الإعلام بما في دين النصارى/الباب الثالث/الفصل الأول

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل
القرطبي

الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل[عدل]

في حكاية كلامه[عدل]

قال ابتداء احتجاج الثلاث ملل بعون الله:

اعلم أن أهل الملل أجمعين متكافئون في إدعاء الإيمان حاكمون على كل قوم لأنفسهم بالإيمان ولغيرهم بالكفر قد غلبت عليهم في ذلك الغواية وتأديب الصبا ووصية الآباء والأجداد حتى صار ذلك طبعا فيهم لازما لهم فكلهم قد سهل عليهم انتقاص غيرهم وطاب عندهم دينهم بالتهنية في دنياهم عن معاد آخرتهم وصاروا في تدبير دنياهم ومعايشهم على خلاف ذلك لأنك تجد أهل كل ملة يزعمون أن غيرهم من الملل ألحف على كل طلب معايشهم وألطف في إستجلاب أرزاقهم

واحسب أن العلة في ذلك رغبتهم في التكاثر من الدنيا وهي التي تدخلهم إلى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم في طلب معاشهم وأن الآخرة عندهم مهملة لبعدها عن حواسهم

فلذلك يزعم أهل كله ملة أنهم أحق خيرا من غيرهم فلذلك قل تناصفهم فيها وإن طال عصرهم لأن كل قوم قد قلدوا سلفهم وطاب عندهم خبرهم في مدح دينهم وذم غيرهم فأسقط الرجل منهم كل حاسة وأمات خواطره وأذهب فهمه بقطع كشفه عن مصالح ما يستقبله من خبره وإستعماله إياه بما هو مدبر عنه من دنياه

ولتجدن الرجل من كل ملة يروم شراء خرقة يرقع بها ثوبه أو شركة لنعله فتراه يستجير ويستشير خوف السقطة والغلط

ثم إذا صار إلى كشف دينه ومعاده أكتفى فيه بتقليد سلفه ثم لا يبالى بدليل من خالف ملته وينتقص كل خارج عن دينه

فكل يقتحم المناظرة وإن لم يحسنها ويراها فريضة وهو لا يفهمها ولم يتخذ شيئا من العلوم والصناعات إلا الفضول معترف فيها للفضائل لا الجدال والمناظرة وأن الجميع يدعون أمرا لا يقدرون على التناصف فيه لبعد غايته وهو أنهم ليختلفون في معرفة الباري تعالى لأنه لا يدركونه بالحواس فيختلفون في معرفته وإنما يتعارف الناس فيما يدركونه بالحواس ويتصورونه في الأوهام فينقمع العقل السليم في إجابة الحق إذا أدركه وانكشف له فلذلك يجادل كل قوم عن دينهم ويفضلون أنفسهم على غيرهم ويدلك على ذلك أنك تجد الصقلبي العبد الحبشي يقع مرقوقا بيد رجل من أحد الثلاث ملل فيرده إلى ملته ويورد عليه أخبار سلفه فيتقبله منه كتقبل الأطفال المعذبين فيه وعلته في ذلك أنه يجد صدره خاليا من الأخبار المدونة في الكتب فيتعلق بما أورد عليه من أخبار من علمه ويتمكن ذلك في صدره حتى يصير واحدا من أهل الملة في إدعاء الفضل لها وإنتقاص أهل غيرها والطعن عليهم ولو أن مجوسيا دخل بلدنا طارئا أو تاجرا فكبرت عليه مجوسيته ووحش لوحدته على البقاء عليها عازما على رفضها ثم طلب الخروج إلى أفضل الثلاث الملل المفسدة عليه مجوسيته لتحير وعمى أية أفضل فيخرج إليها لأنه يجد كل قوم يدعون لأنفسهم الإيمان ولغيرهم الكفر ثم تجدهم متكافئين في إدعاء الآيات لأن أهل كل دين يزعموه أن بينة دينهم على آيات قامت وبراهين ظهرت وما تجد عند أحدهم آية من تلك الآيات التي زعموا أنها أضطرت عقل المجوسى إلى الدخول في أديانهم

ولكن الذي كان يضمه إليه حسن نظره أن يتوقف حتى يسمع حجتهم ويستعمل عقله في دعواهم ليفهم ما احتجاجهم من نبذ الحق فكان يجد في دعواهم أن النصراني والمسلم مقران لليهودي بأن دينه أول وأنبياؤه حق ثم يقول النصراني إن كتابي جاء من بعد فنسخ طاعة دين اليهودي ثم يقول المسلم وكذلك جاء كتابي بعد فنسخ طاعة دين النصراني كما نسخ اليهودي فإذا كاشف المجوسي اليهودي عما إدعياه أنكرهما وقال لم يأت بعد كتابي من الله كتاب ثم إذا سأل النصراني عما إدعاه المسلم أنكر أيضا وقال لم يأت بعد كتابي من الله كتاب

فوجب على النصراني أن يأتى بالبينة على اليهودي من الكتب التي أقر له بها فإن لم يكن فيها مسيحا منتظرا فلا حجة له عليه ولا معلق له إليه وإن كان فيها مسيحا منتظرا يرجى صلاح الحال من سببه ووافقت علاماته علامات الذي قد جاء وظهر فإذا كان فقد اختار النصراني الرسالة الأولى والثانية لنفسه وخرج اليهودي عن رضا المعبود بجحده الرسالة الثانية ودفعه بسنته فيما أعقب به في عباده من الرسالة الثانية ثم يحمل المسلم البينة على النصراني من الكتب التي أقر له بها وجامعه عليها فإن لم يكن فيها محمد منتظرا فلا حجة له عليه ولا مطعن له إليه

وإن كان فيها محمد منتظرا ثم وافقت علاماته علامات الكتب فقد أصاب المسلم ولزم النصراني الخروج عن رضا معبوده

الجواب عن كلامه[عدل]

يا هذا أسهبت وأطنبت وبحبة خردل ما أتيت كثر كلامك فكثر غلطك وقلت فائدته فظهر قصورك وسقطك ومن كثر كلامه كثر سقطه ومن كثر سقطه كانت النار أولى به أعميت لجهلك بلحنه ولم تتفطن لتثبيجه ولحنه فلقد استسمنت ذا ورم ونفخت في غير ضرم

فأول خطابك قولك في ترجمتك هذا الفصل احتجاج الثلاث ملل ثم ضمنته ذكر ملة المجوس فكان ينبغي لك أن تقول احتجاج الأربع ملل فإن المجوس أمة تدعى أنها أرسل إليها رسول وأنزل عليه كتاب ثم إن مذهبهم في التثنية وإن كان باطلا فهو أقل شناعة وأبعد عن جحد الضرورة وأدخل في مسلك النظر وإن كان فاسدا من مذهبكم فإنهم يقولون إن الموجودات خير وشر ولا بد لكل واحد من موجد فموجد الخير خير والخير لا يفعل الشر لئلا يكون شريرا وموجد الشر شرير لا يفعل الخير إذ لو فعل الخير لما فعل الشر قالوا فلا بد من إلهين إثنين يفعل أحدهما الشر والآخر الخير

وهذا كلام يشبه النظر العقلي وبعد بحث شديد يتبين فساده فلهم شبهة في التمسك بمذهبهم ولو أورد المجوسي شبهته عليكم لصعب عليكم ابطالها لكونه يلزمكم من مذهبكم التزامات لا تنفصلون عنها

وأنا الآن أذكر طرفا من ذلك حتى يتبين عجزكم وجهلكم هنالك

أما مذهبكم في الأقانيم فغير مقبول ولا معقول كما تقدم وكفى به فسادا قولكم آلهة ثلاثة إله واحد وكذلك مذهبكم في الاتحاد والحلول على ما مر ومن العجب أنكم تعتقدون مذهب المجوس ولا تشعرون فإنكم تنسبون الشرور والإضلال الى غير الله تعالى وتعيبون علينا إذا نحن فوضنا كل الأمور إلى الله تعالى وقلنا كل موجود في العالم فإنما هو موجود إيجاد موجد واحد وهو اللة تعالى وهذا والله هو التوحيد الحق الذي ارتضاه الله لخلقه وكلف به أنبياءه ورسله وأنزل به كتبه

فعين مذهبكم في هذه المسئلة هو مذهب المجوس فإنكم تنسبون الشرور كلها إلى الشيطان وهو عدو الله وهو لا يصدر عنه إلا الشر وليس الشر من إيجاد الرحمن عندكم فإنه ما يوجد إلا الخير فعلى مذهبكم هناك خالقان أحدهما خالق الخير وهو الله والآخر خالق الشر وهو الشيطان وهذا عين المجوسية فصرحوا بها ولا تنكروها وأجمعوا بينها وبين النصرانيةوتقلدو وتقلدوها ثم زعمت على مقتضى ترجمتك أنك تذكر حجاج الملل الثلاث ولم تف بشيء من ذلك ولا ذكرت في كلامك هذا حجة للمسلمين عليكم ولا لليهود بل ذكرت حجة النصارى الداحضة وسكت عن حجة خصومهم المسلمين الظاهرة وهذا أثر التقليد والجمود عليه حملك على الإعراض عن حجة خصمك لعلك لا تسمع ما يؤدي إلى تبكيتك ولطمك ولقد كان ينبغي لك لو كنت من النظار والعارفين بأديانهم أن تذكر حجج خصومك أحسن فتبحث عنها واحدة بعد واحدة حتى يتبين لك فيها الصحيح من الفاسد ولكن مع هذا نقبل عذرك ونعلم جهلك فإنك واحد من عوام المسيحيين الذين تشبهوا بالقسيسين وفي مثلك ينشد

فسد الزمان فسدت غير مسود... من الشقاء تفردى بالسؤدد

ولكن لا عليك فإنما هو جنا يديك فأنى لأرجو أن يقف على هذا الكتاب جماعة المطارين ويعلموا بما فيه أنك مخالف لمذاهبهم أجمعين فيخرجوك من بين القسيسين ويلحقوك بالرياسين

ثم قلت اعلم أن أهل الملل أجمعين متكافئون في إدعاء الإيمان حاكمون على كل قوم لأنفسهم بالإيمان ولغيرهم بالكفر فنقول أما التكافؤ في الدعوى فنعم لكن الفصل يقع بينهما من جهة البينات ووقوف العقلاء على حكاية المذاهب والديانات فإن من الأديان ما يدرك فساده بغير نظر ولا برهان بل بالفطرة التي خص الله بها الإنسان وكذلك دين النصارى الضلال الحيارى

ولقد حكى أن بعض حكماء الهند وكان من الملوك الذين يحكمون بالسياسية الدينية الذين لم يتقلدوا إتباع ملة دينية ذكرت له الملل الثلاث فقال أما النصارى وإن كان مناصبوهم من أهل الملل يجاهدونهم بحكم شرعي فقد أدت آراؤهم إلى أن لا نرى بحكم عقولنا لهم عقولا فاستثنى هؤلاء القوم يريد النصارى من جميع العوالم فإنهم قصدوا مضادة العقل وناصبوه العداوة وتحلوا ببث الإستحالات مع أنهم حادوا عن المسلك الذي انتهجه غيرهم من أهل الشرائع وقد كان لهم فيه كفاية ولكنهم شذوا عن جميع مناهج العالم الشرعية الصالحة والعقلية الواضحة واعتقدوا كل شيء مستحيل ممكنا فلم يعزب عنهم شيء وبنوا من ذلك شرعا لا يؤدي البتة إلى صلاح نوع من أنواع العالم إلا أنه يصير العاقل إذا تشرع به أخرق والمرشد سفيها والمحسن مسيئا لأن من كان في أصل عقيدته التي جر نشوؤه عليها الإساءة إلى الخالق والنيل منه بوصفه بغير صفاته الحسنى فاخلق به أن يقصد الإساءة إلى مخلوق ولذلك ما بلغنا عنهم مما في خلقهم من الجهل وضعف العقل والطمع والبخل ومهانة النفس وخساسة الهمة والغدر وقلة الحياء إلا قليلا منهم فلو لم تجب مجاهدة هؤلاء القوم إلا لعموم أضرارهم التي لا تحصى وجوهها لكفى وكما يجب قتل الحيوان المؤذي بطبعه فكيف وقد ثم من الموجبات ما تقدم

فهذا ما بدا لهذا الحكيم في أول نظرة من مذهبكم على أول وهلة وليس بمخاصمكم ولا مناوئكم ولا بمتهم بإتباع الهوى فيكم لكن قد تبين الصبح لذي عينين بحيث لا يشك فيه أحد من النقلين وسترى ذلك واضحا إن كنت ذا بصر وبصيرة إن شاء الله تعالى

ثم قلت قد غلبت عليهم في ذلك الغواية وتأديب الصبا ووصية الآباء والأجداد حتى صار ذلك طبعا فيهم هذا الذي ذكرته لعمري حكم الرعاع الغبر والغثاء الغثر وأما من أمده الله بنور توفيقه وبين له سواء طريقه فقد تبين له الرشد من الغي والميت من الحي فقد أخطأت في إطلاقك هذا الحكم على جميع الملل ولم تشعر بما لزمك من الفساد والزلل كلا بل الذي ذكرته وصف أهل ملتك وحيلة عصبتك إذ هم أهل تقليد ونظرهم غير سديد ثم قلت فكلهم قد سهل عليهم انتقاص غيرهم وطاب عندهم دينهم بالتهنية في دنياهم عن معاد آخرتهم وعدلت في هذا الحكم عن العدل فحاق عليك اللوم والعذل بل في الملل من لا ينتقص أحدا إلا إذا ذمه الشرع وإذا رأى ذو فضيلة محقا أحبه وشكره بالطبع والطوع وذو الفضيلة يهجر في طلب الحق جميع لذاته ويزهد في جميع متملكاته يبغي بذلك رضا سيده ومرضاته يضرب في طلب الحق الأرض ضربا فيقطعها شرقا ويقطعها غربا

يوما يمان إذا لاقيت ذا يمن... وإن لقيت معدا ما فعدنان

يفارق الأهل والوطن ويلازم الفقر والعطن فإذا ظفر بالبغية ليا وفطن أما الدنيا فلا يلتفت إليها وأما الآخرة فهو مقبل بكليته عليها فهو في كل حال ينشد وأحواله تشهد

وأبغضت فيك النخل والنخل يانع... وأعجبني من حبك السدر والضال

وأهوى لجوان السماوة والغضا... ولو أن صنفيه وشاة وعذال

فأنت لم تحكم بالسوية ولا عدلت في القضية حيث حكمت بإعراض كل العقلاء عن الأديان وبالتكاثر من الدنيا على كل البرية كلا لو كان ذلك لما بقى منا أحد إلا هالك فراجع نفسك عن هذا الإطلاق وتب للواحد الخلاق واحكم على أهل ملتك بتلك الخصال والأخلاق فإن رب العالمين يبقى علينا ببركة الفضلاء والصالحين

ثم قلت وأحسب أن العلة في ذلك رغبتهم في التكاثر من الدنيا وهي التي تدخلهم إلى التحاسد والمعايرة فيعجز كل قوم أنفسهم في طلب معاشهم وأن الأخرة عندهم مهملة

يا هذا لقد كثر غلطك حتى يعجز الناظر فيه عن إحصائه وعظم سقطك حتى لا أقدر على استقصائه

تفرقت الظباء على خراش... فما يدري خراش ما يصيد

فتارة يتثبج عليك الكلام وأخرى تبدل المدح بالملام فربما تريد أن تمدح فتذم وتظن أنك تحل ربطا وأنت تزم وأنت في هذا الكلام قد لحنت فيه في عدة مواضع وأردت أن تقول شيئا فعبرت عنه بعبارة يفهم منها بحكم وضعها خلاف ما أردت أن تقول وذلك يبن عند من تأمله من أهل العقول

وبالجملة فأنت في هذا الفصل أردت أن تنفصح وتغرب فإذا بك تبهم ولا تعرب على أن كلامك في هذا الفصل قليل الجدوى واهي الأصل فينبغي أن تتعدى أكثر كلامك وتنزه عقولا عن الأخذ في كثير من هذيانك فإن الأخذ في الخرافات والإشتغال بالترهات مخل بالعقول والمروآت

ثم قلت بعد ذكر كلام حاكيت به فعل السفلة الطغام المعدودين في رعاع الأعوام لأن كل قوم قلدوا سلفهم وطاب عندهم خبرهم في مدح دينهم وذم غيرهم يا هذا جهلت كل الأنام إذ زعمت أن التقليد دأب كل الأقوام ولو أنصفت في القضية وعدلت بالسوية لقلت أن الناس قسمان قسم إيمانهم برهاني وقسم اعتقادهم تقليدي هكذا ظهر من أمر أهل الأديان وأما من لم يتدين بدين فينبغي ألا يعد في الموحدين

وبعد هذا ينبغي أن تعلم أن أمور الاعتقاد والإيمان لم يقنع فيها قط أحد من الفضلاء بالتقيلد من غير برهان ولأجل هذا حرم الله علينا الركون إلى التقليد وذم من عول في اعتقاده على إتباع الآباء والجدود فقال تعالى حكاية عن المقلد وذاما له وموبخا له على جهله بل قالوا إنا وجدنا آبانا على أمة وأنا على آثارهم مهتدون وكذلك ما أرسلنا من قبلك في قرية من نذير إلا قال مترفوها إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون قال أو لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم قالوا إنا بما أرسلتم به كافرون

فهذا ذم من الله للتقليد وأهله وقد أمر بالنظر الصحيح وحض على فعله فقال تعالى قل انظروا ماذا في السموات والأرض وما تغنى الآيات والنذر عن قوم لا يؤمنون وقال تعالى فلينظر الإنسان مما خلق وقال تعالى أو لم يتفكروا في أنفسهم ما خلق الله السموات والأرض وما بينهما إلا بالحق وقال تعالى أفلم يسيروا في الأرض فتكون لهم قلوب يعقلون بها أو آذان يسمعون بها فإنا لا تعمى الأبصار ولكن تعمى القلوب التي في الصدور

ومثل هذا كثير وكفى شرفا بهذا الدين ودليلا على صحته عند العقلاء العاقلين أنه حرم التقليد الذي يجر إلى الإلباس والتجهيل والتفنيد واستنهض العقول للنظر وأوضح لها مسالك العبر وأوجب عليها النظر الصحيح المفضى إلى العلم ومن لم يفعل ذلك من العقلاء فقد تعرض للعقاب وألزم ذلك كله ليتبين عن بصيرة الرشد من الغي ويعلم من هو على الحق ممن تحكم في دينه بظلمات التقليد والرأي وبعد هذا فإنى لا أشك في أنك لا تعرف حقيقة التقليد ولا أقسامه ولا أحكامه ولا في أي محل يجوز ولا في أي محل يحرم ولا من الذي يقلد ولا من المقلد

فإن ادعيت أنك تعرف شيئا مما هنالك فعجل بالجواب على ذلك

ثم قلت بعد ترديد وتطويل من غير إفادة علم ولا شفاء غليل فكل يقتحم المناظرة وإن لم يحسنها ويراها فريضة عليه وهو لا يفهمها ولم يتخذ شيئا من العلوم والصناعات إلا الفضول

اعلم يا هذا أن الله تعالى أنطقك بشرح حالك فإنك عبرت عن سوء مناظرتك ونظرت بركيك مقالك فجهلت حتى توهمت أنك من أهل النظر وأوهمت عند الرعاع أنك من أهل المناظرة والفطر كلا فلقد ارتقيت مرتقا صعبا وسلكت مسلكا وعرا وادعيت دعوى عريضة لتخدع بها قلبا ضعيفا ونفسا مريضة ولا بد من سؤالك حتى يتبين حقك من محالك فأقول لك ما حد النظر وحقيقته وما أصوله وكم أقسامه وما أحكامه وما حقيقة المناظرة وما شروطها وكم هي وما الشيء الذي يطلب بالمناظرة وما حقيقة الدليل وكم أقسامه وكم شروطه وما وجه الدليل وما المدلول وكم أقسامه فإن كنت تدعى المناظرة فأجبنا عن هذه الأسئلة محاورة

ثم قلت وإن الجميع يدعون أمرا لا يقدرون على التناصف فيه لبعد غايته لتعلم يا هذا أن حكمك على الجميع بأنهم لا يقدرون على التناصف حكم خطأ فإن العاقل المشتغل بما يعنيه إنما يطلب الحق ليصل إليه ويعرف الباطل ليتجنبه ومن كانت هذه حاله أنصف وتناصف وإنما يمتنع التناصف على من غلب عليه التقليد وجمد على ما ورثه من الآباء والجدود وهو يصمم على أنه على الحق فيمنعه ذلك التصميم عن البحث والنظر ثم إن تنبه لنوع نظر كان كما قال

إن الغصون إذا قومتها اعتدلت... ولن تلين إذا قومتها الخشب

فهذا الذي يتعذر عليه التناصف وتبعد عليه الغاية المطلوبة وما من نور الله قلبه وأجزل من المعقولات حظه فالتناصف مرغوبه إذ الحق مطلوبه وفي مثل هذا ينشد

بعيد على الكسلان أو ذي ملالة... وأما على المشتاق فهو قريب

فإن قلت ما ذكرته أنت قليل وما ذكرته أنا كثير قلت لك

وما ضرنا أنا قليل وجارنا عزيز... وحار الأكثرين ذليل

تعيرنا أنا قليل عديدنا... فقلت لها إن الكرام قليل

ثم إن وجد في جميع الخلق واحد بهذه الصفة فقولك فاسد فإنك حكمت على الجميع بحكم قبيح شنيع وأطلقت القول ولم تخف فيه الزلل ولا العول

ثم قلت ليختلفون في معرفة الباري تعالى لأنه لا يدركونه بالحواس وإنما يتعارف الناس فيما يدركونه بالحواس إعلم أن هذا الذي ذكرت لا يصح أن يقال على كل العقلاء وإنما يصح ذلك على الجهلة الأغبياء بل نقول أن الأغبياء أهل الجهالات يختلفون في الضروريات وقد بينا عليكم مواضع كثيرة من اعتقادكم خالفتم فيها الضروريات وناكرتم المعقولات وأما أهل العقول السليمة والفطر المستقيمة فلم يختلف منهم إثنان في معرفة وجود الله تعالى وإنما تخالفوا في أي وجود وجوده وهذا يعرف في موضعه فلست من أهله

وأما تمثيلك بالعبد الحبشي فتمثيل ليس وراءه تحصيل وذلك أن العبد الحبشي إذا كان عاقلا سليم الفطرة إذا سمع كلاما لا يقبله عقله يرده وأما إذا كان ناقص الفطرة مختل العقل فيقبل كل محال ولا يثبت على حال

ثم قلت ولو أن مجوسيا دخل بلدنا فكبرت عليه مجوسيته ثم طلب الخروج إلى أفضل الثلاث الملل أنت توهم بهذا القول البراءة عن المجوسية والدعاء إلى الملة النصرانية عساك يظن بك أنك تفحم الخصوم أو أنك حصلت من دينك على أمر معلوم كلا بل لو ناظرك مجوسى لأفحمك ولو وزن دينه بدينك في معيار العقل لرجحك وقد تبين ذلك فيما تقدم

ثم قلت فكان يجد المجوسي في دعواهم أن النصراني والمسلم مقران لليهودي بأن دينه أول وأنبياؤه حق ثم يقول النصراني إن كتابي جاء من بعد فنسخ طاعة دين اليهودي ثم يقول المسلم وكذلك جاء كتابي فنسخ طاعة دين النصراني

يا هذا البليد أخطأت على المسلم حيث ظننت أن المسلم يسلم لليهودي دينه الذي بيده الآن ويعترف بأنه أول وليس الأمر كذلك بل الذي يقول به المسلم إن الدين الذي جاء به موسى عليه السلام هو حق وأنه الأول بالزمان بالإضافة إلينا وإليكم وأما اليهود اليوم فليسوا على دين عندنا وعندكم

فعندنا من جهتين وعندكم من جهة واحدة إحدى الجهتين عندنا أنهم كفروا بمحمد نبينا ﷺ وقد كان الله تعالى أخذ عليهم العهد بالإيمان به وبلغهم ذلك على لسان موسى عليه السلام وغيره من أنبيائهم عليهم السلام على ما ننقله إن شاء الله تعالى وكذلك نقول في المسيح عليه السلام إنهم كفروا به بعد أن أنكروه وهذه هي الجهة الأخرى فهاتان جهتان وأنتم إنما تكفرونهم من جهة واحدة وهي كفرهم بالمسيح فقد اتفقنا نحن وإياكم على أن اليهود في هذا الوقت ليسوا على دين وليسوا بمنتسبين إلى شيء من دين موسى عليه السلام وإذا كان الأمر كذلك فكيف جازفت في لفظك وقلت على المسلمين والنصارى ما لا يرضون به ولا يعولون عليه وهل إطلاقك هذا إلا نتيجة جهلك ومما يدل على نقص عقلك

ثم إنك إدعيت أن النصارى يقولون إن كتابهم نسخ شرع اليهود وكيف يصح لك يا جاهل بدينه أن تقول هذا وعيسى عليه السلام يقول في الإنجيل الذي بأيديكم لم آت لأنقض شريعة من قبلي إنما جئت لأتممها

فأما أنت هو الكاذب أو كتابك هو المحرف الباطل وسنبين إن شاء الله تعالى ما أحدث في الإنجيل والتوراة من المناقضة والتحريف ما يدل على أنها ليست هي التي أنزل الله

ومن عجيب أمرك وأدل دليل على جهلك أنك تدعي أن كتابك نسخ شرع اليهود وأنت بجهلك ترجع إليه في أحكامك وهل هذا إلا تناقض ظاهر وجهل فاحش

ثم قلت فإذا كاشف المجوسي اليهودي عما أدعياه أنكرهما وقال لم بأت بعد كتابي من الله كتاب يا هذا لقد قولت اليهود ما لا يمكنهم قوله ولا يسعهم جهله فإن اليهود يعترفون بأنه قد كان بعد موسى أنبياء كثيرون جاءوا بصحف وقرأوا على الناس كتبا كثيرة هي بين أيديهم وأيديكم اليوم تقرأونها وتحكمون بها وها أنت قد استدللت بكثير منها في كتابك هذا على إثبات بنوة المسيح فتلك الكتب التي نقلت منها إما أن تكون من الله أو لا تكون فإن كانت من الله فقد أفحمت نفسك وأكذبتها وصار كلامك ينقض أوله آخره مع أن اليهود توافقك على أن تلك الكتب والصحف من الله وعلى ألسنة رسل الله على هذا جمهورهم وأكثرهم، وإن كانت تلك الكتب ليست من الله ولا يساعدونك عليها فكيف يسوغ لك الاحتجاج عليهم بشيء ليس من كلام الله ولا يسلمونه فلقد مكنت من نفسك يا هذا اليهود والمسلمين وصاروا على كذبك وخطئك من الشاهدين

فمثلك مثل الباحث بظلفه على حتفه والجادع مارن أنفه بكفه فلقد لحقت بالأخسرين أعمالا الذي ضل سعيهم في الحياة الدنيا وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعا

وبعد هذا فلتعلم أن الذي تنكره اليهود لعنهم الله من الكتب المنسوبة إلى الله تعالى كتابك وكتابنا لا غير وسنقيم واضح الأدلة إن شاء الله على من خالفنا

ثم قلت ثم يحمل المسلم البينة على النصراني من الكتب التي أقر له بها وجامعه عليها فإن لم يكن فيها محمد منتظرا فلا حجة له عليه ولا مطعن له إليه وإن كان فيها محمد منتظرا ثم وافقت علاماته علامات الكتب فقد أصاب المسلم ولزم النصراني الخروج عن رضا معبوده

ظاهر كلامك أنك أنصفت وأنت في اعتقادك عليه ما عولت ولقد أعلم أنك إذا أتيت ذلك عليك من كتب عدلت وغدرت شنشنة أعرفها من أخزم وإذا كان الغدر في النفوس الخبيثة طباعا فالثقة بكل أحد عجز وما هي أول بركتكم

وأنا أسأل الله العظيم رب العرش الكريم بأسمائه الحسنى وصفاته العلى وبحق آدم وموسى وعيسى ومحمد صلى الله عليهم وممن بينهم من النبيين والمرسلين وبالملائكة المقربين وأهل طاعته أجمعين أن يلعن من لا يرجع إلى الحق إذا تبين له وأن يعجل عليه بنقمته في الدنيا تكون علامة على غضب الله عليه وعلى عذابه في الآخرة العذاب الدائم نسأل الله العظيم أن يفعل ذلك بعزته وكرمه آمين آمين والصلاة على خيرته من خلقه

ثم ينبغي لك أن تعلم أن نبوة نبينا محمد ﷺ لم تثبت لنا بطريق واحدة بل بطرق كثيرة فلو فرضنا أن الأنبياء صلوات الله عليهم لم يبشروا به لكانت نبوته ثابتة ببراهين قاطعة كثيرة بها عرف نبوته العقلاء الذين لم يقرأوا قط كتابا ولا انتسبوا إلى شريعة وسنوضح هذه الطرق إن شاء الله تعالى ونبينها على ما لا يبقى معه ريب لعاقل بحول الله وقوته

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد
مقدمة | صدر الكتاب | الباب الأول: في بيان مذاهبهم في الأقانيم وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: أقانيم القدرة والعلم والحياة | الفصل الثالث: تعليل التثليث | الفصل الرابع: دليل التثليث | الفصل الخامس: في بيان اختلافهم في الأقانيم | الباب الثاني: في بيان مذاهبهم في الاتحاد والحلول وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: معنى الاتحاد | الفصل الثالث: الواسطة بين الله وبين موسى | الفصل الرابع: تجسد الواسطة | الفصل الخامس: في حكاية كلام المتقدمين | الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين | الباب الثالث: في النبوات وذكر كلامهم | الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل | الفصل الثاني: المسيح المنتظر | الفصل الثالث: المسيح عيسى ابن مريم | فصل: في بيان بعض ما طرأ في التوراة من الخلل وأنها لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأجله من الخطأ والزلل | فصل في بيان أن الإنجيل ليس بمتواتر وبيان بعض ما وقع فيه من الخلل | الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح | القسم الثاني: في النبوات وإثبات نبوة محمد ﷺ | القسم الثاني: في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ | النوع الأول من الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: إخبار الأنبياء به قبله | النوع الثاني: الاستدلال على نبوته بقرائن أحواله ﷺ | خاتمة جامعة في صفاته وشواهد صدقه وعلاماته | النوع الثالث: الاستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد | الوجه الأول من وجوه إعجاز القرآن | الوجه الثاني | الوجه الثالث | الوجه الرابع | النوع الرابع | الفصل الثالث عشر في ما ظهر على أصحابه والتابعين لهم من الكرامات الخارقة للعادات | الباب الرابع: في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم | الفصل الأول: ليست النصارى على شيء | الفصل الثاني: خروج النصارى على تعاليم التوراة والإنجيل | الفن الأول: شعائر الدين النصراني وطقوسه | مسألة في المعمودية | مسألة في غفران الأساقفة والقسيسين ذنوب المذنبين واختراعهم الكفارة للعاصين | مسألة في الصلوبية وقولهم فيها | مسألة في تركهم الختان | مسألة في أعيادهم المصانة | مسألة في قربانهم | مسألة في تقديسهم دورهم وبيوتهم بالملح | مسألة في تصليبهم على وجوههم في صلاتهم | مسألة في قولهم في النعيم والعذاب الأخراوين | الفن الثاني: محاسن دين الإسلام