درء تعارض العقل والنقل/22

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
درء تعارض العقل والنقل
المؤلف: ابن تيمية


تابع كلام ابن سينا وتعليق ابن تيمية عليه[عدل]

وأما المقدمة الثانية فإنه قال: قد يجوز أن تكون ماهية الشيء سببا لصفة من صفاته وأن تكون صفة له سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة ولكن لا يجوز أن تكون الصفة التي هي الوجود للشيء إنما هي بسبب ماهيتة التي ليست هي الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب متقدم في الوجود ولا متقدم بالوجود قبل الوجود

فيقال له: هذه مبنية على أن ماهية الشيء مباينة لوجوده فنقول: إما أن تعني بالماهية والوجود: الماهية العلمية الذهنية والوجود العلمي الذهني وإما أن تعني بهما الماهية الموجودة في الخارج والوجود الثابت في الخارج وإما أن تعني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج وإما بالعكس

فإن عني الثاني فلا ريب أن الذي في الخارج هو الموجود المعين وهو الحقيقة المعينة والماهية المعينة ليس هناك شيئان ثابتان أحدهما هو الموجود والآخر ماهيته

ومن قال إن المعدوم شيء في الخارج أو أن الماهية مباينة للموجود الخارج كما قال هذا طائفة من المعتزلة وقال هذا طائفة من الفلاسفة فقوله في غاية الفساد كما هو مبسوط في موضعه

وإن عني بالماهية ما في الذهن وبالوجود ما في الخارج فلا ريب أن أحدهما مغاير للآخر وكذلك بالعكس وليس هذا مما يتنازع فيه العقلاء لكن لما غلب على مسمى الماهية الوجود الذهني وعلى مسمى الوجود الثبوت في الخارج وأحدهما غير الآخر توهم من توهم أن للموجود ماهية مغايرة للموجود المعين وهو غلط محض

وإذا كان كذلك فقول القائل يجوز أن تكون ماهية الشيء أو بعض صفاته سببا لصفة أخرى ولا يجوز أن تكون الماهية سببا للصفة التي هي الوجود لأن السبب متقدم على الوجود ولا يتقدم بالوجود على الوجود

كلام مبني على أصول فاسدة[عدل]

أحدها كون الموجود الثابت في الخارج صفة لماهية ثابتة في الخارج وهذا غلط بل نفس ما في الخارج هو الموجود الذي هو ماهيته والوجود إن عني به المصدر فذاك قائم بالواحد وإن عني به الموجود فهو الموجود فليس في الموجود وجود يزيد على حقيقته الموجودة

والثاني قوله إن الماهية أو صفتها تكون سببا لصفة أخرى مثل الفصل للخاصة

فإن عني بالماهية ما في النفس فليس هناك مسبب ولا سبب بل الذهن هو الذي يصور الجميع وإن عني بها ما في الخارج فالفاعل المعين مبدع لصفاتها اللازمة وصفاتها العارضة قد تكون موقوفة على شرط آخر وليست إحدى الصفتين اللازمتين سببا لها وإن كان قد يكون شرطا

الثالث أن لفظ السبب إن عني به الفاعل فالصفة لا تفعل الصفة ولا الماهية تفعل صفاتها اللازمة لا سيما عندهم حيث يقولون الواحد لا يكون فاعلا وقابلا وإن عني به ما يقف المسبب عليه ولو كان شرطا فالمحل حينئذ سبب وهم يزعمون أن الماهية قابلة لوجودها فتكون سببا لوجودها فتناقض قولهم

وأما عند التحقيق فيجوز أن تكون الماهية أو شيء من صفاتها شرطا في صفة أخرى ولو كنا ممن يقول إن في الخارج ماهية مغايرة لوجوده لجوزنا أن تكون الماهية شرطا لوجودها لأن الشرط لا يجب أن يتقدم المشروط بخلاف العلة فإنها تتقدم المعلول ولكن لما لم يكن في الخارج إلا الوجود الذي هو ماهية نفسه امتنع أن تكون هناك ماهية تكون شرطا لوجود نفسها أو لا تكون شرطا لوجود نفسها

ثم قال ابن سينا في تقرير توحيدهم واجب الوجود المتعين إن كان تعينه ذلك لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره وإن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول لأنه إن كان وجوب الوجود لازما لتعينه كان الوجوب لازما لماهية غيره أو صفة وذلك محال وإن كان عارضا فهو أولى أن يكون لعلة وإن كان ما تعين به لخصوصية ما لذاته يجب وجوده هذا محال وإن كان عروضه بعد تعين أول سابق فكلامنا في ذلك وباقي أقسامه محال

قلت وإيضاح هذا الكلام أنه إذا قدر واجبان كان قد اشتركا في مسمى الوجوب وامتاز كل منها عن الآخر بتعينه فإما أن يكون ما به الاشتراك لازما لما به الامتياز أو ملزوما أو عارضا أو معروضا فغن كان المشترك لازما كلزوم الحيوانية للإنسانية مثلا فهذا لا يجوز في هذا الموضع كما قال لأنه كان واجب الوجود لازما لتعينه كان الوجود الواجب لازما لماهية غيره وصفة وذلك محال

وإن كان المشترك وهو الوجوب عارضا للمختص وهو التعين الذي هو الماهية فهو أولى أن يكون لعلة والوجود الواجب لا يكون لعلة

وإن كان التعين عارضا للوجوب المشترك فهو لعلة كتعين آحاد النوع

ولهذا قال بعد هذا أعلم أن الأشياء التي لها حد نوعي واحد فإنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير على كثيرين فتعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون في طبيعة من حق نوعها أن توجد شخصا واحدا وأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل مجراه

قال فإذا كان ما تعين به عارضا للوجوب المشترك بالعروض لعلة فإن كانت تلك العلة وما به تعين الماهية واحدا بحيث تكون علة العروض هي علة التعين كانت تلك العلة علة الخصوص ما لذاته يجب وجوده فيكون لذات واجب الوجود علة وهو ممتنع وإن كان عروضه للوجوب المشترك بعد تعين أول سابق فالكلام في ذلك التعين السابق

وبقي من الأقسام قسم رابع وهو أن يكون ما به التعين الذي امتاز به كل منهما عن الآخر لازما للمشترك بينهما وهذا ممتنع في جميع المواد كما تقدم بتعين امتناع واجبي وجود ووجب أن يكون وجوب الوجود مستلزما للتعين فيكون تعينه لأنه واجب الوجود والمعلول لازما لعلته فلا يكون وجوب الوجود لغير المعين فهذا مراده بهذه الحجة

وقد ظن أبو عبد الله الرازي أن مراده بقوله إن كان تعينه ذلك لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره هو القسم الأول من الأقسام الأربعة التي جعل فيها الوجوب بلزوم التعين على تقدير ثبوت واجبين

قال وأما قوله إن لم يكن تعينه لذلك بل لأمر آخر فهو معلول هو القسم الذي جعل الوجوب فيه معروض ذلك التعين قال وقوله وإن كان ما تعين به عارضا لذلك فهو لعلة هو هذا القسم وأنه لم يذكر في إبطاله إلا قوله لو كان تعينه لا لكونه واجبا بل لأمر آخر فهو معلول وأنه أعاد هذا الكلام مرة أخرى وزاد في بيان بطلانه ما ذكره آخرا وأنه لو ذكر هذا الكلام حينما تعرض لإبطال القسم الثاني كان أقرب إلى الضبط

قلت وليس الأمر على ما ظنه بل الرجل ذكر أول التقدير المستلزم لوحدة الواجب ثم ذكر أربعة أقسام على تعدده وأبطلها بقوله واجب الوجود المتعين إن كان تعينه أي ذلك التعين الخاص لأنه واجب الوجود فلا واجب وجود غيره لأنه يكون وجوب الوجود يستلزم التعين الخاص فلا يوجد الملزوم بدون لازمة فلا يتحقق الوجوب إلا في ذلك المعين وهو المطلوب وإن لم يكن ذلك التعين لأجل وجوب الوجود فهو معلول وكون واجب الوجود معلولا ممتنع وهذا يعم الأقسام الأربعة لأنه حينئذ يكون المتعين علة غير وجوب الوجود كما ذكر بعد هذا أن الأشياء التي لها حد نوعي إنما تتعدد لعلل وتتعين بعلل أخرى إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصا واحدا وإذا كان للتعين علة غير وجوب الوجود فهو معلول كما أن تعين الإنسان معلول لغير الإنسانية ثم بين أنه يكون معلولا على التقديرات الأربعة فقال إن كان وجوب الوجود المشترك لازما للتعين أي لهذا التعين وهذا التعين الذي في الواجبين كما تلزم الإنسانية لهذا الإنسان وهذا الإنسان وهذا التعين الذي في الواجبين مما تلزم الإنسانية لهذا الإنسان وهذا الإنسان كان الوجود الواجب لازما أو صفة لماهية غيره وقد قال إن هذا محال في المقدمة الثانية وإن كان الوجود الواجب لازما أو صفة لماهية غيره وقد قال إن هذا محال في المقدمة الثانية وإن كان عارضا فهو أولى وإن كان معروضا فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو كون التعين المتعدد لازما للمشترك فهو أولى وإن كان معروضا فقد بين بطلانه وباقي أقسامه وهو كون التعين المتعدد لازما للمشترك فهو ممتنع في جميع المواد كما يمتنع أن يكون تعين الإنسان لازما للإنسانية لا يلزم أنه حيث وجد المشترك وجد المعين وهذا محال

قول الآمدي في الحقائق[عدل]

وإذا عرف أن هذا مقصودة فاعلم أن هذه الحجة يصوغها بعبارات متنوعة والمعنى واحد كما صاغها الآمدي في دقائق الحقائق في الفلسفة فقال الفصل الثاني في وحدانية واجب الوجود وأنه لا ضد له ولا ند وأنه قديم أزلي أما أن واجب الوجود واحد لا تعدد فيه ولا اشتراك فذلك لأن مسمى واجب الوجود لو كان مشتركا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه فإن اتفقا من كل وجه فلا تعدد إذ التعدد دون مميز محال وإن اختلفا من كل وجه فما به وقع الافتراق إن كان هو مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه أيضا وإن كان غيره فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا بينهما وعند ذلك فإما أن يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصص والتمايز أو لا يتم دونه الأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك متخصصا في الأعيان بدون ما به التخصص وهو محال والثاني يتوجب أن يكون واجبا لذاته وقد قيل إنه واجب لذاته وهذه المحالات إنما لزمت من القول بالاشتراك في مسمى واجب الوجود فلا اشتراك فيه فإذا واجب الوجود لا تعدد فيه بل نوعه منحصر في شخصه

قال والناظر المتبحر يزداد بإمعان النظر في هذه الحجة المحررة والبحث فيها مع نفسه وضوحا وجلاء فإن ما طول به من التشكيكات وأنواع التخيلات على غيرها من الحجج المذكورة في هذا الباب فلا اتجاه له ههنا

هذا قوله هنا وهذه الحجة هي التي ذكرها الآمدي عنهم وعن بعض أصحابه في كتاب أبكار الأفكار واعترض عليها باعتراضين سبقه إلى أحدهما الرازي في شرح الإشارات وهو أن الوجوب أمر سلبي لا ثبوتي فلا يتم الدليل حينئذ والثاني أن هذه الحجة منتقضة بوجود الله سبحانه مع وجود الممكنات فإنهما اتفقا في مسمى الوجود وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه فإما أن يكون المطلق مع المعين لازما أو ملزوما أو عارضا أو معروضا واعترض الرازي بإعتراض ثالث وهو أنه منع كون التعين وصفا ثبوتيا كما منع كون الوجوب وصفا ثبوتيا

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت أما إلزامهم لهم الوجود الممكن مع الواجب فهذا إلزام لازم لا محيد للفلاسفة عنه ولكن ليس فيه حل الشبهة واما منع كون الوجوب أمرا ثبوتيا فهو من نوع السفسطة فإن الوجود إذا كان ثبوتيا فوجوبه الذي هو توكده المانع من إمكان نقيضه كيف يكون عدميا ومعلوم أن اسم الوجود هو بالواجب أحق منه بالممكن

وأيضا فإن ما ذكره من التقسيم وارد سواء قيل إن المفهوم ثبوتي أو سلبي فإنه إذا كان سلبيا مشتركا امتنع أن يكون ملزوما للمختص فإن المشترك سواء كان وجوديا أو عدميا لا يستلزم المختص فإنه يقتضي أنه حيث وجد المشترك المطلق العام وجد كل واحد من أفراده الخاصة وامتنع أيضا أن يكون لازما للمختص إلا إذا كان الوجوب معلولا ولازما لغيره وهو قد ذكر إبطال هذا

وقد اعترض الرازي باعتراض آخر على احد قوليه في أن الوجود زائد على الماهية بان الماهية تكون علة للوجود وذكر أنه لا محذور في أن تكون الماهية إذا أخذت مطلقة لا بشرط وجود ولا عدم علة لوجود نفسها والماهية من حيث هي هي لا موجودة ولا معدومة

قلت الحجة مدارها على أن المطلق المشترك الكلي موجود في الخارج وهذا هو الموضع الذي ضلت فيه عقول هؤلاء حيث اعتقدوا أن الأمور الموجودة المعينة اشتركت في الخارج في شيء وامتاز كل منها عن الآخر بشيء وهذا عين الغلط

قلت والشخص المعين ليس له تعين غير هذا الشخص المعين لا ثبوتي ولا عدمي فإنه لم يكن مشاركا لغيره في أمر خارجي حتى يحتاج تعينه وتميزه عنه إلى وصف آخر ثبوتي أو سلبي وقولهم في القاعدة الكلية إن الأشياء التي لها حد نوعي إنما تختلف بعلل أخرى وأنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين إلا أن يكون من حق نوعها أن توجد شخصا واحدا فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فيعين كل واحد بعلة فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إلا إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه هو قول باطل وذلك أن الأشياء التي لها حد واحد نوعي لا وجود لها في الخارج مطلقة ولا عامة أصلا وإنما وجودها كذلك في الذهن فالسبب الفاعل للواحد منها هو الفاعل لذاته ولصفاته وهو الفاعل لذلك الواحد المعين وليس هنا شيئان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا وجودان أحدهما لنوعها والآخر لتشخصها بل ولا قابلان بل الموجود هو الأعيان المشهودة والفاعل إنما فعل تلك الأعيان لم يفعل أنواعا مطلقة كلية وإن كانت تلك تتصور في العلم فالكلام في الوجود الخارجي

وهذا مما يبين لك أن من قال المتفلسفة إنه سبحانه وتعالى يعلم الأشياء على وجه كلي لا جزئي فحقيقة قوله إنه لم يعلم شيئا من الموجودات فإنه ليس في الموجودات إلا ما هو معين جزئي والكليات إنما تكون في العلم لا سيما وهم يقولون إنما علم الأشياء لأنه مبدؤها وسببها والعلم بالسبب يوجب العلم بالمسبب ومن المعلوم أنه مبدع للأمور المعينة المشخصة الجزئية كالأفلاك المعينة والعقول المعينة وأول الصادرات عنه على أصلهم العقل الأول وهو معين فهل يكون من التناقض وفساد العقل في الإلهيات أعظم من هذا؟

وقولهم إنه إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة لتأثير العلل وهي المادة لم يتعين كقول القائل إذا لم يكن مع الواحد منها القوة القابلة وهي المادة لم توجد فإن وجودها هو بعينها لم يكن لها تحقق في الخارج غير وجودها المعين

وقولهم فأما إذا كان يمكن في طبيعة نوعها أن تحمل على كثيرين فتعين كل واحد بعلة كقول القائل فموجود كل واحد بعلة ومعلوم أن الممكن وجوده بعلة سواء كان قد انحصر نوعه في شخصه كالشمس أو كان مما لم ينحصر نوعه في شخصه كالإنسان فليس للمعين علتان إحداهما لنوعه والأخرى لشخصه بل العلة الموجبة لشخصه كافية في وجوده كوجود ما أنحصر نوعه في شخصه

وقوله فلا يكون سوادان ولا بياضان في نفس الأمر إذا كان الاختلاف بينهما في الموضوع وما يجري مجراه كقول القائل لا يكون سوادان إلا إذا كان كل منهما قائما في محل وكذلك السواد الواحد لا يوجد إلا في محل يقوم به وإذا قيل السوادان يفتقران إلى محلين وكذلك السواد الواحد فذلك لأجل كون السواد لا بد له من محل ولا يعقل تعدد السوادين بدون تعدد المحل كما لا يعقل وجوده بدون وجود المحل وما لا يفتقر إلى محل فتعدده لا يفتقر إلى محل كما أن واحده لا يفتقر إلى محل والتعين كالوحدة والتكثر كالتعدد وليس للعدد والوحدة في الخارج وجود غير المعدودات والمتوحدات وإنما وجود العدد المطلق والوحدة المطلقة والتعين المطلق في الأذهان لا في الأعيان كسائر المطلقات

وعلى هذا التقدير فواجب المتعين ليس لتعينه علة ولا سبب كما أنه ليس لوجوده علة ولا سبب وليس هناك في الخارج تعين زائد على نفسه المعينة لا ثبوتي ولا سلبي حتى يقال إن ذلك له علة وإن علته إما وجوب الوجود فلا يتعدد وإما أمر آخر فيكون وجوب الوجود معلولا

وإذا قدر واجبا وجود وقال القائل إنهما اشتركا في وجوب الوجود وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه

قيل له اشتركا في وجوب الوجود المطلق أو شارك كل منهما الآخر فيما يخصه من وجوب وجوده فأي شيء قال في ذلك قيل له وكذلك التعين فإنهما اشتركا في التعين المطلق وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه الذي يخصه فإذا قدرت وجوبا مطلقا فخذ معه تعينا مطلقا وإذا قدرت وجوبا معينا فخذ معه تعينا معينا وإذا قلت التعين المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج قيل لك والوجوب المطلق لا يكون إلا في الذهن لا في الخارج

وحينئذ فقولك ما به الاشتراك يكون لازما لما به الامتياز أو ملزوما أو عارضا أو معروضا

جوابه أن ليس في الخارج ما به الاشتراك وإنما في الخارج ما به الامتياز فقط وما جعلته مشتركا هو نظير ما جعلته مميزا يمكن فرض كل منهما مطلقا ومعينا

فإذا قلت اشتركا في الوجوب وامتاز كل منهما عن الآخر بتعينه

قيل لك اشتركا في وجوب مطلق كلي لا وجود له في الخارج كما اشتركا في تعين مطلق كلي وماهية مطلقة كلية وكل منهما ممتاز عن الآخر بما هو موجود فهو ممتاز عنه بوجوده الذي يخصه وهو حقيقته التي تخصه وهو نفسه وذاته وماهيته التي تخصه فما اشتركا فيه من الأمر الكلي الذهني لا يكون في الخارج فضلا عن أن يحتاج إلى مميز وما وجد في الخارج هو مميز عن غيره بنفسه المتناولة لذاته وصفاته المختصة به لا يحتاج إلى مميز آخر وإن شابهه أو ماثله

وإذا قيل: هو هو فهو باعتبار النوع لا باعتبار الشخص ومعنى ذلك أن الموجود في الخارج من هذا هو مثل الموجود في الخارج من هذا

فإذا قلت: هذان إنسانان اشتركا في الإنسانية وامتاز أحدهما عن الآخر بعينه أو بشخصه أو ما قلت من العبارات التي تؤدي هذا المعنى أمكن ان يقال: هذان الإنسانان اشتركا في أن كلا منهما له عين تخصه وله شخص ونحو ذلك فاشتركا في التعين والتشخيص وامتاز كل منهما عن الآخر بما يخصه من الإنسانية

وحقيقة الأمر أن كلا منهما ماثل الآخر ووافقه في أنه إنسان معين مشخص وكذلك إذا قدرنا موجودين: واجبا وممكنا أو موجودين: واجبين أو ممكنين فهذا الموجود وافق هذا الموجود في الوجود المطلق المشترك بمعنى انه شابهه في ذلك فهذا موجود: أي ثابت متحقق في الخارج وهذا موجود: أي ثابت متحقق في الخارج وكل منهما يفارق الآخر في نفس وجوده الذي يختص به وهو ذاته الموجودة في الخارج وليس بينهما اشتراك إلا في الخارج سواء كانا متماثلين: كالسوادين وحبتي الحنطة أو كانا مختلفين: كالسواد مع البياض والفرس مع الإنسان

فإذا قيل: إن السواد والبياض أو السوادين اشتركا في الوجود فهو كقولنا: اشتركا في التحقيق والثبوت وأن لكل واحد ماهية ولا يقتضي هذا تماثلهما في شيء من الأشياء فإن ما وجد في الخارج لكل منهما أمر يخصه فإذا لم يكن الموجود في الخارج منهما متماثلا كالسواد مع البياض لم يكونا متماثلين

وكذلك إذا قدر واجبان وقيل: اشتركا في الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر بالتعين

قيل: ما في الخارج ليس فيه اشتراك وإنما اشتركا في وجوب مطلق كلي كما اشتركا في تعين مطلق كلي وهذا الواجب المعين لم يشركه غيره في وجوبه المعين كما لم يشركه في تعينه المعين بل كل منهما حقيقته الموجودة في الخارج هي الشيء الموجود في الخارج كما أن حقيقه الممكن المحدث الموجودة في الخارج هي نفس الموجود في الخارج وليس في الخارج حقيقة سوى الشيء المعين الموجود حتى يقال: إن الوجود عارض لها أو لازم بل إن كان الشيء الموجود في الخارج من المحدثات كان موجودا تارة ومعدوما أخرى والموجود هي حقيقته الثابتة في الخارج والمعدوم تلك الحقيقة وهي مجعولة مفعولة مصنوعة وأما الحقيقة المتصورة في الذهن فتلك هي وجوده الذهني العلمي وتلك تحصل بالأسباب المحصلة للعلم كما تحصل الخارجة بالأسباب المحصلة للوجود وما ثم إلا هذا أو هذا فتقدير حقيقة لا في العلم ولا في الوجود تقدير مالا حقيقة له بل هو فرض ممتنع يتصوره الذهن كما يتصور ما لا يمكن وجوده لا في العلم ولا في الخارج فإن تصور مالا يمكن وجوده أعظم من تصورنا ما لا يوجد وهو متصور من هذه الجهة العامة حتى يحكم عليه بنفي التصور الخاص ولولا تميزه في الذهن مجملا لما أمكن الحكم على أفراده بالامتناع

ويبين هذا بالكلام على النظم الذي ذكره لهم الآمدي وجعله الغاية التي لا يرد عليها شيء وهو قوله لو كان وجوب الوجود مشتركا بين شيئين فالشيئان إما متفقان من كل وجه أو مختلفان من كل وجه أو متفقان من وجه دون وجه

إلى قوله وإن اتفقا من وجه دون وجه ومسمى واجب الوجود هو ما اشتركا فيه فمسمى واجب الوجود يكون مشتركا فإما أن يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصيص والتايز أو لا يتم بدونه والأول محال وإلا كان الأمر المطلق المشترك مشخصا في العيان بدون ما به التخصيص وهو محال والثاني يوجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا بذاته

قلت: فيقال لهم: قولكم إما أن يتم تحقيق مسمى واجب الوجود في كل واحد من الشيئين بدون ما به التخصيص أتعنون بذلك المسمى المطلق الكلي الذي لا يوجد إلا في الذهن؟ أم تعنون به المسمى الثابت في الخارج؟

أما الأول فلا يوجد في الخارج: لا فيهما ولا في أحدهما كما لا يوجد الحيوان المطلق الكلي ثابتا في الخارج: لا في هذا الحيوان ولا هذا الحيوان بل لا يوجد في الخارج إلا ما هو حيوان معين جزئي وإنسان معين جزئي وكذلك الإنسان المطلق الكلي وكذلك سائر المطلقات الكلية كالحيوان المطلق وهم يسلمون أنها لا توجد في الخارج كلية مطلقة وإنما يظنون أنها توجد جزءا من المعين وهذا أيضا غلط بل لا توجد إلا معينة مشخصة وليس في المعين المشخص ما هو مطلق ولا في الجزئي ما هو كلي فإن كون الكلي ينحصر في الجزئي والمطلق في المعين ممتنع

والآمدي قد بين فساد هذا في غير موضع من كتبه مثل كلامه على الفرق بين المطلق والمقيد والكلي والجزئي وغير ذلك وزيف ظن من يظن أن الكلي يكون جزءا من المعين وبين خطأ من يقول ذلك كالرازي وغيره فلو رجع إلى اصله الصحيح الذي ذكره في الكلي والجزئي والمطلق والمعين لعلم فساد هذه الحجة ولكن لفرط التباس أقوالهم وما دخلها من الباطل الذي اشتبه عليهم وعلى غيرهم تزلق أذهان كثير من الأذكياء في حججهم ويدخلون في ضلالهم من غير تفطن لبيان فسادها كالرازي والآمدي ونحوهما: تارة يمنعون وجود الصور الذهنية حتى يمنعوا ثبوت الكلي في الذهن وتارة يجعلون ذلك ثابتا في الخارج

ففي هذا الموضع أثبت الآمدي المسمى المشترك الكلي في الخارج وفي موضع آخر ينفيه مطلقا كما قال في إحكامه لما أراد الرد على الرازي في الأمر بالماهية الكلية: هل يكون أمرا بشيء من جزئياتها ام لا؟ فإن الرازي ذكر أن الأمر بشيء من المعينات أن لا يكون فاعل المعين ممتثلا بل الأمر بجميع الأفعال: كالأمر بالصلاة والزكاة والصوم والحج والعتق وإعطاء الفقراء فإنه أمر يشيء مطلق ومع هذا فإذا اعتق رقبة مما أمر به أجزأه ولو صام شهرين متتابعين في أول العام أو اوسطه أجزأه بخلاف آخره فإن فيه نزاعا لتخلل الفطر الواجب ومثل هذا كثير

وزعم الآمدي أن الأمر لا يكون بالماهية الكلية بل لا يكون إلا أمرا بالجزئيات وهذا صحيح باعتبار دون اعتبار فإذا أريد به أن لا يمكنه فعل المطلق إلا معينا فيكون مأمورا بأحد الجزئيات لا يعينه بطريق اللزوم كان صحيحا وأما إن أريد انه لم يؤمر إلا بمعين لا بمطلق فليس بصحيح

قول الآمدي في الإحكام[عدل]

قال الآمدي إذا أمر بفعل من الأفعال مطلقا غير مقيد في اللفظ بقيد خاص قال بعض أصحابنا: الأمر إنما تعلق بالماهية الكلية المشتركة ولا تعلق له بشيء من جزئياتها وذلك كالأمر بالبيع فإنه لا يكون أمرا بالبيع بالغبن الفاحش ولا ثمن المثل إذ هما متفقان في مسمى البيع ومختلفان بصفتهما والأمر إنما تعلق بالقدر المشترك وهو غير مستلزم لما يخصص به كل واحد من الأمرين فلا يكون الأمر المتعلق بالأعم متعلقا بالأخص إلا أن تدل القرينة على إرادة أحد الأمرين

قال ولذلك قلنا: إن الوكيل في البيع المطلق لا يملك البيع بالغبن الفاحش

قال الآمدي وهذا غير صحيح وذلك لأن ما به الاشتراك في الجزئيات معنى كلي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته فيلزم من ذلك انحصار ما يصلح لاشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح لذلك وهو محال

قال وعلى هذا فليس معنى اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي سوى أن الحد المطابق للطبيعة الموصوفة بالكلية مطابق للطبيعة الجزئية بل إن تصور وجوده فليس في غير الأذهان وإذا كان كذلك فالأمر طلب إيقاع الفعل على ما تقدم وطلب الشيء يستدعي كونه متصورا في نفس الطالب وإيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه فلا يكون متصورا في نفس الطالب فإذا الأمر لا يكون بغير الجزئيات الواقعة في الأعيان لا بالأمر الكلي

قال وإن سلم أن الأمر يتعلق بالمعنى الكي المشترك وهو المسمى بالبيع فإذا أتى المأمور ببعض الجزئيات فقد أتى بما هو مسمى البيع المأمور به

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: هذا الثاني صحيح فإن الآتي ببعض المعينات قد أتى بما امر به لكن الجمهور الذي يقولون: لا يصح بيعه بالغبن الفاحش يقولون لم يدخل هذا البيع المعين في المسمى المطلق في عرف الناس كما لم يدخل البيع بثمن مؤجل وثمن محرم ونحو ذلك

وأما قوله إنه لم يؤمر بكلي وإنه لا معنى لا اشتراك الجزئيات في المعنى الكلي وإلا مطابقة حد الكلي لحد جزئياته فهذا إسراف في النفي فإن الجزئيات تطابق حد بعضها بعضا وليس بعضها عاما مشتركا لسائرها

وقوله إيقاع المعنى الكلي في الأعيان غير متصور في نفسه صحيح إذا أريد به أن يجعل ذلك المعنى الذي في نفسه كليا هو نفسه موجودا في الخارج وهذا غير مراد فإن ما في النفس صفة قائمة بها لا يكون في الخارج وإنما المراد أن يوجد في الخارج ما يطابقه بحيث يكون ذلك المعنى الكلي الذهني متناولا له كما يقال: فعلت ما في نفسي كما قال تعالى { إلا حاجة في نفس يعقوب قضاها } يوسف 68 فالحاجة التي في نفسه إنما في نفسه تصورها وقصدها وقضاؤها له فعل ذلك المراد المتصور وهو امره لهم بما امرهم به من الدخول من أبواب متفرقة ومثل هذا كثير في كلام سائر الناس

ومنه قول عمر بن الخطاب: زورت في نفسي مقالة أردت أن أقولها

ويقال: كان في نفسي أن أحج وقد فعلت ما كان في نفسي

والمقصود هنا أن الآمدي هنا متعرف بأن المعنى الكي لا تصور لوجوده في الأعيان وإلا كان موجودا في جزئياته

قال: يلزم من ذلك انحصار ما يصلح لا اشتراك كثيرين فيه مما لا يصلح له وهو محال وهو كما قال فإنه إذا قال: إن المطلق جزء من المعين والكلي موجود في الجزئي فقد جعل الكي بعض الجزئي وبعض الشيء ينحصر فيه ثم أنهم يقولون: هو جزء من هذا المعين وهذا المعين وسائر الجزئيات فيلزم انحصاره في كل جزئي من جزئياته وانحصاره في واحد يمنع وجوده في غيره كما يمتنع وجود الجزئي في جزئي آخر فكيف يكون منحصرا في جزئي مع انحصاره في جزئي آخر فإن هذا جمع بين النقيضين مرات متعددة بل لا ينحصر كثرة

فلو كان الآمدي ذكر هذا في هذا الموضع لعلم بطلان هذه الحجة التي حررها لأتباع ابن سينا في كتابيه الكبيرين ولم يبن علتها ولعرف حلها ولم يقتصر على معارضتها

وكذلك الرازي يحتج بمثل هذه كثيرا مع أنه ينقضها كثيرا كما قال في ملخصه حكاية عن المتفلسفة: أما الكلي العقلي فالمشهور أن الصورة الذهنية أي وجوده بما هو هو في الذهن فقط لا في الخارج قالوا في بيان ذلك إن الأمر الموصوف بالكلية موجود: إما في الذهن وإما في الخارج وإلا لكان عدما صرفا ولو كان كذلك لاستحال أن يكون مشتركا فيه بين كثيرين ومحال أن يكون موجودا في الخارج لأن كل موجود في الخارج فهو مشخص معين ولا شيء من المشخص المعين بمشترك فيه بين كثيرين ينتج لا شيء من الموجود في الخارج بمشترك فيه بين كثيرين وكل كلي مشترك فيه بين كثيرين فلا شيء من الموجود في الخارج بكلي ولما بطل كون الكي موجودا في الخارج تعين كونه موجودا في الذهن فهذا الكلام الذي ذكره الرازي وحكاه عن الحكماء هنا كلام صحيح ولو التزموا موجبه لم يقولوا: إن في الخارج شيئا مشتركا كليا ولا أن الإنسانية الكلية موجودة في الخارج ولا أن الواجبين أو الموجودين إذا اشتركا في مسمى الوجود والوجوب كان ذلك المشترك الكلي متحققا في الخارج واحتاج حينئذ إلى ما به الامتياز

وتناقض القوم أكثر من أن يمكن ذكره هنا ومن تصور هذا المعنى علم بالاضطرار أن هذا الإنسان المعين هو حيوان معين وجسم معين وناطق معين وأنه ليس فيه شيء كلي مطلق مشترك بينه وبين غيره ولا الكلي المطلق المشترك بين الأعيان جزء منه ثابت في الخارج ومن جعل المطلقات الكلية ثابتة في الخارج وجزءا من العينات وأثبت في المعينات أمورا مطلقة فلا ريب أنه لم يتصور ما قال أو هو فاسد العقل بأي عبارة عبر عن ذلك مثل أن يقول: الماهية الكلية يعرض لها التعين او هي معروضة التعين أو هي غير مانعة من التعين أو جعلوا الكلية عارضة للتعين كقولهم: معروض الكلي في الخارج فإنهم لما ظنوا أن في الخارج كليا ومعينا صاروا تارة يجعلون هذا عارضا لذاك وتارة يجعلون ذاك عارضا لهذا ويقولون: الماهية يعرض لها أن تكون كلية وجزئية

وحقيقة الأمر أن الماهية الكلية إنما تكون كذلك في الذهن وما في الذهن لا يوجد في الخارج إلا معينا ومعنى وجوده وجود ما يطابقه: مطابقة العلم للمعلوم والاسم للمسمى والإرادة للمراد وإلا فعاقل يتصور ما يقول لا يقول: إن الكليات توجد في الخارج إلا إذا أراد به أن ما هو كلي في الأذهان يكون ثابتا في الأعيان لكن معينا وهؤلاء ينكرون على من يقول: المعدوم شيء ثابت في الخارج

وقوله وإن كان باطلا فقولهم أفسد منه وإن كانا يشربان من عين واحدة وهو اشتباه ما في الأذهان بما في الأعيان وكذلك الذين أثبتوا الأحوال في الخارج وقالوا: هي لا موجودة ولا معدومة شربوا أيضا من هذه العين وكذلك من ظن اتحاد العالم بالمعلوم والمحب بالمحبوب والعابد بالمعبود كما وقع لأهل الاتحاد المعين قد شرب من هذه العين المرة المالحة أيضا وكذلك من قال بالاتحاد المطلق تصور وجودا مطلقا في نفسه فظن أنه في الخارج فهؤلاء كلهم شربوا من عين الوهم والخيال فظنوا أن ما يكون في وهمهم وخيالهم هو ثابت في الخارج

هذا وهم ينكرون على أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة إذا أنكروا وجود قائم بنفسه موجود لا داخل العالم ولا خارجه ولا يشار إليه ويزعمون أن نفي هذا من حكم الوهم والخيال التابع للحس فإذا طولبوا بدليل يدل على إمكان وجود موجود لا داخل العالم ولا خارجه كان ملجؤهم وغياثهم هي هذه الكليات كما فزع إليها ابن سينا ومن أخذ ذلك عنه الرازي وأتباعه مثل الأصبهاني وغيره

قول ابن سينا في الإشارات عن الكليات[عدل]

قال ابن سينا في أول النمط الرابع الذي هو في الوجود وعلله اعلم أنه قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأن ما لا يناله الحس بجوهره ففرض وجوده محال وأن ما لا يتخصص بمكان أو بوضع بذاته كالجسم أو بسبب ما هو فيه كأحوال الجسم فلا حظ له في الوجود وأنت يتاتى لك أن تتأمل نفس المحسوس فتعلم منه بطلان قول هؤلاء إنك ومن يستحق أن يخاطب تعلمان أن هذه المحسوسات قد يقع عليها اسم واحد لا على سبيل الاشتراك الصرف بل بحسب معنى واحد مثل اسم الانسان فإنكما لا تشكان في أن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود فذلك المعنى الموجود لا يخلو إما أن يكون بحيث يناله الحس أولا يكون فإن كان بعيدا من أن يناله الحس فقد أخرج التفتيش من المحسوسات ما ليس بمحسوس وهذا أعجب

وإن كان محسوسا فله لا محالة وضع وأين ومقدار معين وكيف معين لا يتأتي أن يحس بل ولا أن يتخيل إلا كذلك فإن كل محسوس وكل وكل متخيل فإنه يتخصص لا محالة بشيء من هذه الأحوال وإذا كان كذلك لم يكن ملائما لما ليس بتلك الحال فلم يكن مقولا على كثيرين يختلفون في تلك الحال فإذا الإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل هو من حيث حقيقته الأصلية التي لا تختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي

قال ولعل قائلا منهم إن الإنسان إنما هو إنسان من حيث له اعضاء من يد ورجل وعين وحاجب ومن حيث هو كذلك فهو محسوس فننبهه ونقول إن الحال في كل عضو مما ذكرته أو تركته كالحال في الإنسان نفسه

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت يقال له قولك قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس إما أن تريد أن الوجود هو ما أحس الشخص المعين أو ما يمكن إحساسه في الدنيا أو ما يمكن الإحساس به ولو بعد الموت فأما الأول فلا يقوله عاقل فإنه ما من عاقل إلا ويعلم إما بخبر غيره وإما بنظره وقياسه ما لم يعلمه بحسه ومن حكى عن الراهمة أو غيرهم من الأمم انهم حصروا الموجودات في المحسوسات بمعنى انه ما لم يحسه الشخص المعين لا يصدق به وانه لا يصدق بالأخبار المتواترة وغيرها فلم يفهم مرادهم فإن أمة من الأمم لها بلاد يعيشون فيها لا بد أن يميز الرجل بين أمة وأبيه وأن يعرف من حوادث بلده وسير ملوكهم وعاداتهم ما لا يعرفه إلا بالخبر وهذا نظير إلا بالخبر وهذا نظير حكاية من حكى أن أمة من الأمم يقال لهم السوفسطائية ينسبون إلى رجل يقال له سوفسطا يجحدون الحقائق أو علمهم بجميع الحقائق أو يقفون أو يجعلون الحقائق مطلقا تابعة للعقائد فإن هذا لا يتصور أن تكون عليه أمة من الأمم لهم بقاء في الدنيا وإنما السفسطة كلمة معربة أصلها سوفسقيا وهي كلمة يونانية أي حكمة مموهة بالسفسطة أي الكلام الباطل المشبه للحق وهذا يعرض لكثير من الناس أو لأكثرهم في كثير من الأمور لا في جميعها فإنه كما تعرض الأمراض للأبدان كذلك تعرض الأمراض للنفوس مرض الشبهات والشهوات

وفي الحديث المأثور: إن الله يحب البصر الناقد عند ورود الشبهات ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات رواه البيهيقي مرسلا وزاد فيه بعضهم: ويحب السماحة ولو بكف من تمرات ويحب الشجاعة ولو على قتل الحيات

ولكن البراهمة أنكرت ما سوى هذا الموجود المحسوس كما هو قول الطبيعية من الفلاسفة وقول الفرعونية ونحوهم وهذا هو المردود عليهم وسيأتي بيان ذلك في حكاية الإمام أحمد مناظرتهم لجهم ويمكن أن الراهمة أو بعضهم قال مالا يمكن معرفته بالحس ألبته فهو ممتنع وهذا قول أكثر أهل الأرض من أهل الملل وغيرهم وهو القول الذي أنكره ابن سينا وأراد إبطاله

لكن هؤلاء نوعان: منهم من أنكر مالا يحسه عموم الناس في الدنيا حتى أنكر الملائكة والجن بل وجحد رب العالمين سبحانه فهؤلاء هم الكفار الدهرية المعطلة المحضة

وابن سينا وأمثاله يردون على هؤلاء لكن يردون عليهم أحيانا بحجج فاسدة

وهذا هو القسم الثاني وهو إنكار الإنسان مالا يحس في الدنيا

وأما القسم الثالث وهو أن الموجود هو ما يمكن الإحساس به ولو في الآخرة وأن ما أخبرت به الرسل من الغيب كما أخبرت به عن الجنة والنار وعن الملائكة بل وإخبارهم عن الله تعالى هو مما يمكن معرفته بالحس كالرؤية

فهذا قول جماهير أهل الإيمان بالرسل وسلف الأمة وأئمتها فإنهم متفقون على أن الله يرى في الآخرة عيانا كما يرى الشمس والقمر وأنه لا يلزم من تعذر رؤية الشيء في حال تعذر رؤيته في حال أخرى بل قد يرى الشيء في حال دون حال كما أن الأنبياء يرون مالا يراه غيرهم من الملائكة وغيرها بل والجن يراهم كثير من الناس

وإن ادعى أن من الموجودات القائمة بأنفسها مالا يمكن أن يعرف بالإحساس في حال من الأحوال فهذا قول باطل ولا دليل له لعيه وهذا قول الجهمية الذين ينكرون رؤية الله تعالى

وقد اتفق سلف الأمة وأئمتها على بطلان قولهم وفساد قولهم يعلم بالعقل الصريح كما يعلم بالنقل الصحيح وهؤلاء في نفس الأمر من أجهل الناس وأضلهم وإن كانوا عند أنفسهم من أعقل الناس وأعرفهم فهم كما قال تعالى: { الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم إن في صدورهم إلا كبر ما هم ببالغيه } غافر 56

وكما قال تعالى { وإذا قيل لهم آمنوا كما آمن الناس قالوا أنؤمن كما آمن السفهاء ألا إنهم هم السفهاء ولكن لا يعلمون } البقرة 13

وقوله: { فلما جاءتهم رسلهم بالبينات فرحوا بما عندهم من العلم وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } غافر 83

وأما حجته على إثبات وجود ما ليس بمحسوس فقد احتج بالكليات

فيقال له: قولك: إن هذه المحسوسات يقع عليها اسم واحد بحسب معنى واحد مثل اسم الإنسان فإن وقوعه على زيد وعمرو بمعنى واحد موجود

فيقال له: لأتعني أن هذا المعنى الواحد الذي يشترك فيه زيد وعمرو هو معنى واحد قائم بالعالم كالإنسان؟ كما أن لفظ إنسان قائم بالناطق وكما أن خط زيد قائم باللوح الذي فيه الخط؟

أم تعني أن ذلك المعنى الواحد هو موجود في الخارج في زيد وعمرو أو في غيرهما؟

أما الأول فصحيح ولاحجة لك فيه

وأما الثاني فقولك في المعنى كقول من يطرد قولك ويجعل لفظ الإنسان الواقع على زيد وعمرو موجودا في الخارج قائما بزيد وعمرو ويجعل الخط المطابق للفظ ثابتا في الخارج عن اللوح قائما بزيد وعمرو إذا كل عاقل يعلم أن الخط مطابق للفظ وأن اللفظ مطابق للمعنى وأن عموم المعنى الواحد كعموم اللفظ الواحد المطابق له

فإذا قال القائل إنسان كان للفظه وجود في لسانه وللمعنى وجود في ذهنه ووقوعه هذا على زيد وعمرو كوقوع هذا على زيد وعمرو وهذا هو المعنى الذي سميته معقولا وجعلته معقولا صرفا وهل يكون المعقول الصرف إلا في الحي العاقل؟ فإن المعقول الصرف الذي لا يتصور وجوده في الحس هو مالا يوجد إلا في العقل وما لا يوجد إلا في لاعقل لم يكن موجودا في الخارج عن العقل فالتفتيش الذي أخرج من المحسوس ما ليس بمحسوس أخرج منه المعقولات المحضه التي يختص بها العقلاء وهي الكليات الثابتة في عقول العقلاء فإن الإنسان إذا تصور زيدا أو عمرا ورأى ما بينهما من التشابه انتزع عقله من ذلك معنى عاما كليا معقولا لا يتصور أن يكون موجودا في الخارج عن العقل

فهذا هو وجود الكليات وهذه الكليات المعقولة أعراض قائمة بالذات العاقلة بل يمكن وجود أعيان في الخارج من غير أن يعقل الإنسان كلياتها ويمكن وجود كليات معقولة في الأذهان لا حقيقة لها في الخارج كما يعقل الأنواع الممتنعة لذاتها وغير ذلك فمن استدل على إمكان الشيء ووجوده في الأعيان بإمكان تصوره في الأذهان كان في هذا المقام أضل من بهيم الحيوان

قال تعالى: { ولقد ذرأنا لجهنم كثيرا من الجن والإنس لهم قلوب لا يفقهون بها ولهم أعين لا يبصرون بها ولهم آذان لا يسمعون بها أولئك كالأنعام بل هم أضل } الأعراف: 179 وقال تعالى: { والذين كذبوا بآياتنا صم وبكم في الظلمات } الأنعام 39

وقال تعالى { أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنها لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور } الحج 46

وقال تعالى: { أم تحسب أن أكثرهم يسمعون أو يعقلون إن هم إلا كالأنعام بل هم أضل سبيلا } الفرقان 44

وقال تعالى: { ولقد مكناهم فيما إن مكناكم فيه وجعلنا لهم سمعا وأبصارا وأفئدة فما أغنى عنهم سمعهم ولا أبصارهم ولا أفئدتهم من شيء إذ كانوا يجحدون بآيات الله وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون } الأحقاف 26

وقولهم: فالإنسان من حيث هو واحد بالحقيقة بل من حيث الحقيقة الأصلية التي لا يختلف فيها الكثرة غير محسوس بل معقول صرف وكذلك الحال في كل كلي هو من الأقوال الملبسة فإن هذه الحقيقة إما أن تعني بها ما يتصوره المعقول من الإنسان أو ما يوجد منه أو شيء ثالث

فأما شيء ثالث فلا حقيقة له فإن كان له حقيقة فبينوها فإنا نعلم بالاضطرار أنه ما في الوجود إلا ما هو موجود في نفسه أو ما هو متصور في الذهن إذ العقل أو العلم ونحو هذه الأمور مما ليس بحاصل في العلوم والأذهان ليس بموجود في الأعيان فلا حقيقة له البتة ولكن الناطق بهذه العبارة يتصور في نفسه مالا حقيقة له كتصور إنسان ليس بموجود في الخارج

فإذا قلت: الإنسان من حيث هو هو مع قطع النظر عن ثبوته في العلم أوالعين

قلت لك: تقديره مطلقا لا بشرط من حيث هو هو - هو أيضا من تقديرات الأذهان فإذا كان مالا يوجد إلا مقدرا في الأذهان وفرضته غير مقدر في الأذهان جمعت بين النقيضين

فإن قلت: أنا يمكنني أن أتصور إنسانا مطلقا مع قطع النظر عن وجوده في الذهن والخارج

قلت: تصوره مطلقا غير مقيد بالذهن ولا بالخارج شيء وتصوره مقيدا بسلب الذهن والخارج شيء آخر فأما الأول فأنت لم تتصور معه سائر لوازمه وتصور الملزوم دون لوازمه ممكن كما تتصور إنسانا مع قطع النظر عن وجوده وعدمه وإن كان لا يخلو عن واحد منهما فهذا تصور للشيء دون لوازمه

وأما تصوره مقيدا بسلب الوجود الذهني والخارجي فهو من باب تصور الجمع بين النقيضين أو رفع النقيضين وهو كتصور إنسانا مقيد بكونه لا موجودا ولا معدوما ومجرد فرض هذا ف بالذهن يوجب العلم بامتناعه

وأما الأول فلا يوجب تصور الملزوم بدون لازمة إمكان وجوده في الخارج بدون لازمة فكونه إما في الذهن وإما في الخارج هو من لوازمه ويمكن تصور الملزوم فإن عدم العلم بالشيء ليس علما بعدمه وهذا كما يمكنك تصور إنسان مع قطع النظر عن وجوده وعدمه وإن كان لا بد له إما أن يكون موجودا أو معدوما لامتناع الخلو عن النقيضين

وهؤلاء يجعلون تقدير الذهن للممتنعات حجة على ثبوتها ويشبهون الوجود الواجب بالوجود الممتنع وهذا كما أن الإنسان يتصور علما مطلقا وقدرة مطلقة مع علمه بان ذلك لا يكون إلا بذات حية عالمة قادرة

وكذلك يتصور الإنسان حيوانا مطلقا ولا يتصور مع ذلك انه ناطق أو بهيم ولا يخلد ولا يموت ولا يعلم ولا يجهل ولا يعجز ولا يقدر ولا يسكن ولا يتحرك فهل يستدل بتصوره ذلك في عقلة على أنه يوجد؟ أو يمكن أن يوجد في الخارج حيوان مطلق يخلو عن هذه المتقابلات كلها فلا يموت ولا يخلد ولا يقدر ولا يعجز؟

ومن المعلوم أن مقدرات الأذهان ومتصورات العقول يحصل فيها مالا وجود له في الخارج تارة بأن لا يوجد ما يطابقه وهو الوهم وتارة مع وجود ما يطابقه كمطابقة الاسم للمسمى والعلم للمعلوم وهو مطابقة ما في الذهن لما في الخارج ومطابقة الصورة العلمية لمعلوماتها الخارجية

وإذا قيل في هذه الصورة إنها كلية فهو كقولنا في الاسم إنه عام

والمراد بذلك أنها مطابقة لأفرادها مطابقة اللفظ العام والمعنى العام لأفراده ن وهي مطابقة معلومة متصورة لكل عاقل لا تحتاج إلى نظير وإذا شبهت بمطابقة الصورة التي في المرآة أو مطابقة نقش الخاتم للشمع ونحو ذلك كان ذلك تقريبا وتمثيلا وإلا فالحقيقة معلومة وكل عاقل يعلم مثل هذا من نفسه

واعلم أنه بالكلام على هذه الحجة التي لهؤلاء المتفلسفة في التوحيد يتبين الكلام على حجتهم الثانية وهي قولهم: لو كان واجبان لا يشتركان في مسمى الوجوب وامتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه فكان كل منهما مركبا مما به الاشتراك ومما به الامتياز والمركب مفتقر إلى جزئه فلا يكون واجبا

فإنه يقال لهم: إنما اشتركا في المطلق الذهني لم يشارك أحدهما الآخر في شيء موجود في الخارج حتى يكون في ذلك الموجود تركيب وكل منهما يمتاز عن الآخر بالوجوب الذي يخصه كما امتاز عنه بحقيقته التي تخصه والوجود الذي يخصه

ويقال لهم: هذا كاشتراك الموجود الواجب والموجود الممكن في مسمى الوجود مع امتياز هذا بما يخصه وهذا بما يخصه فإن الوجوب المشترك الكلي ليس هو ثابتا في الخارج بل للواجب وجود يخصه وللممكن وجود يخصه كما أن لهذا حقيقة تخصه ولهذا حقيقة تخصه

وكذلك إذا قيل لهذا ماهية تخصه ولهذا ماهية تخصه فإنهما يشتركان في مسمى الماهية ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يختص به وإنما اشتركا في المسمى المطلق الكلي وامتاز كل منهما عن الآخر بالوجود الذي في الخارج وذلك لا يكون إلا في الذهن وما امتازا به هو موجود في الخارج وقد يتصور في الذهن فإن ما في الخارج يتصور في الذهن وليس كل ما يتصور في الذهن يكون في الخارج فلم يكن ما به الاشتراك مفتقرا إلى ما به الامتياز ولا ما به الامتياز مفتقرا إلى ما به الاشتراك بل لاشركة في الأعيان الموجودة الجزئيات ولا امتياز في الكليات المطلقة بالمعقولات أعني من حيث تناولها وشمولها لأفرادها بل تناولها لأفرادها تناول واحد وشمولها شمول واحد

وهذا المعنى الواحد الشامل هو كاللفظ الواحد الشامل العام واشتراك الموجودين في الوجود أو الواجبين في الوجوب مع ما بينهما ف بالخارج من الامتياز والاختصاص كاشتراك اللونين في اللونية مع أن هذا في الخارج سواد وهذا بياض فإذا قلت: السواد مركب من اللونية والسوادية كما تقول: الموجود مركب من الحيوانية والناطقية

قيل لك أتعني أنه مركب من لونية مطلقة لا تخصه ومن السوادية التي تخصه ومن الوجود المطلق الذي لا يخصه والوجوب الذي يخصه ومن الحيوانية المطلقة التي لا تخصه والناطقية التي تخصه؟ أم مركب من نفس لونيته الخاصة وسواديته ومن نفس وجوده الخاص ووجوبه ومن الحيوانية التي تخصه وناطقيته؟

فأما الأول فباطل فإنه ليس فيه شيء مطلق: لا لونية مطلقة ولا حيوانية مطلقة ولا وجودية مطلقة

وإن عنيت الثاني فلونيته الخاصة وسودايته متلازمان وكذلك حيوانيته الخاصة وناطقيته وكذلك وجوده الخاص ووجوبه فكما لا يمكن تقدير هذا اللون المعين الذي هو سواد بدون السواد فلا يمكن تقدير هذا الحيوان المعين الذي هو ناطق بدون النطق ولا يمكن تقدير هذا الموجود المعين الذي هو واجب بدون الوجود فإن هذا الحيوان هو الحيوان المعين والواجب هو الموجود المعين ولا يتميز في الخارج سواد من لون كما لا يتميز ناطق عن حيوان ولا وجود عن وجوب بل الذهن يعقل ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية ويميز بين ذلك ما يعقله ما بين هذا السواد وسائر الألوان من المشابهة في اللونية ويميز بين ذلك ما يعقله بينه وبين سائر السوادات من المشابهة ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب عقلي اعتباري وكذلك يعقل ما بين هذا الإنسان وغيره من الحيوان من المشابهة في الحيوانية وما بينه وما بين سائر الإناسي من المشابهة في الإنسانية ويضم هذا إلى هذا وهو تركيب عقلي اعتباري

ومن قال: إن الإنسان مركب من الحيوان والناطق وهو يعقل ما يقول فإنما يعني هذا التركيب ونحوه وليس ذلك تركيبا في الوجود الخارجي ولا في الوجود الخارجي جزء لهذا المركب متميز عن كله ولا جزء سابق لكل بل هذه الأمور إنما توجد في الأذهان لا في الأعيان فهذه التركيبات مركبة من تلك الكليات والكليات الخمسة: الجنس والنوع والفصل والخاصة والعرض العام إنما توجد كليات في الأذهان لا في الأعيان

كذلك التركيب الذي يوجد في بعض هذه مع بعض فإن أجزاء المركب التي هي الكليات لا تكون إلا في الذهن فالمركب من الكليات الذهنية أولى أن لا يكون إلا ذهنيا

وهؤلاء المتفلسفة المنطقيون نفوا حقيقة واجب الوجود وصفاته معتقدين أنهم موحدون لذاته وقالوا هو منزه عن التركيب لافتقار المركب إلى جزئية

والتركيب يقع عندهم كما ذكره ابن سينا وغيره وذكره الغزالي عنهم في تهافت الفلاسفة وغيره على خمسة أنواع أحدها: تركيب الموجود من الوجود والماهية

والثاني: تركب الحقيقة من الأمور العامة والخاصة: كالوجود العم والوجوب الخاص

والثالث: تركب الذات الموصوفة من الذات والصفات

والرابع: تركب الذات القائة بنفسها المباينة لغيرها المشار إليها: من الجواهر المنفردة التي يقال إنها مركبة منها

والخامس: تركبها من المادة والصورة التي يقال أنها مركبة منها

وقد بسطنا الكلام على هذا في غير هذا الموضع وبينا أنه يمتنع وجود موجود قائم بنفسه: سواء كان واجبا أو ممكنا بدون ثبوت هذه المعاني التي سموها تركيبا وإن تسميتهم لذلك تركيبا غلط منهم

وإن قالوا: هو أصطلاح اصطلحنا عليه فلا ترتفع بسب غلط الغالطين وأوضاعهم اللفظية الحقائق الموجودة والمعاني العقلية وأنه ليس في العقل ما يمنع ذلك بل العقل يصدق السمع الدال على إثبات صفات الله تعالى ومباينته لمخلوقاته وأن العقل أثبت موجودا واجبا بنفسه غنيا عما سواه

وأما كون ذلك الموجود لا يكون إلا حيا عالما قادرا أو لا يكون إلا موصوفا بصفات لازمة لذاته ولا يكون إلا مباينا لمخلوقاته فالعقل يوجب ذلك الوجود لا نحيله عليه وأن ما ذكروه من إثبات وجود مطلق بشرط الإطلاق أو بسلب الأمور الثبوتية عنه ليس له حقيقة ولا ماهية سواء مطلق الوجود أو الوجود المسلوب عنه الأمور الثبوتية وهو أمر يمتنع تحققه في الخارج وإنما يكون في الأذهان لا في الأعيان

وهذا هو الواحد الذي قالوا: لا يصدر عنه إلا واحد فإنه يمتنع تحققه في الخارج وكذلك الواحد البسيط الذي يتركب منه الأنواع هو أيضا مما لا يتحقق إلا في الأذهان

ومتكلموا أهل الإثبات إذا قالوا: وجوده عين حقيقته أو ماهيته أو ليس وجوده زائدا على ماهيته فليس مرادهم بذلك مراد المتفلسف الجهمي الذي يقول إنه وجود مطلق فإن الوجود المطلق لا حقيقة له في الخارج ولكن مرادهم بذلك ما يريدونه بقولهم: إن حقيقة الإنسان هي وجوده الموجود في الخارج وحقيقة السواد هو السواد الوجود في الخارج ونحو ذلك ومرادهم بذلك أن الشيء الموجود في الخارج الذي له حقيقة تخصه وجوده الثابت في الخارج هو تلك الحقيقة الخاصة فوجوده المختص به هو حقيقته المختصة كما أن الوجود المطلق كلي عام والحقيقة المطلقة كلية عامة ونفس حقيقة الإنسان والجسم وغيرهما ليست هي وجودا مطلقا وإن كانت حقيقته نفس وجوده فكيف يكون رب العالمين حقيقته وجود مطلق لا يتصور إلا في الذهن؟

بل هو سبحانه وتعالى مختص بحقيقته التي لا يشركه فيها غيره ولا يعلم كنهها إلا هو وتلك هي وجوده الذي لا يشركه فيه غيره ولا يعلم كنهه إلا هو

والناس إذا علموا وجودا مطلقا أو حقيقة مطلقة فذلك هو الكلي العام الشامل ليس هو نفس الحقيقة الموجودة في الخارج

وكذلك تركب الحقيقة من الصفات العامة والخاصة إنما هو تركيب في الذهن تركيب ذهني عقلي اعتباري

وكذلك تركب الموصوف من الذات ولاصفات إنما يكون تركيبا لو كان هناك ذات مجردة عن تلك الصفات أو لو أمكن وجود ذلك فأما الذات التي لا تكون إلا حية عالمة فلا يتصور أنفكاكها عن الحياة والعلم حتى نقول إن الذات تركيب مع الصفات

وكذلك أيضا الماهية المشار إليها القائمة بنفسها المباينة لغيرها إنما يقال هي مركبة من الأجزاء المنفردة أو من المادة والصورة ولو كان لهذا التركيب حقيقة فأما إذا كان الجوهر الفرد باطلا وتركب الجسم من الجوهرين: المادة والصورة باطلا والأمور المشار إليها المباينة لغيرها من المخلوقات: كالشمس والقمر ليس هو مركبا من أجزاء منفردة ولا من جوهرين: مادة وصورة فكيف يظن برب العالمين أنه مركب من ذلك؟ وقد بسط هذا في غير هذا الموضع وبين أن الأعيان القائمة بأنفسها خلقها الله تعالى كذلك ليس فيها أجزاء تركبت منها لكن يمكن أن يفرقها الله ويجزئها إلى أن يتصاغر جدا ثم يستحيل إلى نوع آخر من أن ذلك الجزء الصغير يتميز منه شيء عن شيء وليس في الوجود عين قائمة لا يتميز منها شيء عن شيء

والصورة إما صورة عرضية كشكل فالمادة هنا هو الجسم نفسه وغما الصورة التي هي المصور كالإنسان نفسه والمادة فيها ليس لها جوهر يحملها بل مادتها ما منه خلقت وتلك استحالت إلى صورة أخرى وفني الأول وعدم كما يفنى المني إذا صار إنسانا وليس بين ما استحال منه واستحال إليه شيء باق بعينه وإنما يشتركان في أمور نوعيه كالمقدار ونحوه

والمركب المعقول هو ما كان مفترقا فركبه غيره كما تركب المصنوعات من الأطعمة والثياب والأبنية ونحو من أجزائها المفترقة

والله تعالى أجل وأعظم من أن يوصف بذلك بل من مخلوقاته ما لا يوصف بذلك ومن قال ذلك فكفره وبطلان قوله واضح

وقد يقال المركب على ما له أبعاض مختلفة كأعضاء الإنسان وأخلاطه وإن كان خلق كذلك مجتمعا لكنه يقبل التفريق والانفصال والانقسام والله مقدس عن ذلك

وقد يقال المركب على ما يقبل التفريق والانفصال وإن كان شيئا بسيطا كالماء والله مقدس عن ذلك

فهذا هو التركيب المعقول في اللغة والاصطلاح فأما المركب في اللغة فهو الأول خاصة ولكن هذا المعنى لم يريدوه لفظ المركب

والثاني والثالث قد يسميه طائفة من أهل العلم مركبا فأما الذات المتصفة بصفات لازمة لها التي لها حقيقة تمتاز بها عن سائر الحقائق وتباين غيرها من الموجودات من غير أن يجوز عليها تفريق وتبعيض وتجزئة وتقسيم فهذه لو قدر أنها مخلوقة لم تكن مما يسمى مركبا في اللغة المعروفة والاصطلاح

وإذا سمى مسم هذه مركبا كان إما غالطا في عقله لاعتقاده اشتمالها على حقيقتين وجودها وحقيقتها المغايرة لوجودها أو على حقيقتين ذات قائمة بنفسها معقولة مستغنية عن صفاتها وصفات زائدة عليها قائمة بها أو على جواهر منفردة أو معقولة أو نحو ذلك من الأمور التي يثبتها طائفة من الناس ويسمونها تركيبا

وجمهور العقلاء يخالفونهم في إثبات ذلك فضلا عن تسميته تركيبا ولو سلم لهم ثبوت ما يدعونه لم تكن تسميته مركبا من اللغة المعروفة بل هو واضح اصطلحوا عليه فإن الجسم الذي له صفات كالتفاحة التي لها لون وطعم وريح لا يعرف في اللغة المعروفة إطلاق كونها مركبة من لونها وطعمها وريحها ولا تسمية ذلك أجزاء لها ولا يعرف في اللغة أن يقال إن الإنسان مركب من الطول والعرض والعمق بل ولا أنه مركب من حياته ونطقه إلى أمثال ذلك من الأمور التي يسميها من يسميها من أهل الفلسفة والكلام تركيبا إما غلطا في المعقولات وإما اصطلاحا انفردوا به عن أهل اللغات

فليس لهؤلاء أن ينفوا ما علم ثبوته بالشرع والدعاء ومضاهاة للمشركين والنصارى والصابئين الذين { اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا إله إلا هو سبحانه عما يشركون } التوبة: 31

وهذه الشفاعة التي أثبتها المشركون وأبطلها القرآن رأيت من هؤلاء المتفلسفة نفاة الصفات كابن سينا ومن ضاهاهم في بعض الأمور التي يجعلونها علوما مضنونا بها على غير أهلها قد أثبتوا هذه الشفاعة الشركية وهذه الوسائط الإفكية مع أن القرآن العزيز مملوء من ذم أهلها قال تعالى { أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أو لو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون * قل لله الشفاعة جميعا له ملك السماوات والأرض ثم إليه ترجعون } الزمر: 43 - 44

وقال تعالى { ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله قل أتنبئون الله بما لا يعلم في السموات ولا في الأرض سبحانه وتعالى عما يشركون } يونس: 18

وقال تعالى { ولقد جئتمونا فرادى كما خلقناكم أول مرة وتركتم ما خولناكم وراء ظهوركم وما نرى معكم شفعاءكم الذين زعمتم أنهم فيكم شركاء لقد تقطع بينكم وضل عنكم ما كنتم تزعمون } الأنعام: 94

وقال تعالى { ولا يأمركم أن تتخذوا الملائكة والنبيين أربابا أيأمركم بالكفر بعد إذ أنتم مسلمون } آل عمران: 80

وقال تعالى { قل ادعوا الذين زعمتم من دونه فلا يملكون كشف الضر عنكم ولا تحويلا * أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذورا } الإسراء: 56 و57

وقال تعالى { قل ادعوا الذين زعمتم من دون الله لا يملكون مثقال ذرة في السماوات ولا في الأرض وما لهم فيهما من شرك وما له منهم من ظهير * ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له } سبأ: 22، 23

فنفي أن يكون لغيره معه ملك أو شريك في الملك أو مظاهرة له ولم يثبت من الشفاعة النافعة إلا ما كان بإذنه وهذه الشفاعة التي يؤمن بها المؤمنين كشفاعة نبينا محمد ﷺ يوم القيامة فإنه بإتفاق أهل السنة والجماعة له شفاعات في القيامة حتى يشفع في أهل الكبائر من أمته كما استفاضت بذلك الأحاديث الصحيحة كما كان يدعو ويشفع لهم في حياته

وكذلك يشفع غيره ممن يأذن الله له في الشفاعة لكن ليست هي الشفاعة التي يثبتها أصناف المشركين من غير أهل الكتاب والصابئين ومن ضاهاهم من أهل الكتاب كالنصارى ومن ضاهاهم من هذه الأمة كالمتفلسفة والملاحدة والإسماعلية وكأهال المضنون به وغيرهم فإنهم جعلوا الشفاعة تنفع بدون دعاء الشافع لله وبدون إذن الرب له في الشفاعة كما تقدم

والله تعالى يقول { من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه } البقرة: 255

وقال تعالى { ولا يشفعون إلا لمن ارتضى } الأنبياء: 28 وأمثال ذلك في كتاب الله عز وجل

وهنا جواب آخر عن أصل الحجة وهو أن يقال هب أن الشيئين يشركان في شيء موجود في الخارج ويمتاز أحدهما عن الآخر بما يخصه وأن الكلي المشترك بينهما ثابت في الخارج وأن أحدهما إما أن يكون لازما للآخر أو ملزوما أو عارضا أو معروضا فلم لا يجوز أن يكون المشترك لازما للمعين بل وملزوما له بحيث يكون كل من المشترك والمختص مشروطا بالآخر والشرط لا يجب تقدمه على المشروط؟

وهذا كما أن الحيوانية مع الناطقية والصاهلية كل منهما مشروط بالآخر فلا يوجد المختص الذي هو الناطقية والصاهلية إلا مع الحيوانية ولا توجد حيوانية إلا مع بعض ذلك

وليس المراد بكون المشترك مشروطا بالمختص أنه بهذا المعين بل مشروط إما بهذا وإما بهذا فالمشترك من حيث مشروط بأحدهما لا بعينه ومن حيث تشخصه وتعينه مشروط بما لقترن به من التعين

وهذا ثابت في كل شيئين اتفقا في شيء وافترقا في شيء ولا حيلة لهم فيه وذلك أن كون الشيء لازما للآخرين أعم من كونه علة أو معلولا أو لا علة ولا معلولا فليس كل لازم معلولا فإذا كان كل من الوجوبين لازما لمعينه لم يجب أن يكون الواجب معلولا ولا يكون الملزوم علة

وبهذا يتبين فساد مقدمته الثانية التي قال فيها يجوز أن تكون ماهية الشيء سببا لصفة من صفاته وأن تكون الصفة سببا لصفة أخرى ولكن لا يجوز أن يكون الوجود بسبب ماهيته التي ليست من الوجود أو بسبب صفة أخرى لأن السبب يتقدم في الوجود ولا يتقدم بالوجود قبل الوجود

فإنه يقال له لفظ السبب قد تعني به العلة الموجبة وقد تعني به الشرط فإن عنيت به الأول لم يجعل مسببا عن غيره لئلا يلزم تقدم غير الوجود الواجب عليه

وإن عنيت بالسبب الشرط فالشرط لا يجب تقدمه على مشروط بل يجوز مقارنته للمشروط فالأمور المتلازمة كالمتضايقات كل منها لا يوجد إلا مع الآخر فوجوده مشروط به من غير تقدم أحدهما على الآخر

وكذلك أنتم تقولون إن المادة مع الصورة كل منهما شرط في الآخر من غير تقدمه عليه والمسلمون يقولون إن العلم والقدرة مشروط بالحياة وكلاهما صفة لازمة لله تعالى لا يجوز تقدمها على الأخرى بالوجود

وإذا كان كذلك وقدر أن للواجب حقيقة مغايرة للوجوب فلم لا يجوز أن يكون وجوده الواجب مشروطا بتلك الحقيقة التي هي أيضا مشروطة به من غبر أن يكون الوجود الواجب مسبوقا بوجود غيره كما يقولون في وجود الممكن إذا قلتم إنه زائد على ماهيته إن ماهيته لا تنفك عن وجوده كما لا ينفك وجوده عن ماهيته

وهذا جواب لا حيلة لهم فيه وهو جواب عن تلازم الذات مع الصفات إذا قدر أحدهما مغايرا للآخر

عدم فصل الرازي العلة من الشرط[عدل]

وأبو عبد الله الرازي اجاب بجواب لم يفصل فيه العلة من الشرط فقال قولكم لو كانت الماهية علة لوجود نفسها لكانت متقدمة بالوجود على نفسها فإن العلة متقدمة بالوجود على المعلول ممنوع فإنا لا نسلم وجوب تقدم العلة على المعلول بالوجود وقول القائل هي متقدمة عليه بالذات إن أريد به كونها مؤثرة فمسلم وإن أريد به أنها لا تؤثر فيه إلا بعد وجودها فهذا ممنوع ونحن أن المؤثر في وجود الله تعالى هو نفس ماهيته لا باعتبار وجود سابق وإن أريد بالتقدم أمر وراء التأثير فذلك غير متصور

ثم منع عموم الدعوى فقال نزلنا عن هذا المقام فلم قلتم إن كل علة فهي متقدمة بالوجود على المعلول ألا ترى أن ماهيات الممكنات قابلة لوجود ذاتها فماهياتها علل قابلية لوجود ذاتها ففي هذا الموضع العلل القابلية لا يجب تقدمها على المعلول بالوجود وإذا كان كذلك فلم لا يجوز مثله في العلة الفاعلية

وقال لا نقول المؤثر هو الماهية المعدومة بل الماهية من حيث هي هي مغايرة لوجودها وعدمها ونحن إنما نجعل المؤثر في الوجود تلك الماهية فقط

قال فإن قيل كما جوزتم أن تؤثر ماهيته قبل الوجود في وجود نفسها فلم لا يجوز ان تؤثر تلك الماهية قبل وجودها في وجود العالم وحينئذ لا يمكن الاستدلال بوجود الأفعال على وجود الفاعل قلنا البديهية فرقت بين الموضعين فإنا بالبديهية نعلم أن الشيء ما لم يوجد لا يكون شيئا لوجود غيره ونعلم أن لا استبعاد في أن يكون الشيء موجودا من ذاته والمعلوم من قولنا إنه موجود لذاته أن تقتضي وجود نفسه وإذا جزمت بالبديهية بالفرق صح كلامنا في هذه المسألة

وقد مانعه بعض أصحابه في هذا الموضع وقال العلم بأن العلة لو كانت موجبة للوجود لكانت موجودة علم ضروري لأن المفيد للوجود لا بد أن يكون له وجود بخلاف القابل فإنه مستفيد للوجود يمتنع أن يكون موجودا

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت هذا الاضطراب إما نشأ من قولهم كون ذات فاعلة لوجوده أو علة مقتضية لوجوده إذا قدر أن وجوده مغاير لذاته وهذا لا يحتاج إليه بل إذا قيل ذاته مشروطة بوجوده كما أن وجوده مشروط بذاته وقيل إنهما متلازمان من غير أن يكون أحدهما هو الموجب للآخر كما قالوا مثل ذلك في ذات الممكن ووجوده زالت هذه الشبهة

وهؤلاء كثيرا ما تشتبه عليهم العلل بالشروط في مسائل الدور والتسلسل وغير ذلك ويجعلون الملزوم علة كما يقولون إن ماهية الثلاثة والأربعة علة للفردية والزوجية فيجعلون ذات الشيء علة لصفته اللازمة له وأن فاعل الذات فاعل صفتها فإن الدور في الشروط بمعنى توقف كل من الأمرين على وجود الآخر معه ممكن واقع وهو الدور المعي الاقتراني وأما الدور في العلل وهو أن يكون كل من الأمرين علة للآخر ومبدعا له

فهذا ممتنع باتفاق العقلاء

وكذلك التقدم فإن تقدم الشرط على المشروط غير واجب وأما تقدم الموجب على الموجب والفاعل على المفعول والعلة على المعلول فلا ريب فيه عند جماهير العقلاء

ومعارضة الرازي لهم بالماهية الممكنة القابلة لوجودها إذا قيل بتعددهما معارضة صحيحة وأما فرق المعارض له بأن الماهية في الواجب فاعلة للوجود فغلط فإن ماهية الواجب إذا قيل بمغايرتها لوجوده ليست فاعلة لوجوده بل هي أيضا قابلة لوجوده كالممكن لكن وجوده واجب مع هذا القبول

والقابل والمقبول كلاهما واجب بنفسه يمتنع عدمه بخلاف الممكن كما تقوله الصفاتية في الذات والصفات وكما تقوله الفلاسفة فيما يدعون قدم ذاته ووجوده من الممكنات كالفلك فإن ابن سينا وأتباعه يقولون: إن ماهيته محل لوجوده وكلاهما قديم يمتنع عدمه لكن وجوده بغيره فإذا عقل هذا في الواجب بغيره ففي الواجب بنفسه أولى إذا قيل إن نفسه محل لوجوده وكلاهما واجب بماهيته ووجوده يمتنع نفي واحد منهما

وبهذا يظهر الجواب عن النظم الذي حرره الآمدي فإن قوله إذا لم يتم تحقق مسمى واجب الوجود في كل من الشيئين إلا بما به التخصيص والامتياز وجب افتقار مسمى واجب الوجود إلى أمر خارج عن المفهوم من اسمه فلا يكون واجبا بذاته

جوابه على تقدير كون الوجود مغايرا للذات أن يقال لفظ الافتقار يراد به افتقار المعلول إلى العلة ويراد به: افتقار المشروط إلى الشرط وإن قيل: يراد به معنى ثالث له فإن قلت: يجب افتقار مسماه إلى علة فاعلة لم يسلم لك ذلك فإن تحقق المشترك في المميز لا يستلزم كون المميز هو الفاعل المبدع المشترك وإن أردت بانه لا يوجد إلا بما هو شرط في وجوده فلم قلت إن هذا محال؟

وقوله لا يكون واجبا بذاته باطل حينئذ لأنه إذا قدر أن الذات غير الوجود فلا يد في قوله واجب بذاته من تحقق الوجود والذات معا فلا يتقدم أحدهما على الآخر ولا يستغني أحدهما عن الآخر فصار معنى وجوب الوجود بالذات إذا قدر أن الذات عين الوجود أمرا متضمنا لتلازم الوجود الواجب والذات الموصوفة بذلك فلا يكون موجود بذاته إلا كذلك وهذا كله بتقدير ثبوت شيئين

ثم على هذا التقدير فيها قولان إما أن يقال الوجود الملازم للماهية هو أيضا مختص كما أن الماهية مختصة به وهذا هو القول المأثور عن أبي هاشم ونحوه وقد تقوله طائفة من أهل الإثبات كما يوجد في كلام أبي حامد ووابن الزاغوني

وإما إن يقال الوجود مشترك في الخارج ولكن الماهية هي المختصة التي تميز وجودا عن غيره وهذا هو الذي يحكيه الرازي عن أبي هاشم وغيره وهو غلط عليهم كما غلط على الأشعري وأبي الحسين حيث حكى عنهم ان لفظ الوجود مقول بالاشتراك اللفظي وهذا لغلط منه حيث ظن أن الكلي الذي هو مورد التقسيم يكون ثابتا مشتركا في الخارج وهذا أصل للمنطقيين يخالفهم فيه أئمة الكلام بحسب ما فهمه من كلام أهل المنطق فغلط

والمقصود هنا أن قول أبي هاشم وأتباعه خير من قول ابن سينا وأما إذا كان الوجود هو الماهية ولا مشترك في الخارج كما هو قول الأشعري وعامة المثبتة للصفات وهو الصواب فلا يحتاج إلى هذا الجواب

وليس المراد أن ماهيته وجود مطلق مجرد كما يقوله ابن سينا وابن التومرت وغيرهما من الجهمية ولكن المراد أن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به وليس ذلك وجودا مطلقا ولا مجردا وكذلك يقول في كل موجود إن حقيقته المختصة به هي وجوده المختص به وقد ذكرنا هذا الجواب على تقدير مغايرة وجوده لماهيته لنه نافع في عامة ما يوردونه لنفي الصفات

كلام الإمام أحمد عن تعلق الصفات بذات الله تعالى[عدل]

قال الإمام أحمد باب بيان ما أنكرت الجهمية من أن يكون الله كلم موسى فقلنا لم أنكرتم ذلك؟ قالوا إن الله لم يتكلم ولا يتكلم إنما كون شيئا يعبر عن الله وخلق صوتا فأسمع وزعموا أن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان

فقلنا: هل يجوز لمكون أو غير الله أن يقول { يا موسى * إني أنا ربك } طه 11 - 12 أو يقول { إنني أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني } طه 14 فمن قال ذلك زعم ان غير الله ادعى الربوبية ولو كان كما زعم الجهمي أن الله كون شيئا كان يقول ذلك المكون يا موسى إن الله رب العالمين

إلى أن قال فكيف يصنعون بحديث الأعمش عن خيثمة عن عدي بن حاتم قال رسول الله ﷺ ما منكم من احد إلا سيكلمه ربه الحديث وأما قوله إن الكلام لا يكون إلا من جوف وشفتين ولسان أليس الله قد قال للسماوات والأرض { ائتيا طوعا أو كرها قالتا أتينا طائعين } فصلت 11 اتراها قالت بجوف وفم وشفتين وأدوات؟

وقال تعالى { وسخرنا مع داود الجبال يسبحن } الأنبياء 79 أتراها أنها تسبحن بجوف وفم وشفتين ولسان؟ والجوارح إذا شهدت على الكفار فقالوا: { لم شهدتم علينا قالوا أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } فصلت 21 أتراها نطقت بجوف وفم وشفتين؟ ولكن الله أنطقها كيف شاء

إلى أن قال فلما خنقته الحجج قال: ان الله كلم موسى إلا أن كلامه غيره فقلنا وغيره مخلوق؟ نعم فقلنا هذا مثل قولكم الأول إلا أنكم تدفعون عن أنفسكم الشنعة وحديث الزهري قال لما سمع موسى كلام ربه قال يا رب هذا الذي سمعته هو كلامك قال نعم يا موسى هو كلامي وإنما كلمتك بقوة عشر آلاف لسان ولي قوة الألسن كلها وأنا أقوى من ذلك وإنما كلمتك على قدر ما يطيق بدنك ولو كلمتك بأكثر من ذلك لمت قال فلما رجع موسى إلى قومه قالوا له صف لنا كلام ربك فقال سبحان الله وهل أسطتيع أن أصفه لكم قالوا فشبهه قال هل سمعتم أصوات الصواعق التي تقبل في أحلى حلاوة سمعتموها فكأنه مثله

وقلنا للجهمية من القائل للناس يوم القيامة { يا عيسى ابن مريم أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي إلهين } المائدة 116 أليس الله هو القائل؟ قالوا: يكون الله شيئا فيعبر عن الله كما كون شيئا فعبر لموسى قلنا فمن القائل { فلنسألن الذين أرسل إليهم } الآية الأعراف 6 أليس هو الله تعالى؟ قالوا هذا كله إنما يكون شيء فيعبر عن الله فقلنا قد أعظمتم على الله الفرية حين زعمتم انه لا يتكلم فشبهتموه بالأصنام لأن الأصنام لا تتكلم ولا تتحرك ولا تزول من مكان إلى مكان

فلما ظهرت عليه الحجة قال إن الله قد يتكلم ولكن كلامه مخلوق قلنا وكذلك بنو آدم كلامهم مخلوق فقد شبهتم الله تعالى بخلقه حين زعمتم ان كلامه مخلوق ففي مذهبكم كان في وقت من الأوقات لا يتكلم حتى خلق الكلام وكذلك بنو آدم كانوا لا يتكلمون حتى خلق لهم كلاما فقد جمعتم بين كفر وتشبيه فتعالى الله عن هذه الصفة بل نقول إن اله لم يزل متكلما إذا شاء ولا نقول إنه كان ولا يتكلم حتى خلق الكلام ولا نقول إنه كان لا يعلم حتى خلق علما فعلم

قال الإمام احمد قالت الجهمية إن زعمتم ان الله ونوره والله وقدرته والله وعظمته فقد قلتم بقول النصارى حين زعمتم ان الله لم يزل ونوره ولم يزل وقدرته قلنا لا نقول إن اله لم يزل وقدرته ولم يزل ونوره بل نقول لم يزل بقدرته ونوره لا متى قدر ولا كيف قدر فقالوا لا تكونون موحدين أبدا حتى تقولوا قد كان الله ولا شيء ولكن إذا قلنا إن الله لم يزل بصفاته كلها أليس إنما نصف إلاها واحدا بجميع صفاته وضربنا لهم في ذلك مثلا فقلنا أخبرونا عن هذه النخلة أليس لها جذع وكرب وليف وسعف وخوض وجمار واسمها اسم شيء واحد وسميت نخلة بجميع صفاتها فكذلك الله وله المثل الأعلى بجميع صفاته إله واحد

إلى أن قال وقد سمى الله رجلا كافرا اسمه الوليد فقال { ذرني ومن خلقت وحيدا } المدثر 11 وكان له عينان وأذنان ولسان وجوارح فسماه وحيداص بجميع صفاته

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: فلا يوجد في كلام الله ورسوله واللغة اسم الواحد على ما لا صفة له فإن لا صفة له لا وجود له في الوجود

وما ذكره أحمد عن الجهمية أنهم يتأولون كلام الله لموسى بأنه خلق من عبر عنه تأوله جماعة من أتباعه في هذا أو في قوله تعالى كل ليلة من يدعوني فأستجيب له ولو كان كذلك لكان الملك يقول إن الله رب العالمين كما في الصحيحين إن الله إذا أحب عبدا نادى جبريل إني أحب فلانا فأحبه فيحيه جبريل ثم ينادي في السماء إن الله يحب فلانا فاحبوه فيحبه فلانا فأحبوه فيحبه أهل السماء الحديث

وقد مثلوا ذلك بأن السلطان يأمر مناديا فيقول نادى السلطان وهذا حجة عليهم فإن المنادي يقول امر السلطان أو ان المرسوم ونحو ذلك من الألفاظ التي تبين أن القائل غيره لا هو ولو قال المنادي قد أمرتكم فغن لم تقبلوا وإلا عاقبتكم ونحو ذلك لم يكن مناديا عن السلطان ولو قال ذلك عاقبه السلطان

فصل[عدل]

أخبر الله تعالى في كتابه بإثبات مفصل ونفي مجمل والمعطلة الجهمية متكلمهم ومتفلسفهم أخبروا بإثبات مجمل ونفي مفصل فأخبر في كتابه بأنه حي قيوم عليم قدير سميع بصير عزيز حكيم ونحو ذلك يرضى ويغضب ويحب ويسخط وخلق واستوى على العرش ونحو ذلك وقال ف يالنفي { ليس كمثله شيء } سورة الشورى 11 { ولم يكن له كفوا أحد } الإخلاص 3 { هل تعلم له سميا } مريم 65 فلهذا مذهب السلف والأئمة إثبات صفاته بلا تمثيل لا ينفون عنه الصفات ولا يمثلونها بصفات المخلوقات

تابع كلام الإمام أحمد[عدل]

قال الإمام أحمد الحمد لله الذي جعل في كل زمان فترة من الرسل بقايا من أهل العلم يدعون من ضل إلى الهدى ويصبرون منهم على الأذى يحيون بكتاب الله الموتى ويبصرون بنور الله أهل العمى فكلم من قتيل لإبليس قد أحيوه؟ وكم من ضال تائه قد هدوه؟ فما أحسن أثرهم على الناس وأقبح أثر الناس عليهم ينفون عن كتاب الله تحريف الغالين وانتحال المبطلين وتأويل الجاهلين الذين عقدوا ألوية البدعة وأطلقوا عنان الفتنة فهم مختلفون في الكتاب مخالفون للكتاب متفقون على مفارقة الكتاب يقولون على الله وفي الله وفي كتاب الله بغير علم يتكلمون بالمتشابه من الكلام ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم فنعوذ بالله من فتنة المضلين

فالمتشابه من الكلام يتكلمون به ويخدعون جهال الناس بما يشبهون عليهم هو كقولهم: مقدس عن الكم والكيف والأين والوضع ومن مقصودهم بذلك أنه لا علم له ولا قدرة ولا رحمة ولا غير ذلك من الصفات وأنه ليس فوق السماوات رب ولا على العرش إله ولا هو مباين لمخلوقاته ولا منفصل عنهم

وكذلك قولهم: ليس بداخل العالم ولاخارجه وأمثال هذه العبارات السالبة

وكذلك وصف الإمام احمد وأمثاله قول الجهمية النفاة قال أحمد وكذلك الجهم وشيعته دعوا الناس إلى المتشابه من القرآن والحديث وأضلوا بكلامهم بشرا كثيرا فكان مما بلغنا من أمر الجهم عدو الله انه كان من أهل خراسان من أهل الترمذ وكان صاحب خصومات وكلام وكان أكثر كلامه في الله فلقي أناسا من المشركين يقال لهم السمنية فعرفوا الجهم فقالوا نكلمك فإن ظهرت حجتنا عليك دخلت في ديننا إن ظهرت حجتك علينا دخلنا في دينك فكان مما كلموا به الجهم أن قالوا ألست تزعم أن لك إلها قال الجهم نعم فقالوا له فهل رأيت إلهك قال لا قالوا فهل سمعت كلامه قال لا قالوا فشممت له رائحة قال لا قالوا فوجدت له حسا قال لا قالوا فوجدت له مجسا قال لا قالوا فما يدريك أنه إلاه قال فتحير الجهم فلم يدر من يعبد أربعين يوما ثم إنه استدرك حجة مثل حجة زنادقة النصارى وذلك أن زنادقة النصارى يزعمون أن الروح الذي في عيسى هو روح الله من ذات الله فإذا أراد أن يحدث أمرا دخل في بعض خلقه فتكلم على لسان خلقه فيأمر بما شاء وينهي عما شاء وهو روح غائبة عن الأبصار فاستدرك الجهم حجة مثل هذه الحجة فقال للسمني ألست تزعم أن فيك روحا قال نعم قال فهل رأيت روحك قال لا قال فسمعت كلامه قال لا قال فشممت له ريحا قال لا قال فوجدت له حسا أو مجسا قال لا قال فكذلك الله لا يرى له وجه ولا يسمع له صوت ولا تشم له رائحة وهو غائب عن الأبصار ولا يكون في مكان دون مكان

ووجد ثلاث آيات في القرآن من المتشابه قوله { ليس كمثله شيء } الشورى: 11 { وهو الله في السموات وفي الأرض } الأنعام: 3 { لا تدركه الأبصار وهو يدرك الأبصار } الأنعام ك 103 فبنى أصل كلامه على هؤلاء الآيات وتأول القرآن على غير تأويله وكذب بأحاديث رسول الله ﷺ وزعم أن من وصف من الله شيئا مما يصف به نفسه في كتابه أو حدث عنه رسوله كان كافرا وكان من المشبهة فأضل بكلامه بشرا كثيرا وأتبعه على قوله رجال من أصحاب أبي حنيفة وأصحاب عمرو بن عبيد بالبصرة ووضع دين الجهمية

تعليق ابن تيمية[عدل]

قلت: فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من مناظرة جهم لأولئك السمينة هم الذين يحكى أهل المقالات عنهم أنهم أنكروا من العلم ما سوى الحسيات ولهذا سألوا جهما: هل عرفه بشيء من الحواس الخمس؟ فقال: لا قالوا: فما يدريك أنه إلاه؟ فإنهم لا يعرفون إلا المحسوس وليس مرادهم أن الرجل لا يعلم إلا ما أحسه بل لا يثبتون إلا ما هو محسوس للناس في الدنيا

وهؤلاء كالمعطلة الدهرية الطبائعية من فلاسفة اليونان ونحوهم الذين ينكرون سوى هذا الوجود الذي يشاهده الناس ويحسونه وهو وجود الأفلاك وما فيها

هؤلاء الذين ذكر ابن سينا قولهم في إشاراته حيث قال قال: إن هذا الشيء المحسوس موجود لذاته واجب لنفسه لكنك إذا تذكرت ما قيل في شرط واجب الوجود لم تجد هذا المحسوس واجبا

وهذا هو القول الذي أظهره فرعون وإليه يعود عند التحقيق قول أهل الوحدة لكن هؤلاء يعتقدون أنهم يثبتون الخالق وأن وجوده وجود المخلوق فهم متناقضون ثم إن جهم بن صفوان رد عليهم كرد أرسطو وابن سينا وأمثالهم من المشائين على الطبيعيين منهم وهؤلاء يثبتون وجودا عقليا غير الوجود المحسوس ويعتقدون أنهم بهذا الرد أبطلوا قول أولئك كما تقدم حكاية قول ابن سينا لما تكلم على الوجود وعلله وقال: قد يغلب على أوهام الناس أن الموجود هو المحسوس وأبطل هذا القول بإثبات الكليات وقد تقدم التنبيه على فساد هذه الحجة وأن الكليات تكون في الأذهان لا في الأعيان

ومن لم يقر إلا بالمحسوس إنما نازع في الموجودات الخارجية لم ينازع في المعقولات الذهنية وإن نازع في ذلك حصلت الحجة عليه بإثبات المعقولات الذهنية فتبقى الوجودات الخارجية وهي الأصل

والحجة التي ذكرها أحمد عن الجهم انه احتج بها على السمنية هي من أعظم حجج هؤلاء الثقاة الحلولية منهم ونفاة الحلول والمباينة جميعا فإن النفاة تارة يقولون بالحلول والاتحاد أو نحو ذلك وتارة يقولون لا مباين للعالم ولا داخل فيه

والشخص الواحد منهم يقول هذا تارة وهذا تارة فإنهم في حيرة والغالب على متكلميهم نفي الأمرين والغالب على عبادهم وفقهائهم وصوفيتهم وعامتهم الحلول فمتكلموهم لا يعبدون شيئا ومتصوفتهم يعبدون كل شيء

والحلول نوعان: حلول مقيد وحلول مطلق فالحلول المقيد هو قول النصارى ونحوهم من غلاة الرافضة وغلاء العبادة وغيرهم يقولون إنه حل في المسيح أو اتحد به وحل بعلي أو أتحد به وأنه يتحد بالعارفين حتى يصير الموحد هو الموحد ويقولون :

ما وحد الواحد من واحد... إذ كل من وجده جاحد

توحيد من يخبر عن نعته... عارية أبطلها الواحد

توحيده إياه توحيد... ونعت من ينفعه لاحد

وهؤلاء الذين حكى أحمد قولهم أنهم: إذا أراد الله أن يحدث أمر دخل فيه بعض خلقه فتكلم على لسانه وقد رأيت من هؤلاء غير واحد ممن خاطبني وتكلم معي في هذا المذهب وبينت له فساده

وأما أهل الحلول المطلق الذين يقولون إنه حال في كل شيء أو متحد بكل شيء أو الوجود واحد كأصحاب فصوص الحكم وأمثالهم فهؤلاء يقولون: أخطأ النصارى من جهة أنهم خصصوا وكذلك يقولون في عباد الأصنام خطؤهم من جهة انهم خصصوا بعض الأشياء فعبدوها

وقد رأيت من هؤلاء أيضا غير واحد وجرت بيننا وبينهم محنة معروفة

وجعل الإمام أحمد حجة جهم من جنس حجة أولئك الذين يقولون بالحلول المقيد لأن هؤلاء يقولون إنه حل في بعض خلقه

وهؤلاء الجهمية فيهم من يقول: إن اللاهوت في الناسوت من غير حلول فيه وهكذا الجهم وأتباعه جعلوا وجود الخالق في المخلوقات من جنس اللاهوت في الناسوت ويجمعون بين القولين المتناقضين كما جمعت النصارى

واحتجاج الجهم بهذا على السمنية كاحتجاج نفاة الصفات بذلك على أهل الإثبات فإن الرازي وأمثاله احتجوا على إمكان وجود موجود لا مباين للعالم ولا داخل فيه بالنفس الناطقة على قول هؤلاء المتفلسفة الذين يقولون: إنها لا داخلة في هذا العالم ولا خارجة من هذا العالم إنها تشبه الإله وإن الفلسفة التشبه بالإله على قدر الطاقة

ومقصود الجهم بهذه الحجة بيان إمكان وجود موجود لا سبيل إلى إحساسه فاحتج عليهم بالنفس الناطقة إذ لا سبيل إلى إحساسها وهذه حجة المشائين من المتفلسفة على الطبيعيين منهم وهؤلاء يجعلون ما يثبتونه من الأمور المعقولة حجة على إثبات موجود ليس بمحسوس ثم يزعمون أن ما أخبرت به الرسل من الغيب هو الوجود العقلي الذي يثبتونه

وهذا الموضع حارت فيه أحلام وضلت فيه أفهام وهم مخطئون شرعا وعقلا أما الشرع فإن الرسل أخبرت عما لم نشهده ولم نحسه في الدنيا وسمت ذلك غيبا لمغيبه عن الشهادة كقوله { الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة } البقرة 3 ومنه قوله تعالى { عالم الغيب والشهادة } الرعد 9 فالغيب ما غاب من شهود العباد والشهادة ما شهدوها

وهذا الفرق لا يوجب أن الغيب ليس مما يمكن إحساسه بل من المعلوم بالاضطرار أن ما أخبرت به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من الثواب والعقاب كله مما يمكن إحساسه بل وكذلك ما أخبرت به الملائكة والعرش والكرسي والجنة والنار وغير ذلك لكنا نشهده الآن

ولهذا أعظم ما أخبرت به من الغيب هو الله سبحانه وتعالى مع إخبار الرسول لنا انا نراه كما نرى الشمس والقمر فأي الإحساس أعظم من إحساسنا بالشمس والقمر؟

وما أخبرت به من الغيب كالجنة والنار والملائكة والعرش والكرسي وغير ذلك مما يمكن إحساسه فليس الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس والمعقول

فهذا أصل ينبغي معرفته فإنه بسبب هذا وقع من الخلل في كلام طوائف مالا يحصيه إلا الله تعالى كصاحب الكتب المضنون بها وصاحب الملل والنحل وطوائف غيرهم

ولهذا وقع في كلام صاحب الكتب المضنون بها على غير أهلها وصاحب نهاية الإقدام ونحوهما من كلام هؤلاء الذين يجعلون الفرق بين الغيب والشهادة هو الفرق بين المحسوس وبين المعقول أنواع من جنس كلام الملاحدة الباطنية إما ملاحدة الشيعة كما يوجد في كلام صاحب الملل والنحل ونهاية الإقدام وقد قيل إنه صنف تفسيره سورة يوسف على مذهب الإسماعيلية: ملاحدة الشيعة وإما ملاحدة الباطنية المنسوبين إلى الصوفية

ومن هنا دخل أهل وحدة الوجود وأمثالهم من ملاحدة النساك المنتسبين إلى التصوف وكل من هؤلاء هؤلاء يؤول به الأمر إلى مخالفة صريح العقل والنقل

لكن هذا يحيل على علم الإمام المعصوم وهذا يحيل على معرفة الشيخ المحفوظ حتى يدعي كل منهما فيمن يحيل عليه ما هو أعظم من مقام الأنبياء مع أن الذي يحيل عليه لا بد أن يكون فيه من الكذب والجهل والظلم مالا يعلمه إلا الله وأحسن أحواله أن يكون كثير من كذبه جهلا منه وضلالا لم يعتمد فيه خلاف ما يعلمه من الحق كضلال كثير من النصارى أهل الأهواء

والمقصود انه بهذا يتبين أن خطأهم في العقل وما يسمونه معقولات ودعواهم وجود أمور معقولات خارجة عن العاقل لا يمكن الإشارة إليها ولا الإحساس بها بوجه من الوجوه وليست داخل شيء من العالم ولا خارجة ولا مباينة له ولا حالة فيه فإنه من المعلوم أن المعقولات ما عقلها الإنسان فهي معقولة العقل وأظهر ذلك الكليات المجردة: كالإنسانية المطلقة والحيوانية المطلقة والجسم المطلق والوجود المطلق ونحو ذلك فإن هذه من وجوده في العقل وليس في الخارج شيء مطلق غير معين بل لا يوجد إلا وهو معين مشخص وهو المحسوس وإنما يثبت العقليات المجردة في الخارج الغالطون من المتفلسفة كالفيثاغورية الذين يثبتون العدد المجرد والأفلاطونية الذين يثبتون المثل الأفلاطونية وهي الماهيات المجردة والهيولى المجردة والمدة المجردة والخلاء المجرد

وأما أرسطو وأصحابه كالفارابي وابن سينا فأبطلوا قول سلفهم في إثبات مجردة عن الأعيان ولكن أثبتوها مقارنة للأعيان فجعلوا مع الأجسام المحسوسة جواهر معقولة كالمادة والصورة وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الجسم وأعراضه وأثبتوا في الخارج أيضا الكليات مقارنة للأعيان وإذا حقق الأمر عليهم لم يوجد في الخارج إلا الأعيان بصفاتها القائمة بها

وكذلك ما أثبتوه من العقول العشرة المفارقات إذا الأمر عليهم لم يوجد لها وجود إلا في العقل لا في الخارج كما قد بسط الكلام عليهم في غير هذا الموضع

فهذا الذي ذكره الإمام أحمد من احتجاج جهم على السمنية الطبيعية بإثبات موجود عقلي هو كحجة المشائين على الطبيعية وما في قوله من الحلول الذي ضاهى به النصارى من جنس كلام الحلولية

والمقصود هنا أن نشير إلى جنس كلام السلف والأمة مع جنس هؤلاء النفاة وأن الجميع يشربون من عين واحدة وأن كلام هؤلاء النفاة للصفات مع معطلة الصانع كلام قاصر من جنس كلام جهم مع السمنية المشركين وكلام المشائين الإلهيين من المتفلسفة مع الطبيعيين منهم

وذكر أحمد أن الجهم اعتمد من القرآن على ثلاث آيات تشتبه معانيها على من لا يفهمها: آية نفي الإدراك لينفي بها الرؤية والمباينة وآية نفي المثل لينفي بها الصفات ويجعل من أثبتها مشبها وقوله { وهو الله في السماوات وفي الأرض } الأنعام 3 لينفي بها علوه على العرش أو ليثبت بها مع ذلك الحلول والاتحاد وعدم مباينته للمخلوقات

وهذه أصول الجهمية من المعتزلة أصحاب عمرو بن عبيد ومن دخل ف بالتجهم أو الاعتزال أو بعض فروع ذلك من أصحاب أبي حنيفة ومالك والشافعي واحمد مع أن هؤلاء الأئمة من أبعد الناس عن أصول الجهمية والمعتزلة

درء تعارض العقل والنقل
1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 | 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 | 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 | 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 | 29 | 30 | 31 | 32 | 33 | 34 | 35 | 36 | 37 | 38 | 39 | 40 | 41 | 42 | 43 | 44 | 45 | 46 | 47 | 48 | 49 | 50 | 51 | 52 | 53 | 54 | 55