درء تعارض العقل والنقل/24

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: ابن تيمية


وقول القائل: لو فرضناه لم يلزم منه محال: إن أراد به: لا أعلم انه يلزم منه محال لم ينفعه

وإن قال: أعلم أنه لا يلزم منه محال فهو لم يذكر دليلا على هذا العلم فما الدليل على انه علم أنه لا يلزم منه محال؟

فتبين أن من جوز على خبر الله أو خبر رسوله أن يناقضه شيء من المعقول الصريح لم يمكنه أن يصدق بعامة ما أخبر الله به ورسوله من الغيب لا سيما والأمور الغائبة ليس للمخبرين بها خبرة يمكنهم أن يعلموا بعقولهم ثبوت ما أخبر به أو انتفاء جميع ما تتخيله النفوس من المعارضات له

بل إذا كانت الأمور المشاهدة الحسية وما يبنى عليها من المعلوم العقلية قد وقع فيها شبهات كثيرة عقلية تعارض ما علم بالحس أو العقل وكثير من هذه الشبه السوفسطائية يعسر على كثير من الناس - أو أكثرهم - حلها وبيان وجه فسادها وإنما يعتصمون في ردها بأن هذا قدح فيما فيما علم بالحس أو الضرورة فلا يستحق الجواب فيكون جوابهم عنها أنها معارضة للأمر المعلوم الذي لا ريب فيه فيعلم أنها باطلة من حيث الجملة وإن لم يذكر بطلانها على وجه التفصيل

ولو قال قائل: هذه الأمور المعلومة لا تثبت إلا بالجواب عما يعارضها من الحجج السوفسطائية لم يثبت لأحد علم بشيء من الأشياء إذ لا نهاية لما يقوم بنفوس بعض الناس من الحجج السوفسطائية

فهكذا تصديق خبر الله ورسوله قد علم علما يقينيا أنه صدق مطابق لمخبره وعلمنا بثبوت جميع ما أخبر به أعظم من علمنا بكل فرد من علومنا الحسية والعقلية وإن كنا جازمين بجنس ذلك فإن حسنا وعقلنا قد يعرض له من الغلط ما يقدح في بعض إدراكاته كالشبه السوفسطائية

وأما خبر الله ورسوله فهو صدق موافق لما الأمر عليه في نفسه لا يجوز أن يكون شيء من أخبار باطلا ولا مخالفا لما هو الأمر عليه في نفسه ويعلم من حيث الجملة أن كل ما عارض شيئا من أخباره وناقضه فإنه باطل من جنس حجج السوفسطائية وإن كان العالم بذلك قد لا يعلم وجه بطلان تلك الحجج المعارضة لأخباره

وهذه حال المؤمنين للرسول الذين علموا أنه رسول الله الصادق فيما يخبر به يعلمون من حيث الجملة أن ما ناقض خبره فهو باطل وأنه لا يجوز أن يعارض خبره دليل صحيح: لا عقلي ولا سمعي وأن ما عارض أخباره من الأمور التي يحتج بها المعارضون ويسمونها عقليات أو برهانيات أو وجديات أو ذوقيات أو مخاطبات أو مكاشفات أو مشاهدات أو نحو ذلك من الأمور الدهاشات أو يسمون ذلك تحقيقا أو توحيدا أو عرفانا أو حكمة حقيقية أو فلسفة أو معارف يقينية ونحو ذلك من الأسماء التي يسميها بها أصحابها فنحن نعلم علما يقينيا لا يحتمل النقيض أن تلك جهليات وضلالات وخيالات وشبهات مكذوبات وحجج سوفسطائية وأوهام فاسدة وأن تلك الأسماء ليست مطابقة لمسماها بل هي من جنس تسمية الأوثان آلهة وأربابا وتسمية مسيلمة الكذاب وأمثاله أنبياء: { إن هي إلا أسماء سميتموها أنتم وآباؤكم ما أنزل الله بها من سلطان إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } [ النجم: 23 ]

والمقصود أنه من جوز أن يكون فيما علمه بحسه وعقله حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من علمه ولم يبقى له طريق إلى التصديق بشيء من ذلك

فهكذا من جوز أن يكون فيما أخبر الله به ورسوله حجج صحيحة تعارض ذلك لم يثق بشيء من خبر الله ورسوله ولم يبق له طريق إلى التصديق بشيء من أخبار الله ورسوله

ولهذا كان هؤلاء المعرضين عن الكتاب المعارضين له سوفسطائية منتهاهم السفسطة في العقليات والقرمطة في السمعيات يتأولون كلام الله وكلام رسوله بتأويلات يعلم بالاضطرار أن كلام الله ورسوله لم يردها بكلام وينتهون في أدلتهم العقلية إلى ما يعلم فساده بالحس والضرورة العقلية

ثم إن فضلاءهم يتفطنون لما بهم من ذلك فيصيرون في الشك والحيرة والارتياب وهذا منتهى كل من عارض نصوص الكتاب

وإذا كان قد علم بالاضطرار من دين الإسلام أن التصديق الجازم بما أخبر به الرسول حق واجب وطريق هؤلاء تناقضه علم بالضرورة من دين الإسلام إن طريق هؤلاء فاسدة في دين الإسلام وهذه هي طريقة أهل الإلحاد في أسماء الله وآياته

وإذا كان ما أوجب الشك والريب ليس بدليل صحيح وإنما الدليل ما أفاد العلم واليقين وطريق هؤلاء لا يفيد العلم واليقين بل يفيد الشك والحيرة علم أنها فاسدة في العقل كما أنها إلحاد ونفاق في الشرع

وهذا كله بين لمن تدبره والأمر فوق ما أصفه وأبينه وهذا الموضع لا يحتمل البسط والإطناب ولا ريب أن موجب الشرع أن من سلك هذه السبيل فإنه بعد قيام الحجة عليه كافر بما جاء به الرسول ولهذا كان السلف والأئمة يتكلمون في تكفير الجهمية النفاة بما لا يتكلمون به في تكفير غيرهم من أهل الأهواء والبدع وذلك لأن الإيمان إيمان بالله وإيمان للرسول فإن الرسول أخبر عن الله بما أخبر به عن أسماء الله وصفاته ففي الإيمان خبر ومخبر به فالإيمان للرسول تصديق خبره والإيمان بما أخبر به والإقرار بذلك والتصديق به

ولهذا كان من الناس من يجعل الكفر بإزاء المخبر به كجحد الخالق وصفاته ومنهم من يجعله بإزاء الخبر وهو تكذيب الرسول

وكلا الأمرين حق فإن الإيمان والكفر يتعلق بهذا وبهذا وكلام الجهمية نفاة الصفات مناقض لخبر الرسول الصادق ونفي لما هو ثابت لله من صفات كماله

ومما يوضح الأمر في ذلك أنك لا تجد من سلك هذه السبيل وجوز على الأدلة السمعية أن يعارضها معقول صريح ينافيها إلا وعنده ريب في جنس خبر الله ورسوله وليس لكلام الله ورسوله في قلبه من الحرمة ما يوجب تحقيق مضمون ذلك فعلم أن هذا طريق إلحاد ونفاق لا طريق علم وإيمان

ونحن نبين فساد طريق هؤلاء بالطرق الإيمانية والقرآنية تارة وبالأدلة التي يمكن أن يعقلها من لا يستدل بالقرآن والإيمان

وذلك لأنا في مقام الخاطبة لمن يقر بأن ما أخبر به الرسول حق ولكن قد يعارض ما جاء عنه عقليات يجب تقديمها عليه وإذا كنا في مقام بيان فساد ما يعارضون به من العقليات على وجه التفصيل فذلك - ولله الحمد - هو علينا من أيسر الأمور

ونحن - ولله الحمد - قد تبين لنا بيانا لا يحتمل النقيض فساد الحجج المعروفة للفلاسفة والجهمية والقدرية ونحوهم التي يعارضون بها كتاب الله وعلمنا بالعقل الصريح فساد أعظم ما يعتمدون عليه من ذلك وهذا - ولله الحمد - مما زادنا الله به هدى وإيمانا فإن فساد المعارض مما يؤيد معرفة الحق ويقويه وكل من كان أعرف بفساد الباطل كان أعرف بصحة الحق

ويروي عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه انه قال: إنما تنقض عرى الإسلام عروة عروة إذا نشأ في الإسلام من لا يعرف الجاهلية

وهذا حال كثير ممن نشأ في عافية الإسلام وما عرف ما يعارضه ليتبين له فساده فإن لا يكون في قلبه من تعظيم الإسلام مثل ما في قلب من عرف الضدين

ومن الكلام السائر: ( الضد يظهر حسنه الضد ) ( وبضدها تتبين الأشياء )

والاعتبار والقياس نوعان: قياس الطرد وقياس العكس فقياس الطرد اعتبار الشيء بنظيره حتى يجعل حكمه مثل حكمه وقياس العكس اعتبار الشيء بنقيضه حتى يعلم أن حكمه نقيض حكمه

وقوله تعالى: { فاعتبروا يا أولي الأبصار } [ الحشر: 2 ] يتناول الأمرين فيعتبر العاقل بتعذيب الله لمن كذب رسله كما فعل ببني النضير حتى يرغب في نقيض ذلك ويرهب من نظير ذلك فيستعمل قياس الطرد في الرهبة وقياس العكس في الرغبة

ومن أمثلة قياس العكس: قياس من يحتج على أن الوتر ليس بواجب [ فإنه يفعل على الراحلة بسنة النبي ﷺ ]

والواجبات لا تفعل على الراحلة والنوافل تفعل على الراحلة فلما كان مفعولا على الراحلة كان حكمه عكس حكم الفرائض ونقيض حكم الفرائض ومثل حكم النوافل فيقاس بالواجبات قياس العكس وبالنوافل قياس الطرد

وكذلك إذا قيل: دم السمك طاهر لأنه لو كان نجسا لوجب سفحه بالتذكية لأن الدماء النجسة يجب سفحها بالتذكية فلما لم يجب سفحه كان حكمه نقيض حكمها وكان ملحقا بالرطوبات الطاهرة التي لا تسفح

وفي الحقيقة فكل قياس يجتمع في قياس الطرد والعكس فقياس الطرد هو الجمع والتسوية بينه وبين نظيره وقياس العكس هو الفرق والمخالفة بينه وبين مخالفه فالقايس المعتبر ينظر في الشيء فيلحقه بما يماثله لا بما يخالفه ويبين له حكمه في اعتباره بهذا وهذا

والمقصود هنا أن معرفة ما يعارض الكتاب والمرسلين كنبوة مسيلمة ونحوه من الكذابين وأقاويل أهل الإلحاد الذين يعارضون بعقولهم وذوقهم ما جاء به الرسول كلما ازداد العارف معرفة بها وبما جاء به الرسول تبين له صدق ما جاء به الرسول وبيانه وبرهانه وبطلان هذه وفسادها وكذبها كما إذا قدر مفتيان أو قاضيان أو محدثان أحدهما يتكلم بعلم وعدل والآخر بجهل وظلم فإنه كلما اعتبرت أحدهما بالآخر ظهرت الحقيقة الفارقة بينهما وكذلك الصانعان اللذان أحدهما قادر ناصح والآخر عاجز غاش وكذلك التاجران اللذان أحدهما صادق أمين والآخر كاذب خؤون وكذلك المتوليان اللذان أحدهما قوى أمين والآخر عاجز خائن وأمثاله ذلك

فنحن - ولله الحمد - قد تبين لنا من فساد الأقاويل المعارضة لقول الرسول ما ليس هذا المقام مقام تفصيله فإنه يحتاج أن نتكلم في كل مسألة من مسائل الدين ونستوفي حجج المبطلين فيها ونتبين فسادها وليس هذا الموضع استيفاء ذلك

وإنما المقصود بيان فساد القانون الزائغ الذي يقدمون به مذاهبهم المبتدعة على النصوص من كلام الله ورسوله وهم قد وضعوا عبارات مجملة مشتبهة لبسوا بها على كثير ممن عنده إيمان بالله ورسوله من كبار أهل العلم والدين وأولئك لم يعرفوا حقيقة ما في تلك الأقوال من الإلحاد فقبلوها ممن ابتدعها من أهل النفاق

كما قاتل الله تعالى عن المنافقين: { لو خرجوا فيكم ما زادوكم إلا خبالا ولأوضعوا خلالكم يبغونكم الفتنة وفيكم سماعون لهم } [ التوبة: 47 ] بين سبحانه أن المنافقين لو خرجوا في غزوة ما زادوا المؤمنين إلا خبالا ولأوضعوا - أي أسرعوا - خلالهم أي بينهم يطلبون لهم الفتنة وفي المؤمنين من يقبل منهم - وهم السماعون لهم - أي يستجيبون لهم ليس المراد من ينقل الأخبار إليهم كما يظنه بعض الناس

بل هذا نظير قوله: { سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين لم يأتوك } [ المائدة: 41 ] أي يسمعون الكذب فيقبلونه ويصدقونه ويسمعون لقوم آخرين لم يأتوك فيستجيبون لهم فبين أنهم يصدقون الكذب ويستجيبون لمن يخالف الرسول

وأما من ظن أن المراد بقوله: { سماعون لهم } أنهم جواسيس لمن غاب وأخذ حكم الجاسوس من هذه الآية فقد غلط فإن ما كان يظهره النبي ﷺ حتى يسمعه المنافقون واليهود لم يكن مما يكتمه حتى يكون نقله جسا عليه وإنما المراد انهم سماعون الكذب أي يصدقون به سماعون: أي مستجيبون لقوم آخرين مخالفين للرسول وهذه حال كل من خرج عن الكتاب والسنة فإن لا بد أن يصدق الكذب فيكون من السماعين للكذب ولا بد أي يستجيب لغير الله والرسول فيكون سماعا لقوم آخرين لم يتبعوا الرسول

وهؤلاء لهم نصيب من قوله تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } [ الفرقان: 27 - 29 ] وقوله: { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } [ الأحزاب: 66 - 68 ]

فتبين أن أصل طريق من يعارض النصوص النبوية برأيه وعقله هي طريق أهل النفاق والإلحاد وطريق أهل الجهل والارتياب لا طريق ذي عقل ولا ذي دين

كما قال تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } [ الحج: 8 ]

وقال تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد * كتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير } [ الحج: 3 - 4 ]

فإنه قد يقال: هذه حال كل من عارض آيات الله بمعقوله فإنه لا علم عنده إذ ذلك المعارض وإن سماه معقولا فإنه جهل وضلال فليس بعلم ولا عقل ولا هدى إذ لا إيمان عنده ليكون مهتديا فإن المهتدين الذين على هدى من ربهم هم مؤمنون بما جاء به الرسول ولا كتاب منير فإن الكتاب المنير لا يناقض كتاب الله

وهؤلاء المعارضون ليس عندهم لا علم ولا إيمان ولا قرآن فهم يجادلون في آيات الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير

واسم ( العلم ) يتناول هذا وهذا ولكن هو من باب عطف الخاص على العام ولهذا ذكر تارة وحذف أخرى

وذلك أنه قد يقال: إنه سبحانه ذكر ثلاثة أصناف: صنف يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد مكتوب عليه إضلال من تولاه وهذه حال المتبع لمن يضله

وصنف يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله وهذه حال المتبوع المستكبر الضال عن سبيل الله

ثم ذكر حال من يعبد الله على حرف وهذه حال المتبع لهواه الذي إن حصل له ما يهواه من الدنيا عبد الله وإن أصابه ما يمتحن به في دنياه ارتد عن دينه فهذه حال من كان مريضا في إرادته وقصده وهي حال أهل الشهوات والأهواء

ولهذه ذكر الله ذلك في العبادة التي أصلها القصد والإرادة وأما الأولان: فحال الضال والمضل وذلك مرض في العلم والمعرفة وهي حال أهل الشبهات والنظر الفاسد والجدال بالباطل فإنه تعالى يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات ولا بد للعبد من معرفة الحق وقصده

كما قال: { اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين } [ الفاتحة: 6 - 7 ] فمن لم يعرفه كان ضالا ومن علم ولم يتبعه كان مغضوبا عليه

كما أن أول الخير الهدى ومنتهاه الرحمة والرضوان فذكر سبحانه ما يعرض في العلم من الضلال والإضلال وما يعرض في الإرادة من اتباع الشهوات كما جمع بينهما في قوله: { إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى } [ النجم: 23 ]

فقال أولا: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم } [ الحج: 3 ] وكل من جادل في الله بغير هدى ولا كتاب منير فقد جادل بغير علم أيضا فنفي العلم يقتضي نفي كل ما يكون علما بأي طريق حصل وذلك ينفي أن يكون مجادلا بهدى أو كتاب منير ولكن هذه حال الضال المتبع لمن يضله فلم يحتج إلى تفصيل فبين أنه يجادل بغير علم ويتبع كل شيطان مريد كتب على ذلك الشيطان أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير

وهذه حال مقلد أئمة الضلال بين أهل الكتاب وأهل البدع فإنهم يجادلون في الله بغير علم ويتبعون من شياطين الجن والإنس من يضلهم

ثم ذكر حال المتبوع الذي يثنى عطفيه تكبرا كما قال: { وإذا تتلى عليه آياتنا ولى مستكبرا كأن لم يسمعها } [ لقمان: 7 ] وقال: { فلا صدق ولا صلى * ولكن كذب وتولى * ثم ذهب إلى أهله يتمطى } [ القيامة: 31 - 33 ]

وهذا النوع يجادل ليضل عن سبيل الله وجداله بغير علم أيضا ولكن فصل حاله فبين أنه لا يجادل بهدى كأيمان المؤمن ولا بكتاب منير كالجدال بكتاب منزل من السماء فليس معه علم من هذا الطريق ولا من غيرها

كما قال تعالى: { فلا صدق ولا صلى } [ القيامة: 31 ] وكل من لم يصدق لم يصل

وقال تعالى: { لم نك من المصلين * ولم نك نطعم المسكين * وكنا نخوض مع الخائضين * وكنا نكذب بيوم الدين } [ المدثر: 43 - 46 ]

وقال تعالى: { إنه كان لا يؤمن بالله العظيم * ولا يحض على طعام المسكين } [ الحاقة: 33 - 34 ]

ومثل هذا كثير قد ينفي الشيء الذي نفيه يستلزم نفي غيره لكن تذكر تلك اللوازم على سبيل التصريح للفرق بين دلالة اللوازم ودلالة المطابقة كما قد ذكرنا نحو ذلك في قوله تعالى: { ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق } [ البقرة: 42 ] وأن كل من لبس بالباطل فلا بد أن يكتم بعض الحق وبينا أن هذا ليس من باب النهي عن المجموع المقتضي لجواز أحدهما ولا من باب النهي عن فعلين متباينين حتى لا يعاد فيه حرف النفي بل هو من باب النهي عن المتلازمات كما يقال لا تكفر وتكذب بالرسول ولا تجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير

والمقصود أن كل من عارض كتاب الله بمعقوله أو وجده أو ذوقه وناظر على ذلك فقد جادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير ليضل عن سبيل الله فإن كتاب الله هو سبيل الله

ولهذا فسر النبي ﷺ الصراط المستقيم بكتاب الله وفسره بالإسلام كلاهما مأثور عن النبي ﷺ ففي حديث النواس بن سمعان النبي ﷺ قال: [ ضرب الله مثلا صراطا مستقيما وعلى جنبتي الصراط سوران وفي السورين أبواب مفتحة وعلى الأبواب ستور مرخاة وداع من فوق الصراط وداع على رأس الصراط فالصراط المستقيم هو الإسلام والسوران حدود الله والأبواب المفتحة محارم الله والداعي على رأس الصراط كتاب الله والداعي فوق الصراط واعظ الله في قلب كل مسلم فإذا أراد العبد أن يفتح بابا من تلك الأبواب دعاه الداعي: يا عبد الله لا تفتحه فإنك إن تفتحه تلجه ] رواه الإمام أحمد والترمذي وصححه

ومن المعلوم أن من أعظم المحارم معارضة كتاب الله بما يناقضه ويقدم ذلك عليه

وفي حديث علي رضي الله عنه الذي رواه الترمذي وأبو نعيم من عدة طرق: قال رسول الله ﷺ: [ إنها ستكون فتن قلت فما المخرج منها يا رسول الله؟ فقال: كتاب الله: فيه نبأ من قبلكم وخبر ما بعدكم وحكم ما بينكم هو الفصل ليس بالهزل من تركه من جبار قصمه الله ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله وهو حبل الله المتين وهو الذكر الحكيم وهو الصراط المستقيم وهو الذي لا تزيغ به الأهواء ولا تختلف به الآراء ولا تلتبس به الألسن ولا يخلق عن كثرة الرد ولا تنقضي عجائبه ولا تشبع منه العلماء من قال به صدق ومن حكم به عدل ومن عمل به أجر ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم ]

وبسط الكلام على مثل هذا يطول جدا وإنما نبهنا هنا على أصله

الوجه التاسع والعشرون[عدل]

أن يقال: العقل ملزوم لعلمنا بالشرع ولازم له ومعلوم أنه إذا كان اللزوم من أحد الطرفين لزم من وجود الملزوم وجود اللازم ومن نفي اللازم نفي الملزوم فكيف إذا كان التلازم من الجانبين؟

فإن هذا التلازم يستلزم أربع نتائج: فيلزم من ثبوت هذا اللازم ثبوت هذا ومن نفيه نفيه ومن ثبوت الملازم الآخر ثبوت ذلك ومن نفيه نفيه

وهذا هو الذي يسميه المنطقيون: الشرطي المتصل ويقولون: استثناء عين المقدم ينتج عين التالي واستثناء نقيض التالي ينتج نقيض المقدم فإذا كان التلازم من الجانبين كان استثناء عين كل من المتلازمين ينتج عين الآخر واستثناء نقيض كل منهما ينتج نقيض الآخر

وبيان ذلك ها هنا: أنه إذا كان العقل هو الأصل الذي به عرف صحة الشرع كما قد ذكروا هم ذلك وقد تقدم أنه ليس المراد بكونه أصلا له أنه أصل في ثبوته في نفسه وصدقه في ذاته بل هو أصل في علمنا به أي دليل لنا على صحته

فإذا كان كذلك فمن المعلوم أن الدليل يجب طرده وهو ملزوم للمدلول عليه فيلزم من ثبوت الدليل ثبوت المدلول عليه ولا يجب عكسه فلا يلزم من عدم الدليل عدم المدلول عليه

وهذا كالمخلوقات فإنها آيه للخالق فيلزم من ثبوتها ثبوت الخالق ولا يلزم من وجود الخالق وجودها

وكذلك الآيات الدالات على نبوة النبي وكذلك كثير من الأخبار والأقيسة الدالة على بعض الأحكام: يلزم من ثبوتها ثبوت الحكم ولا يلزم من عدمها عدمه إذ قد يكون الحكم معلوما بدليل آخر اللهم إلا أن يكون الدليل لازما للمدلول عليه فيلزم من عدم اللازم عدم الملزوم وإذا كان لازما له أمكن أن يكون مدلولا له إذ المتلازمان يمكن أن يستدل بكل منهما على الآخر مثل الحكم الشرعي الذي لا يثبت إلا بدليل شرعي فإنه يلزم من عدم دليله عدمه

وكذلك ما تتوفر الهمم والدواعي على نقله إذا لم ينقل لزم من عدم نقله عدمه ونقله دليل عليه وإذا كان من المعقول ما هو دليل على صحة الشرع لزم من ثبوت ذلك المعقول ثبوت الشرع ولم يلزم من ثبوت الشرع ثبوته في نفس الأمر

لكن نحن إذا لم يكن لنا طريق إلى العلم بصحة الشرع علمنا بدليله العقلي الدال عليه ولزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا به فإن العلم بالدليل يستلزم العلم بالمدلول عليه

وهذا هو معنى كون النظر يفيد العلم وهذا التلازم فيه قولان: قيل: إنه بطريق العادة التي يمكن خرقها وقيل: بطريق اللزوم الذاتي الذي لا يمكن انفصاله كاستلزام العلم للحياة والصفة لموصوف ما وكاستلزام جنس العرض لجنس الجوهر لامتناع ثبوت صفة وعرض بدون موصوف وجوهر

والمقصود هنا أنه إذا كان صحة الشرع لا تعلم إلا بدليل عقلي فإنه يلزم من علمنا بصحة الشرع علمنا بالدليل العقلي الدال عليه ويلزم من علمنا بذلك الدليل العقلي علمنا بصحة الشرع

وهكذا الأمر في كل ما لا يعلم إلا بالدليل ويلزم أيضا من ثبوت ذلك الدليل المعقول في نفس الأمر ثبوت الشرع ولا يلزم من ثبوت الشرع ثبوت ذلك الدليل

وإذا كان العلم بصحة الشرع لازما للعلم بالمعقول الدال عليه وملزوما له ولازما لثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر كما أن ثبوت ذلك المعقول في نفس الأمر مستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر فمن الممتنع تناقض اللازم والملزوم فضلا عن تعارض المتلازمين فإن المتعارضين هما المتنافيان اللذان يلزم من ثبوت أحدهما انتفاء الآخر كالضدين والنقيضين

والمتلازمان يلزم من ثبوت كل منهما ثبوت الآخر ومن انتفائه انتفاؤه فكيف يمكن أن يكون المتلازمان متعارضين متنافيين متناقضين أو متضادين؟

ولفظ التنافي والتضاد والتناقض والتعارض ألفاظ ( متقاربة ) في أصل اللغة وإن كانت تختلف فيها الاصطلاحات فكل مضاد فهو مستلزم للتناقض اللغوي

ولهذا يسمي أهل اللغة أحد الضدين نقيض الآخر وكل تعارض فهو مستلزم للتناقض اللغوي لأن أحد الضدين ينقض الآخر أي يلزم من ثبوته عدم الآخر كما يلزم من ثبوت السواد انتفاء البياض

والنقيضان في اصطلاح كثير من أهل النظر هما اللذان لا يجتمعان ولا يرتفعان والضدان لا يجتمعان لكن قد يرتفعان

وفي اصطلاح آخرين منهم هما: النفي والإثبات فقط كقولك إما أن يكون وإما أن لا يكون

ولهذا يقولون: التناقض اختلاف قضيتين بالسلب والإيجاب على وجه يلزم من صدق إحداهما كذب الأخرى فالتناقض في عرف أولئك أعم منه في عرف هؤلاء فإن ما لا يجتمعان ولا يرتفعان قد يكونان ثبوتيين وقد يكونان عدميين وقد يكونان ثبوتا وانتفاء ولو كان أحدهما وجودا والآخر عدما فقد يعبر عنهما بصيغة الإثبات التي لا تدل بنفسها على التناقض الخاص كما إذا قيل للموجود: إما أن يكون قائما بنفسه وإما أن يكون قائما بغيره وإما أن يكون واجبا بنفسه وإما أن يكون ممكنا بنفسه وإما أن يكون قديما وإما أن يكون محدثا ونحو ذلك

فمن المعلوم أن تقسم الموجود إلى قائم بنفسه وغيره وواجب وممكن وقديم ومحدث تقسيم حاصر كتقسيم المعلوم إلى الثابت والمنفي

وهذان القسمان لا يجتمعان ولا يرتفعان كما أن الوجود والعدم لا يجتمعان ولا يرتفعان

وأما أهل اللغة فالنقيضان عندهم أعم من هذا كله كالمتنافيين فكل ما نفى أحدهما الآخر فقد نقضه وأزاله وأبطله فيسمونه نقيضه

وللمتفلسفة المشائين اصطلاح آخر في المتقابلين بالسلب والإيجاب يسمونه تقابل العدم والملكة وهو نفي الشيء عما من شأنه أن يكون قابلا له كنفي السمع والبصر والكلام عن الحيوان فإنه يسمى عمى وصمما وبكما لأن الحيوان يقبل هذا وهذا بخلاف نفي ذلك عن الجماد كالجدار فإنه لا يسمى في اصطلاحهم عمى ولا صمما ولا بكما لأن الجدار لا يقبل ذلك

ثم إنهم تذرعوا بذلك إلى سلب النقيضين عن الخالق تعالى فاحتج السلف والأئمة وأهل الإثبات بأن الخالق سبحانه لو لم يوصف بالسمع والبصر والكلام ونحو ذلك من صفات الكمال لوجب أن يوصف بما يقابل ذلك من الصمم والعمى والبكم ونحو ذلك من صفات النقص

فقال لهم هؤلاء: العمى والبصر والبكم والكلام متقابلان تقابل العدم والملكه وهو سلب الشيء عما من شأنه أن يكون قابلا له كالحيوان فأما ما لا يقبل ذلك كالجماد فلا يوصف بعمى ولا بصر ولا كلام ولا بكم ولا سمع ولا صمم ولا حياة ولا موت

والجواب عن هذا من وجوه :

أحدها: أن يقال: هذا اصطلاح لكم وإلا فما ليس بحي يسمى ميتا كما قال تعالى: { والذين يدعون من دون الله لا يخلقون شيئا وهم يخلقون * أموات غير أحياء } [ النحل: 20 - 21 ] وقال تعالى: { وآية لهم الأرض الميتة أحييناها } [ يس: 33 ] وقال: { اعلموا أن الله يحيي الأرض بعد موتها } [ الحديد: 17 ]

والثاني: أن ما لا يقبل صفات الكمال أنقص مما يقبلها ولم يتصف بها فإن الجماد أنقص من الحيوان الأعمى والأصم والأبكم فإذا كان اتصافه بصفات النقص مع إمكان اتصافه بصفات الكمال نقصا وعيبا يجب تنزيهه عنه فعدم قبوله لصفات الكمال أعظم نقصا وعيبا

ولهذا كان منتهى أمر هؤلاء تشبيهه بالجمادات ثم بالمعدومات ثم بالممتنعات

الثالث: أن نفس عدم الحياة والعلم والقدرة نقص لكل ما عدم عنه ذلك سواء فرض قابلا أو غير قابل بل ما لا يقبل ذلك أنقص مما يقبله كما أن نفس الحياة والعلم والقدرة صفات كمال فنفس وجود هذه الصفات كمال ونفس عدمها نقص سواء سمي موتا وجهلا وعجزا أو لم يسم وكذلك السمع والبصر والكلام كمال وعدم ذلك نقص وقد بسط الكلام على ذلك في مواضع بسيطا لا يليق بهذا الموضوع

وإذا تبين أن الدليل العقلي الذي به يعلم صحة الشرع مستلزم للعلم بصحة الشرع ومستلزم لثبوت الشرع في نفس الأمر وعلمنا بالشرع يستلزم العلم بالدليل العقلي الذي قيل: أنه أصل للشرع وإن العلم بصحة الشرع موقوف عليه وليس ثبوت الشرع في نفسه مستلزما لثبوت ذلك الدليل العقلي في نفس الأمر - علم أن ثبوت الشرع في نفس الأمر أقوى من ثبوت دليله العقلي في نفس الأمر وأن ثبوت الشرع علمنا أقوى من ثبوت دليله العقلي إن قيل: إنه ممكن أن تعلم صحته بغير ذلك الدليل إلا كان العلم بهذا والعلم بهذا متلازمين

وإذا كان كذلك كان القدح في الشرع قدحا في دليله العقلي الدال على صحته بخلاف العكس فكان القدح في الشرع قدحا في هذا العقل وليس القدح في هذا العقل مستلزما للقدح في الشرع مطلقا وأما ما سوى المعقول الدال على صحة الشرع فكذلك لا يلزم من بطلانه بطلان الشرع كما لا يلزم من صحته صحة الشرع

فتبين أنه ليس في المعقولات ما يجب تقديمه على الشرع لكونه أصلا للشرع لأن المقدم عليه إن لم يكن هو المعقول الدال عليه فليس هو أصلا له فلا يجب تقديمه عليه بهذا الاعتبار وغن كان هو المعقول الدال عليه امتنع أن يكون صحيحا مع بطلان الشرع لأن صحته مستلزمة لصحة الشرع وإلا لم يكن دليلا عليه

وثبوت الملزوم بدون الإلزام محال فمن قدم العقل على الشرع فقد قدح في العقل والشرع جميعا وهو حال الذين قالوا: { لو كنا نسمع أو نعقل ما كنا في أصحاب السعير } [ الملك: 10 ]

وإذا قال القائل: نحن إنما قدحنا في القدر الذي خالف العقل من الشرع لم نقدح في كل الشرع

قيل: ومن قدم الشرع إنما قدح في ذلك القدر مما يقال إنه عقل لم يقدح في كل عقل ولا في العقل الذي هو أصل يعلم به صحة الشرع وإنما قلنا ( مما يقال إنه عقل ) لأنه ليس بمعقول صحيح وإن سماه أصحابه معقولا

فإن من خالف الرسل عليهم الصلاة والسلام ليس معه لا عقل صريح ولا نقل صحيح وإنما غايته أن يتمسك بشبهات عقلية أو نقليه كما يتمسك المشركون والصابئون من الفلاسفة وغيرهم بشبهات عقلية فاسدة وكما يتمسك أهل الكتاب المبدل المنسوخ بشبهات نقليه فاسدة

قال الله تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } [ الأنعام: 39 ] وقال تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } [ الفرقان: 44 ]

ولهذا كان من قدم العقل على الشرع لزمه بطلان العقل والشرع ومن قدم الشرع لم يلزمه بطلان الشرع بل سلم له الشرع

ومعلوم أن سلامة الشرع للإنسان خير له من أن يبطل عليه العقل والشرع جميعا

وذلك لأن القائل الذي قال: العقل أصل الشرع بل علمت صحته فلولا قدمنا عليه الشرع للزم القدم في أصل الشرع

يقال له: ليس المراد بكونه أصلا له: إنه أصل في ثبوته في نفس الأمر بل هو أصل في علمنا به لكونه دليلا لنا على صحة الشرع

ومعلوم أن الدليل مستلزم لصحة المدلول عليه فإذا قدر بطلان المدلول عليه لزم بطلان الدليل فإذا قدر عند التعارض أن يكون العقل راجحا والشرع مرجوحا بحيث لا يكون خبره مطابقا لمخبره لزم أن يكون الشرع باطلا فيكون العقل الذي دل عليه باطلا لأن الدليل مستلزم للمدلول عليه فإذا انتفى المدلول اللازم وجب انتفاء الدليل الملزوم قطعا

ولهذا يمتنع أن يقوم دليل صحيح على باطل بل حيث كان المدلول باطلا لم يكن الدليل عليه إلا باطلا

أما إذا قدم الشرع كان المقدم له قد ظفر بالشرع ولو قدر مع ذلك بطلان الدليل العقلي لكان غايته أن يكون الإنسان قد صدق بالشرع بلا دليل عقلي وهذا مما ينتفع به الإنسان بخلاف من لم يبق عنده لا عقل ولا شرع فإن هذا قد خسر الدنيا والآخرة

فكيف والشرع يمتنع أن يناقض العقل المستلزم لصحته؟ وإنما يناقض شيئا آخر ليس هو دليل صحته بل ولا يكون صحيحا في نفس الأمر

وأيضا فلو قدر أنه ناقض دليلا خاصا عقليا يدل على صحته فالأدلة العقلية الدالة على صحة الشرع متنوعة متعددة فلا يلزم من بطلان واحد منها بطلان غيره بخلاف الشرع المدلول عليه فإن قد قدر بطلانه لزم بطلان جميع ما يدل عليه من المعقولات

وأيضا فإن هؤلاء المعارضين للشرع بالعقل يدعون في معقولات معينة أنه عرفوا بهذا الشرع كدعوى الجهمية والمعتزلة ومن وافقهم أن الشرع إنما تعلم صحته بالدليل الدال على حدوث الأجسام المبني على أن الأجسام مستلزمة للأعراض والأعراض حادثة لامتناع حوادث لا أول لها

وهذا الدليل يعلم بالاضطرار من دين الإسلام أن العلم بصدق الرسول ليس موقوفا عليه لأن الذين أمنوا بالله ورسوله وشهد لهم القرآن بالإيمان من السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والتابعين لهم بإحسان لم يستدلوا على صدق الرسول بهذا الدليل

وحينئذ فلو قدر أن هذا الدليل صحيح لم يلزم من عدم الاستدلال به بطلان الإيمان بالرسول بل يمكن الاستدلال على صدق الرسول بالأدلة الأخرى كالأدلة التي استدل بها السلف وجماهير الأمة

وحينئذ فإذا قدر أن هذا المعقول المعين مناقض لخبر الرسول لم يلزم من تقديم خبر الرسول عليه القدح في أصل السمع الذي لا يعلم إلا به فكيف إذا كان هذا الدليل باطلا؟

فإنه حينئذ لا يجوز أن يعتمد عليه في إثبات شيء ولا نفيه فثبت أنه على كل تقدير لا يجب تقديمه على الشرع

ومن زعم من أهل الكلام أنه لا طريف إلى معرفة الصانع وصدق رسوله إلا هذا فإن من اجهل الناس شرعا وعقلا

أما الشرع فقد علم أن السابقين الأولين لم يستدلوا به

وأما العقل فإن قول القائل: إنه لا دليل إلا هذا قضية كلية سالبة وشهادة على النفي العام وإنه ليس لأحد من بني آدم علم يعلم به صدق الرسول إلا هذا وهذا مما لم يقيموا عليه دليلا بل لا يمكن أحد العلم بهذا النفي لو كان حقا فكيف إذا كان باطلا

وكذلك جميع ما يعارضون به الشرع من العقليات فإنه لا تخلو من أمرين: إن كانت صحيحة فلم تصح الدلالة في ذلك المسلك العقلي ولا يلزم من بطلانه بطلان دليل الشرع إذ كان للشرع أدلة عقلية تدل عليه غير ذلك المعين العقلي وإن كانت باطلة فهي من العقليات الباطلة وليست أصلا للشرع فيجب أن يعرف معنى كون العقل أصلا للشرع: أن المراد به أنه دليل

ونحن قد بينا أن كل ما عارض الشرع من العقليات فليس هو دليلا صحيحا فضلا عن أن يكون هو الدليل على صحة الشرع ولكن قبل أن نبين ذلك نقول: معلوم انه لا ينحصر الدال على صحة الشرع وفي دليل عقلي خاص بل غيره من الأدلة العقلية يدل على الشرع وحينئذ فلا يلزم من بطلان ذلك الدليل العقلي بطلان أصل الشرع فكيف إذا كان ذلك الدليل باطلا؟

فإن قيل: نحن إذا قدمنا العقل لم يبطل الشرع بل نفوضه أو نتأوله

قيل: إن لم يكن الشرع دال على نقيض ما سميتموه معقولا فليس هو محال النزاع وإن كان الشرع دالا فتفويضه تعطيل لدلالة الشرع وذلك إبطال له وإذا دل الشرع على شيء فالأعراض عن دلالته كالأعراض عن دلالة العقل

فلو قال القائل: أنا قد علمت مراد الشارع وأما المعقول فأفوضه لأني لم أفهم صحته ولا بطلاته فما أنا جازم بمخالفته لما دل عليه الشرع وقد رأيت المدعين للمعقولات مختلفين فما أنا واثق بهذا المعقول المناقض للشرع - كان هذا أقرب من قول من يقول: إن الله ورسوله لم يبين الحق بل تكلم بباطل يدل على الكفر ولم يبين مراده فإن المقدم للمعقول عند التعارض لا بد أن يقول: إن الشرع يدل على خلاف العقل: إما نصا وإما ظاهرا

وإلا فإذا لم يكن له دلالة بحال تخالف العقل امتنعت المعارضة وحينئذ فحقيقة قوله: إن الله - ورسوله - أظهر ما هو باطل وضلال وكفر ومحال ولم يبين الحق ولا هدى الخلق وإنما الخلق عرفوا الحق بعقولهم

والمقدم للشرع يقول: إن الله - ورسوله - بين المراد وهدى العباد وأظهر سبيل الرشاد ولكن هؤلاء المخالفون له ضلوا وأضلوا وهم الذين قال الله فيهم: { وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } [ البقرة: 176 ] فأنا أطعن فيما خالفوا به الرسول ونبذوا به كتاب الله وراء ظهورهم وخالفوا به الكتاب والسنة والإجماع لا اطعن في العقليات الصحيحة الصريحة الدالة على أن الرسول صادق بلغ البلاغ المبين فإن هذه المعقولات يمتنع معها أن يكون الرسول هو الرسول الذي وصفوه

فهذا القائل قد صدق بالمعقول الصريح والمنقول الصحيح وصدق بموجب الأدلة العقلية والنقلية

وأما ذاك القائل فإنه لم يتقبل بموجب الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وتبليغه وبيانه وهداه للخلق ولا قام بموجب الدليل الشرعي الذي دل عليه ما دل عليه نصا أو ظاهرا بل طعن في دلالة الشرع وفي دلالة العقل الذي يدل على صحة الشرع

فتبين أن ذلك المقدم للشرع هو المتبع للشرع وللعقل الصحيح دون هذا الذي ليس معه لا سمع ولا عقل

ومما يوضح هذا: أن ما به عرف صدق الرسول ﷺ فيما يبلغه عن الله تعالى وأنه لا يكون فيه كذب ولا خطأ يدل على ثبوت ذلك كله لا يميز بين خبر وخبر بل الدليل الدال على صدقه يقتضي ثبوت جميع ما أخبر به

وإذا كان ذلك الدليل عقليا فهذا الدليل العقلي يمنع ثبوت بعض أخباره دون بعض فمن أقر ببعض ما أخبر به الرسول دون بعض فقد أبطل الدليل العقلي الدال على صدق الرسول وقد أبطل الشرع فلم يبق معه لا عقل ولا شرع

وهذا الحال من آمن ببعض الكتاب دون بعض قال تعالى: { إن الذين يكفرون بالله ورسله ويريدون أن يفرقوا بين الله ورسله ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلا * أولئك هم الكافرون حقا وأعتدنا للكافرين عذابا مهينا } [ النساء: 150 - 151 ]

ولا ريب من أن قدم على كلام الله ورسوله وما يعارضه من معقول أو غيره وترك ما يلزمه من الإيمان به كما آمن بما يناقضه فقد آمن ببعض وكفر ببعض

وهذا حقيقة حال أهل البدع كما في كتاب الرد على الزنادقة والجهمية لأحمد بن حنبل وغيره من وصفهم بأنهم: ( مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مخالفة الكتاب )

وقوله: ( مختلفون في الكتاب ) يتضمن الاختلاف المذموم المذكور في قوله تعالى: { إن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد } [ البقرة 176 ]

وأما الاختلاف في قوله تعالى: { تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات وآتينا عيسى ابن مريم البينات وأيدناه بروح القدس ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر ولو شاء الله ما اقتتلوا ولكن الله يفعل ما يريد } [ البقرة: 253 ] فهذا الاختلاف يحمد فيه المؤمنون ويذم فيه الكافرون

وأما الاختلاف في الكتاب الذي يذم فيه المختلفون كلهم فمثل أن يؤمن هؤلاء ببعض دون بعض وهؤلاء ببعض دون بعض كاختلاف اليهود والنصارى كاختلاف الثنتين وسبعين فرقة

وهذا هو الاختلاف المذكور في قوله تعالى: { ولا يزالون مختلفين * إلا من رحم ربك } [ هود: 118 - 119 ] وفي قوله تعالى: { ومن الذين قالوا إنا نصارى أخذنا ميثاقهم فنسوا حظا مما ذكروا به فأغرينا بينهم العداوة والبغضاء } [ المائدة: 14 ] فأغرى بينهم العداوة والبغض بسبب ما تركوه من الإيمان بما أنزل عليهم

وهذا هو الوصف الثاني فيما تقدم من قول أحمد: ( مخالفون للكتاب ) فإن كلا منهم يخالف الكتاب

وأما قوله بأنهم ( متفقون على مخالفة الكتاب ) فهذا إشارة إلى تقديم غير الكتاب على الكتاب كتقديم معقولهم وأذواقهم وآرائهم ونحو ذلك على الكتاب فإن هذا اتفاق منهم على مخالفة الكتاب

ومتى تركوا الإعتصام بالكتاب والسنة فلا بد أن يختلفوا فإن الناس لا يفصل بينهم إلا كتاب منزل من السماء كما قال تعالى: { كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم فهدى الله الذين آمنوا لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } [ البقرة: 213 ]

وكما قال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر ذلك خير وأحسن تأويلا } [ النساء: 59 ]

وقال تعالى: { يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون * واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا واذكروا نعمة الله عليكم إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم فأصبحتم بنعمته إخوانا وكنتم على شفا حفرة من النار فأنقذكم منها } [ آل عمران: 102، 103 ]

ومن العجائب أنك تجد أكثر الغلاة في عصمة الرسول ﷺ أبعد الطوائف عن تصديق خبره وطاعة أمره ذلك مثل الرافضة والجهمية ونحوهم ممن يغلون في عصمتهم وهم مع ذلك يردون أخباره وقد اجتمع كل من آمن بالرسول على أنه معصوم فيما يبلغه عن الله فلا يستقر في خبره خطأ كما لا يكون فيه كذب فإن وجود هذا وهذا في خبره يناقض مقصود الرسالة ويناقض الدليل الدال على أنه رسول

وأما ما لا يتعلق بالتبليغ عن الله من أفعاله فللناس في العصمة منه نزاع وتفصيل ليس هذا موضعه ومتنازعون في أن العصمة من ذلك: هل تعلم بالعقل أو السمع؟ بخلاف العصمة في التبليغ فإنه متفق عليه معلوم بالسمع والعقل ومقصود التبليغ تصديقه فيما أخبر وطاعته فيما أمر فمن كان من أصله أن الدلالة السمعية لا تفيد اليقين أو أنه يقدم رأيه وذوقه على خبر الرسول لم ينتفع بإثبات عصمته المتفق عليها فضلا عن موارد النزاع من العصمة بل هم معظمون للرسول في غير مقصود الرسالة وأما مقصود الرسالة فلم يأخذوه عنه وصاروا في ذلك كالنصارى مع المسيح عليه السلام الذي أرسل إليهم فلم يتلقوا عنه الدين الذي بعث به بل غلوا فيه غلوا صاروا مشركين به لا مؤمنين به

وكذلك الغالية في الأنبياء وأهل البيت والمشايخ تجدهم مشركين بهم لا متبعين لهم في خبرهم وأمرهم فخرجوا عن حقيقة شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله

وهؤلاء يعزلون الأنبياء والرسل في أنفسهم عن الولاية التي ولاهم الله إياها باتفاق المسلمين ويعتقدون أنه ولاهم ولاية لو كانت حقا لم ينفعهم ذلك فكيف إذا كانوا كاذبين مشركين؟

ولهذا تجد فيهم من تحريف نصوص الأنبياء التي أخبروا بها عن الله وملائكته وكتبه ورسله ما يناقض مقصود أخبارهم

الوجه الثلاثون[عدل]

أن هذا الذي ذكرناه يفيد أن الشرع لا يمكن أن يخالفه العقل الدال على صحته بل هما متلازمان في الصحة وهذا القدر لا يمكن مؤمن بالله ورسوله أن ينازع فيه بل لا ينازع مؤمن بالله ورسوله أن العقل لا يناقض في نفس الأمر لكن الذي تقوله الجهمية والقدرية وغيرهم من أهل البدع أن تصديق الرسول ﷺ مبنى على الأدلة النافية للصفات والقدر كما يقولونه من أن صدق الرسول موقوف على قيام المعجزة الدالة على صدقه وقيام المعجزة موقوف على أن الله لا يؤيد الكذاب بالمعجزة وذلك موقوف على أن فعل الله قبيح والله لا يفعل القبيح وتنزيهه من فعل القبيح موقوف على أنه غني عنه العالم بقبحه والغني عن القبيح العالم بقبحه لا يفعله وغناه عنه موقوف على أنه ليس بجسم وكونه ليس بجسم موقوف على نفي صفاته وأفعاله لأن الموصوف بالصفات والأفعال جسم ونفي ذلك موقوف على ما دل عليه حدوث الجسم فلو بطل الدال على حدوث الجسم بطل ما دل على صدق الرسول

وأيضا فالدال على حدوث الجسم هو الدال على حدوث العالم وإثبات الصانع تعالى فإذا بطل ذلك بطل الدليل الدال على إثبات الصانع فصار العلم بإثبات الصانع وتصديق الرسول موقوفا على نفي الصفات والأفعال فإذا جاء في الشرع ما يدل على إثبات الصفات والأفعال لم يمكن القول بموجبه لأن ذلك ينافي دليل الصدق بل يعلم من حيث الجملة أن الرسول لم يرد به إثبات الصفات والأفعال إما لكذب الناقل عنه أو لعدم دلالة اللفظ عن الإثبات أو لعدم قصده الإثبات

ثم إما أن نقدر احتمالات يمكن حمل اللفظ عليها وإن لم يعين المراد وإما أن نعرض عن هذا ونقول: لا نعلم المراد

فهذا أصل قولهم ومن وافقهم في نفي بعض الصفات أو الأفعال قال بما يناسب مطلوبه من هذا الكلام فحقيقة قولهم إنه لا يمكن التصديق بكل ما في الشرع بل لا يمكن تصديق البعض إلا بعدم تصديق البعض الآخر

وحينئذ فدليلهم العقلي ليس دالا على صدق الرسول إلا على هذا الوجه فلا يمكنهم قبول ما يناقضه من نصوص الكتاب والسنة

وحينئذ فيقال لهم: لا نسلم أن مثل هذا هو الأصل الذي به علم صدق الرسول ﷺ بل هذا معارضة لقول الرسول بما لا يدل على صدقه فبطل قول من يقول: إنا إذا قدمنا الشرع كان ذلك طعنا في أصله

وهذه المقدمات التي ذكروها عامتها ممنوعه ويتبين فسادها بما هو مبسوط في موضع أخر

وإذا قال أحدهم: نحن لا نعلم صدق الرسول إلا بهذا أو لا نعلم دليلا يدل على صدق الرسول إلا هذا

قيل: لا نسلم صحة هذا النفي وعدم العلم ليس علما بالمعدوم وأنتم مكذبون لبعض ما جاء به الشرع وتدعون أنه لا دليل على صدق الرسول سوى طريقكم فقد جمعتم بين تكذيب ببعض الشرع وبين نفي لا دليل عليه فخالفتم الشرع بغير حجة عقلية أصلا

وإذا قال أحدهم: فما الدليل على صدق الرسول غير هذا؟

قيل: في هذا المقام لا يجب بيانه وإن كنا نبينه في موضع آخر بل يكفينا رد المنع ونحن نعلن بالاضطرار أن سلف الأمة وأئمتها كانوا مصدقين للرسول بدون هذا الطريق

يوضح هذا أن المعارضين الذين يقولون بتقديم العقل على الشرع قد اعترف حذاقهم بما يبين أن الشرع ليس مبنيا على معقول يعارض شيئا منه وبيان ذلك في :

الوجه الواحد والثلاثون

وهو أن نقول: قد ذكر أبو عبد الله الرازي في أجل كتبه نهاية المعقول ما ذكره غيره من أهل الكلام فقال الرازي: ( المطالب على ثلاثة أقسام: منها ما يستحيل العلم بها بواسطة السمع ومنها ما يستحيل العلم بها إلا من السمع ومنها ما يصح حصول العلم بها من السمع تارة ومن العقل أخرى أما القسم الأول: فكل ما يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته استحال تصحيحه بالسمع مثل العلم بوجود الصانع وكونه مختارا وعالما بكل المعلومات وصدق الرسول

أما العلم بحدوث العالم فذلك ما لا يتوقف العلم بصحة السمع على العلم بصحته لأنه يمكننا أن نثبت الصانع المختار بواسطة حدوث الأعراض أو بواسطة إمكان الأعراض على ما سيأتي تفصيل القول فيه ثم نثبت كونه عاما بكل المعلومات ومرسلا للرسل ثم نثبت بأخبار الرسول حدوث العالم )

قال: ( وبهذا يتبين خطأ قول من زعم أن أول الواجبات القصد إلى النظر الصحيح المفضى إلى العلم بحدوث العالم )

قلت: هذا القول الذي خطأه الرازي هو الذي ذكره أبو المعالي في أول الإرشاد كما ذكره طوائف من أهل الكلام: المعتزلة وغيرهم وهو قول من وافقه على هذا من المنتسبين إلى الأشعري وقالوا: إن العلم بحدوث العالم لا يمكن إلا بالعلم بحدوث الأجسام ولا يمكن ذلك إلا بحدوث الأعراض وليس هذا قول الأشعري وأئمة أصحابه فإن إثبات الصانع عندهم لا يتوقف على هذه الطريق بل قد صرح الأشعري في رسالته إلى أهل الثغر هو وغيره بأن هذا الطريق ليس هو طريق الأنبياء وأتباع الأنبياء بل هي محرمة في دينهم ولكن الأشعري لا يبطل هذه الطريق بل يقول: هي مذمومة في الشرع وإن كانت صحيحة في العقل وسلك هو طريق مختصرة من هذا وهو إثبات حدوث الإنسان بأنه مستلزم للحوادث وما لا يخلو من الحوادث فهو حادث ووافقهم على أن المعلوم حدوثه هو الأعراض: كالاجتماع والافتراق وأن ما يخلق من الحيوان والنبات والمعادن إنما تحدث أعراضه لا جواهره

وكذلك الخطابي وطائفة معه ممن يذم هذه الطريقة الكلامية التي ذمها الأشعري يوافقون على صحتها مع ذمهم لها

وأما جمهور الأئمة والعقلاء فهي عندهم باطلة وهذا مما يعلم معناه كل من له نظر واستدلال إذا تأمل حال سلف الأمة وأئمتها وجمهورها فإنهم كلهم مؤمنون بالله ورسوله ولم يكونوا يبنون الإيمان على إثبات حدوث الأجسام بل كل من له أدنى علم بأحوال الرسول وأصحابه يعلم انهم له يجعلوا العلم بتصديقه مبنيا على القول بحدوث الأجسام بل ليس في الكتاب ولا السنة ولا قول أحد من السلف والأئمة ذكر القول بحدوث الأجسام ولا إمكانها فضلا عن أن يكون فيها أن الإيمان بالله ورسوله لا يحصل إلا بذلك وقد بسط الكلام على هذا في مواضع

والمقصود هنا أن القول بأن أول الواجبات هو سلوك النظر في هذه الطريقة - هو في الأصل قول الجهمية والمعتزلة وإن وافقهم عليه طائفة غيرهم وهذه طريقة المعتزلة: كأبي علي وأبي هاشم وأبي الحسين البصيري وأمثالهم

وهم متنازعون في أن أول الواجبات النظر المفضى إلى العلم بحدوث العالم أو القصد إلى النظر أو الشك السابق على القصد على ثلاثة أقوال لهم معروفة

وقد اعترف الجمهور الذين خالفوا هؤلاء بأن إثبات الصانع لا يتوقف على هذه الطريق بل ولا حدوث العالم

وقد ذكر الرازي أن الطرق التي بها يثبت العلم بالصانع خمس طرق: الأول: الاستدلال بحدوث الذوات كالاستدلال بحدوث الأجسام المبني على حدوث الأعراض كالحركة والسكون وامتناع ما لا نهاية له وهذا طريق أكثر المعتزلة ومن وافقهم من الأشعرية كأبي المعالي وأمثاله

الثاني: الاستدلال بإمكان الأجسام وهذه عمدة الفلاسفة وهو مبني على أن الأجسام ممكنة لكونها مركبة

قلت: وهذا مبني على توحيد ابن سينا ومن وافقه من الفلاسفة المتضمن نفي الصفات

وجماهير العقلاء من المسلمين واليهود والنصارى والفلاسفة القدماء والمتأخرين يقدحون في موجب هذا الدليل وليس هو طريق أرسطو وقدماء الفلاسفة ولا طريقة ابن رشد وأمثاله من المتأخرين بل هذا المسلك عند جمهور العالم من أعظم الأقوال فسادا في الشرع والعقل وأما المسلك الأول فهو أيضا عند جمهور أهل الملل وجمهور الفلاسفة باطل مخالف للشرع والعقل

والمسلك الثالث: الاستدلال بإمكان الصفات على وجود الصانع سواء كانت الأجسام واجبة أو قديمة أو ممكنة وحادثه وهو مبني على تماثل الأجسام وهو باطل عند أكثر العقلاء وهو مبني على مقدمتين: إحداهما: أن اختصاص كل جسم بما له من الصفات لا يكون إلا لسبب منفصل

والثانية: أن ذلك السبب لا يكون إلا مخصصا ليس بجسم

قلت: وهاتان المقدمتان قد عرف نزاع العقلاء فيها وما يرد عليهما من النقض والفساد ومخالفة أكثر الناس لموجبهما

قال: ( المسلك الرابع: الاستدلال بحدوث الصفات والأعراض عن وجود الصانع كصيرورة النطفة إنسانا فهذا حادث والعبد غير قادر عليه فلا بد له من فاعل آخر لافتقار المحدث إلى المحدث: إما لأن ذلك معلوم بالضرورة كما يقول جمهور لعقلاء وإما لإثبات ذلك بالإمكان وما لإثباته بالقياس على ما يحدثه العباد )

قال: ( والفرق بين الاستدلال بإمكان الصفات وبين الاستدلال بحدوثها أن الأول يقتضي أن لا يكون الفاعل جسما والثاني لا يقتضي ذلك )

قال: ( والطريق الخامسة: وهي عائدة إلى الأربعة: الاستدلال بما في العالم من الإحكام والإتقان على علم الفاعل والذي يدل على علمه هو بالدلالة على ذاته أولى )

قلت: طريقة الاستدلال بما يشاهد حدوثه جاء بها القرآن واتفق عليه السلف والأئمة وقد اعترفوا بأن هذه الطريق تفضي إلى العلم بإثبات الفاعل ولا تقتضي كون الفاعل ليس بجسم وكذلك طريقة العلم لا تقتضي ذلك بخلاف الطرق الثلاثة المتقدمة

وإذا تبين ذلك فيقول القائل: إذا علمنا بإثبات الصانع بهذه الطريق التي اعترفتم بأنه يمكن العلم بإثبات الصانع وصدق رسله بها وليس فيها ما يقتضي أن الفاعل ليس بجسم لم يكن في الأدلة الشرعية المثبتة لصفات الله تعالى وأفعاله ما يناقض هذه الطريق لأن غاية ما يقوله النفاة أن إثبات الأفعال والصفات أو بعض ذلك يقتضي كون الموصوف الفاعل جسما وإثبات الصانع مبني على الدليل النافي لكونه جسما فلو قلنا بموجب النصوص تقديما لها على الدليل العقلي النافي للجسم لكنا قد قدمنا الشرع على أصله العقلي

فإذا كان قد تبين أن إثبات الشرع المبني على إثبات الصانع وصدق الرسول لا يتوقف على نفي الجسم علم بالضرورة أن الشرع المثبت للصفات والأفعال لا ينافي الدليل العقلي الذي به عرف إثبات ذلك فبطل قول من يدعي أنه قد يتعارض الدليل الشرعي المثبت لذلك وأصله العقلي النافي لذلك وهذا بين واضح ولله الحمد

اعتراض: إن عارضت الدليل العقلي الذي يعرف صحة الشرع

فإن قالوا: هب أن هذا الدليل العقلي الذي به يعرف صحة الشرع لا يعارضه الدليل الشرعي المثبت للصفات والأفعال لكن غيره من الأدلة العقلية ينافي ذلك - كان الجواب عنه من وجوه :

الجواب عنه من وجوه: الوجه الأول

أن المقصود بيان أن الشرع يمكن معرفة صدقه بدليل عقلي لا يعارض موجب الشرع وأما ما سوى ذلك من الأدلة فليس على الرجل أن يستدل بها والشيء إذا علمت صحته بدليل عقلي لم يجب أن تعلم صحته بكل دليل فقد تبين أنه يمكن الرجل أن يصدق بما أخبر به الشارع من أسماء الله وصفاته وأفعاله كإثبات العلو لله والصفات الخبرية من غير أن يعارض ذلك ما يكون أصلا للعلم بصحة السمع من الأدلة العقلية فتكون المعارضة بتلك الطريق التي يقال إنها عقلية معارضة بطرق لا يتوقف العلم بصحة السمع عليها فلا يلزم من تقديم الشرع عليها القدح في الأصل الذي به عرفت صحة الشرع وهذا هو المطلوب

الوجه الثاني[عدل]

أن يقال: تلك الطرق التي لم تدل على صحة الشرع مطلقا وإنما دلت على صدق الشارع فيما يخبر عنه من غير الصفات والأفعال التي تنفيها تلك الطرق وحينئذ فلا تكون دالة على صدق الرسول مطلقا

ومعلوم أن دليل الإيمان لا بد أن يدل على أن الرسول صادق في كل ما يخبر به مطلقا من غير تقييد بقيد فمتى كان الدليل إنما دل على صدقه بشرط أن لا يعارضه موجب ذلك الدليل صار مضمونه أن الرسول مصدق فيما لا يخالفني فيه وليس مصدقا فيما يخالفني فيه

ومعلوم أن هذا ليس إقرارا بصحة الرسالة فإن الرسول لا يجوز عليه أن يخالف شيئا من الحق ولا يخبر بما تخيله العقول وتنفيه ولكن يخبر بما تعجز العقول عن معرفته فيخبر بمحارات العقول لا بمحالات العقول

ولهذا قال الإمام أحمد في رسالته في السنة التي رواها عبدوس ابن مالك العطار قال: ليس في السنة قياس ولا يضرب لها الأمثال ولا تدرك بالعقول

هذا قوله وقول سائر أئمة المسلمين فإنهم متفقون على أن ما جاء به الرسول ﷺ لا تدركه كل الناس بعقولهم ولو أدركوه بعقولهم لاستغنوا عن الرسول ولا يجوز أن يعارض بالأمثال المضروبة له فلا يجوز أن يعارضه الناس بعقولهم ولا يدركونه بعقولهم فمن قال للرسول: أنا أصدقك إذا لم تخالف عقلي أو أنت صادق فيما لم تخالف فيه الدليل العقلي فإن كان يجوز على الرسول أن يخالف دليلا عقليا صحيحا لم يكن مؤمنا به وإن قدم على كلامه دليلا عقليا ليس بصحيح لم يكن مؤمنا به فامتنع أن يصح الإيمان بالرسول ﷺ مع هذا الشرط

الوجه الثالث[عدل]

أن تلك الطرق إذا أمكن العلم بصدق الرسول بدونها لم يكن العلم بالشرع محتاجا إليها وحينئذ فإذا عارضت الشرع كان المعارض له دليلا أجنبيا كما لو عارضه من كذبه واحتج على أنه كاذب

ولا ريب أن هذا من باب المعارضة للرسول فيما جاء به

كمعارضة المكذبين للرسل وحينئذ فيكون جوابه بما يجاب به أمثاله من الكفار الملحدين الطاعنين فيما جاء به الرسول أو في بعضه لا يكون جوابه ما يجاب به المؤمنون بالرسول الذي يقرون أنه لا يقول على الله إلا الحق

الوجه الرابع[عدل]

أنا لا نسلم صحة شيء من تلك الطرق حتى تكون دليلا يصلح أن يعارض به شيء من الأدلة: لا العلمية ولا الظنية ولا العقلية ولا غيرها فضلا عن أن يعارض بها كلام المعصوم الذي لا يقول إلا حقا وبيان فساد تلك الوجوه العقلية النافية للصفات والأفعال أو بعض ذلك مذكور بتفصيله في غير هذا الموضع

الوجه الخامس[عدل]

أن يقال: لا ريب أن النصوص دلت على إثبات الصفات والأفعال لله تعالى ولم تتعرض للجسم بنفي ولا إثبات والنفاة إنما ينفون ما ينفونه بناء على أن الإثبات يستلزم كون الموصوف جسما والعقل ينفي أن يكون جسما وأدلتهم على نفي الجسم إما دليل الإمكان وإما دليل الحدوث فليس لهم ما يخرج عن هذا

وحينئذ فيقال: إما أن يقال: وهذا إثبات ما أثبته الدليل الشرعي من الصفات والأفعال موجب لكون الموصوف بذلك ممكنا وحادثا وأن استلزم ذلك للحدوث أو الإمكان معلوم بالأدلة العقلية كما يقول النفاة - وإما أن لا يقال ذلك

فإن لم يقل ذاك أو قيل: ليس في الأدلة العقلية ما يدل على ذلك لم يكن معارضا

وإن قيل: بل ذلك يدل في العقل على أن الموصوف ممكن أو حادث فحينئذ إما أن نفسد ذلك الدليل المعارض على وجه التفصيل وإما أن يقال: قد علم بالعقل صدق الرسول وعلم أنه أثبت هذه الصفات والأفعال فالنافي لها لا يجوز أن يكون دليلا صحيحا لأن تعارض الأدلة الصحيحة ممتنع وحينئذ فكل من كان أعلم بدلالة الشرع على الإثبات وبضعف أدلة النفاة كان أعلم بهذا الكلام فيكون العلم بفساد هذه المعارضات تارة بطريق إجمالي وتارة بطريق تفصيلي كما يعلم فساد الحجج السوفسطائية فإن من علم الشيء علما يقينيا علم قطعا فساد ما يناقضه وإن لم يعلم تفصيل فساد تلك الحجج فمن علم صدق الرسول وأنه أخبر بأمر علم قطعا أنه لا يقوم دليل قطعي على نفيه

الوجه السادس[عدل]

أن هؤلاء الذين يرون تقديم عقولهم على كلام الله ورسوله عادتهم يذكرون ذلك في مسائل العلو والصفات الخبرية ونحو ذلك مما جاء به الكتاب والسنة

وهؤلاء يقولون: علمنا بأن الرسول أخبر بالعلو وبهذه الصفات علم ضروري من دينه أبلغ من علمنا بثبوت اللعان والشفعة وحد القذف وسجود التلاوة والسهو ونحو ذلك

وإذا كان ذلك معلوما بالاضطرار من دين الإسلام لم يكن أن يقال: إن الرسول لم يخبر به بل لا يمكن إلا أحد أمرين: إما تكذيب الرسول وإما رد هذه المعارضات المبتدعة

قالوا وعلمنا بصدق الرسول علم يقيني لا ريب يتخلله فالشبه القادحة في ذلك كالشبه القادحة في العلوم العقلية اليقينية وهذه من جنس شبه السوفسطائية فنحن نعلم فسادها من حيث الجملة من غير خوض في التفصيل

ولا ريب أن هذا الأصل مستقر في قلب كل مؤمن بالله ورسوله فإن أهل الإلحاد قد يذكرون له شبهات ويقدحون بها فيما جاء به الرسول في مواضع كثيرة وقد لا يكون للمؤمن خبرة بالمناظرة في ذلك لعدم العلم بعباراتهم ومقاصدهم في كلامهم كمن يتكلم بلفظ ( الجسم ) ( والجوهر ) ( والحيز ) ( الهيولى ) ( المادة ) ( والصورة ) ( الكلي ) ( والجزئي ) ( الماهية ) ونحو ذلك عند من ليس له خبره بهذه الأوضاع والاصطلاحات ويؤلفها تأليفا يتضمن القدح فيما أخبر الله به ورسوله فإن المؤمن يعلم فساد ذلك مجملا وإن لم يعرف وجه فسادها لا سيما إذا لم يكن خبيرا بطرق المناظرة وترتيب الأدلة وكيف يفسد المتعارض بالممانعة في موضعها ولمعارضة في موضعها ونحو ذلك ما يبين به فساد الأقوال الباطلة المعارضة للحق

وقول هؤلاء لنفاة الصفات نظير قول كل من آمن باليوم الآخر للملاحدة النفاة إذا قالوا: قد قام الدليل العقلي على نفي المعاد مطلقا أو نفي الأكل والشرب والنكاح ونحو ذلك في الجنة أو على نفي معاد البدن والنصوص المعارضة لذلك إما أن تأول وأما أن تفوض فإن المؤمنين بالآخرة من أهل الكلام وغيرهم قالوا لهم: نحن نعلم ثبوت المعاد بالاضطرار من دين الإسلام فلا يمكن دفع العلوم الضرورية فلو لم يكن المعاد حقا لزم: إما جحد كون الرسول أخبر به وإما جحد صدقه فيما أخبر وكلاهما ممتنع وإلا فمن علم أن الرسول أخبر به وعلم أنه لا يخبر إلا بحق - علم بالضرورة أن المعاد حق

وهنا بعينه يقوله مثبتو الصفات والأفعال للنفاة حذو القذة بالقذة فإن هؤلاء النفاة للصفات المثبتين للمعاد هم بين المؤمنين بالجميع كالسلف والأئمة وبين الملاحدة المنكرين للصفات والمعاد فالملاحدة تقول لهم: قولنا في نفي المعاد كقولكم في نفي الصفات فلا يستل بالشرع على هذا ولا على هذا لمعارضة العقل له والمؤمنون بالله ورسوله يقولون لهم: قولنا لكم في الصفات كقولكم للملاحدة في المعاد

فإذا قلتم للملاحدة: إثبات المعاد معلوم بالاضطرار من دين الرسول

قلنا لكم: وإثبات الصفات والعلو والأفعال معلوم بالاضطرار من دين الرسول

وقد تقدم من كلام الملاحدة كابن سينا ونحوه ما يبين ذلك وكل من تدبر كلام السلف والأئمة في هذا الباب علم أن الجهمية النفاة للصفات كانوا عند السلف والأئمة من جملة الملاحدة الزنادقة

ولهذا لما صنف الإمام أحمد ما صنفه في ذلك سماه الرد على الزنادقة والجهمية وكذلك ترجم البخاري آخر كتاب الصحيح بكتاب التوحيد والرد على الزنادقة والجهمية

وقال عبد الله بن المبارك: إنا لنحكي كلام اليهود والنصارى ولا نستطيع أن نحكي كلام الجهمية وقال يوسف بن أسباط وابن المبارك: أصول البدع أربعة: الشيعة والخوارج والمرجئة والقدرية قيل: والجهمية فقالا: ليست الجهمية من أمة محمد

ونقل مثل ذلك عن الزهري أنه قال: ليس الجعدي من أمة محمد ﷺ

كلام الدارمي في كتاب الرد على الجهمية

وقال عثمان بن سعيد الدارمي في كتاب الرد على الجهمية: ( ما الجهمية عندنا من أهل القبلة بل هؤلاء الجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا وأقبح تأويلا لكتاب الله ورد صفاته من الزنادقة الذين قتلهم علي وحرقهم بالنار )

قال: ( والزنادقة والجهمية أمرهما واحد ويرجعان إلى معنى واحد ومراد واحد وليس قوم أشبه بقوم منهم بعضهم ببعض )

قال: ( ولو كان جهم وأصحابه في زمن الرسول ﷺ وكبار التابعين لقتلوهم كما قتل علي الزنادقة التي ظهرت في عصره ولقتلوا كما قتل أهل الردة ألا ترى أن الجعد بن درهم أظهر بعض رأيه في زمن خالد بن عبد الله القسري فزعم أن الله لم يكلم موسى تكليما ولم يتخذ إبراهيم خليلا فذبحه خالد بواسط يوم عيد الأضحى على رؤوس من حضره من المسلمين لم يعبه به عائب ولم يطعن عليه طاعن بل استحسنوا ذلك من فعله وصوبوه

وكذلك لو ظهر هؤلاء في زمن أصحاب الرسول ﷺ ما كان سبيلهم عند القوم إلا القتل كسبيل أهل الردة وكما قتل علي من ظهر منهم في عصره وأحرقه وظهر بعضهم بالمدينة في عهد سعد بن إبراهيم بن عبد الرحمن بن عوف فأشار على وإلى المدينة يومئذ بقتله )

قال: ( ويكفي العاقل من الحجج في إكفارهم ما تأولنا فيه من كتاب الله وروينا فيه عن علي وابن عباس وما فسرنا من واضح كفرهم وفاحش مذهبهم وسنروي عن بعض من ظهر ذلك بين أظهرهم من العلماء

ثنا محمد بن المعتمر السجستاني كان من أوثق أهل سجستان وأصدقهم عن زهير بن نعيم البابي أنه سمع سلام بن أبي مطيع يقول: الجهمية كفار

وسمعت محمد بن المعتمر يقول: سمعت زهير بن نعيم يقول: سئل حماد بن زيد - وأنا معه في سوق البصرة - عن بشر المريسي فقال: ذلك كافر

قال عثمان بن سعيد: وبلغني عن يزيد بن هارون أنه قال: الجهمية كفار وقال: حرضت أهل بغداد غير مرة على قتل المريسي ثنا يحيى الحماني: ثنا الحسن بن الربيع: سمعت ابن المبارك يقول: من زعم أن قوله: { إنني أنا الله لا إله إلا أنا } [ طه: 14 ] مخلوق فهو كافر سمعت محبوب بن موسى الأنطاكي يذكر أنه سمع وكيعا يكفر الجهمية قال: وحدث عن سفيان الثوري عن حماد بن أبي سليمان أنه أكفر من زعم أن القرآن مخلوق وسمعت الربيع بن نافع أبا توبة يكفر الجهمية

وحدثنا الزهراني أبو الربيع قال: كان من هؤلاء الجهمية رجل وكان الذي يظهر من حاله الترفض وانتحال حب علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقال رجل ممن خالطه ويعرف مذهبه: قد علمت أنكم لا ترجعون إلى دين الإسلام ولا تعتقدونه فما الذي حملكم على الترفض وانتحال حب علي؟ قال: إذا أصدقك إنا إن ظهرنا رأينا الذي نعتقده رميناه بالكفر والزندقة وقد وجدنا أقواما ينتحلون حب علي ويظهرونه ثم يقعون بمن شاءوا ويعتقدون ما شاءوا فيقولون ما شاءوا فنسبوا بذاك إلى الترفض والتشيع فلم نر لمذهبنا أمرا ألطف من انتحال حب هذا الرجل ثم نقول ما شئنا ونعتقد ما شئنا ونقع بمن شئنا فلأن يقال: إنا رافضه وشيعة أحب إلينا من أن يقال: زنادقة وكفار وما علي عندنا بأحسن حالا من غيره ممن نقع بهم

قال أبو سعيد عثمان بن سعيد الدارمي: وصدق هذا الرجل فيما عبر عن نفسه ولم يراوغ وقد استبان لي ذلك في بعض كبرائهم ونظرائهم أنهم يستترون بالتشيع: يجعلونه تسبيبا لكلامهم وخطائهم وسلما وذريعة لاصطياد الضعفاء وأهل الغفلة ثم يبذرون بين ظهراني خطئهم بذر كفرهم وزندقتهم ليكون أنجع في قلوب الجهال وأبلغ فيهم ولئن كان أهل الجهل في شك من أمرهم إن أهل العلم منهم على يقين )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: قد قال عبد الرحمن بن مهدي وغيره من أئمة السنة: هما صنفان فاحذروهما: الجهمية والرافضة

وهذا الذي حكاه عثمان بن سعيد عن هذا الرجل هو لسان حال أئمة الجهمية المتشيعة كالقرامطة الباطنية من الإسماعيلية والنصيرية ونحوهم وهم رؤوس الملاحدة وأئمتهم وقد دخل كثير من إلحادهم على كثير من الشيعة والمتكلمين من المعتزلة والنجارية والضرارية والأشعرية والكرامية ومن أهل التصوف والفقه والحديث والتفسير والعامة

لكن عامة هؤلاء لا يعتقدون الزندقة بل يقرون بنبوة الرسول ﷺ لكن دخل فيهم نوع من الإلحاد وشعبة من شعب النفاق والزندقة أضعف إيمانهم وحصل في قلوبهم نوع شك وشبهة في كثير مما جاء به الرسول مع تصديقهم للرسول وتجدهم في هذا الباب في حيرة واضطراب وشك وارتياب لم يحققوا ما ذكره الله تعالى في قوله: { إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون } [ الحجرات: 15 ] ولكن ليس كل من دخل عليه شعبة من شعب النفاق والزندقة فقبلها جهلا أو ظلما يكون كافر منافق في الباطن بل قد يكون معه من الإيمان بالله ورسوله ما يجزيه الله عليه ولا يظلم ربك أحدا

تابع كلام الدارمي[عدل]

قال: أبو سعيد عثمان بن سعيد: ( والزندقة أكبر في نفوس أهل العلم من الارتداد ومن كفر اليهود والنصارى ولذلك قال ابن المبارك: لأن أحكي كلام اليهود والنصارى أحب ألي من أن أحكي كلام الجهمية حدثناه الحسن بن الصباح البغدادي عن علي بن شقيق عن ابن المبارك قال أبو سعيد: وصدق ابن المبارك إن في كلامهم ما هو أوحش من كلام اليهود والنصارى )

( وقال أبو سعيد: وذهبت يوما أحكي ليحيى بن يحيى كلام الجهمية لأستخرج منه نقضا عليهم وفي مجلسه يومئذ الحسين بن عيسى البسطامي وأحمد بن حريش القاضي ومحمد بن رافع وأبو قدامه السرخسي - فيما أحسب - وغيرهم من المشايخ فزبرني بغضب وقال اسكت وأنكر علي المشايخ الذين في مجلسه استعظاما أن أحكي كلام الجهمية وتشنيعا عليهم فكيف بمن يحكى كلامهم ديانة ! ثم قال يحيى: القرآن كلام الله فمن شك فيه أو زعم انه مخلوق فهو كافر )

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: وكلام السلف والأئمة في تكفير الجهمية وبيان أن قولهم يتضمن التعطيل والإلحاد كثير ليس هذا موضع بسطه

وقد سئل عبد الله ابن المبارك ويوسف بن أسباط فأجابا بما تقدم

وقد تبين أن الجهمية عندهم من نوع الملاحدة الذين يعلم بالاضطرار أن قولهم مخالف لما جاءت به الرسل بل إنكار صفات الله أعظم إلحادا في دين الرسل من إنكار معاد الأبدان فإن إثبات الصفات لله أخبرت به الرسل أعظم مما أخبرت بمعاد الأبدان

ولهذا كانت التوراة مملوءة من إثبات صفات الله وأما ذكر المعاد فليس هو فيها كذلك حتى قد قيل: إنه ليس فيها ذكر المعاد

والقرآن فيه من ذكر أسماء الله وصفاته وأفعاله أكثر مما فيه من ذكر الأكل والشرب والنكاح في الجنة والآيات المتضمنة لذكر أسماء الله وصفاته أعظم قدرا من آيات المعاد فأعظم آية في القرآن آية الكرسي المتضمنة لذلك

كما ثبت ذلك في الحديث الصحيح الذي رواه مسلم [ عن النبي ﷺ أنه قال: لأبي بن كعب: أتدري أي آية في كتاب الله أعظم؟ قال: { الله لا إله إلا هو الحي القيوم } [ البقرة: 255 ] فضرب بيده في صدره وقال ليهنك العلم أبا المنذر ]

وأفضل سورة سورة أم القرآن كما ثبت ذلك في [ حديث أبي سعيد بن المعلى في الصحيح قال له النبي ﷺ إنه لم ينزل في التوراة ولا الإنجيل ولا في الزبور ولا في القرآن مثلها وهي السبع المثاني والقرآن العظيم الذي أوتيته ] وفيها من ذكر أسماء الله وصفاته أعظم مما فيها من ذكر المعاد

وقد ثبت في الصحيح عنه ﷺ من غير وجه أن [: { قل هو الله أحد } تعدل ثلثي القرآن ]

وثبت في الصحيح [ أنه بشر الذي كان يقرأها ويقول: إني لأحبها لأنها صفة الرحمن: بأن الله يحبه ] فبين أن الله يحب من يحب ذكر صفاته سبحانه وتعالى وهذا باب واسع

الوجه السابع[عدل]

أن يبين أن الفطرة التي فطر الله عليها عباده والعلوم الضرورية التي جعلها في قلوبهم توافق ما أخبر به الرسول من علو الله على خلقه ونحو ذلك فالمعقول الضروري الذي هو أصل العلوم النظرية موافق للأدلة الشرعية مصدق لها لا مناقض معارض لها

الوجه الثامن[عدل]

أن يقال: الإرادات والقصود الضرورية التي تضطر العباد عندما يضطرون إلى أن يطلبوا من الله قضاء الحاجات وتفريج الكربات موافقة لما أخبر به الرسول لا معارضة لذلك

الوجه التاسع[عدل]

أن يقال: الأدلة العقلية البرهانية المؤلفة من المقدمات اليقينية هي موافقة لخبر الرسول لا معارضة له ومن كان له خبرة بالأدلة العقلية وتأليفها وتأمل أدلة المثبتة والنفاة رأى بينهما من الفرق أعظم مما بين القدم والفرق فإن أدلة الإثبات أدلة صحيحة مبنية على مقدمات يقينية خالصة من الشبهة وأما حجج النفاة فجميعها مبناها على ألفاظ مجملة متشابهة ومعان متشابهة ولهذا متى وقع الاستفسار والتفصيل لمجمل كلامهم ووقع البيان والتفصيل لمشتبه معانيهم تبين لكل عاقل فاهم أن النفاة جمعوا بين المختلفات وفرقوا بين المتماثلات وسووا بين الشيئين اللذين هما في غاية التباين لاشتراكهما في بعض الصفات

ولهذا كان مآل أمرهم إلى أن جعلوا الوجود واحدا فجعلوا وجود الخالق رب العالمين - الذي لا يماثله شيء من الموجودات بوجه من الوجوه ومباينته لكل موجود أعظم من مباينة كل موجود لكل موجود - هو وجود أحقر المخلوقات وأصغر المخلوقات أو مماثلا له لاتفاقهما في مسمى الوجود أو مسمى الذات أو الحقيقة وصار أئمتهم النظار في هذه المسألة التي هي أول ما ينبغي لذي النظر أن يعرفه في حيرة عظيمة فهذا يقول: الوجود واحد لاشتراك الموجودات في مسمى الوجود ولا يميز بين الواحد بالعين والواحد بالنوع أو الجنس اللغوي

وهذا يقول: وجوده وجود مطلق: إما بشرط الاطلاق وإما مطلقا لا بشرط وإما بشرط سلب جميع الأمور الثبوتية عنه وهذا يمتنع ثبوته عنه وهذا يمتنع ثبوته في الموجودات وإنما يكون مثل هذا فيما تقدره الأذهان لا فيما يوجد في الأعيان

وغاية من يجعل ذلك ثابتا في الخارج أن يجعل وجود الخالق هو وجود المخلوقات أو جزءا منها فيجعل افتقاره إلى المخلوقات كافتقار المخلوقات إليه كما يقول من يفرق بين الوجود والثبوت

وهذا يقول لفظ ( الوجود ) و( الذات ) وغيرهما مقول عليه وعلى الموجودات بالاشتراك اللفظي المجرد كاشتراك ( المشتري ) و( سهيل ) فتخرج الأسماء العامة الكلية كاسم ( الوجود ) و( الذات ) و( النفس ) و( الحقيقة ) و( الحي ) و( العالم ) و( القادر ) ونحو ذلك من مسمياتها وتسلبه العقول ما جعله الله فيها من المعاني والقضايا العامة الكلية وهذه خاصة العقل التي تميز بها عن الحس إلى أمثال هذه المقولات التي هي عند من فهمها وعرف حقيقة قول أصحابها ضحكة للعاقل من وجه وأعجوبة له من وجه ومسخطة له من وجه

ومثل هذه المعقولات لو تصرف بها في تجارة أو صناعة من الصناعات لأفسدت التجارة والصناعة فكيف يتصرف بها في الأمور الإلهية وفي صفات رب البرية ثم يعارض بها كلام الله الذي بعث به رسله وأنزل بها كتبه؟

فمن تبحر في المعقولات وميز بين البينات والشبهات تبين له أن العقل الصريح أعظم الأشياء موافقة لما جاء به الرسول وكلما عظمت بمعرفة الرجل بذلك عظمت موافقة الرسول

ولكن دخلت الشبهة في ذلك بأن قوما كان لهم ذكاء تميزوا به في أنواع العلوم: إما طبيعية كالحساب والطب وإما شرعية كالفقه مثلا وأما الأمور الإلهية فلم يكن لهم بها خبرة كخبرتهم بذلك وهي أعظم المطالب وأجل المقاصد فخاضوا فيها بحسب أحوالهم وقالوا فيها مقالات بعبارات طويلة مشتبهة لعل كثيرا من أئمة المتكلمين بها لا يحصلون حقائق تلك الكلمات ولو طالبتهم بتحقيقها لم يكن عندهم إلا الرجوع إلى تقليد أسلافهم

وهذا موجود في منطق اليونان وإلهياتهم وكلام أهل الكلام من هذه الأمة وغيرهم يتكلم رأس الطائفة كأرسطو مثلا بكلام وأمثاله من اليونان بكلام وأبي الهذيل والنظام وأمثالهما من متكلمة أهل الإسلام بكلام ويبقى ذلك الكلام دائرا في الأتباع يدرسونه كما يدرس المؤمنون كلام الله وأكثر من يتكلم به لا يفهمه

وكلما كانت العبارة أبعد عن الفهم كانوا لها أشد تعظيما وهذا حال الأمم الضالة كلما كان الشيء مجهولا كانوا أشد له تعظيما كما يعظم الرافضة المنتظر الذي ليس لهم منه حس ولا خبر ولا وقعوا له على عين ولا أثر

وكذلك تعظيم الجهال من المتصوفة ونحوهم للغوث وخاتم الأولياء ونحو ذلك مما لا يعرفون له حقيقة

وكذلك النصارى تعظم ما هو من هذا الباب وهكذا الفلاسفة تجد أحدهم إذا سمع أئمته يقولون: الصفات الذاتية والعرضية والمقوم والمقسم والمادة والهيولى والتركيب من الكم والكيف وأنواع ذلك من العبارات عظمها قبل أن يتصور معانيها ثم إذا طلب معرفتها لم يكن عنه في كثير منها إلا التقليد لهم

ولهذا كان فيها من الكلام الباطل المقرون بالحق ما شاء الله ويسمونها عقليات وإنما هي عندهم تقليديات قلدوا فيها ناسا يعلمون أنهم ليسوا معصومين إذا بين لأحدهم فسادها لم يكن عنده ما يدفع ذلك بل ينفي تعظيمه المطلق لرؤوس تلك المقالة ثم يعارض ما تبين لعقله فيقول: كيف يظن بأرسطو وابن سينا وأبي الهذيل أو أبي علي الجبائي ونحو هؤلاء أن يخفي عليه مثل هذا؟ أو أن يقول مثل هذا؟

وهو مع هذا يرى أن الذين قلدوا المعصوم الذي لا ينطق عن الهوى: { إن هو إلا وحي يوحى } [ النجم: 4 ] قد بخسوا أنفسهم حظها من العقل والمعرفة والتمييز ورضوا بقبول قول لا يعلمون حقيقته وهو مع هذا يقبل أقوالا لا يعلم حقيقتها وقائلين يعلم أنهم يخطئون ويصيبون

وهذا القدر قد تبينته من الطوائف المخالفين للكتاب والسنة - ولو في أدنى شيء ممن رأيت كتبهم وممن خاطبتهم وممن بلغني أخبارهم - إذا أقيمت على أحدهم الحجة العقلية التي يجب على طريقته قبولها ولم يجد له ما يدفعها به فر إلى التقليد ولجأ إلى قول شيوخه وقد كان في أول الأمر يدعوا إلى النظر والمناظرة والاعتصام بالعقليات والإعراض عن الشرعيات

ثم إنه في آخر الأمر لا حصل له علم من الشرعيات ولا من العقليات بل هو كما قال الله تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد } [ الحج: 3 ]

وكما قال تعالى: { ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير } [ الحج: 8 ]

وكما قال تعالى: { ونقلب أفئدتهم وأبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة ونذرهم في طغيانهم يعمهون } [ الأنعام: 110 ]

وكما قال: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } [ الفرقان: 44 ]

وكما قال تعالى: { ويوم يعض الظالم على يديه يقول يا ليتني اتخذت مع الرسول سبيلا * يا ويلتى ليتني لم أتخذ فلانا خليلا * لقد أضلني عن الذكر بعد إذ جاءني وكان الشيطان للإنسان خذولا } [ الفرقان: 27 - 29 ]

وكما قال: { يوم تقلب وجوههم في النار يقولون يا ليتنا أطعنا الله وأطعنا الرسولا * وقالوا ربنا إنا أطعنا سادتنا وكبراءنا فأضلونا السبيلا * ربنا آتهم ضعفين من العذاب والعنهم لعنا كبيرا } [ الأحزاب: 66 - 68 ]

وهذه النصوص فيها نصيب لكل من اتبع أحدا من الرؤوس فيما يخالف الكتاب والسنة سواء كانوا من رؤوس أهل النظر والكلام والمعقول والفلسفة أو رؤوس أهل الفقه والكلام في الأحكام الشرعية أو من رؤوس أهل العبادة والزهادة والتأله والتصوف أو من رؤوس أهل الملك والإمارة والحكم والولاية والقضاء

ولست تجد أحدا من هؤلاء إلا متناقضا وهو نفسه يخالف قول ذلك المتبوع الذي عظمه في موضع آخر إذ لا يصلح أمر دنياه ودينه بموافقة ذلك المتبوع لتناقض أوامره

بخلاف ما جاء من عند الله فإنه متفق مؤتلف فيه صلاح أحوال العباد في المعاش والمعاد

قال تعالى: { ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا } [ النساء: 82 ] وهذه الجمل مبسوطة في مواضع غير هذا

والمقصود هنا أن ننبه المسلم على أن العقل الصريح كلما أمعن في تحقيقه لا يكون إلا موافقا للشرع الذي جاءت به الرسل حتى تتبين لك صحة ما جاء به بالأدلة العقلية التي لا يحتاج فيها إلى خبر مخبر ولو كان معصوما لكن تتعاضد الأدلة السمعية والعقلية الخبرية والنظرية

كما قال تعالى: { سنريهم آياتنا في الآفاق وفي أنفسهم حتى يتبين لهم أنه الحق أولم يكف بربك أنه على كل شيء شهيد } [ فصلت: 53 ]

ولكن الناس متفاوتون في هذا بحسب ما يؤتيهم الله من العقل والمعرفة والنظر والاستدلال والتمييز فكل من كان أكمل في معرفة الصواب من هذا كان أكمل في معرفة الموافقة والمطابقة

وهذا أمر يخبر به من خبره فقد يكون الرجل قبل أن يستيقن ما جاءت به السنة عنده شبهة ووهم لظنه أنه قد عارضها ما يعارضها به المعارض: إما من عقلياته وإما من ذوقياته وإما من سياساته فإذا هداه الله وأرشده تبين له في آخر الأمر أن ما وافق الشرع هو المعقول الصريح وهو الذوق الصحيح وهو السياسة الكاملة وأن ما خالف ذلك هو من أمور أهل الجهل والظلم

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل: { ويهدي من يشاء إلى صراط مستقيم } [ يونس: 25 ]

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55