[عدل]

وقال أبو عثمان إسماعيل الصابوني الملقب بشيخ الإسلام في رسالته المشهورة عنه في السنة وقد ذكر أبو القاسم التميمي في كتاب الحجة في بيان المحجة له قال: ( ويثبت أصحاب الحديث نزول الرب سبحانه وتعالى كل ليلة إلى السماء الدنيا من غير تشبيه له بنزول المخلوقين ولا تمثيل ولا تكييف؟ بل يثبتون له ما أثبته رسول الله ﷺ وينتهون فيه إليه ويمرون الخبر الصحيح الوارد بذكره على ظاهره ويكلون علمه إلى الله تعالى وكذلك يثبتون ما أنزل الله في كتابه من ذكر المجيء والإتيان في ظلل من الغمام والملائكة وقوله عز وجل: { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر: 22 )

وقال: ( سمعت الحاكم أبا عبد الله الحافظ يقول: سمعت إبراهيم بن أبي طالب يقول: سمعت أحمد بن إبراهيم أبا عبد الله الرباطي يقول: حضرت مجلس الأمير عبد الله بن طاهر ذات يوم وحضره إسحاق بن إبراهيم - يعني ابن راهويه - فسئل عن حديث النزول صحيح هو؟ قال: نعم قال فقال له بعض قواد عبد الله: يا أبا يعقوب أتزعم أن الله ينزل كل ليلة؟ قال نعم قال: كيف ينزل؟ فقال له إسحاق: أثبته فوق حتى أصف لك النزول فقال الرجل: أثبته فوق فقال إسحاق: قال الله عز وجل: { وجاء ربك والملك صفا صفا } [ الفجر: 22 ] فقال له الأمير عبدالله: يا أبا يعقوب هذا يوم القيامة فقال إسحاق: أعز الله الأمير ومن يجيء يوم القيامة من يمنعه اليوم؟

وروى بإسناد عن إسحاق بن إبراهيم قال: قال لي الأمير عبدالله بن طاهر: يا أبا يعقوب هذا الحديث الذي ترويه عن رسول الله ﷺ: [ ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا ] كيف ينزل؟ قال: قلت: إعز الله الأمير؟ لا يقال لأمر الرب كيف؟ إنما ينزل بلا كيف

وبإسناد عن عبدالله بن المبارك: أنه سأله سائل عن النزول ليلة النصف من شعبان فقال عبد الله: يا ضعيف ليلة النصف؟ ينزل في كل ليلة فقال الرجل: يا أبا عبد الرحمن كيف ينزل؟ أليس يخلو ذلك المكان؟ فقال عبد الله بن المبارك: ينزل كيف شاء )

وقال أبو عثمان الصابوني: ( فلما صح خبر النزول عن رسول الله ﷺ أقر به أهل السنة وقبلوا الخبر وأثبتوا النزول على ماقاله رسول الله ﷺ ولم يعتقدوا تشبها له بنزول خلقه وعلموا وعرفوا وتحققوا واعتقدوا أن صفات الرب تبارك وتعالى لا تشبه صفات الخلق كما أن ذاته لا تشبه ذوات الخلق تعالى الله عما يقول المشبهة والمعطلة علوا كبيرا ولعنهم لعنا كثيرا )

قول البيهقي في كتابه الأسماء والصفات[عدل]

وروى الحافظ ابو بكر البيهقي في كتابه الأسماء والصفات ( حدثنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا زكريا العنبري سمعت أبا العباس - يعني السراج - سمعت إسحاق بن إبراهيم يقول: دخلت يوما على طاهر بن عبد الله بن طاهر وعنده منصور بن طلحة فقال لي: يا أبا يعقوب إن الله ينزل كل ليلة؟ فقلت له: نؤمن به فقال له طاهر: ألم أنهك عن هذا الشيخ؟ ما دعاك إلى أن تسأله عن مثل هذا؟ قال إسحاق: فقلت له: إذا أنت لم تؤمن أن لك ربا يفعل ما يشاء تحتاج أن تسألني )

قال البيهقي: حدثنا أبو عبد الله الحافظ سمعت أبا جعفر محمد بن صالح بن هانىء سمعت أحمد بن سلمة يقول سمعت إسحاق بن إبراهيم الحنظلي يقول: جمعني وهذا المبتدع - يعني إبراهيم بن أبي صالح - مجلس الأمير عبد الله بن طاهر فسألني الأمير عن أخبار النزول فسردتها فقال إبراهيم: كفرت برب ينزل من سماء إلى سماء فقلت: آمنت برب يفعل ما يشاء فرضي عبد الله كلامي وأنكر على إبراهيم ) قال: ( هذا معنى الحكاية )

وروى أبو إسماعيل الأنصاري بإسناده عن حرب الكرماني قال: ( قال إسحاق بن إبراهيم: لا يجوز الخوض في أمر الله تعالى كما يجوز الخوض في فعل المخلوقين لقوله تعالى: { لا يسأل عما يفعل وهم يسألون } ( الأنبياء: 23 ) ولا يجوز لأحد أن يتوهم على الله تعالى بصفاته وأفعاله - يعني كما نتوهم فيهم - وإنما يجوز النظر والتفكر في أمر المخلوقين وذلك أنه يمكن أن يكون الله موصوفا بالنزول كل ليلة إذا مضى ثلثها إلى السماء الدنيا كما يشاء ولا يسأل: كيف نزوله؟ لأن الخالق يصنع ما يشاء كما يشاء

وعن حرب قال: قال إسحاق بن إبراهيم: ليس في النزول وصف )

قول الخلال في كتاب السنة[عدل]

وقال أبو بكر الخلال في كتاب السنة ( أخبرني يوسف بن موسى أن أبا عبد الله - يعني أحمد بن حنبل - قيل له: أهل الجنة ينظرون إلى ربهم عز وجل ويكلمونه ويكلمهم؟ قال: نعم ينظر وينظرون إليه ويكلمهم ويكلمونه كيف شاء وإذا شاء )

قال: ( وأخبرني عبد الله بن حنبل قال: أخبرني أبي حنبل بن إسحاق قال: قال عمي: نحن نؤمن بأن الله على العرش كيف شاء وكما شاء بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد فصفات الله له ومنه وهو كما وصف نفسه { لا تدركه الأبصار } بحد ولا غاية { وهو يدرك الأبصار } ( الأنعام: 103 ) هو عالم الغيب والشهادة وعلام الغيوب ولا يدركه وصف واصف وهو كما وصف نفسه وليس من الله من شيء محدود ولا يبلغ علم قدرته أحد غلب الأشياء كلها بعلمه وقدرته وسلطانه { ليس كمثله شيء وهو السميع البصير } ( الشورى: 11 ) وكان الله قبل أن يكون شيء والله هو الأول وهو الآخر ولا يبلغ أحد حد صفاته

قال: وأخبرني علي بن عيسى أن حنبلا حدثهم قال: سألت أبا عبد الله عن الأحاديث التي تروى [ إن الله تبارك وتعالى ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا ] و[ إن الله يرى ] و[ إن الله يضع قدمه ] وما أشبه هذه الأحاديث فقال أبو عبد الله: نؤمن بها ونصدق بها ولا كيف ولا معنى - أي لا نكيفها ولا نحرفها بالتأويل فنقول: معناها كذا - ولا نرد منها شيئا ونعلم أن ما جاء به الرسول حق إذا كان بأسانيد صحاح ولا نرد على الله قوله ولا يوصف الله بأكثر مما وصف به نفسه بلا حد ولا غاية ليس كمثله شيء

وقال حنبل في موضع آخر عن أحمد قال: ( ليس كمثله شيء في ذاته كما وصف به نفسه قد أجمل تبارك وتعالى بالصفة لنفسه فحد لنفسه صفة ليس يشبهه شيء فنعبد الله بصفاته غير محدودة ولا معلومة إلا بما وصف به نفسه ) قال: ( فهو سميع بصير بلا حد ولا تقدير ولا يبلغ الواصفون صفته وصفاته منه وله ولا نتعدى القرآن والحديث فنقول كما قال ونصفه كما وصف نفسه ولا نتعدى ذلك ولا تبلغه صفة الواصفين نؤمن بالقرآن كله محكمه ومتشابه ولا نزيل عنه صفة من صفاته لشناعة شنعت وما وصف به نفسه من كلام ونزول وخلوه بعبده يوم القيامة ووضعه كتفه عليه - هذا كله يدل على أن الله تبارك وتعالى يرى في الآخرة والتحديد في هذا كله بدعة والتسليم لله بأمره بغير صفة ولا حد إلا ما وصف به نفسه: سميع بصير لم يزل متكلما عالما غفورا عالم الغيب والشهادة علام الغيوب فهذه صفات وصف الله بها نفسه لا تدفع ولا ترد وهو على العرش بلا حد كما قال تعالى: { ثم استوى على العرش } ( الأعراف: 45 ) كيف شاء المشيئة إليه عز وجل والاستطالة له ليس كمثله شيء وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير بلا حد ولا تقدير قول إبراهيم لأبيه { يا أبت لم تعبد ما لا يسمع ولا يبصر } ( مريم: 42 ) فنثبت أن الله سميع بصير صفاته منه لا نتعدى القرآن والحديث والخبر بضحك الله ولا نعلم كيف ذلك إلا بتصديق الرسول ﷺ وبتثبيت القرآن لا يصفه الواصفون ولا يحده أحد تعالى الله عما تقوله الجهمية والمشبهة

قلت له: والمشبهة ما يقولون؟ قال: من قال بصر كبصري ويد كيدي وقدم كقدمي فقد شبه الله بخلقه وهذا يحده وهذا كلام سوء وهذا محمدود والكلام في هذا لا أحبه

وقال محمد بن مخلد: قال أحمد: نحن نصف الله بما وصف نفسه وبما وصفه به رسوله

وقال يوسف بن موسى: إن أبا عبد الله قيل له: ولا يشبه ربنا شيئا من خلقه ولا يشبهه شيء من خلقه؟ قال: نعم ليس كمثله شيء )

فقول أحمد: ( إنه ينظر إليهم ويكلمهم كيف شاء وإذا شاء ) وقوله: ( هو على العرش كيف شاء وكما شاء ) وقوله: ( هو على العرش بلا حد كما قال: { ثم استوى على العرش } كيف شاء المشيئة إليه والاستطاعة له ليس كمثله شيء )

قلت: وهو خالق كل شيء وهو كما وصف نفسه سميع بصير شيء يبين أن نظره وتكليمه وعلوه على العرش واستواءه على العرش مما يتعلق بمشيئته واستطاعته

وقوله: ( بلا حد ولا صفة يبلغها واصف أو يحده أحد ) نفى به إحاطة علم الخلق به وأن يحدوه أو يصفون على ما هو عليه إلا بما أخبر عن نفسه ليبين أن عقول الخلق لا تحيط بصفاته كما قال الشافعي في خطبة الرسالة: ( الحمد الله الذي هو كما وصف به نفسه وفوق ما يصفه به خلقه ) ولهذا قال أحمد: ( لا تدركه الأبصار بحد ولا غاية ) فنفى أن يدرك له حد أو غاية وهذا أصح القولين في تفسير الإدراك وقد بسط الكلام على شرح هذا الكلام في غير هذا الموضع

وما في الكلام من نفي تحديد الخلق وتقديرهم لربهم وبلوغهم صفته لا ينافي ما نص عليه أحمد وغيره من الأئمة كما ذكره الخلال أيضا قال: ( حدثنا أبو بكر المروزي قال: سمعت أبا عبد الله - لما قيل له: روى علي بن الحسن بن شقيق عن ابن المبارك أنه قيل له: كيف نعرف الله عز وجل؟ قال: على العرش بحد - قال: قد بلغني ذلك عنه وأعجبه ثم قال أبو عبد الله: { هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام } ( البقرة: 210 ) ثم قال: { وجاء ربك والملك صفا صفا } ( الفجر: 22 )

قال الخلال: وأنبأنا محمد بن علي الوراق حدثنا أبو بكر الأثرم حدثني محمد بن إبراهيم القيسي قال: قلت لأحمد بن حنبل: يحكى عن ابن المبارك - وقيل له: كيف تعرف ربنا؟ - قال: في السماء السابعة على عرشه بحد فقال أحمد: هكذا هو عندنا

وأخبرني حرب بن إسماعيل قال: قلت لإسحاق - يعني ابن راهويه -: هو على العرش بحد؟ قال: نعم بحد

وذكر عن ابن المبارك قال: هو على عرشه بائن من خلقه بحد

قال: وأخبرنا المروزي قال: قال إسحاق بن إبراهيم بن راهويه: قال الله تبارك وتعالى: { الرحمن على العرش استوى } ( طه: 5 ) إجماع أهل العلم أنه فوق العرش استوى ويعلم كل شيء في أسفل الأرض السابعة وفي قعور البحار ورؤوس الآكام وبطون الأودية وفي كل موضع كما يعلم علم ما في السماوات السبع وما فوق العرش أحاط بكل شيء علما فلا تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات البر والبحر ولا رطب ولا يابس إلا قد عرف ذلك كله وأحصاه فلا تعجزه معرفة شيء عن معرفة غيره )

فهذا مثاله مما نقل عن الأئمة كما قد بسط في غير هذا الموضع وبينوا أن ما أثبتوه له من الحد لا يعلمه غيره كما قال مالك وربيعة وغيرهما: الاستواء معلوم والكيف مجهول فبين أن كيفية استوائه مجهولة للعباد فلم ينفوا ثبوت ذلك في نفس الأمر ولكن نفوا علم الخلق به وكذلك مثل هذا في كلام عبد العزير بن عبد الله بن الماجشون وغير واحد من السلف والأئمة ينفون علم الخلق بقدره وكيفيته

قول عبد العزيز الماجشون[عدل]

وبنحو ذلك قال عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة الماجشون في كلامه المعروف وقد ذكره ابن بطة في الإبانة وأبو عمر الطلمنكي في كتابه في الأصول ورواه أبو بكر الأثرم قال: ( حدثنا عبد الله بن صالح عن عبد العزيز بن عبد الله بن أبي سلمة أنه قال: ( أما بعد فقد فهمت ما سألت عنه فيما تتابعت فيه الجهمية ومن خالفها في صفة الرب العظم الذي فاقت عظمته الوصف والتقدير وكلت الألسن عن تفسير صفته وانحسرت العقول عن معرفة قدره ) - إلى أن قال: ( بأنه لا يعلم كيف هو إلا هو وكيف يعلم من يموت ويبلى قدر من لا يموت ولا يبلى؟ وكيف يكون لصفة شيء منه حدا أو منتهى يعرفه عارف أو يحد قدره واصف؟ الدليل على عجز العقول عن تحقيق صفته: عجزها عن تحقيق صفة ما لم يسصف الرب من نفسه بعجزك عن معرفة قدر ما وصف منها إذا لم تعرف منها قدر ما وصف فما تكلفك علم ما لم يصف؟ هل تستدل بذلك على شيء من طاعته؟ أو تنزجر به عن شيء من معصيته؟ ـ وذكر كلاما طويلا إلى أن قال ـ: فأما الذي جحد ما وصف الرب من نفسه تعمقا وتكلفا فقد استهوته الشياطين في الأرض حيران فصار يستدل - بزعمه - على جحد ما وصف الرب وسمى من نفسه بأن قال: لا بد إن كان له كذا من أن يكون له كذا فعمى عن البين بالخفي يجحد ما سمى الرب من نفسه بصمت الرب عما لم يسم فلم يزل يملي له الشيطان حتى جحد قول الله تعالى: { وجوه يومئذ ناضرة } { إلى ربها ناظرة } ( القيامة: 22 - 23 ) فقال: لا يراه أحد يوم القيامة فجحد - والله - أفضل كرامة الله التي أكرم بها أولياءه يوم القيامة من النظر في وجهه في مقعد صدق عند مليك مقتدر قد قضى أنهم لا يموتون فهم بالنظر إليه ينضرون ) وذكر كلاما طويلا كتب في غير هذا الموضع

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55