الإعلام بما في دين النصارى/الباب الرابع/الفن الثاني

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
الفن الثاني: محاسن دين الإسلام
القرطبي

الفن الثاني: محاسن دين الإسلام[عدل]

تمهيد[عدل]

الغرض من هذا الفن أن نبين فيه عقيدة الإسلام وجملا من أصول أحكامه ومواضع من فروع دينه أنكرتها النصارى عليه وإنما فعلنا ذلك لغرضين

أحدهما أن السائل الذي حركنا لهذا الكتاب هددنا وزعم أنه أن سب وشتم كتب كتابا بنص شريعتنا ووجهه للبلاد حتى يقف الناس عليها فأردت أن أتولى ذكر شريعتنا لئلا يتعاطى ذكرها ونقلها جهول لا يحسن ما ينقل ولا ما يقول كي يقف العقلاء عليها وينظروا فيها على أن شرعنا ليس بالخفي بل قد طبق الأرض شرقا وغربا وقرع من العقلاء سمعا وقلبا فلم يسمع بمن مجه وطرحه غير معاند كبثه شرعنا وفضحه فإنه جار على المنهاج المعقول المستحسن عند أرباب العقول

وسأبين ذلك إن شاء الله تعالى على أني لم أتعرض لهذه السائل ولا لأحد من ملتهم بالسب أكثر من تبيين جهلهم وركاكة هذيانهم وقولهم وربما أغاظوا في بعض الأقوال لما ارتكبوا فيها من القبيح والمحال فأطلقت عليهم اللعنة حسب ما تقتضيه البغضاء والأحنة وتعويلا على ما في التوراة من لعنتهم وركاكة شرعتهم

فإن في التوراة ملعون ملعون من يعلق بالصليب يريد بذلك من اعتقد الصليب وإدعاه وعظمه وهذا نص بلعنتهم وموجب لبغضهم وهذا ما نعلمه مع ديننا وواضح سبيلنا

والغرض الثاني أنه لا يبعد أن يقف على هذا الكتاب نصراني أو يهودي لم يسمع قط من ديننا تفصيلا ولا تصريحا بل إنما سمع له سبا وتقبيحا فأردت أن أسرده على الجملة ليتبين حسنه لمن كان ذكي العقل صحيح الفطرة فلعل ذلك يكون سبب هداه وجلاء عماه وما توفيقي إلا بالله

وفي هذا الفن فصلان

وانقسم هذا الفن إلى فصلين لأن شريعة الإسلام مشتملة على اعتقاد بالقلوب وعمل بالجوارح فالفصلين نذكر في أحدهما قواعد الاعتقاد وفي الثاني ندافع عن الاعتقاد وعن التشريع فنقول

الفصل الأول: اعتقاد المسلمين[عدل]

أما اعتقاد المسلمين فهو أن كل موجود سوى الله تعالى فهو محدث مخلوق مخترع على معنى أنه لم يكن موجودا ثم صار موجودا وأن له محدثا موجودا قديما لا يشبه شيئا من الموجودات الحادثة بل يتعالى عن شبهها من كل وجه فليس بجسم ولا يحل في الأجسام ولا جوهر ولا يحل في الجواهر ولا عرض ولا تحله الأعراض وأنه إله واحد لا شريك له في فعله ولا نظير له في ذاته وطوله لا ينبغي له الصاحبة ولا الولد ولم يكن له من خلقه كفؤا أحد وأنه عالم قادر مريد حي موصوف بصفات الكمال من السمع والبصر والكلام وغير ذلك مما يكون كمالا في حقه وأنه منزه عن صفات النقص والقصور وأنه يفعل في ملكه ما يريد ويحكم في خلقه بما يشاء لا يفتقر إلى شيء وإليه يفتقر كل شيء وبيده ملك كل جماد وحي لايجب عليه لمخلوق حق وتجب حقوقه على الخلق لا يتوجه عليه متى ولا أين ولا لم ولا كيف فلا يقال متى وجد ولا أين وجد ولا كيف هو ولا لم فعل لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون

وإن إرسال الرسل من أفعاله الجائزة وأنه قد أرسل الرسل وأنزل الكتب وكلف الخلق وشرع لهم شرائع على ألسنة رسله وأن رسله صادقون في قولهم ومؤيدون بالمعجزات من عند ربهم وأنهم عبيد الله ورسله وأنهم بشر مثلنا إلا أن الله تعالى فضلهم بأن جعلهم واسطة بينه وبين خلقه وأطلعهم على ما شاء من غيبه وأنهم بلغوا عن الله ما أمروا بتبليغه وأنهم كلهم صادقون مصدقون لا نفرق بين أحد منهم وأن محمدا بن عبد الله بن عبدالمطلب العربي القرشي الهاشمي رسول من الله إلى الناس كافة بشير ونذيرا وأن الله تعالى أيده بالمعجزات على صدقه كما فعل بالرسل من قبله

وأن شرعه وإجابته لازمان لكل من بلغته دعوته حيث كان من أقطار الأرض وجهاتها وعلى أي دين كان من أديانها لا يقبل ممن كفر به يوم القيامة ما هو عليه من دين بل يكون مخلدا في العذاب أبد الآبدين كما أن المؤمن به وبكل ما جاء به مخلد في الجنة أبد الآبدين

وأن شرعه ناسخ لكل الشرائع المتقدمة على الجملة وهادم ما قبله من الأحكام السالفة وأن كل ما جاء به عن الله حق من العذاب والحشر والنشر بعد الموت والصراط والميزان والحوض والمحاسبة وشفاعة محمد ﷺ لأهل الموقف ولأهل الكبائر من أمته خاصة

والجنة ونعيمها والنار وعذابها وأنهما محسوسان ليسا معنويين وأن خلود أهل الجنة سرمد وعذاب أهل النار الكافرين سرمد ولا إنقطاع لواحد منهما إلى غير ذلك مما هو مفصل في الشريعة مما يعرفه أهله ولا يسعهم جهله

وهذه قواعد اعتقاد أهل الإسلام مجردة عن أدلتها ومقتضبة من شواهدها إذ ما منها قاعدة إلا ويعضدها برهان عقلي لا يشك فيه عاقل ودليل سمعي لا ينكره فاضل ومن أراد تعرف ذلك طلبه من مواضعه وأما مستندات أحكامهم فهي كتاب الله وسنة رسول الله لا يعدلون لمحة عنها ولا يخرجون لحظة منها إلا أن وجوه استدلالاتهم لا يحيط بها متطفل عليها لكثرتها ولنقاوة درجاتها

فإن كتاب الله تعالى وسنة رسوله لا يستدل بهما من لا يعرف منظوم اللفظ ومفهومه وفحواه ومعقوله ويعرف من المنظوم النص والظاهر والمؤول والمحمل والعموم والخصوص والإستثناء والمطلق والمقيد ويعرف من المفهوم أحكامه وأقسامه وكذلك من الفحوى والمعقول على ما هو معروف في علم الأصول الذي هو علم خاص بأمة محمد ﷺ بل هو من كرامات أهل الإسلام إذ ليس في ملة من الملل المتقدمة من التحقيق ما عندهم ولا اجتمع لأحد قبلهم من العلوم مثل الذي اجتمع لهم

ذلك بأنهم آخر الأمم وكتابهم آخر الكتب وأفضلها ورسولهم آخر الرسل وأفضلهم ولسانهم أحكم الألسنة وأفصحها على ما يعرفه من تصفح شريعتهم وعرف لغتهم ونظر إليها بعين الإنصاف وترك طريق التعصب والإعتساف فالحمد لله على ما أولاه وما كنا لنهتدي لولا أن هدانا الله لقد جاءت رسل ربنا بالحق

ومما يبين للعاقل حسن شريعة الإسلام وجمال طريقتها إنها مبنية على مراعاة مصالح الدنيا والآخرة وإتمام مكارم الأخلاق الحسنة

أما بيان مصالح الآخرة فهو أن هذا الشرع يبين وجوهها ولم يغفل شيئا منها بل فسرها وأوضحها غاية الوضوح لئلا يجهل شيء منها فوعد بنعيمها وتوعد بعذابها بخلاف الشرائع المتقدمة فإنها إنما كانت تتوعد على المخالفة بعقاب دنيوي كما فعل بنوا إسرائيل غير مرة وتوعد بثواب دنيوي ولم يبين لهم شيء مما بين لنا على ما يقتضيه نسق التوراة إذ ليس فيها ذكر جنة ولا نار إلا تنبيهات قليلة وكذلك الإنجيل ليس فيه شيء من ذلك إلا ما ذكرناه

ومع ذلك فإنه تعبدنا بعبادات محضة ذوات فعال وأركان كالصلاة والحج وغير ذلك وكل ركن من أركانها فالمقصود به تعظيم الله تعالى وخضوع له بالظاهر والباطن حتى تؤدي كل جارحة من الجوارح حظها من تعظيم الله تعالى مع ما ينضاف إلى ذلك من المعاني الشريفة والأدعية الرفيعة الفصيحة التي يعرف معانيها أهلها حسب ما فسروه في كتبهم وليس كما تقولون أنتم في صلاتكم : يا أبانا الذي في السماء

فإن ظاهر هذا مستبشع في العرف محال في العقل أما استبشاعه في العرف فإنه يقبح بالعبد أن يخاطب سيده بلفظ الأبوة

هذا مع أن معنى الأبوة جائز في حقوقنا فكيف لا يقبح إطلاقه في حق من لا تجوز الأبوة في حقه فإطلاق مثل هذه اللفظ في حق الله تعالى ينبغي ألا يجوز ولا يطلق وأما إحالته في العقل فإن ظاهر قوكم في السماء يفهم منه أن السماء محيط به وإن جاز ذلك جاز أن يكون جسما وأنتم تأبون ذلك وهو محال في حقه تبارك وتعالى

وكذلك قولكم في بقية هذا الدعاء: وعجل لنا خبزنا الدائم واغفر لنا كما يغفر بعضنا لبعض. فإنه لفظ مستثقل مستقبح ومعناه مستغث مسترك ولولا خوف التطويل لأبدينا ما يحتمل ذلك من قبيح التأويل

فإن قلتم هكذا علمنا عيسى في الإنجيل فقال لنا إذا صليتم فقولوا قلنا لا نسلم أن هذا مما علمه عيسى ولا مما جاء به بل هو اختراع من لا يحسن ما يقول وليس له إلى المعارف وصول

وقد تقدم أن كتابكم قابل للتحريف والتصحيف فهذا الذي ذكرنا ينبه على المصالح الأخروية وأما المصالح الدنيوية فقد بينا أن مقصود شرعنا حفظ الأديان والنفوس والأموال والأنساب والأعراض والعقول ولأجل ذلك شرع القتل والديات والعقوبات وحرم السرقة والخيانة وجميع وجوه أكل المال بالباطل وحرم الزنا وفعل اللوطى وغير ذلك من الفواحش

وكذلك حرم الغيبة والنميمة والقذف والبهتان والزور وجميع أصناف الكذب والغش والخداع والمكر إلى غير ذلك من أنواع المفاسد

ولأجل ذلك أيضا حرم الخمر فإنها تذهب العقل الذي هو مناط التكليف وبه يعرف الباري تبارك وتعالى والسكر آفة تناقضه وتضاده فهذه الأمور كلها محفوظة بالحدود والزواجر المشاكلة للعقوبات الثابتة عن النبي ﷺ إما بالكتاب وإما بالسنة وليس شيء منها موضوعا بالتشهي والتحكم كما فعلتم أنتم

وقد بينا ذلك بمستنده للشارع ولا نعدل عنه طرفة عين بل نقف عند ما أمر وننتهي عما نهانا ويعرف ذلك على التفصيل أهله ومن وقف عليه من العقلاء المنصفين

وأما مكارم الأخلاق التي تضمنها شرعنا فلا تخفى على متأمل

وذلك أن شرعنا أمرنا بها ظاهرا وباطنا ونهانا عن رذائلها وسفسافها فمن المكارم الظاهرة النظافة والطهارة والتنزه عن الأقذار والأوساخ فمن النظافة تطهير الثياب والأبدان فإنها ينبغي أن تنزه عن الأقذار مثل البول والغائط والمنى والمذى والدم والقيح وما شاكل ذلك

ومن النظافة أيضا التطيب وتحسين الهيئة فالطيب لا يخفى على عاقل استعماله وكذلك تحسين الهيئة ومن تحسين الهيئة قص الشارب وإعفاء اللحية فقص الشارب لتتأتى النظافة في الأكل إذ لا تتأتى مع طوله إذ يدخل الشعر في الفم وينغص الأكل ويقذره

هذا مع ما يلحق الشارب من قذارة المخاط إذ كان الشارب كبيرا ومع ذلك فلا يحلق عندنا كله ويمحق رسمه فإن ذلك مثله وتشويه وكذلك اللحي إذا حلقت فينبغي أن توفر توفيرا لا يخل بمروءة الإنسان ولا يخرج عن عادة الناس وخير الأمور أوساطها

وأما حلق اللحية فتشويه ومثلة لا ينبغي لعاقل أن يفعلها بنفسه

والعجب من جهل النصارى بالشرائع وبما يستحسنه ذووا المروءات فإنهم يحلقون لحاهم ويشوهون أنفسهم ويوفرون غلوفتهم التي ينبغي أن تزال لما في إزالتها من الفوائد على ما ذكرنا من النظافة المأمور بها تقليم الأظفار ونتف الإبط وحلق العانة وغسل البراجم والمغابن بالماء وهذا كله من شرعنا مبالغة في النظافة ومحافظة على مكارم الأخلاق وعلى عادة ذوي العقول والمروءات

وأما التنزه عن الأقذار فإنه حرم علينا الخبائث من الميتة والدم ولحم الخنزير والأنجاس كلها على ما تقتضيه عادة العقلاء والمروءات وأمرنا بأكل الطيبات وإستعمال المستحسنات ونهانا عن السرف والتبذير

ولأجل هذا نهانا عن إستعمال أواني الذهب والفضة وعن لباس الحرير للذكور وذلك لما فيه من التبذير والسرف

وأيضا فإن فيه ترفها يناسب ترفه أهل الجنة ويشبهه ولا ينبغي أن يفعل ذلك ولأجل ذلك قال نبينا عليه السلام من شرب في آنية الذهب والفضة لم يشرب بها في الآخرة ومن لبس الحرير في الدنيا لم يلبسه في الآخرة

وهذا كله لأن الدنيا دار عمل والآخرة دار جزاء ولأجل ذلك قال الحكماء الدنيا قنطرة فاعبروها ولا تتعمروها فهذه نبذة من النظافة الطاهرة وأحكامها كثيرة تعرف في مواضعها

وأما النظافة الباطنية فترجع إلى التخلي عن مذموم الأخلاق والتحلي بمحامدها ومستحسنها وهي كثيرة فلنذكر الأخلاق المذمومة التي يتنظف منها وبعدها نذكر الأخلاق المحمودة التي ينبغي الاتصاف بها

أما الأخلاق المذمومة فكثيرة لكن أمهاتها ما نذكره وهي الغضب والحسد والبخل ومهانة النفس ودناءتها والرعونة وحب الجاه وحب الدنيا الذي منه كل خطيئة والكبر والعجب والرياء إلى غير ذلك من الأخلاق المذمومة التي من اتصف بها كان منجس الباطن بمثابة من كان متنجس الظاهر فعليه تنظيفه، إلا أن نظافة النجاسة الظاهرة بالماء ونظافة النجاسة الباطنة بالاتصاف بالأخلاق المحمودة التي هي التوبة من المعاصي وحسن الصحبة مع الخلق والنصيحة لهم والعدل في الأمور كلها والتواضع وكرم النفس وبغض الدنيا والزهد فيها والإخلاص والخوف والصبر والشكر والصدق والتوكل ومحبة الله تعالى ومحبة رسله إلى غير ذلك من الأوصاف المحمودة التي من اتصف بها فقد تتقي من أوصاف البشرية وتطهر الطهارة المعنوية

فهذه أنموذج وقانون يعرف العاقل المنصف به حسن شريعتنا وجمال طريقتنا وأنها جارية على نهج العقول ومستحسنه عند من له محصول ومن أراد أن يتبين محاسن شريعتنا على التفصيل فلا يصل إلى ذلك إلا ببحث كثير وتطويل

فإن وقف فأمعن النظر وأستدت منه الكفر قضى من عجائبها كل عجب وعلم على القطع والبتات أنها حق من الله من غير شك ولا ريب وأن الذي جاء بها لا يجوز عليه الغلط ولا الكذب

فها نحن معشر المسلمين قد أرصدنا شريعتنا للإستعراض ونادينا عليها في سوق الاعتراض لئلا يعترض أحد أو يعارض فيدمغه ناقد لقوله وحافظ ولم نكل حكايتها إلى غبي غافل عن مقاصد شرعنا جاهل

وقد آن أن نذكر ما اعترض به النصارى على ديننا ونتصل عنه إن شاء الله تعالى وعند ذلك يتبين صميم جهلهم وسوء صنيعهم وفعلهم

الفصل الثاني: دفاع عن الإسلام[عدل]

اعلم أن النصارى يعيبون دين الإسلام ويقبحونه عند جهالهم وعامتهم بأمور من فروع الإسلام لا ينبغي لمنصف أن يعيبها ولا يعيب شرعا هي فيه

وقد كنا بينا فيما تقدم أنه لا ينبغي أن ننبذ الشرائع أو نجحدها بما تجوزه العقول بل يتلقى ذلك المجوز عقلا الذي جاءت به الشرائع بالقبول إذا علم صدق ذلك الشرع بل ينبغي للعاقل أن ينظر في دليل صدق ذلك الشرع فإن وجده دليلا صحيحا قبل منه كل ما يقول فإنه صادق والصادق لا يقول ما تكذبه العقول نعم قد يقول ما يقصر العقل عن إدراكه وليس ذلك طعنا على قول الصادق وإنما العجز في حق العقل فليس كل ما تأتي به الشرائع يعرف العقل جوازه قبل وقوعه بل قد يكون منه ما يجهله

وهذا بين عند الفهم المنصف وقد كنا قررنا ذلك بأبلغ من هذا فيما تقدم

فإذا تقرر ذلك قلنا للنصارى كان يجب عليكم أن تنظروا في الأدلة التي بها استدل هذا النبي على صدقه فإذا صحت لزمكم قبول قوله وإن لم تصح لديكم رددتم كلية شرعه ولا تعترضوا ببعض ما جاء به مما يجوزه العقل على ما تقرر

ونحن قد أثبتنا الأدلة القاطعة على صدقه وأنواعها فيجب عليكم أن تقبلوا شرعه إذ قال أنا رسول الله إلى الناس كلهم وإلى اليهود والنصارى وقد ظهر صدقه في قوله وإن لم تفعلوا فقد وجبت عليكم اللعنة وحاقت بكم الطامة وسيعلم الكفار لمن عقبى الدار

ونحن نذكر إن شاء الله تعالى ما اعترضوا به على ديننا ونحكي اعتراضهم كما ذكروه في كتبهم ونسبوه إلى أساقفتهم

قال صاحب كتاب الحروف بعد أن ذكر وصية عيسى التي قال فيها احذروا أنبياء الكذب الذين يأتونكم بلباس الحملان يعني سمة الأبرار وزي العباد وباطنهم ذئاب خاطفة قال بعد ذلك معرضا بنبينا ومستنقصا لديننا وقد رأينا نفاذ قوله هذا فبمن ادعى النبوة فأظهر سمة الحملان ثم عمل عمل الذئاب فأمر بخلاف هذه الوصايا من العداوة للناس عامة والتحريض على قتل من خالفه والأمر بالقصاص والانتقام

ثم أمر بالإكثار من النساء ورخص في طلاقهن وأحل تزويج المطلقات الفاجرات ثم ردهن إلى الأزواج الأولين بعد طلاق ثان وأحل ذلك لهن من الرجل الثاني إلى الأول ثم ما وصف الله به من الجور والقساوة والظلم إذ زعم أنه يهدي بعضا ويضل بعضا

وقال القوطي الذي قدمنا ذكره لا فائدة في شريعتكم لأنا نجد الأحكام الشرعية حكمين الأول التوراوي الذي هو من لطمك فالطمه، الآخر الإنجيلي الذي هو من لطم خدك اليمنى فانصب له اليسرى

وأنت ترى فضل هذا على الأول ثم لا تجد لهذين الحكمين ثالثا إلا كان داخلا فيهما

هذا منتهى ما يعترض به من ينتمي إلى النظر من أقستهم وإن كان بعيدا عن التحقيق

وأما عامتهم ومن لا مبالاة بهم فقد تقولوا العظائم وجاهروا بالتواقح والشتائم.

ونحن نجيب هذين القسمين على ما قالاه جوابا يرفع الاشتباه ونرجو به التقرب من الإله فنقول للأول:

أما استدلالك على رد نبوة نبينا بقول عيسى فتجهيل للعامة وتلبيس عليهم فإنك أدخلته في جملة أنبياء الكذب وقد شهد الأنبياء بصدقه كما قدمنا بل قد شهد كتابك بصدقه وبنبوته فإنه قد جاء فيه من قول عيسى مالا يمكنك إنكاره حيث ذكر البرقليط وأخبر أنه يأتي ووصفه بما ينبغي له وقد قدمنا ذلك مستوفى، فهذا منك ياهذا جهل بكتبك وتكذيب لأنبيائك ورسلك وإنما الذي حذر منه عيسى وغيره من الأنبياء إنما هم أنبياء الكذب كما قال ولم تزل الأنبياء يحذرون من الأنبياء الكذابين

ولقد أكثر من مثل هذا التحذير نبينا عليه السلام حتى قال يكون في آخر الزمان ثلاثون كذبا كلهم يزعم أنه نبي وأنا خاتم النبيين فلا رسول بعدي ولا نبي وقد وجد بعضهم ولا بد من أن يوجد الباقي كما قال الصادق

وأما قولك أن سمة نبينا سمة الحملان وعمله عمل الذئاب فكذب صراح وإفك وقاح ونحن قد بينا سمته وعمله ومنهاجه وقد عرف حاله القريب والبعيد بل سمته سمت الأنبياء وعمله عملهم ولا فرق بينه وبينهم إلا أنه أفضلهم وأكملهم وإنما قلنا ذلك لأن في صحف أشعياء أنه قال أتت أيام الإفتقادات أيام الكمال ثم قال لتعلموا يا بني إسرائيل الجاهلين أن الذي تسمونه ضالا هو صاحب النبوة تفترون بذلك على كثرة ذنوبكم وعظم فجوركم

وإنما قلنا إنما عنى نبينا ولم يرد غيره لأنه قال يا بني إسرائيل وهذا خطاب لجميعهم ولم تكذب جميع بني إسرائيل بنبوة نبي إلا نبوة محمد ﷺ إلى غير ذلك مما تقدم وأما عيسى وغيره فكان منهم من آمن به وصدقه على ما هو معروف

وأما قولك أمر بخلاف هذه الوصايا من العدواة للناس فكذب وتشنيع لا يرضى به سفلة الناس بل قد أمر بالألفة والإجتماع والتحاب في الله والمؤاخاة في ذاته والتعاون على البر والتقوى ونهى عن التباغض والتدابر والتخاذل على ما بيناه من شرعه

وكل ذلك من حاله وحالهم معروف بحيث لا يجهل ومشهور بحيث لا ينكر نعم رحمته للمؤمنين وغلظته على الكافرين

وكذلك وصفه الله في كتبه وعلى لسان رسله قال الله العظيم في محكم وحيه الكريم لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم وكذلك كانت أحوال أصحابه قال الله تعالى محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم وليس كما تقولونه أنتم عن أصحاب عيسى أنه لما تقبضت اليهود عليه فروا عنه وأنكروه وحلفوا على أنهم لم يعرفوه فأسلموه وتركوه

وقد بينا فيما تقدم ما ذكرت الأنبياء من أوصافه وعلى أنه لم يغلظ على الكافرين حتى تمردوا على الله وكذبوا رسالات الله وذلك أنه أقام بين أظهرهم عشر سنين أو نيفا عليها يدعوهم إلى الله على سبيل الوعظ والإنذار والتعليم والتبليغ وإظهار الآيات والعجائب ملينا لهم القول ومظهرا لهم الإشفاق وباذلا لهم النصيحة صابرا بنفسه على ما يلقى من أذاهم ومن سبهم وهم مع ذلك يبالغون في ضرره بكل ما يمكن وكلما ألح عليهم بالإنذار زادوا في الإضرار حتى هموا بقتله وطرده عن بلده وأهله

وبعد ذلك أمره الله بالإنتصار ممن ظلمه وإخراج من أخرجه ولذلك أنزل الله تعالى عليه أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وأن الله على نصرهم لقدير

وأما قوله والتحريض على قتال من خالفه فهذا لا ينبغي أن يعاب به دين فإن الكافر بالحق لا حرمة له وجنايته أكبر من كل جناية فعقوبته ينبغي أن تكون أكبر من كل عقوبة لا سيما بعد أن تقدم للكافرين بالأعذار وبولغ لهم في الإنذار ولأجل أن الكافر لا حرمة له عند الله يعاقبه في الدار الآخرة عقوبة لا إنقطاع لها باتفاق الشرائع

وإن جاز أن يعاب شرعنا لأنه جاء بقتال الكافرين جاز أن يعاب شرع موسى فإنه جاء بقتال الجبارين على ما لا يخفى على أحد من المتشرعين فقد لزم هذا المنكر لشرعنا من حيث أنه شرع فيه القتال أن ينكر ما يدين به ويعتقده من شرع موسى بن عمران وينبغي له أن يسفه فعل يشوع بن نون حيث أذاق الجبارين أشد القتل وأعظم الهون ثم أعجب من ذلك جهلهم بما في كتبهم أو مجاهرتهم بإنكارها

وذلك أنه يجدون في كتبهم أوصاف النبي ﷺ ويجدون فيها أنه يبعث بالقتل والسيف ثم ينكرون ذلك ويباهتون فيه وقد ذكرنا من ذلك ما فيه كفاية ومن ذلك ما قد جاء في كتاب أشعياء أنه أخبر عن هزيمة العرب وقتل اشرافهم فقال لما ذكر النبي ﷺ يدوسون الأمم كدوس البيادر وينزل البلاء بمشركي العرب وينهزمون ثم قال وينهزمون بين يدي سيوف مسلولة وقسى موتورة من شدة الملحمة

وكذلك قال حبقوق تضيء لنوره الأرض وستنزع في قسيك إغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد إرتواء وهذه نصوص على اسمه وصفته كما تقدم

وقد أشار إنجيلكم إلى هذا فإنكم تزعمون أن عيسى قال لتلاميذه إني كنت أرسلتكم وليس معكم مزود ولا خف فهل ضركم ذلك أو نقصكم شيئا قالوا لا قال أما الآن فمن لم يكن له كيس فليأخذ كيسا ومزود فليشتر مزودا ومن لم يكن له سيف فليبع من ثيابه وليشتر سيفا

فأمرهم باشتراء السيوف للقتال بعد أن كان نهاهم عن القتال لعلمه أن محمدا يبعث بعده بالسيف وهذا كثير بحيث لا يحتمل التأويل

وخير من ذلك كله أنهم قد ذكروا في إنجيلهم أن عيسى قال لهم لا تحسبوا أني قدمت لأصلح بين أهل الأرض لم آت لاصلاحهم لكن لألقى المحاربة بينهم إنما قدمت لأفرق بين المرء وابنه والمرأة وابنتها وأعداء المرء أهل بيته

وهذا نص بأن عيسى إنما جاء بالمحاربة وإلقاء العداوة بين الناس وهذا عين ما أنكروه علينا ثم قد زاد وأعلى ذلك أنهم حكوا أنه قال لم آت لأصلح أهل الأرض لم آت لإصلاحهم وظاهر هذا إنما جاء بفساد أهل الأرض

وهذا لايصح أن يقوله عيسى عليه السلام ولا غيره من الأنبياء وهو من كذبهم وتحريفهم وقد قدمنا ذلك فيما سبق ومن العجب أنهم يقولون أن ملة المسيح وشريعته لم تأت بقتال ويتمدحون بأنها لم تظهر بقتال وإنما ظهرت بما ظهر على أيدي الحواريين من العجائب وهم مع ذلك يعترفون بمحاربة قسطنطين وبمقاتلته من خالفه وأنه الذي تلقيت عنه الشريعة الصليبية فإنه أرى في النوم صورة الصليب وقيل له بهذا تنصر ففعله وأعتقده وقاتل فنصر

وأعجب من ذلك تلبسهم بالقتال والإكثار منه أبد الدهر إلى اليوم وهم مع ذلك يدعون أن القتال غير مشروع لهم ويذمون الشريعة التي جاءت به فهم قد ناقضت أفعالهم أقوالهم وشهدت على كذبهم أحوالهم ثم نقول لقسطنطين ولجماعة النصارى المقاتلين قتالكم من خالفكم لا يخلو إما أن يكون مشروعا لكم أو غير مشروع لكم فإن كان مشروعا لكم فلأي معنى تخالفونا في ذلك وتذموا شرعنا لأجله وإن لم يكن مشروعا لكم فلأي معنى تركتم شرعكم وفعلتم خلافه وكيف حل لكم ذلك فأنتم بين أمرين قبيحين عليكم إما أن تعترفوا بأن قتال الأعداء جائز حسن فلا تذموا شرعنا لأجله وإما أن تعترفوا بأنه غير جائز وقبيح فيلزمكم التناقض والسفه والخروج عن شريعة المسيح فأنتم على المثل السائر أعور بأي عينيه شاء

فإن قالوا إنما نقتصر بالقتال لأنفسنا ونمتنع ممن يريد به ظلمنا قلنا ومن شرع لكم أن تنتصفوا ممن ظلمكم أو تنتصروا لأنفسكم بل قد حكيتم في إنجيلكم أنه قال لكم احفظوا أعداءكم وأكرموا من أساء إليكم فإن لم تحفظوا إلا إخوانكم فما أجرؤكم على ذلك

وهذا نص على أنه ينبغي لكم أن تستسلموا عن قاتلكم ولا تنتصروا ممن ظلمكم فإن لم تفعلوا ذلك فقد تركتم شرعكم واستهنتم بسنة نبيكم ثم يلزمكم على ذلك أن تعترفوا بأن شرعكم ناقص إذ قد بين لكم نبيكم بعض المصالح وترك بعضها وهو القتال الذي استدركتموه بنظركم من حيث كان ضروريا ومحتاجا إليه وتعترفوا بكمال الشرع الذي جاء بالقتال الذي هو شرعنا

وعند هذا يتبين فساد قولهم إن الحكم حكمان لا ثالث لهما ويفسد عيبهم علينا القصاص وذلك أنهم يزعمون أن حكم التوراة يقتضى القصاص وحكم الإنجيل يقتضى العفو ثم زعم ذلك الجاهل أن لا حكم ثالث ولم يشر بثالث متوسط هو أكملهما وأتمهما وهو الحكم الفرقاني حيث قال الله العظيم وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين وقال ولمن صبر وغفر أن ذلك لمن عزم الأمور وقال تعالى ولمن انتصر بعد ظلمه فأولئك ما عليهم من سبيل

ثم العجب من هؤلاء الجهال كيف يذمون شريعتنا ويكذبونها من حيث أنها تضمنت القصاص ويؤمنون بشريعة موسى وقد صرحت بالقصاص فيلزمهم على قولهم أن يكذبوا بشريعة موسى ويذمونها من ذلك الوجه

ثم أعجب من ذلك كله مدحهم شريعتهم من حيث كانت مبنية على العفو والصفح ثم مع ذلك أبوا أن يجوزوا عفو الله تعالى عن آدم حين أكل من الشجرة حتى قالوا إن جميع بني آدم كانوا مرتهنين بمعصية أبيهم حتى فداهم المسيح بنفسه بل لم يتصور عندهم عفو الله حتى انتقم من إله مثله تعالى الله وتقدس عما يقول الظالمون علوا كبيرا

فعلى هذا نقول لهم لا يخلو العفو من أن يكون هو الأولى مطلقا أو الإنتقام هو الأفضل أو الحالة الثالثة فإن كان العفو هو الأولى فلم لم يعف الله تعالى عن آدم من غير أن يعاقبه وبنيه على ما زعمتم وإن كان الإنتقام هو الأولى فلم لم ينتقم من آدم وبنيه مطلقا

فلم يبق على هذا إلا أن الأولى هو الحالة الثالثة وهو الانتقام في حال من مستحقه والعفو في حال أخرى عن مستحق العقاب تفضلا وتكرما حسب ما يريده الباري تعالى

وعلى هذا المنهاج السديد والأمر الرشيد جاءت شريعتنا فهي كاملة متممة والحمد لله ثم إذا كان العفو هو الأولى والأفضل وبه جاءت شريعتكم فلأي معنى تتركون شريعتكم الأولى

فقد اعترفتم بألسنتكم وتناقضتم بأفعالكم وكم لكم منها وكم

وأما اعتراضه على شرعنا بتحليل نكاح الكثير من النساء فذلك مالا ينبغي أن ينكره أحد من العقلاء فإنه من مجوزات العقول وقد ورد بذلك الشرع الصادق المنقول ثم قد ورد عن جماعة من الرسل وقد جاءت بذلك الكتب ألم يجيء في التوراة أن إبراهيم كانت له سارة وهاجر وكذلك ورد فيها أن يعقوب جمع بين أختين ليئة وراحيل وقد ثبت أيضا أن سليمان كانت له مائة إمرأة أو تسعة وتسعون بل قد روي في الإسرائيليات أنه كان له ثلاث مائة امرأة حرة وسبع مائة سرية

فإن كذبتم شرعنا لأجل أنه اشتمل على جواز نكاح نساء كثيرة فلتكذبوا بنبوة إبراهم ويعقوب وسليمان ولا فرق بين نبينا وبين هؤلاء الأنبياء في أن كل واحد منهم رسول الله يبلغ حكم الله فما لكم تنكرون ما بمثله تعترفون وتكذبون عين ما تصدقون فلعل المعتوه الذي لا يعرف مابه يفوه

ثم لا ينكر عاقل حكمة الله تعالى في شرعية كثرة النساء إذ مقصوده بذلك إنما هو تكثير النسل وعمارة الدنيا بالذراري ليكثر الصالحون لما أراد الله بهم من الكرامة وليكثر الطالحون لما أراد الله بهم من الشقاوة والتعذيب ولتنفذ على خلقه أحكامه وتجري عليهم أقداره لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون

وأما اعتراضه بالطلاق ورد المطلقات فقد تقدم ذكره على أوضح المقالات وأشفينا في الجواب على أحسن الغايات فلينظره من أراده في باب النبوات

وأما اعتراضهم على اعتقادنا أن الله يهدي من يشاء ويضل من يشاء فقد قدمنا فيه قولا كافيا ولكنا مع ذلك نؤيده أيضاحا فنقول:

قد قام الدليل القاطع والبرهان الصادع على أن الله تعالى منفرد بخلق الموجودات ومريد لكل الحادثات لا يخرج عن قدرته ممكن ولا يشذ عن إرادته حادث والهدى والضلال من الحوادث فإذن هما مستندان إليه وموجودان بإرادته وتحقيق هذا البرهان يعرف في موضعه

ثم نقول لا يشك عاقل أن الهدى والضلال وما في معناهما أمور محدثة وأفعال موجودة بعد أن لم تكن وكل فعل محدث فلا بد له من فاعل محدث بالضرورة ففاعل الهدى والضلال وخالقهما إما أن يكون الله سبحانه أو غيره محال أن يكون غير الله لاستحالة وجود خالقين ويلزم منه إمتناع الخلق كما قدمنا حين ذكرنا دلالة التمانع فلم يبق إلا أن يكون الفاعل هو الله تعالى إذ لا خالق إلا هو ولا مبدع سواه

ثم نقول للنصارى صلب المسيح وقتله إما أن يكون ضلالا وإما أن يكون هدى ومحال أن يكون هدى فإنكم تكفرون من فعل ذلك وتضللونهم ولأجل ذلك الفعل حاق الغضب وحاقت اللعنة على اليهود بزعمكم فلم يبق إلا أن يكون ضلالا

وإذا كان كذلك فقد لزمكم أن الله فعل الضلال فإنكم قد صرحتم بأن الله إنما فعل ذلك لأجل خطية آدم ولا من أحد من ولده وإنما أراد أن ينتقم من إله مثله فقد صرحتم ونصصتم أن الله تعالى أراد الضلال وفعله على أقبح ما سمع وأشنع ما به يتحدث ثم إنا لا ندير مما يكون التعجب أكثر إن كان من ذهاب عقولكم أو من جهلكم بكتبكم

فأما نقص عقولكم فإنكم تقولون أقوالا تتناقضون فيها ولا تشعرون وتلتزمون ضروبا من المحالات وتنكرون أمورا جائزات كما قدمنا آنفا ولم نزل نبين ذلك من أول كلمة من هذا الكتاب إلى آخره

وأما جهلكم بكتبكم فقد جاء في كتابكم نصا هذا المعنى الذي أنكرتموه علينا وذلك أن عيسى قال حين دنا أجله يا أبتاه إنك قادر على جميع الأشياء فزح عني هذه الكأس ولكن لست أسألك أن تفعل مشيئتي بل مشيئتك وهذا نص على أن الله على كل شيء قدير وأنه يفعل ما يريد وأنه أراد صلب المسيح بزعمكم وكان ضلالا لليهود بلا شك

فما لكم تخبطون وعن كتبكم تعرضون بل أنتم عن عقولكم مصروفون وفي ورطة الجهل مرتبكون وفي بحبوحة الضلال عمهون

فلقد صدق الذي قال اليهود مغضوب عليهم والنصارى ضلال

والكلام على الهدى والضلال والطبع والختم يستدعي تطويلا وشرحا وتفصيلا ومن طلبه وجده إذا ساعده التحقيق ورافقه التوفيق

وقد حصل غرضنا من مكالمة هؤلاء وإفحامهم والحمد لله

وأما قوله ودعواه أنا وصفنا الباري تعالى بالجور والقساوة والظلم فعلى المثل السائر رمتني بدائها وانسلت

أما نحن فننزه الله تعالى عن كل ما ذكر ولا نقول بقول يؤدي إلى ذلك وكيف يصح في حقه تعالى الظلم والجور وهو إنما يتصرف في ملكه وملكه وخلقه ولا يجب عليه لأحد من خلقه حق بل هو متفضل بكل ما يفعل وإنما يتصور الظلم والجور في حق من تصرف في ملك غيره أو عدل عن فعل ما وجب عليه وهذا كله في حق الله تعالى محال

وإنما يلزم وصفه بالظلم والجور والقساوة لمن قال إن آدم عصاه ثم جعل ذنبه على جميع ولده ثم لم يقنع بشيء من دمائهم بل ولا من دمائهم كلهم حتى انتقم من اله مثله وأجرى دمه على خشبة الصليب فهذا ظلم من حيث حمل الذنب من لم يفعله وجور من حيث قتل إلها لأجل لقمة من شجرة أكلها غيره وقساوة من حيث قتل ولده وحبيبه في عبده العاصي عندكم ولم يعف

نعوذ بالله من هذه القبائح ومن التزام هذه الفضائح وتتبع جهالات الجهال بحق معقول العقال

على أن كلام هؤلاء القوم لا يستحق أن يسمع إذ ليس لهم في العقول مطمع ولكثرة فساد كلامهم يحار النحرير الناظر في هذيانهم فيظل متعجبا وينشد متمثلا

تفرقت الظباء على خراش... فلايدري خراش ما يصيد

وأنا أكرر الاستغفار من حكايات كلامهم وأسأله النفع بإظهار فساد مرامهم ومع ذلك فقد أصبنا منهم غرضا وصادفنا منهم مقتلا ولئن زادوا زدنا وإن عادوا عدنا

إن عادت العقرب عدنا لها... وكانت النعل لها حاضرة

وينبغي أن نختم الكتاب بدعاء مأثور عن رسول الله ﷺ فلعل الواقف على كتابي هذا يؤمن عند خاتمته وعسى الله أن يشركنا في صالح دعوته

فأقول اللهم اقسم لنا من خشيتك ما تحول بيننا وبين معاصيك ومن طاعتك ما تبلغنا به جنتك ومن اليقين ما تهون به علينا مصائب الدنيا ومتعنا بأسماعنا وأبصارنا وقوتنا ما أحييتنا واجعله الوارث منا واجعل ثأرنا على من ظلمنا وانصرنا على من عادانا ولا تجعل مصيبتنا في ديننا ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا ولا تسلط علينا من لا يرحمنا آمين آمين

والحمد لله رب العالمين والصلاة على محمد سيد المرسلين وسلام عليه وعليهم في العالمين وعلى صحبه أجمعين وعلى التابعين لهم بإحسان إلى يوم الدين

نجز الكتاب المبارك بحمدالله وعونه وحسن توفيقه على يد العبد الفقير إلى الله تعالى علي بن محمد بن عانبه الفيومي نسبا والشافعي مذهبا حامدا لله ومصليا ومسلما على رسول الله ﷺ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين في سابع عشرين شهر ربيع أول سنة تسع وسبعين وثماني مائة

قال في أصل النسخة وكان الفراغ منه ضحوة سادس شهر شعبان سنة ست وعشرين وسبع مائة بدمشق المحروسة والحمد لله رب العالمين

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد
مقدمة | صدر الكتاب | الباب الأول: في بيان مذاهبهم في الأقانيم وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: أقانيم القدرة والعلم والحياة | الفصل الثالث: تعليل التثليث | الفصل الرابع: دليل التثليث | الفصل الخامس: في بيان اختلافهم في الأقانيم | الباب الثاني: في بيان مذاهبهم في الاتحاد والحلول وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: معنى الاتحاد | الفصل الثالث: الواسطة بين الله وبين موسى | الفصل الرابع: تجسد الواسطة | الفصل الخامس: في حكاية كلام المتقدمين | الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين | الباب الثالث: في النبوات وذكر كلامهم | الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل | الفصل الثاني: المسيح المنتظر | الفصل الثالث: المسيح عيسى ابن مريم | فصل: في بيان بعض ما طرأ في التوراة من الخلل وأنها لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأجله من الخطأ والزلل | فصل في بيان أن الإنجيل ليس بمتواتر وبيان بعض ما وقع فيه من الخلل | الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح | القسم الثاني: في النبوات وإثبات نبوة محمد ﷺ | القسم الثاني: في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ | النوع الأول من الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: إخبار الأنبياء به قبله | النوع الثاني: الاستدلال على نبوته بقرائن أحواله ﷺ | خاتمة جامعة في صفاته وشواهد صدقه وعلاماته | النوع الثالث: الاستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد | الوجه الأول من وجوه إعجاز القرآن | الوجه الثاني | الوجه الثالث | الوجه الرابع | النوع الرابع | الفصل الثالث عشر في ما ظهر على أصحابه والتابعين لهم من الكرامات الخارقة للعادات | الباب الرابع: في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم | الفصل الأول: ليست النصارى على شيء | الفصل الثاني: خروج النصارى على تعاليم التوراة والإنجيل | الفن الأول: شعائر الدين النصراني وطقوسه | مسألة في المعمودية | مسألة في غفران الأساقفة والقسيسين ذنوب المذنبين واختراعهم الكفارة للعاصين | مسألة في الصلوبية وقولهم فيها | مسألة في تركهم الختان | مسألة في أعيادهم المصانة | مسألة في قربانهم | مسألة في تقديسهم دورهم وبيوتهم بالملح | مسألة في تصليبهم على وجوههم في صلاتهم | مسألة في قولهم في النعيم والعذاب الأخراوين | الفن الثاني: محاسن دين الإسلام