الإعلام بما في دين النصارى/الباب الثاني/الفصل السادس

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد ﷺ
الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين
القرطبي

الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين[عدل]

نذكر إن شاء الله تعالى في هذا الفصل كلام هذا المذكور الواقع له في مصحف العالم الكائن ونحكي ألفاظه من غير زيادة ولا نقصان إلا أني اختصر من كلامه مالا تدعو ضرورة سياق الكلام إليه من غير إخلال بلفظه ولا تقصير في معناه وربما قدمت وأخرت وإنما خصصته بالكلام معه في فصل مفرد لغرضين

أحدهما أن هذا السائل على مذهبه عول وإياه قلد ومن كتابه نقل إلا أنه مع ذلك أخل بمفهوم كلامه وخالفه في سياقه ونظامه فربما ترك مذهبه بسوء نظره وهو يظن أنه يمشي على أثره وسيتبين ذلك

والثاني أن النصارى معولون على معرفته ومقلدون له في قومته وقعدته على أنه أعرف بمسالك النظر وأجرأهم على مناهج العبر لكن نعوذ بالله من عين عوراء وفطنة بتراء

قال أغشتين قد أجمعت الملة على أن الله تعالى قد كلم موسى تكليما واجتمعت على أن موسى سمع صوتا يقول له أنا ربك فأخبرونا أتؤمنون بأن الصوت الذي سمعه موسى هو ذات الرب وأن الرب في ذاته مسموع أم تقولون إن الرب أسمع موسى صوتا على ما يشاء من رفع وخفض وغلظة ورقة وأنه ابتدأ الصوت متى شاء وقطعه متى شاء وأنهى إلى موسى من إرادته ما شاء فإن قالوا إن الصوت نفسه هو الرب وأن الرب مدرك بالسمع فقد خرجوا عن مذهبهم في نفى التشبيه وإن قالوا إن الصوت من فعل الله وأن الله خلق الصوت على ما وافقه وأظهر فيه من إرادته ما شاء وأن الصوت قد كان له مبتدأ ومنتهى وأن الله الخالق له لا مبتدأ له ولا منتهى قيل لهم فقد ثبت أن الصوت الذي سمعه كان مخلوقا فكيف جاز لموسى أن يقول سمعت الله فإن قالوا مقام الصوت من الله مقام صوت الإنسان من الإنسان وأنا نسمع صوت إنسان فنقول

سمعنا فلانا وكذلك وجب على موسى لما سمع صوت الله أن يقول سمعت الله قيل لهم فقد أقررتم أن الصوت من فعل الله كما أن صوت الإنسان من فعل الإنسان ولستم تقدرون أن تقولوا إذا سمعتم صوت رجل سمعنا صوت المريد كذلك الصوت الذي ابتدأه وخاطب به ولكنكم تقولون سمعنا صوت فلان وسمعنا فلانا إذ سمعتم صوته وكذلك من سمع صوت الله وجب أن يقول سمعنا الله لإن الله خلق الصوت وجعله حجابا لإرادته التي أظهرها فيه فقد ثبت أن الناس لا يسمعون الرب إلا بصوت مخلوق على ما يشبهه تعارفهم يكون حجابا فيما بينه وبينهم

والواجب عليهم أن يخاطبوا الصوت باسم الذي الصوت له كما أن الصوت إنما خاطبهم عن الله ومثل ذلك يلزمهم في كل ما يشبه التحديد مما وقع في كتب الملل الثلاثة من التشبيه بالعالم ووصف نفسه بالعين والوجه والفم ولا يمكن جحده فقد رضى أن ينسب إلى نفسه مثل كلامهم وأن يخاطبهم في مثل لغتهم فقد ثبت أنه أتخذ التشبيه حجابا بينه وبين خلقه

ثم قال بعد ذلك كلاما معناه كما جاز أن يتخذ صوتا ويجعله حجابا لإرادته حتى أظهرها فيه كذلك يجوز أن يكون قادرا على اتخاذ أي صورة شاء وأن يظهر لعباده في أي حلية وافقته وتلك الصورة ملك له يبدلها كيف شاء لأنا إن قلنا أنه لا يقدر أن يسمع عباده صوتا ولا أن يظهر لهم بصورة فقد أزلنا عنه القدرة على كل شيء

ثم قال بعد ذلك فعلمنا أن الحجاب مخلوق وعلمنا أن الله خالق كل شيء ووجب علينا إنزاله من الإكرام بحيث أنزله الله المحتجب به لأنه متى لم ننزل كل شيء على ما أنزله عليه فقد عصينا لأنا لا نجد بدا من أن نكرم الملائكة مالا نكرم الشياطين ونكرم الصالحين مالا نكرم الفجار وهكذا فلا بد أن يكون شيء أعز من شيء وشيء أقرب إلى الله من شيء حتى يكاد شيء في العز أن يتصل بخالقه ويكون أعز الأشياء ويكاد شيء أيضا أن يكون في الهوان بحيث لا يكون شيء تحته

والواجب على العارف بالله أن ينزل كل شيء بحيث أنزله الله ويسميه بما سماه الله فإن أقر بأن الله خاطب بصوت مسموع أو ظهر في صورة مرئية فقد أقر بأن الله خص ذلك الصوت وتلك الصورة بما لم يخص به شيئا من المخلوقات وأن الواجب على من سمع ذلك الصوت أن يقول سمعت صوت الله ومن رأى تلك الصورة يقول رأيت صورة الله ولهذا وجب على موسى إذ سمع صوت القائل أنا ربك أن يجاوبه باسم الرب ويقول بأنه ربه ووجب على آدم إذ قال يا آدم أن يستجيب فيقول هنأأنذا يا رب وكذلك في مخاطبته لجميع الأنبياء لأن الصوت لم يقل أنا صوت الله وأنا أخاطب عن الله وإنما الله خاطب به فقال أنا الله فالواجب أن نخاطب بمثل ما خاطب به

ومثل ذلك يجب في الصورة ومن ظهر له الله في صورته كما ظهر لأشعياء ولدانيال فقد وجب عليه أن يسجد للصورة وأن يخاطبها باسم الله لأن علمه بأن الله خص تلك الصورة بالاتخاذ لها والإحتجاب بها ضام له إلى عبادته فيها لأنه قد رضى أن يرى فيها ويعبد بها

وقد علمنا أن الله خالق الصوت الذي أسمعه لموسى كما علمنا أن الله خلق جميع الأصوات ولكن وجب علينا الإقرار لذلك الصوت بالربوبية ما لم يجب لغيره لعلمنا أن الله ولى المخاطبة بذلك وكذلك يجب في الصورة أن يخصها من الإكرام بما خصها الله به

ومن قال لا يجب أن يخاطب الصورة باسم الله ولا أن يجاوب الصوت باسم الله فقد قال إنه لا يجوز أن يتخذ الله صورة ولا أن يسمع صوتا وإذا وجب إكرام الحجاب بإكرام المحتجب به لم يبق علينا من الكلام شيء إلا في الحجاب الذي اتخذه منا وهو المسيح والإستشهاد بالتوراة والإنجيل في أمره إلا أنا نقدم القول في ذلك بالقياس لئلا نستشهد بالكتاب إلا فيما كان داخلا تحت الإمكان

ثم قال هذا وإن لم يوجبه القياس إيجاب الإضطرار فإنه يجوزه تجويز الإمكان لأن القياس الذي فضل به الإنسان على جميع خلقه وخاطبهم بمثل لغتهم وتشبه بهم في مخاطبتهم وخلق كل شيء لهم ومن أجلهم وأوجب لهم البقاء معه في رضوانه وألا يكون دونهم أبدا وأنه ظهر لهم بحجاب مخلوق فتشبه لهم بنعت محدد فغير ممتنع فيه ولا بعيد أن يكون حجابه فيما بينه وبلغهم منه ومما يشبههم ونزوله إلى مخاطبتهم في مثل لغتهم وهو نزوله إلى الظهور لهم في مثل صورتهم لأن اتخاذ الصورة مثل اتخاذ الصوت

ثم قال شواهده الواضحة كثيرة من ذلك قول أرمياء النبي حيث يقول مناجيا الله يا رجاء إسرائيل يا مخلصه من الغم لم ستكون في المستقبل كالغريب في الأرض أو كالمسافر يعدل إلى المبيت لم ستكون في المستقبل كرجل صالح لا يقوى أن يخلص وقول أشعياء النبي حيث يقول إن العذراء ستحمل وتلد ولدا ويدعى ولدها عجيبا مدبرا إلها قويا والدا مقبل الدهر العالم يكثر ملكه ولا يكون لسلطانه إنقطاعا ولا آخر وقوله أيضا من ذا يقبل خبرنا أمن ذا ظهر له ذراع الرب ثم وصف أنه ظهر ضعيفا محتقرا وأنه هدى بنفسه إلى القتل طوعا ووصف خبر المسيح ظاهرا كما كان وقول يعقول لبنيه حيث يقول لا ينقضي الملك من سبط يهوذا ولا يزال منهم أمير حتى يأتي الذي هو مرسل وهو يكون رجاء الأجناس وتترجم كذلك بإختصار لا ينقطع الملك منهم حتى يأتي المسيح

هذا ملخص كلامه وزبدته في عدة أبواب من كتابه المتقدم الذكر من غير أن أخرج عن لفظه إلا ألفاظا يسيرة يتصل بها الكلام ولا تغير المعنى

وها نحن بعون الله نجاوبه مجاوزة على طريق البحث والمناظرة

وأما قوله اجتمعت الثلاث ملل على أن موسى سمع صوتا يقول أنا ربك فهذا قول كذب ينبئ عن غفلة أو جهل وذلك أن الذي اتفقت الملل عليه إنما هو أن الله كلم موسى وأن الله تعالى متكلم وأما أنه متكلم بصوت أو سمع موسى صوتا من الله فهذا شيء اختلفت فيه الملل وتباينت فيه النحل وأكثر أهل الملة الحنيفية يأبى ذلك ويخطئ من صار إلى ذلك أعنى من صار إلى أن يكون الباري تعالى متكلما بصوت وأن موسى عليه السلام لم يكلمه الله بصوت وإنما كلمه بكلامه الذي هو وصفه الذي ليس بصوت ولا حرف على ما تقرر بيانه فيما تقدم فهذا الرجل الحاكي هذا القول إما أن يكون علم اختلاف الملل فيما ذكر فيه إجماعها أو لم يعلم فإن كان علم فقد كذب وإذا عرف من أحد من الناس الكذب فينبغي ألا يلتفت إليه ولا يعول عليه

فينبغي لكم ألا تعولوا على شيء من نقله لامكان أن يكون كذب فيه كما كذب في هذا وإن كان ذلك القول منه عن جهل فهذا كثير في حقه من جهتين

أحدهما أنه أقدم على الإخبار عما لم يتحقق من غير بصيرة وليس هذا فعل العلماء ولا الأكياس من الفضلاء وكفى بالمرء كذبا وإثما أن يحدث بما لم يعلم صحته

والجهة الثانية أنه جهل أمرا معلوما على القطع صار إليه وعمل على مقتضاه أمم لا يحصون كثرة منذ مضى السنين ولا محمل بمن تعاطى نصرة المذاهب والكلام مع أربابها أن يجهل مثل هذا وإذا جهل هذا فهو بما هو أخفى من هذا أجهل فهو بين أمرين إما أن يكذب متعمدا فلا يثقون بقوله أو يجهل أمرا جليا يدرك بأدنى بحث وأيسر أمر فلا ينبغي لكم أن تقلدوه في عمله ونظره

وإنما ذكرت هذا لتعلموا أن عمدة النصارى على هذا الرجل في مذاهبهم بقوله يحكون وبه يحتجون وله يقلدون وعليه يعولون فهو وهم كرجل أعمى ادعى أنه بصير فاستقاده عمى فقادهم فسقط في حفرة فسقطوا لسقوطه وأشد عذابا يوم القيامة رجل قتل نبيا أو قتله نبي وامام ضلالة وإنما كان كذلك لأن عليه وزرها ووزر من عمل بها فطوبى لمن مات وماتت معه ذنوبه

وأما قوله فإن قالوا إن الصوت نفسه هو الرب وأن الرب مدرك بالسمع فقد خرجوا عن مذهبهم في نفى التشبيه فهذا نص من كلام هذا الرجل أن الصدى ليس بالرب

وقد قال السائل الذي جاوبناه قبل هذا أنه أقر له بالربوبية وظاهر قوله مناقض لقول إمامه ثم نقول لهما قد أتفقتما على أن الصوت مخلوق وأن الله تعالى ليس بمخلوق فهذا الصوت المخلوق إما أن يكون ربا غير الله أو ليس رب فإن كان ربا غير الله فيلزمكم أن تعبدوه بعبادة خاصة غير عبادة الله بل هو أولى بالعبادة من ناسوت المسيح إذ يتغوط ويبول ويصلب على قولكم إلى غير ذلك مما عددناه

وذلك أن الصوت لا يليق به شيء من ذلك وذلك كله جهل وقد ألزمناهم على ذلك مناقضات لا محيص عنها فيما تقدم وإن كان هذا الصدى ليس برب فيلزمكم على قولكم أن يكون موسى خاطب بالربوبية من ليس برب وذلك لا يليق به وهذا على قوله أن المخاطب هو الصدى لازم ضرورة ثم ما أعجب أمر هؤلاء القوم ينفون تشبيه الله تعالى بخلقه ويجعلون نفسه قاعدة يرجعون إليها بزعمهم ثم يلتزمون من التشبيه في حق الله تعالى ما لم يقل به من المشبهة أحد وذلك أنهم قالوا إن الله تعالى متكلم بصوت هو من قبيل أصواتنا وهو مخلوق مقطع بالحروف وهو مع ذلك مخاطب بالبربوية وهذا هو التشبيه الذي فروا منه وزيادة عليه

ولقد أوغل في التشبيه كبيرهم أغشتين وإن كان عن أصل التشبيه من المعرضين وذلك أنه جوز عقله بزعمه أن يتخذ الباري صورة يجهلها ويظهر فيها ويسجد لها ومن رأى تلك الصورة ويقول رأيت صورة الله فإنه قد رأى الله ولا تشبيه أعظم منها بل المشبهة أحسن حالا منه وذلك أنهم أعنى المشبهة بنوا أمرهم على ظواهر الشرائع فأثبتوا ما أثبتت الشرائع وما قالت الأنبياء وما جاء في كتب الله مصدقين لها غير منحرفين عن ظواهرها ثم عزلوا عقولهم فلم ينظروا بها فبقوا على جمود التقليد وثبتوا على صميم الاعتقاد والتوحيد ومع ذلك فإنهم يعظمون الله ويقولون بأن لا إله إلا الله

ومما صرح فيه بالتزام التشبيه قوله صوت الله من فعل الله كما أن صوت الإنسان من فعل الإنسان ولا معنى للتشبيه الذي نفى إلا هذا فهذا تناقض ظاهر فإنه تارة نفى التشبيه وتارة أثبته ثم قوله يصرح بأن حقيقة المتكلم من فعل الكلام وهو خطأ بل حقيقة المتكلم من قام به الكلام والدليل على ذلك أن حقيقة المتكلم تفهم بكمالها مع فرض الغفلة والذهول عن كونه فاعلا للكلام ولو كانت حقيقة المتكلم من فعل الكلام لما فهمت حقيقة المتكلم حتى يفهم كونه فاعلا للكلام على ما يعرف في موضعه ولو كانت حقيقة المتكلم من فعل الكلام لكان الباري تعالى متكلما بالكلام الذي يقوم بنا فإنه فاعل كلامنا وخالقه على ما يعرف في موضعه وذلك محال

ولتعلم أيها الناظر في هذا الكتاب أن كل ما ذكره هذا القس في هذا الفصل إنما هو مبنى على أنه تعالى متكلم بحرف وصوت وقد أبطلنا ذلك فيما تقدم حيث قلنا كلام الباري تبارك وتعالى ليس بصوت ولا حرف وإنما هو وصف له قائم به ليس بحرف ولا صوت كما نبهنا عليه

وإذا بكل ذلك بطل كل ما انتحله في هذا الفصل من الهذيان وإنما كلامنا معه بعد ذلك على طريقة المناظرة الجارية بيننا وذلك أن أرباب النظر ربما يسلمون ما هو معلوم الفساد ليتبين تناقض الخصم وتحكمه للعباد وكذلك نفعل نحن بهذا الرجل بحول الله فنقول له:

لأي شيء قلت أن الله اتخذ الصوت حجابا لإظهار أرادته ولبست بلفظ الحجاب ولو قلت إن الله جعل الصوت دليلا على ما أراد لارتفع التلبيس ولزال الإبهام الذي أوهمت فإنك أوهمت بلفظ الحجاب أن الإرادة احتجبت به واتحدت معه حتى ظهرت بواسطته فجعجعت أنت بلفظ الحجاب والظهور وأوهمت وأنت ما حصلت على فائدة ولا وجدت

ومما يتبين أن هذا الذي ذكره إنما هو جعجعة لفظية ليس وراءها معنى أنا نبطل لفظ الحجاب بالدليل ولا نبقى مما توهمه شيء فإننا يمكننا أن نقول إن الصوت الذي خلقه الله تعالى وجعله دليلا على إرادته على قوله إنما هو بمثابة أن لو خلق خطوطا في حجر يستدل بها المستدل على إرادته إذا قرأها فلا يتمكن لعاقل أن يقول إن الإرادة انحجبت بخطوط ذلك الحجر ولا اتحدت به فإن الإرادة لا تقوم بجماد وهذا بين بنفسه

وكذلك لو كتبنا لفظ النار في ورقة لما تخيل عاقل بل غافل أن ذات النار حلت في الورقة إذ لو حلت النار في الورقة لاحترقت وكذلك الصوت المقطع حروفا إنما هو دليل على ما في النفس من غير أن يحل ما في النفس ولا أن يتحد به وإذا فهم هذا ارتفع كل ما توهمه هذا المخدوع بالضرورة

ثم نقول له نسلم جدلا ما ذكرته من لفظ الحجاب والظهور لكن لم قلت أنه إذا صح أن تظهر إرادته بحجاب الصوت جاز أن تظهر ذاته بحجاب الصورة وما الدليل على ذلك وأي جامع بينهما

فإن قال الدليل على ذلك أن الله تعالى قادر على ذلك كما هو قادر على حجاب صوته فإنه إن لم يكن قادرا على إظهار ذاته بصورة فيكون عاجزا والعجز عليه محال فهذا هو الدليل وأما الجامع فإن الصوت مظهر للإرادة والصورة مظهرة للذات

فيقال له أما استدلالك بأن الله قادر على كل شيء فاستدلال فاسد فإن الأشياء التي يقدر الباري تعالى عليها إنما هي الممكنات لا المستحيلات وهذا الذي ذكرت من ظهور الله في صورة مستحيل لا يكون به مقدورا فإن المستحيل لا يوصف الباري تعالى بالقدرة عليه ولا بالعجز عنه لإستحالة شرط تعلق القدرة وهذا إنما يعرفه من يعرف حقيقة حقيقة الواجب والممكن والمستحيل

ثم أنا نقلب عليهم دليلهم ونقول هل يقدر الله تعالى أن يظهر نفسه من غير صورة أم لا فإن قالوا يقدر قلنا لهم لا يحتاج إلى الصورة التي فرضتم وإن قالوا لا يقدر قلنا لهم فيلزمه العجز وبالذي ينفصلون عن هذا به بعينه ننفصل نحن عما ألزمونا

وقد بينا فيما تقدم أن اتخاذ الباري سبحانه وتعالى صورة ليظهر فيها مستحيل حيث أبطلنا الحلول والاتحاد وما في معناه

ونزيد الآن هنا نكته وهي أنا نقول هذه الصورة التي يظهر فيها لابد أن تكون متحيزة محدودة والظاهر فيها إما أن يكون داخلا فيها أو خارجا منها أولا خارجا ولا داخلا فإن كان داخلا فيها كان محدودا محاطا به وهذا هو التشبيه

فإنه يلزم منه أن يكون جسما وهو باطل على الله تعالى ومحال وإن كان خارجا عنها لزم تحديده أيضا لأنه لا يكون خارج لا محدود متحيز فيلزم أن يكون بجهة من الصورة وإذا كان بجهة كان جسما وهذا تشبيه

وأيضا فإذا كان بجهة من الصورة التي ظهر فيها كان مفارقا لها وإذا كان مفارقا لها لم يظهر فيها وإن ظهر فإنما يظهر بنفسه لا بالصورة وإذا كان لا داخلا فيها ولا خارجا عنها استحال عليه أن يظهر بها أو فيها لأن ما ليس بمتحيز ولا داخل ولا خارج لا يظهر في جسم متحيز لأنه من حيث كان ليس بداخل فيها فقد فارقها وإذا فارقها لم يكن فيها وإذا لم يكن فيها لم يظهر فيها

ولو جاز أن يظهر في كل ما ليس بداخل فيه ولا خارج عنه لجاز أن يظهر في كل موجود وإذا جاز ذلك فلعله قد اتخذ الأنبياء كلهم حجابا يظهر فيهم وهذا مما يأبونه وهو محال عندهم

وأيضا فإن الله تعالى عندهم لا يرى بإنفراد من غير صورة ولا يظهر دونها فكذلك يلزمهم أن يبقى على حاله لا يظهر وإذا وجد صورة إذ ليس بداخل فيها ولا خارج عنها

فإن الصورة لا تكسبه أمرا أوجب له ظهورا إلا لم يكن له وهذا بين الإستحالة إذ يلزم على ذلك تغيره عند العاقل المنصف

نكتة أخرى[عدل]

وهي أنا نقول هل يجوز أن يرى الباري تعالى ويظهر من غير صورة أم لا يجوز فإن جاز ذلك فلم حتمتم اتخاذ الصورة عليه وقلتم أنه لا يظهر ولا يرى إلا بصورة وإن قلتم لا يرى ولا يظهر إلا باتخاذ صورة فإذا وقع بصر الناظر فأما أن يقع على تلك الصورة أو على الله وعليهما

فإن قلتم وقعل البصر على الصورة لا عليه فالمرئى إذن هي الصورة المخلوقة لا الخالق وإن وقع البصر على الخالق وحده لا على الصورة فهو المرئى ولا ترى الصورة فإن الصورة ليست هي الخالق تعالى والرائي لم ير إلا الصوت فإذن لم ير الخالق وإن وقع البصر عليهما لزم عليه أن يرى الرائي شيئين الخالق والصورة

وهو إنما رأى شيئا واحدا بالضرورة وهو الصورة لقول من يقول إنه ظهر بالصورة

وأيضا فلو وقع بصر من رأى عيسى عليه السلام على ناسوته ولاهوته لما احتاجوا أن يستدلوا على ألوهيته بإحياء الموتى وغير ذلك ولما كان يحتاج هو أن يدل على لاهوت نفسه بشيء من المعجزات وخوارق العادات إذا كان يدرك منه بالحس والعيان ذلك والمعلوم بالعيان لا يطلب تحصيل علمه بالدليل والبرهان

فحصل من هذا أن الصورة المقدرة لا يظهر فيها الباري تعالى وإن ظهرت هي فإن الرائى إنما يراها وحدها وهي الظاهرة له وأما الباري سبحانه وتعالى فهو بعد إيجاد هذه الصورة على ما كان عليه قبل إيجادها لم تتبدل حاله أعنى أنه إن كان قبل إيجاده هذه الصورة قابلا لأن يظهر فهو بعدها قابل لأن يظهر وإن كان ممتنعا عليه أن يظهر قبلها امتنع عليه ذلك بعدها لاستحالة التغير عليه فإنه لو تغير لكان محدثا

وأما ما ادعاه من الجامع فلا نسلم أن الصوت مظهر للإرادة إلا بمعنى أنه يدل عليها لا بمعنى الإحتجاب والظهور كما زعم وإذا لم نسلم هذا في الصوت فلا يصح له قياس الصورة على الصوت ولو سلمنا قياس الصورة على الصوت من حيث الجامع فبأي دليل يحمل أحدهما على الآخر فإن وجود الجامع لا يدل على أن حكم أحدهما حكم الآخر إذ لا يبعد في المتماثلات في بعض الصفات اختلافها في بعض الأحكام على ما يعرفه أهله ولو سلمنا وجود دليل الإلحاق لكان قياس جزء على جزء وذلك غير مقبول في العقليات على ما يعرف في موضعه وعلى مايقال مع أهله فظهر من كلام هذا الرجل عند العقلاء أنه غير متمسك بدليل عقلي وسنبين أنه لم يستدل على صحة مذهبه بدليل نقلى فإذا بطل له المعقول والمنقول ثبت أنه بالتحكم والهوى يقول وذلك دأب كل غبي جهول

وأما قوله فالواجب عليهم أن يخاطبوا الصوت باسم الذي الصوت له وكذلك الصورة يجب أن تخاطب باسم الذي هي له

فنقول له قولك واجب عليهم هذا الوجوب الذي ادعيته أهو عقلي أو شرعي فإن قال هو عقلي وشرعي فلا بد من إقامة الدليل على ذلك

فإن قال الدليل على ذلك النقل والعقل أما النقل فهو أن العاقل إذا أقر بأن الله خاطب موسى بصوت مسموع أو ظهر في صورة مرئية فقد أقر بأن الله خص ذلك الصوت وتلك الصورة بما لم يخص به شيئا من المخلوقات إذ تجلى هو فيها وإذا ثبت ذلك فالعقل يشهد بأن ذلك الصوت وتلك الصورة شريف والصوت لابد أن يعترف لشرفه وينزل منزلته ولا أشرف من الله تعالى وما ظهر فيه الله تعالى فينبغي أن يعظم بأقصى رتب التعظيم ويعبد بأجل العبادات فخرج من هذا أنه يجب عقلا أن تعظم الصورة لتعظيم الحال فيها فتخاطب باسم الرب ويعترف لها بالربوبية والألوهية

وأما الشرع فالذي دل عليه العقل جاءت به الشرائع ألا ترى أن موسى خاطب الصوت باسم الربوبية وكذلك من رأى الصورة إنما يرى صورة الله والله تعالى معظم بالشرع والعقل فتلك الصورة ينبغي أن تكون معظمة بالشرع والعقل ألا ترى أن الشرائع قد أمرتنا بتعظيم الملائكة وإهانة الشياطين وليس يخفى أن العرش أعظم من السماء وأن المشرق أعظم من المغرب وأن الصالحين أعظم من الطالحين وهذا كله يشهد له العقل والنقل كما سبق

هذا إنهاء تقرير حجته وإليها أشار في كلامه ولا مزيد في التقرير عليها

فنقول قولك العقل دل عليه باطل فإن العقل لا يدل على التزام العبادات فإن معنى العبادات التي تفعل بحكم اللزوم إنها تفعل وإلا فيعاقب الله التارك وذلك لا يتوصل العقل إليه إذ العبادات لا تتعين عنده إلا بتعيين معين الذي هو الشارع الذي ينص على ما يرضيه من العبادات وعلى ما لا يرضيه وأما العقل فلا يستقل بشيء من ذلك فلعل العبادة التي يعينها العقل ويلتزمها لعل الله تعالى لا يرضى بها إذ يفعل الله ما يريد ولعل ما يظنه العقل عبادة هو معصية فإن هذا الله تعالى يفعل ما يشاء فكما يجعل من شاء نبيا ووليا يجعل من يشاء فاسقا وخبيثا ويمد بأسباب ذلك ولا حجر عليه في ذلك ولا حكم كذلك يجعل ما يشاء من الأعمال طاعة وما يشاء معصية وإن لم تقل بذلك لزمك أن تجعل الله تعالى محكوما عليه مغلوبا وذلك كله على الله تعالى محال

وأما ما ادعيت من النقل من الأنبياء فذلك شيء لا يصح عنهم أنهم عظموا الصوت والصورة بما عظموا به الله حتى عبدوهما كما تزعمون أنتم

وقولكم إن موسى خاطب الصوت بالربوبية زعم وقاح وافك صراح وإنما المخاطب بالربوبية المتكلم بالصوت بزعمكم الذي قال عن نفسه بالصوت أنا الله والذي يعقله العقلاء الذين لا يلعبون بأديانهم ولا يجترؤون على ربهم والههم إن الصوت موجود يتكلم به ولا يتكلم هو عن نفسه فإذا سمع العاقل قائلا قال بصوت مقطع مشيت إلى بيت المقدس فرأيته مثلا لا يشك عاقل في أن المخبر عن نفسه إنما هو الذي قام به الصوت لا الصوت فإنه لو كان الصوت هو الذي أخبر بذلك عن نفسه لما صدق عليه ذلك ولما صح منه الخبر لأنه لا يتأتى منه المشى ولا الرؤية

وكذلك لو قال إنسان مخبرا عن نفسه بقوله أكلت الخبز وهذا بين بالضرورة وإذا تقرر هذا فالصوت الذي سلمناه جدلا الذي تكلم الله به على زعمهم لم يقل من نفسه شيئا مما ذكروه إنما الله هو الذي قاله مخبرا عن نفسه وأما ما قاله موسى فإنما قاله لله تعالى فله اعترف بالربوبية وإليه تاب وله سجد وإياه عبد لا للصوت وهذا معلوم على القطع والضرورة والمخالف في ذلك جاهل متسامح أو معاند متواقح

وقد كان تقدم من قول السائل الغبي الجاهل أن موسى أعترف للصدى بالربوبية وأنه الذي قال عن نفسه أنا الله لا إله إلا أنا فاعبدني وأنه هو الذي سجد له موسى وعن ذلك الصدى تحمل موسى الرسالة وأنه هو الذي كلم موسى وإياه جاوب وأنه قام عند موسى مقام خالق فسماه إلها وربما يظن ذلك الجاهل أن هذا الذي قاله أغشتين هو الذي قاله هو وهيهات أن بينهما ما بين الثرى والثريا

وغاية كلام أغشتين وإن كان فيه من المخطئين أن يقول قد علمنا أن الله تعالى خلق الصوت الذي أسمعه لموسى كما علمنا أن الله خلق جميع الأصوات ولكن وجب علينا الإقرار لذلك الصوت بالربوبية مالم يجب لغيره لعلمنا أن الله تعالى ولى المخاطبة به

هذا نص ما في كتابه على هذا المعنى

ولا يفهم منه شيء مما انتحله ذلك السائل وقد وكلت الناظر العاقل المنصف للوقوف على كلامهما وتفهم معانيهما فإني قد نصصت على كلامهما في هذا الكتاب وحكيته كي يزول الإرتياب ويعلم الناظر المنصف أن السائل ليس على شيء من الصواب وإنما نبهت هذا التنبيه حذرا من المغالطة والتمويه فإني أخاف إن وبخ أحد أقسة النصارى هذا السائل على هذا المذهب الذي اخترعه والمحال الذي ابتدعه أن يحتج لنفسه بأن ينسبه إلى أغشتين ويكون في نسبته من الكاذبين

فمن أراد الإنصاف فليطرح عن نفسه التعصب والإعتساف ويقف على كلامهما متدبرا وفيه متفكرا ولقد كنت أتمنى أن يكون أولئك الأقسة بين يدي حتى يسمعوا مني وينظروا إلى فليس كل ما في النفس تبرزه المكاتبة ثم ليس الخبر كالمشافهة

وأما قوله وإذا وجب إكرام الحجاب بإكرام المحتجب به لم يبق علينا من الكلام شيء إلا في الحجاب الذي اتخذه منا وهو المسيح فنقول المفهوم من لفظ الحجاب إنما هو الساتر للشيء المانع له فإنك تقول احتجب عني فلان إذا استتر عنك وامتنع من لقائك والخروج إليك ولا يصح هنا على مفهوم كلام هذا الرجل أن يكون الحجاب هو الساتر بل هو الكاشف المظهر على قوله وذلك أن إرادة الله وذاته قبل اتخاذ الصوت والصورة لم يكن شيء منهما ظاهرا فلما اتخذهما ظهرت إرادته وذاته هذا مفهوم مساق كلامه فتدبره

وهذا يدلك على قلة التحصيل وقصد التخليط والتجهيل وإذا كان الناظر من قلة التحفظ بحيث يعبر عن المظهر بالساتر فعلمه جهل ونظره قاصر

وأما قوله في الشواهد على اتخاذ الله المسيح حجابا فتهويل ليس وراءه تحصيل وذلك انه قال إن لم يوجبه القياس إيجاب أضطرارا فإنه يجوزه تجويز الإمكان ثم إنه تكلم بأكثر وذكر القياس الفاسد الذي به كفر ثم رجع حاصل كلامه إلى أن قال لأن اتخاذ الصورة مثل اتخاذ الصوت وهذا كله قد بينا فساده فيما تقدم

وأما ما ذكره من شواهد الأنبياء عليهم السلام على ما إدعاه من الهذيان والهذر والبهتان على المتعالي عن النقصان فليس له في شيء من ذلك شاهد وحاشا أنبياء الله وكتبه من مذهبه الفاسد وغاية تلك الشواهد أن تدل على رسالة عيسى عليه السلام وليست دلالتها قاطعة على ذلك فتدبرها بفهمك وخذها بقياس عقلك

وسيأتي ذكر ذلك وأشباهه في باب النبوات بعد هذا إن شاء الله تعالى وقد أتينا على ما أردنا ذكره في هذا الباب والحمد لله على أنا أغفلنا كثيرا من ألفاظ أغشتين يمكن البحث فيها تركناها لئلا يطول الكتاب ويخرج عن الضبط هذا الباب

على أن هذا من كلامه هو اللب واللباب هذا مع أن الأمل إن وافق القدر أن أرد على القس أغشتين كلامه وأبطل من ذلك الكتاب قصده ومرامه

وحسبنا الله ولا حول ولا قوة إلا بالله

الإعلام بما في دين النصارى من الفساد والأوهام وإظهار محاسن دين الإسلام وإثبات نبوة نبينا محمد
مقدمة | صدر الكتاب | الباب الأول: في بيان مذاهبهم في الأقانيم وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: أقانيم القدرة والعلم والحياة | الفصل الثالث: تعليل التثليث | الفصل الرابع: دليل التثليث | الفصل الخامس: في بيان اختلافهم في الأقانيم | الباب الثاني: في بيان مذاهبهم في الاتحاد والحلول وإبطال قولهم فيها | الفصل الثاني: معنى الاتحاد | الفصل الثالث: الواسطة بين الله وبين موسى | الفصل الرابع: تجسد الواسطة | الفصل الخامس: في حكاية كلام المتقدمين | الفصل السادس: في حكاية مذهب أغشتين إذ هو زعيم القسيسين | الباب الثالث: في النبوات وذكر كلامهم | الفصل الأول: احتجاج أصحاب الملل | الفصل الثاني: المسيح المنتظر | الفصل الثالث: المسيح عيسى ابن مريم | فصل: في بيان بعض ما طرأ في التوراة من الخلل وأنها لم تنقل نقلا متواترا فتسلم لأجله من الخطأ والزلل | فصل في بيان أن الإنجيل ليس بمتواتر وبيان بعض ما وقع فيه من الخلل | الفصل السابع: هاجر أم إسماعيل الذبيح | القسم الثاني: في النبوات وإثبات نبوة محمد ﷺ | القسم الثاني: في إثبات نبوة نبينا محمد ﷺ | النوع الأول من الأدلة على نبوة محمد صلى الله عليه وسلم: إخبار الأنبياء به قبله | النوع الثاني: الاستدلال على نبوته بقرائن أحواله ﷺ | خاتمة جامعة في صفاته وشواهد صدقه وعلاماته | النوع الثالث: الاستدلال على نبوته صلى الله عليه وسلم بالكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد | الوجه الأول من وجوه إعجاز القرآن | الوجه الثاني | الوجه الثالث | الوجه الرابع | النوع الرابع | الفصل الثالث عشر في ما ظهر على أصحابه والتابعين لهم من الكرامات الخارقة للعادات | الباب الرابع: في بيان أن النصارى متحكمون في أديانهم وأنهم لا مستند لهم في أحكامهم إلا محض أغراضهم وأهوائهم | الفصل الأول: ليست النصارى على شيء | الفصل الثاني: خروج النصارى على تعاليم التوراة والإنجيل | الفن الأول: شعائر الدين النصراني وطقوسه | مسألة في المعمودية | مسألة في غفران الأساقفة والقسيسين ذنوب المذنبين واختراعهم الكفارة للعاصين | مسألة في الصلوبية وقولهم فيها | مسألة في تركهم الختان | مسألة في أعيادهم المصانة | مسألة في قربانهم | مسألة في تقديسهم دورهم وبيوتهم بالملح | مسألة في تصليبهم على وجوههم في صلاتهم | مسألة في قولهم في النعيم والعذاب الأخراوين | الفن الثاني: محاسن دين الإسلام