الإعلام بما في دين النصارى/الباب الثالث/الفصل السابع

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح
القرطبي

الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح[عدل]

من حكاية كلامه أيضا[عدل]

قال: وأنت أنها الإنسان تجدوا في كتابكم في آل عمران وأنزل التوراة والإنجيل من قبل هدى للناس

فأنت مقر بالتوراة والإنجيل فاثبتوا دينكم من التوراة كما أثبتنا نحن ديننا من كتب الأنبياء واعلم أنه لا نقبل لكم من كتبكم شيئا فإن قلت من كتابك شيئا قلت لك كما قال رسولك البينة لمن ادعى واليمين على من أنكر فوجب عليك أن تثبت دينك من التوراة والإنجيل التي أنت مقر بهم وأنت مدعى أن كتابكم من الله فاثبتوه من التوراة بالعبراني ومن الإنجيل بالعجمي كما أنتم مقرون

وقولكم وما محمد إلا رسول الله قد خلت من قبله الرسل فإني أطلبك من الكتب التي جاءت به الرسل كما قلتم فائت بما ادعيت وإلا يميني لأني أنكر لك ولا نقبل لك من النبوات والروايات المرويات عن مسلم في كتابه الذي قال حدثنا سفيان عن الزهري عن قتادة عن عائشة قالت جاءت امرأة رفاعة إلى الرسول فقالت له كنت لرفاعة فطلقني فتزوجت عبدالرحمن بن الزبير فتبسم الرسول ضاحكا وقال أتريدين أن ترجعي إلى رفاعة لا حتى تذوقي عسيلته ويذوق عبدالرحمن بن الزبير عسيلتك وفي رواية أخرى عن عائشة قالت طلق رجل إمرأة ثلاثة فتزوجها رجل ثم طلقها قبل أن يدخل بها وأراد زوجها الأول أن يتزوجها فسئل الرسول عن ذلك قال لا حتى يذوق الآخر من عسيلتها ما ذاق الأول

فافهم فمثل هذه النبوات لا نقبلها منكم لأن المسيح يقول لا ينبغي لرجل طلاق زوجته إلا أن تزنى وإن زنت فلا يحل له مراجعتها ومن طلق إمرأته فقد جعل لها سبيلا إلى الزنى أعنى من طلقها دون سبب ومن زوج مطلقة فهو فاسق بها

وأنتم تقولوا لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى بدل أن تنهو عن الزنى تأمروا بالزنى وهو عندكم فريضة التياس

وأنا أريد قطع ذنب التيس وأن نجعله في ذقنه ليلوح لسته لمعرة صرصر الشمال وحمارة قيظ هجير الجنوب

وهذا جواب كلامك انتصافا منك كما يقول قرآنك ومن انتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه فأفهم

ثم قلت في شعرك

أراد النصارى ينصرون محالهم فانصر أنت محالك لأنك قلت بالسفه والطعن في ديننا وقلت الكذب على مسيحنا كيف قلت ما لم تعلم وكيف تجرأت أن تتكلم واعلم أنك إن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أبعث إلى كل بلد كتابا بنص شريعتكم وبكل ما نعرف فيها من الأقاويل التي لاتقدرون على إنكارها

فافهم لأنك قلت في المسيح غث وأوطار وأنك سبيت الحاكم عليك وعلى جميع الأمم يوم القيامة لكن سوف تلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة فإن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أعرفك بشجرتك ما هي حتى تعلم من أنت وأعلم أني لم أريد في الأول شتم أحد لكن لما بعث إلى أول كتاب بالسفه والسب رددت له الجواب بأمه هاجر ولم نقل فيها عشر ما قال الله فيها في التوراة وعن ابنها فاسمع قول الله عنها وعن ابنها: رأت سارة ابن هاجر المصرية الذي ولدت لإبراهيم وهو يلعب فقالت لإبراهيم ارمي هذه الأمة وابنها إذ ليس يرث هذه الأمة وابنها مع ابني إسحق فصعب على إبراهيم ما قالت له عن ابنه فقال الله لإبراهيم لا يصعب عليك بكلام سارة عن الصبي وعن أمتك وجميع ما تقول لك سارة اسمع من قولها فقال إبراهيم هذا كلام الله إلى قائلا لا يرثك هذا

إن الذي يخرج من صلبك هو يرثك

ثم قال الله لإبراهيم باسحق يتسمى نسلك

فافهم ترشد واعلم كيف قطع الله ورث إسماعيل وأمه في قوله لا يرثك هذا ثم قال عن إسحق الذي يخرج من صلبك وكيف قال الله لإبراهيم باسحق يتسمى نسلك ولم يقل بإسماعيل يتسمى نسلك، فأخذ إبراهيم خبزا وجرة ماء وجعل على أكتاف الأمة وجعل إسماعيل على عنقها بالليل وأخرجها بولدها عن العمران فتناسلت منه الأمة الذي قال فيها قرآنكم أشد كفرا ونفاقا

فافهم والسلام على من اتبع الهدى وآمن بشريعة المسيح حقيقة الإيمان ورحمة الله وبركاته كمل كلامه

الجواب عما ذكر[عدل]

اعلم يا هذا المخدوع المصروف عن المعارف الممنوع الشاهد عليه جهله بأنه ليس بتابع ولا متبوع أنا نؤمن بالله وكتبه ولا نفرق بين أحد من رسله فنؤمن بالتوراة والإنجيل اللذين أنزلهما على رسوليه الملك الجليل ولكن قبل أن يعتريهما التغيير والتبديل وقد نبهنا على أن الكتاب الذي بأيديكم المسمى بالإنجيل عندكم لا يقال عليه منزل بالحقيقة كما تقدم من تلك الطريقة ثم إنا نسلم جدلا صحة ما تدعونه من تلك النبوة ونبين صحة نبوة نبينا منها عن كثب

فأما قولك واعلم أنا لا نقبل من كتبكم شيئا فليس ذلك بأول عنادكم فكم لكم منها وكم شنشنة أعرفها في أخزم

لكنكم لستم عند العقلاء أهلا لقبول حق ولا لرد باطل فليس ردكم بأولى من قبولكم وهكذا فعل الرعاع الغثر الغثاء الغبر يقبلون بغير دليل ويردون بغير حجة ولا سبيل

وإلا فما الدليل الذي أوجب عندكم إلا تقبلوا نبوة نبينا محمد ﷺ مع وضوح معجزاته وعدالة بيناته على ما نبينه إن شاء الله تعالى

فظهر من هذا أن ردكم لديننا ليس بدليل وإنما هو لأجل إتباع قول كل جهول دخيل يحكم على عقله هواه ويطيح معه حيثما رماه ولأجل ذلك صار دينكم ضحكة العقلاء مشتملا على كل مقالة شنعاء ومن كان هذا منهج سبيله فرده لغير معنى بمثابة قبوله

ولقد كان ينبغي لك لو كنت على سنن النظار أهل البحث عن الحق والإعتبار أن تحكى ديننا وتستدل بزعمك على فساده كما قد فعلنا نحن بدينكم إذ بينا تناقضه وعدم سداده على أنه قد تبين الصبح لذي عينين ووضحت الشمس لسليم الحاستين

ما ضر شمس الضحى في الجو مشرقة... ألا يرى ضوءها من ليس ذا بصر

ثم قلت متواقحا في قولك مستهزئا برسول ربك فإن قلت من كتابك شيئا قلت لك كما قال رسولك البينة على من ادعى واليمين على من أنكر أما قولك رسولك فنعم هو رسول إلينا وإليك فآمنا وكفرت وصدقنا وكذبت وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون فنحن نقول رضينا بالله ربا وبمحمد رسول الله رسولا وبالإسلام دينا وأما أنت فإن مت مصرا على تكذيبك فليدخلنك الله النار وليدخلنك في دار البوار فلا تنتفع بشفاعة ملك مقرب ولا بنبي مختار وأما طلبك البينة على صدقه فكفاك شهادة الأنبياء العارفين بحقه المخبر عنه بلزوم تصديقه وصدقه وسنبين ذلك بأبلغ بيان وأوضحه بأوضح برهان

وعلى سبيل الاستعجال يكفيك بينة عدله ما وقع في صحف النبي دانيال حيث وصف الكذابين وقال لا تمتد دعوتهم ولا يتم قربانهم وأقسم الرب بساعده أن لا يظهر الباطل ولا تقوم لمدع كاذب دعوة أكثر من ثلاثين سنة

وهذا دين محمد رسولنا ﷺ قائم منذ ستمائة سنة ونيف فكيف ترى هذه البينة المصححة أمعدلة عندك أم مجرحة

وكذلك في صحف النبي حبقوق وهو الشاهد المعظم الموثوق قال جاء الله من التيمن وتقدس من جبال فاران وامتلأت الأرض من تحميد أحمد وتقديسه وملك الأرض بهيبته وقال أيضا: تضئ له الأرض وستنزع في قسيك اغراقا وترتوي السهام بأمرك يا محمد

فهذا النبي الصادق المصدق قد أفصح بنعته وصرح باسم بلده وشهد بصدقه ومن كان الأنبياء شهوده فقد استحق مكذبه عذاب النار وخلوده فلعنة الله والملائكة والناس أجمعين على من تبين له الحق ثم صار عنه من المعرضين وسنعقد في النبوات فصلا مفردا ونأتي فيه بالعجائب حتى يتبين فيه تواقح كل طاعن عائب

وأما قولك وأنت تدعى أن كتابكم من الله فإن كنت تنكر ذلك فادع عصابتك البلغاء من نصارى نجران المتكلمين بلغة القرآن ليعارض بسورة من مثله فإن فعلوا ذلك دحضت حجته وانقطع عظيم قوله لكنهم لما سمعوا منه القرآن تحققوا على القطع أنه ليس يقدر عليه أحد من الإنس والجان وعلموا أنه كلام الملك الديان فآمنوا وصدقوا لما عرفوا وحققوا فحصلوا على فضل الملتين وآتاهم الله أجرهم مرتين

وأما قولك فأثبتوه من التوراة بالعبراني ومن الإنجيل بالعجمي فلتعلم أنا لولا كره منا أن نتكلم برضانة العجم لكان ذلك علينا أيسر شيء يلتزم ولكنا إن شاء الله تعالى نذكر كلام الأنبياء من كتبكم كما قد ترجمها المترجمون من أهل ملتكم مثل يرونم وحفص ابن البر وغيرهما من المترجمين الذين تثقون بقولهم وتعولون على نقلهم ولست أفعل مثل ما أنت فعلت ولا أصنع شيئا مما صنعت حيث نقلت كلام الأنبياء بالعبراني والعجمي ثم إنك شرعت في ترجمته وفي تفسيره من غير أن تنسب التفسير إلى أحد المترجمين العالمين بالمعاني وباللغات ومواقع الألفاظ وأما أنت فلست بموثوق بنقلك ولا مصدق في قولك لجهلك بالشروط التي يحتاج إليها المترجمون وإذا ادعيت أنك لست جاهلا فما حد الترجمة وحقيقتها وما شروطها وكم أقسامها وما المحل الذي تجوز فيه من الذي لا تجوز وبهذا السؤال يظهر جهلك وتبلدك وحصرك وتوددك

ثم قلت فائت بما ادعيت وإلا يميني لأني أنكر ها أنا قد أقمت البينات العدول الذين ليس لقائل في عدالتهم ما يقول ولقد أعلم مع ذلك أنك تبادر باليمين وتباهت المسلمين إذ قد تقولت بالكذب والزور على رب العالمين ثم ذكرت على جهة الإستهزاء والتنقيص والإزدراء والتخريص حديث إمرأة رفاعة لتقبح بذلك ديننا وتنسب إليه شناعة وأنت مع ذلك لم تعرف معناه ولا فهمت فحواه

ثم قلت بعد أن أخللت بمساقه ولم تقمه على ساقه فمثل هذه النبوات لا نقبلها منكم لأن المسيح يقول لا ينبغي لرجل طلاق زوجته إلا أن تزنى فلتعلم أن هذا كلام جاهل بأحكام الأنبياء ظان أن أحكام الشرع صفات لأعيان الأشياء ثم تستمد من إنكار الناسخ والمنسوخ وكلام كل جاهل مردود مفسوخ

فنقول لهذا المنكر الجاهل الذي ليس بمتشرع ولا عاقل منعك طلاق الرجل زوجته ورده إياها بعد طلاقها لا يخلو إما أن يكون منعا من جهة العقل أو من جهة الشرع فإذا ادعيت أنه من جهة العقل كانت دعواك باطلة بالضرورة فإن صور هذه المسائل ووجودها معلوم بالضرورة فإذا بطل أن يكون إمتناعها من جهة العقل فيجوز أن توجد وإذا جاز أن توجد فكيف ينبغي لمن ينتسب إلى العقل أن ينكر نبوة من قامت الأدلة القاطعة على صدقه من حيث أنه حكم بشيء يصح في العقل أن يوجد

ثم من العجب العجاب الذي يستعظمه أولو الألباب أنكم إلتزمتم في شرعكم بما يشهد العقل الأول بفساده مثل قولكم في الأقانيم أنها آلهة ثلاثة إله واحد وقلتم في الاتحاد والحلول ما يعلم فساده بضرورة العقول ثم لم ينفركم ذلك عن إتباع شرعكم بل يقول من يميز إستحالة ذلك القول منكم هذا مما ليس يدرك بالعقول بل يتبع فيه الكتاب المنقول ثم بعد التزام هذه المحالات والمدافعة عنها بالترهات والخرافات تنكرون علينا فعل شيء تجوزه العقول ولم تصر إليه إلا بعد ثبوت الشرع المنقول الذي دل على صحته البرهان المعقول فأنتم من الجهل والزلل كما جرى من كلام النبوة مجرى المثل يبصر أحدكم القذاة في عين أخيه ولا يبصر الجذع في عينه وإنما كان ذلك كله للمعنى الذي نبه الشاعر عليه هنالك

عيون الرضا عن كل عيب كليلة... ولكن عين السخط تبدي المساويا

فلو وفقتم لطريق الإنصاف لتركتم طريق التعصب والإعتساف ولو كنتم تطلبون الحق بدليله لأوشك أن يرشدكم إلى سبيله ولكن من حرم التوفيق استدبر الطريق ونكل عن التحقيق

وإن ادعيت أن ذلك ممنوع من جهة الشرع فنقول لك إما أن يكون ممنوعا من جهة الشرائع كلها أو من بعضها فإن قلت إنه ممنوع من جهة الشرائع كلها كان ذلك باطلا إذ الشرائع في ذلك مختلفة فإن المعلوم من شرع التوراة في ذلك خلاف شرعكم وكفى دليلا على أن التوراة تخالفكم في ذلك أو الكلام الذي حكيته عن المسيح أنه قال أما علمتم أنه قيل للقدماء من طلق إمرأته فليكتب لها كتاب طلاق وأن أقول من طلق إمرأته فقد جعل لها سبيلا إلى الزنى فهذا تصريح بين ما أنكرته علينا وتنقصت به شرعنا وكما جاز أن يخالف عيسى عليه السلام بعض أحكام التوراة ولا يدل ذلك على كذبه ولا على فساد شرعه كذلك يجوز أن يخالف شرعنا

شرع عيسى وموسى في بعض الأحكام ولا يدل ذلك على فساده إذ كل واحد منهم إنما يبلغ حكم الله ولس مخترعا حكما من قبله ثم قد تختلف الأحكام والأوضاع بحسب ما يريده الله تعالى وبحسب ما يعلمه من إختلاف الأحوال 2 والمصالح

والأصل في ذلك أن الله تعالى لاحجر عليه في أفعاله ولا راد لشيء من أحكامه فيحل لعباده ما شاء ويحرم عليهم ماشاء لا يسئل عما يفعل وهم يسئلون وهذا بين بنفسه لا يجهله إلا من كان عديم حسه

ثم قلت وأنتم تقولون لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى بدل أن تنهوا عن الزنى تأمروا بالزنا اسكت فض الله فاك فما أكذبك وما أجفاك تتقول علينا بما لا نقول وتتصرف في شرائع الأنبياء تصرف متواقح جهول كما فعل أشياعكم من قبل

اسمع يا لكع على أنك لا تحسن أن تسمع اعلم أن هذا الذي ظننته بجهلك زنا ليس بزنا لأن الزنا حقيقته إيلاج فرج في فرج محرم شرعا مشتهى طبعا وهذه الحقيقة معدومة في الذي توهمت أنه زنا فإن قلت إن كانت هذه الحقيقة معدومة عندكم فليست معدومة عندنا فإن هذا الإيلاج محرم عندنا فهو زنا قلنا لك إن كان قد ثبت تحريم ذلك عندكم فقد ثبت تحليله عندنا فإن الله تعالى يحل لعبيده ما يشاء ويحرم عليهم ما يشاء

وهذا كما أحل الله لموسى من الطلاق ما حرمه على عيسى ثم كيف يمكن لعاقل أن ينكر مثل ذلك وقد ثبت أنه أحلت في بعض الشرائع فروج وحرمت في شرع آخر فقد ثبت أن البطن الأول من أولاد آدم أحلت لهم نكاح الأخوات ثم حرمت على من بعدهم من الشرائع وقد جاء في التوراة أن يعقوب نكح أختين راحيل وليئة وجمع بينهما وحرمهما على غيره والجمع بينهما في النكاح محرم عندكم وقد فعل الله ذلك في أحكام أخر على ما يعرف من أحوال الشرائع وإختلافها في بعض الأحكام وإنما يتحقق هذا المعنى على اليقين من يعلم أن حقيقة الحكم الشرعي هي خطاب الشرع المتعلق بأفعال المكلفين على جهة الإقتضاء أو التخيير فعلى هذا لا معنى للحكم إلا قول الشارع افعلوا أو لا تفعلوا أو إن شئتم فافعلوا وإن شئتم فاتركوا على ما يعرف في موضعه

ثم هذا الذي عبته علينا أيها الجهول له معنى صحيح في العقول جار على منهاج المصالح المعقول وذلك أن الله تعالى إنما شرع الطلاق ليتخلص الرجل من نكد المرأة وأسوها رفقا بنا ورحمة منه علينا فقد تكون غلا قملا تضر بالرجل ضررا حقبا لا يمكن أن يطلع عليه أحد فلا تجبر على إزالته لكونه لا يتحقق من جهتها فجعل للرحل أنه متى شاء أن يتخلص منها ومن ضررها فعل

وأيضا فلكون النساء في الغالب ناقصات عقل فلو علمت أن الرجل لم يجعل له سبيل إلى مفارقتها لما كانت تحترمه وبادرت إلى ضرره فأراد الشارع أن يجعل للرجل سببا يحترم لأجله وهو الطلاق فإن المرأة إذا علمت أنها إن بالغت في ضرر زوجها طلقها امتنعت من ضرره في الأكثر

فإن عورضنا وقيل لنا فيلزم على ذلك أن تطلق المرأة نفسها متى شاءت فإن الرجل قد يضر بها ضررا لا يطلع عليه أحد فإن راعيتم وجود الضرر وتوقعه في حق الزوج فلم لم تراعوه في حق الزوجة كذلك فنقول إنما لم نراعه في حق المرأة لأنا لو جعلنا للمرأة أن تطلق نفسها متى شاءت لما استقرت إمرأة عند زوجها في غالب الأمر لأنهن ناقصات عقل فلا يؤمن عليهن غلبة شهواتهن على عقولهن

وإن فتح هذا الباب طرأ منه من الضرر ما لا ينسد ولا يتدارك فسد هذا الباب في حق النساء لهذه الحكمة وفتح في حق الرجال ليزول عن أعناقهم غل الضرر والنقمة والله أعلم

وأما ما عابه أيضا من أن المطلقة ثلاثا لا تحل إلا بعد زوج فذلك أيضا له معنى معقول مناسب وذلك أن الطلاق وإن كان الله قد أباحه لنا فهو من قبيل المكروه من غير سبب من حيث التقاطع والتدابر المنهى عنهما ولأجل هذا قال نبينا عليه السلام أبغض الحلال إلى الله الطلاق فأطلق عليه لفظ البغض مشعرا بالكراهة وأطلق لفظ الحلال مشعرا بجوازه فحصل لنا من مفهومه أنه يجوز على كراهة

فإذا تقرر أنه مكروه من الوجه الذي ذكرناه فينبغي ألا يفعل ثم إن فعل ولا بد منه فلا يكثر منه ثم إن كثر منه فلا يزاد على المرتين فإن تعداهما عوقب بأنه لا تحل له إلا بعد زوج فكانت الحكمة في ذلك أن الزوج إذا علم أنه إذا أكثر من هذا المكروه الذي هو الطلاق عوقب بتفويت زوجته عليه وتملكها غيره امتنع من تكثير المكروه الذي هو الطلاق ثم لا يظن الجاهل بنا أننا نجبر الزوج الثاني على طلاقها حتى يرجع إليها الأول حاشى لله وإنما الزوج الثاني يملك منها ما يملكه الأول فإن شاء طلقها وإن شاء أمسكها

ثم إن طلقها اعتدت منه وجاز للأول أن يتزوجها تزويجا مستأنفا إن شاء ولا يجوز عندنا أن يتزوجها الثاني ليحللها للزوج الأول فإن فعل كان نكاحه فاسدا وهو الذي نسميه المحلل وهو الذي قال فيه النبي ﷺ لعن الله المحلل والمحلل له

فإن سماه مسم تيسا فعلى جهة الذم لفعله

فإذا تقرر هذا المعنى الذي لا يمنعه العقل ولا تنافيه مكارم الأخلاق بل هو على منهاجها وعلى سنتها فكيف ينبغي لعاقل منصف غير متواقح ولا متعسف أن يتقول علينا أنا نقول لا يحل لزوجها مراجعتها إلا أن تزنى ولو كنت يا هذا من أهل العقل الذين تبرأوا عن السفه والجهل لما كنت تشبه نكاحا على وفق شريعة صحيحة بحسب دلالة أدلتها القاطعة مع أن هذا النكاح وقع بولى ومهر وشهود وإعلان بنكاح الزنا الذي ليس فيه ولى ولا مهر ولا شهود ولا إعلان وإنما يقع الزنا مخالفا للشرائع عريا عن الشهود والولي مستورا فهذا تشبيه يدل على عناد وتمويه

ثم قلت بدل أن تنهوا عن الزنا تأمروا به وهو عندكم فريضة التياس هذا التشنيع باطل وقول غبي جاهل وتهويل ليس وراءه حاصل وقول الزور والأباطل قصد به قائله استزلال العوام وليكره لهم دين الإسلام يريدون ليطفئوا نور الله بأفواههم والله متم نوره ولو كره الكافرون ولقد صدق الله عبده وأنجز وعده ومن أوفى بعهده من الله

اعلم يا هذا المفترى الكذاب والمشنع المرتاب أن العقلاء لا يرضون بما فعلت ولا يأتون بمثل ما به أتيت وذلك أنك جهلت شرعنا وكذبت عليه وعميت عليك مقاصده فنسبت الزور والفحش إليه وإنما كان ينبغي لك لو كنت على سنن العقلاء أهل السياسة الفضلاء أن تبحث عن أدلة صحة هذه الشريعة وعن صدق الذي جاء به فإن كانت أدلتها صحيحة وجب عليك أن تقبلها جملة ولا ترد منها شيء وتكون واحدا ممن إلتزمها وإن لم تظهر لك صحة أدلتها فناظر أهلها في تلك الأدلة ولا تتعداها إلى غيرها وباحثهم فيها مشافهة فإن المخبر ليس كالمعاين فلو لم يقدروا على أن يحتجدوا لدينهم ولا أن يقيموا دليلا على صحة شرعهم وجب عليك رد تلك الشريعة من أولها وهذا دأب الموفقين لا الكذابين المشنعين

ثم قلت وأنا أريد قطع ذنب التيس وأن نجعله في ذقنه ليلوح استه لمعرة صرصر الشمال وحمارة قيظ هجير الجنوب

يا هذا التيس وأي ذنب ساتر للتيس أتظن أنك تتفصح وتستعير وأنت لا في العير ولا في النفير وكيف تظن السلامة من الحمق والبؤس بمن يجهل كيفية أذناب التيوس أم كيف يبالي بتفصحه وجعاجعه وهل هو في ذلك إلا بمنزلة من جهل عدد أصابعه ولولا أن شرعنا منع من السباب ولا يليق ذلك بأولى المروءات والآداب لأقذعتك سبا ولأوجعتك عتبا ومع هذا

نجا بك لومك منجى الذباب... حمته مقاديره أن ينالا

لا أسبنكم فلستم بسبي... إن سبي من الرجال الكريم

ثم قلت وهذا جواب كلامك إنتصافا منك كما يقول قرآنك ومن أنتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه

يا هذا شأنك يحار فيه النحرير وجهلك يتعجب منك الصغير والكبير كيف لا وكلامك هذا يشهد عليك بجهلك بإنجيلك وبمخالفتك حكمه وشرع رسولك كيف يحل لك في شرعك أن تنتصف ممن ظلمك وتشتم من شتمك وإنجيلك يقول لك لا تكافئوا أحدا بسيئة ولكم من لطم خدك اليمنى فانصب له اليسرى ومن أراد مغالبتك وإنتزاعك قميصك فزده أيضا رداءك فهذا إنجيلك يشهد عليك بأنك لست على شرعه بل رددت حكمه وعملت على رفضه

وإذا كان شأنك هذا مع كتابك فكيف يرتجي فلاحك من ليس من أحبابك ثم العجب العجاب تركت كتابك والعمل به ثم أخذت تعمل بكتاب لا تصدق بأصله فهذا يعلم من حالك أنك لست تريد أن تتبع الحق ولا أن تبحث عنه ولكنك اتبعت هواك فأضلك وأطعت الشيطان فأزلك ثم من أدل دليل على جهلك ومغالطتك أنك أوهمت أنك تعرف القرآن وأنك تحتج علينا به ثم ذكرت ما ليس بقرآن حيث قلت ومن انتصف من بعد ظلمه فلا جناح عليه وهذا ليس بقرآن وإن كان يشهد بمعناه القرآن

وليس القرآن عندنا بمجرد معناه فقط بل بلفظه المخصوص ومعناه وأسلوبه الذي أعجز الأولين والآخرين فعلى هذا المعنى أن تترجم بلسان آخر أو عبر عن معناه بغير لفظه وأسلوبه خرج عن كونه قرآنا فأفهم وما أدراك تحسن

ثم قلت فانصر أنت محالك لأنك قلت بالسفه والطعن في ديننا وقلت الكذب على مسيحنا

انظر هذا الكلام الفصيح الجهالة على قائله تلوح فلقد عدم هذا الكلام الإنتظام والإرتباط فوجب له لأجل ذلك الإلغاء والإسقاط

وأما ما ذكرت من تسفيه دينك والطعن عليه فذلك واجب على العقلاء إذ قد تبين بدليل العقل الذي لا يشك فيه أنكم قد تمذهبتم بكك مقالة شنعاء وقد بينا ذلك فيما تقدم

ثم إن الطعن على دينكم ليس طعنا على دين المسيح فإنكم لم تتدينوا بدينه ولا عرفتم حقيقة يقينه بل تخرصتم عليه بالأباطيل وقبلتم عليه قول كل متواقح جاهل فما لكم وللإنتساب للمسيح وهو مبرأ عن كل قبيح بل هو ساخط عليكم وبراء إلى الله منكم وقد بينا ذلك فيما تقدم وسيأتي إن شاء الله تعالى بمزيد يبطل قولكم فيه ويهدم

وأما ما نسبت إلينا من الكذب على المسيح والسب له فذلك والله شيء لا نفعله ولا يرضى بذلك متدين ولا عاقل وكيف يجوز هذا علينا ونحن نكفر من سبه أو سب أمه عليهما الصلاة والسلام وهذا عندنا أصل من أصول عقائدنا وذلك أن الله تعالى أخذ علينا من الميثاق أن نؤمن بجميع الأنبياء والرسل ولا نفرق بين أحد منهم وهو عندنا من أكرم الرسل فكيف نسبه أو نكذب عليه وفي فعل ذلك خروج عن دين الإسلام وتمسك بفعل الجهال الطغام بل أنتم الذين كذبتم عليه ونسبتم ما تحيله العقول إليه وهو يتبرأ من ذلك ويتنصل مما أفتريتم عليه هنالك ثم أضفتم مع ذلك من العيب والتنقيص على الله تعالى ما يعلم على الضرورة والقطع أنه محال فنحن وإياك على المثل السائر رمتني بدائها وإنسلت

ثم قلت واعلم أنك إن أرسلت بعد هذا بالشتم فإني أبعث إلى كل بلد كتابا بنص شريعتكم وبكل ما نعرف من الأقاويل التي لا تقدرون على إنكارها

لولا أن السب منهى عنه على الإطلاق وليس من مكارم الأخلاق لأكثرت من سبك ولأوغلت في لومك وعتبك ولو كان ذلك لما كذبت ولا افتريت وإنما كنت أفعل ذلك لأظهر بذلك باطل تمويهك ومغالطة تهويلك ومن أين لك أن تعرف ديننا وأي طريق يوصلك إليه وبأي لسان تتمكن منه وبأي فهم تتوصل إلى معناه

ها أنت لا تعرف دينك الذي نشأت عليه فكيف بك أن تعرف ما لم تفهم منه حرفا ولا سمعته على وجهه اللهم إلا أن تقولت بما ليس لك به علم كما قد فعلت في فريضة التياس فلا يعدم أحمق مخرق ما يقول

وأما إن ذكر شريعتنا من يعرفها فالعقول السليمة تقبلها بنفس ما تسمعها لشدة ارتباطها وحسن نظامها وليست كشريعة من يعتقد إلها آخر مع الله ويعتقد في الله ما يستحيل عليه وينسب إلى الأنبياء ما يتبرأون منه ويحكمون بأهواء جهالهم في دين الله وسنعقد أثر هذا إن شاء الله بابا نبين فيه جملا من أحكامهم وفيها يتبين أنكم لا تستندون فيها إلى مستند وأنكم اخترعتم فيها من الجهالات مالم يقل به أحد

ثم قلت لأنك قلت في المسيح غث وأوطار وأنك سبيت الحاكم عليك وعلى جميع الأمم يوم القيامة لكن سوف تلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة

وكم من عائب قولا صحيحا... وآفته من الفهم السقيم

لتعلم يا هذا أنى وقفت على الكتاب الذي جاوبك بعض أصحابنا وتأملت هذا الموضع الذي لم تفهمه فعلمت أن الخطأ من قبل فهمك لا من قبل الكاتب وذلك أن لفظ ما كتب به إليك في هذا الموضع شجرتنا نبوية فروعها قرشية ثمرتها هاشمية شجرتك غثاء وأوضار اجتثت من فوق الأرض ما لها من قرار هذا نصه

وكان ينبغي لك أن تفهمه لو كنت منصفا فإن هذا الكلام إنما جرى مجرى المثل وإنما أراد بشجرتنا نبوية أن أصل اعتقادنا أن محمدا نبي ورسول ليس باله واعتقادكم أنتم أن عيسى اله وليس بنبي وهذا قول باطل واعتقاد فاسد ولذلك عبر عن أصل هذا الاعتقاد بالشجرة ثم قال إنها غثاء وأوضار فالمسبوب المذموم إنما هو اعتقادكم في عيسى لا عيسى حاشى وكلا فهكذا ينبغي أن تفهم الكلام ولا تبادر لأجل الجهل بالملام فالملوم على كل حال هو الجاهل الذي ليس يفهم ولا عاقل وحين وقفت على

كلامك هذا هممت أن لا أكاتبك لكونك قليل الإنصاف كثير الجهل والانحراف

ولقد أعرف أنك إذا وقفت على كتابي هذا لا تفهمه ومع ذلك فتبادر إلى رده مكابرة ومجاهرة وتتناوله بالرد والقبيح وبكل قول ليس بصحيح وقد حكمت بيني العقلاء المتدينين الفضلاء الذين يعترفون بالحق حيث كان ولا يعرجون في قبوله على إنسان

وأما قولك: الحاكم عليك وعلى جميع الأمم فقول ليس بصحيح ولا أمم وإنما الحاكم على كل الأمم وكل المخلوقات الذي أوجدها بعد أن لم تكن ثم يعدمها كأن لم تكن ثم يعيدها كأنها ما برحت قل فمن يملك من الله شيئا إن أراد أن يهلك المسيح ابن مريم وأمه ومن في الأرض جميعا ولله ملك السموات والأرض وما بينهما الآية

وأما قولك: ستلقاه حاكما ليس يطلب عليك بينة فقد نسبتموه إلى الجور فإنه إذا لم تقم بينة على المحكوم عليه عندنا وعندكم ونفذ الحاكم الحكم نسب إلى الجور فإذا قامت البينة زال عنه توهم الجور وظهر معيار العدل وعند سماع هذا يتحقق معنى المثل المعروف عدو عاقل خير من صديق جاهل فإن العدو العاقل يذعه عنك عقله والصديق الجاهل يريد نفعك فيضرك وأنت بجهلك أردت أن تعظم المسيح فنقصته وأن تمدحه فذممته فعل السفيه الأحمق الجاهل

وأنا أقول ستلقونه بين يدي الله تعالى فإن اعترفتم بقولكم فيه جوزيتم على ذلك بجزاء سترونه عيانا وإن أنكرتم قولكم فيه يقول الله لجوارحكم أنطقي فتشهد عليكم بأقوالكم وأفعالكم فهكذا يظهر العدل ويعلم كل مكلف أنه محاسب بما عمل من خير أو شر ومجزى عليه

ومما يدل على أن الله تعالى إنما يأخذ بالبينات يوم القيامة أنه قد ثبت على لسان من دلت المعجزة على صدقه أن الله وكل بنا كراما كاتبين يكتبون ما نفعل فهم الشهود العدول الذي ليس لطاعن عليهم ما يقول وستقدم فتعلم

ثم العجب من جرأتك أنك سببت خليل ربك حيث قلت رشح الجلد المدبوغ في قصرية هاجر هذا لإبراهيم ذم صريح صدر من جاهل وقبيح هنا يرد عليك قولك كيف قلت ما لا تعلم وكيف تجرمت في خليل الرحمن أن تتكلم وستلقاه يناضل عنه الله

ثم من ركيك الاستعارة أن الذي ذممت به إسماعيل يلزم منه ذم إسحق والذي ذممت به هاجر يلزم منه ذم سارة فإن الجلد الذي رشح في قصرية هاجر هو الذي رشح في قصرية سارة وأصل النطفة التي كان منها إسماعيل هو بعينه الذي كانت منه نطفة إسحق وهذا كله ذم لإبراهيم ولعن فقد حاق بك وبمن قال بقولك لعنة الله التي قال فيها لإبراهيم في التوراة وألعن لاعنيك، ثم أعجب من ذلك كله اعتذارك عن قبيح ما أتيت حيث قلت لما بعث إلى أولا كتاب بالسفه والسب رددت له الجواب بأمه هاجر فكأنك قلت لما سببتني أنت أسب أنا هاجر التي إذا سبت تعدى سبها إلى سيدها إبراهيم ثم إنك صرحت بسب إبراهيم فلزمك على ذلك سب إسحق وأمه سارة فأنت في هذه الفعلة بمنزلة من سبه رجل في وجهه فأخذ المسبوب ينكل الساب بأن يسب أبا نفسه أعنى نفس المسبوب وهذا ما لا يرضى به عاقل ولا متدين جاهل

ثم قلت بعد ذلك عهدا لغدرك القبيح ما قلت هنالك ولم تقل فيها عشر ما قال الله في التوراة وعن ابنها وهذا القول منك يوهم أن الله تعالى ذمها وابنها في التوراة وهذا على الله وعلى كتابه كذب صراح وكفر براح ثم ذكرت بعض قصه هاجر مع إبراهيم ولم تسقها بكمالها لئلا تفتضح وتظهر كذبك وخزيك

وها أنا أذكر قصة هاجر مع سارة كما حكاها كتاب التوراة حتى يتبين للواقف على هذا الكتاب أن الله تعالى أثنى على هاجر وابنها ومدحها وما ذمها بل أخبر بنبوتها أو صديقتها ونبوة ابنها إسماعيل بحول الله

قال التوراة إن سارة إمرأة إبراهيم لم تكن تلد له وكانت له أمة مصرية يقال اسمها هاجر فقالت سارة لإبراهيم إن الرب قد حرمني الولد فادخل على أمتي وإبن بها لعلى أرزق بولد منها فسمع إبراهيم قول سارة وأطاعها فانطلقت سارة امرأة إبراهيم بهاجر أمتها المصرية وذلك بعدما سكن إبراهيم أرض كنعان عشر سنين فأدخلتها على إبراهيم زوجها فدخل إبراهيم على هاجر فحبلت فلما رأت أنها قد حبلت استسفهت وزرت بسيدها وهانت في عينها فقالت سارة يا إبراهيم أنت صاحب ظلامتي أنا وضعت أمتي في حضنك فلما حملت هنت عليها يحكم الرب بيني وبينك فقال إبراهيم لسارة إمرأته هذه أمتك في يديك فاصنعي فيها ما أحببت وحسن في عينيك وسرك ووافقك

فأهانتها سارة سيدتها فهربت منها فلقيها ملاك الرب على عين ماء في البرية في طريق جرار فقال لها يا هاجر أمة سارة من أين لك أقبلت وأين تريدين فقالت أنا هاربة من سارة سيدتي فقال لها ملاك الرب انطلقي إلى سيدتك وتعبدي لها ثم قال لها ملاك الرب عن قول الرب أنا مكثر زرعك ومنميه حتى لا يحصوا من كثرتهم ثم قال لك الرب إنك حبلى وستلدين ابنا وتدعين اسمه إسماعيل لأن الرب قد عرف ذلتك وخضوعك ويكون ابنك هذا وحشيا من الناس يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته فدعت اسم الرب الذي كلمها فقالت أنت الله ذو الوحي والرؤيا هذا ذكر الله لهاجر وابنها في السفر الأول في التوراة في الإصحاح السادس عشر منها وذكرها أيضا في الإصحاح الحادي والعشرين

وقالت التوراة أبصرت سارة ابن هاجر المصرية المولود لإبراهيم يستهزئ فقالت لإبراهيم أخرج هذه الأمة وابنها لأن هذا ابن الأمة لا يرث مع ابني إسحق فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه فقال الله لإبراهيم لا تشقن لحال الصبي وأمتك أطع سارة في جميع ما تقول لك لأن نسلك إنما يذكر بإسحق وابن الأمة أجعله أبا لشعب كثير لأنه ذريتك فغدا إبراهيم باكرا فأخذ خبزا وإداوة فأعطاها هاجر وحملها الصبي والطعام وأرسلها فأنطلقت وتاهت في برية بير شبع ونفد الماء من الأداوة فألقت الصبي تحت شجرة من شجر الشيح وانطلقت فجلست قبالته تباعدت عنه كرمية سهم لأنها قالت لا أعاين موت الصبي فجلست إزاه ورفعت صوتها وبكت فسمع الرب صوت الصبي فدعا ملاك الرب من السماء هاجر وقال لها مالك يا هاجر لا تخافي لأن الرب قد سمع صوت الصبي حيث هو قومي فاحملي الصبي وشدي به يديك لأني أجعله رئيسا لشعب عظيم فأجلى الله عن بصرها فرأت بير ماء فانطلقت فملأت الإداوة وأسقت الغلام فكان الله مع الغلام فشب الغلام وسكن برية فاران

فأخبرنا يا أيها الكاذب على كتاب الله المفترى على رسل الله من أين استجزت سب الأنبياء والكذب على الله ذي الآلاء، أفي إنجيلك قرأته أم عن الحواريين بلغته حاشا وكلا بل بتواقحك اختلقته ثم من أعظم مباهتتك وأفحش جرأتك ومغالطتك أنك أوهمت بقولك ولم تقل فيها تعنى في هاجر عشر ما قال الله فيها في التوراة وفي ابنها تشعر بأن الله ذمها وابنها في التوراة في عدة مواضع

وهذه التوراة قد تلوتها عليك وأنهيتها إليك فإذا بالتوراة تخبر بأن هاجر نبية أو صديقة مباركة أوحى الله إليها وكلمها وبشرها بنبوة ولدها إسماعيل بل قد مدح الله إسماعيل وأخبر عنه بما لم يخبر به عن إسحق حيث قال فيه يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته

وهذا الكلام يبشر بل يفصح ويخبر بنبوة نبينا محمد ﷺ فإن إسماعيل لم يقل الله تعالى فيه يده على كل يد ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته إلا لأجل حفيده محمد ﷺ فإن الله تعالى قد بعثه بدعوة جميع الخلق إلى الله بني إسرائيل ومن دونهم ومن فوقهم فكل من بلغته دعوته وجب عليه الدخول في دينه

ثم إن الله تعالى قد أظهره على الدين كله ولو كره الكافرون وهذا كله وفاء بوعد الله تعالى لنبيه إبراهيم حيث قال في التوراة وقد استجبت لك في إسماعيل وباركته وكثرته وأنميته جدا جدا يولد له إثني عشر عظيما وأجعله رئيسا عظيما بشعب عظيم

فانظر أيها العاقل كيف قال الله في إسماعيل يده على كل ويد كل به وسيحل على جميع حدود إخوته ولم يقل مثل هذا في إسحق وإنما قال فيه يكون رئيسا على شعوب كثيرة وملوك الشعوب من نسله وبين الكلامين فرق ظاهر عند العاقل الفهم المنصف وكذلك قال في إسماعيل باركته وكثرته وأنميته جدا جدا ولم يقل مثل هذا القول في إسحق وإن كان قد قال فيه أباركه وأثبت عهدي له وهذا الذي وعد الله به إسحق وعد به إسماعيل وزاد زيادة عظيمة يعرفها من مساق كلام التوراة من كان عارفا بمجاري كلام الله تعالى فيها وكان مع ذلك عاقلا منصفا

وسننبه على سر تحت قوله جدا جدا في القسم الثاني من هذا الباب

فأما هاجر فقد جاء في التوراةة في حقها ما لم يجئ في حق سارة وذلك أن ملاك الرب كلمها عن الله وأبلغها أمره مرتين أو أكثر فإذن هي نبية أو صديقة وفي أي موضع من التوراة جاء أن سارة نبية وأن اله أرسل إليها ملكا ليبلغها أمره ونهيه كما فعل بهاجر

ولا شك أن من آتاه الله النبوة هو أفضل ممن لم يؤته إياها ولا يظن الجاهل أن هذا الكلام غض من منصب سارة رضي الله عنها بل هي صديقة مباركة وكل له مقام معلوم والحق أحق أن يتبع

ثم الذي يفضى منه العجب أنكم تعتقدون النبوة لمريم عليها السلام وليس لنبوتها في التوراة ولا في الإنجيل ذكر يدل على نبوتها ولا في كتب الأنبياء المتقدمين على زمان المسيح ثم تنكرون نبوة هاجر وتذمونها مع أنه قد جاءت نبوتها ومدحها في التوراة صريحا وهذا كله مما يدل على جهلكم وقلة توفيقكم وأنكم تتحكمون في الشرائع الآلهيه بأوهامكم

وأما قولك: واعلم كيف قطع الله ورث إسماعيل وأمه في قوله لا يرثك هذا اسكت يا جهول فلست تعرف ما تقول فما كان أجمل بك أن لو سترت عارك ولم تبد عوارك كيف تتحكم بما لا تعرف ولا تفهم ها أنت قد حرفت لفظ التوراة وغيرته وليس كما ذكرته كذبتك من أم الحويرث قبلها

وإنما لفظ التوراة أن سارة قالت لإبراهيم أخرج هذه الأمة وابنها لأن هذا ابن الأمة لا يرث مع ابني إسحق فشق هذا الأمر على إبراهيم لمكان ابنه فأين هذا من النص الذي ذكرت فيظهر لي أنك له اختلقت

وهذا الذي ذكره الله في التوراة بزعمكم إنما هو حكاية عن قول سارة وليس حكاية عن الله ولو سلمنا أنه حكاية عن الله لما كان فيه دليل على ما زعمت وهو أن الله تعالى لم يجعل النبوة في نسل إسماعيل وأن الله قطعها عنه بل مفهومه وظاهره أن الذي منعه الله لإسماعيل إنما هو ميراث في إبراهيم وهو حظه في ماله وأعطاه إسحق وهذا السر نجيب يعز من يتنبه لأمثاله ولو كنت له محلا وأهلا لذكرناه لك فلسنا ممن يعلق الدر في أعناق الخنازير وكذلك في كون إسماعيل مخلوقا من نطفة إبراهيم في رحم هاجر مع كونها أمة وقد كان الله تعالى قادرا على أن يخلقه في رحم حرة

وكذلك لأي معنى أخرجت هاجر على تلك الحال حتى استقرت هاجر مع إسماعيل بمكة وهذه كلها أسرار معلومة عند من نور الله بصيرته وحسن سريرته وأصلح عقيدته ونيته فإن كنت تريد أن تظفر بأمثال هذه الأسرار فعجل إلى الله الفرار ولا تلهينك الدعة والقرار وإلا فأنت أسوأ حالا من الثور والحمار ومع ذلك فأجل الله آت وكل ما هو آت قريب وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون

وأما قولك حاكيا عن الله أنه قال لإبراهيم: بإسحق يتسمى نسلك ولم يقل بإسماعيل يتسمى فلم يقل في التوراة يتسمى وإنما قال يذكر ثم قطعت الكلام عنا وسكت عما بعده ولو ذكرته لتبين أنك مبطل في كلامك وذلك أنه ذكر بعد هذا الكلام وإبن الأمة فإني أجعله أبا لشعب كثير لأنه ذريتك وقد تقدم ما قال الله فيه وأنه مفضل على إسحق وإن كانت أمه أمة وإنما قال الله لإبراهيم لأن نسلك إنا يذكر بإسحق بقرب زمان الأنبياء المنتسبين إليه ولكثرة عددهم والله أعلم

ثم لو سلمنا أنه جاء في التوراة يتسمى كما ذكرت لكان معنى ذلك أن الله يسمى ذرية إسحق باسم ابنه يعقوب الذي سماه الله إسرائيل ثم غلب عرف الإستعمال على ذرية إسحق فقيل عليهم بنو إسرائيل وغاية ما في هذا إعلام الله تعالى بأنهم يسمون باسمه أو باسم ولده وهذا أمر قريب وخطب يسير وإنما كان يكون لك في هذا متمسك لغرضك الفاسد لو قال النبوة في ولد إسحق وليست في ولد إسماعيل ولم يقل هكذا وإنما قال ما قد أسمعتك والذي به أخبرتك

لقد أسمعت لو ناديت حيا... ولكن لا حياة لمن تنادي

وأما قولك

فتنسلت منه الأمة الذي قال فيها قرآنكم أشد كفرا ونفاقا

ياهذا قد أغيبت في جهلك وسخفت في قولك حيث تركت ما قالته التوراة في نسله وعظيم حرمته وطوله وذكرت ما يدل على جهلك وكثرة تواقحك وقلة فضلك ولأي شيء لم تذكر في نسله ما قال الله فيه في كتاب التوراة حيث قال فيه وفي نسله باركته وكثرته وأنميته جدا جدا يولد له إثنى عشرة عظيما وأجعله رئيسا عظيما لشعب عظيم فأنت يا جاهل قد صغرت ما عظم الله وذممت ما مدح الله فحاق عليك لذلك غضب الله فبادر لانقاذ نفسك قبل حلول رمسك وندمك على ما فرط لك في أمسك فها أنا قد نصحتك ورسولنا يقول لك قد أبلغتك

ثم الذي قال فيهم قرآننا الأعراب أشد كفرا ونفاقا إنما أراد بهم قوما معينين وطائفة مخصوصين من أعراب البادية أهل جفاء وغلظة ردوا الحق بعد ظهوره وعاندوه حين وضوحه كما فعل أشياعكم من قبل

ثم لا تظن أن قول الله تعالى الأعراب أشد كفرا ونفاقا أنه اراد منكم لأنكم أشد الناس كفرا وأعظم العقلاء عنادا وقد بينا ذلك فيما تقدم وإنما أراد الله لهذا المعنى وهو أعلم أن أعراب البادية أشد كفرا ممن كفر من عرب الحاضرة فلا تدخلون أنتم معهم تحت أفعل إلا كما يقال العسل أحلى من الخل

ثم إن جاز ذم شعب أو قبيلة لأن بعضهم كفر أو فسق فأشد الناس كفرا ونفاقا بنو إسرائيل لكونهم عبدوا العجل والأصنام على ما هو المعروف من أحوالهم فالكافرون من أجدادكم على الحقيقة أشد الكافرين كفرا وأسوأهم طريقة

وأما قولك: والسلام على من اتبع الهدى وآمن بشريعة المسيح حقيقة الإيمان، نحن والحمد لله أهل الهداية والهدى المؤمنين بشريعة المسيح المصطفى المحققون أنكم لستم على شيء منها بل على الضلالة والردى وقد بينا ذلك فيما تقدم بالبراهين القاطعة

وبعد هذا نعقبها بالدلالات الصادعة بحول الله وقوته وقد نجز ما أردنا تتبعه على هذا السائل الجاهل بدينه الغافل ولو ذكرنا كل ما فيه من الفساد لخرج الكلام عن الضبط

وبعد الفراغ منه نتكلم على ما وعدنا به من الكلام في النبوات ونذكر ما فيها من المباحثات بعون الله وتوفيقه

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد
مقدمة | صدر الكتاب | الباب الأول: في بيان مذاهبهم في الأقانيم وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: أقانيم القدرة والعلم والحياة | الفصل الثالث: تعليل التثليث | الفصل الرابع: دليل التثليث | الفصل الخامس: في بيان اختلافهم في الأقانيم | الباب الثاني: في بيان مذاهبهم في الاتحاد والحلول وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: معنى الاتحاد | الفصل الثالث: الواسطة بين الله وبين موسى | الفصل الرابع: تجسد الواسطة | الفصل الخامس: في حكاية كلام المتقدمين | الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين | الباب الثالث: في النبوات وذكر كلامهم | الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل | الفصل الثاني: المسيح المنتظر | الفصل الثالث: المسيح عيسى ابن مريم | فصل: في بيان بعض ما طرأ في التوراة من الخلل وأنها لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأجله من الخطأ والزلل | فصل في بيان أن الإنجيل ليس بمتواتر وبيان بعض ما وقع فيه من الخلل | الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح | القسم الثاني: في النبوات وإثبات نبوة محمد ﷺ | القسم الثاني: في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ | النوع الأول من الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: إخبار الأنبياء به قبله | النوع الثاني: الاستدلال على نبوته بقرائن أحواله ﷺ | خاتمة جامعة في صفاته وشواهد صدقه وعلاماته | النوع الثالث: الاستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد | الوجه الأول من وجوه إعجاز القرآن | الوجه الثاني | الوجه الثالث | الوجه الرابع | النوع الرابع | الفصل الثالث عشر في ما ظهر على أصحابه والتابعين لهم من الكرامات الخارقة للعادات | الباب الرابع: في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم | الفصل الأول: ليست النصارى على شيء | الفصل الثاني: خروج النصارى على تعاليم التوراة والإنجيل | الفن الأول: شعائر الدين النصراني وطقوسه | مسألة في المعمودية | مسألة في غفران الأساقفة والقسيسين ذنوب المذنبين واختراعهم الكفارة للعاصين | مسألة في الصلوبية وقولهم فيها | مسألة في تركهم الختان | مسألة في أعيادهم المصانة | مسألة في قربانهم | مسألة في تقديسهم دورهم وبيوتهم بالملح | مسألة في تصليبهم على وجوههم في صلاتهم | مسألة في قولهم في النعيم والعذاب الأخراوين | الفن الثاني: محاسن دين الإسلام