مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم
ابن تيمية

فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم[عدل]

وقال شيخ الإسلام:

قال الله تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَدْخُلُوا بُيُوتًا غَيْرَ بُيُوتِكُمْ حَتَّى تَسْتَأْنِسُوا وَتُسَلِّمُوا عَلَى أَهْلِهَا } إلى قوله: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ } [1]، وقد ثبت عن النبي ﷺ أنه قال: «إنما جعل الاستئذان من أجل النظر». والنظر المنهي عنه هو نظر العورات ونظر الشهوات وإن لم تكن من العورات.

والله سبحانه ذكر الاستئذان على نوعين: ذكر في هذه الآية أحدهما، وفي الآيتين في آخر السورة النوع الثاني، وهو استئذان الصغار والمماليك، كما قال تعالى: { يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ وَالَّذِينَ لَمْ يَبْلُغُوا الْحُلُمَ مِنكُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ مِن قَبْلِ صَلَاةِ الْفَجْرِ وَحِينَ تَضَعُونَ ثِيَابَكُم مِّنَ الظَّهِيرَةِ وَمِن بَعْدِ صَلَاةِ الْعِشَاء ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ } [2]، فأمر باستئذان الصغار والمماليك حين الاستيقاظ من النوم، وحين إرادة النوم، وحين القائلة [3] ؛ فإن في هذه الأوقات تبدو العورات، كما قال تعالى: { ثَلَاثُ عَوْرَاتٍ لَّكُمْ } .

وفي ذلك ما يدل على أن المملوك المميِّز، والمميز من الصبيان: ليس له أن ينظر إلى عورة الرجل، كما لا يحل للرجل أن ينظر إلى عورة الصبي والمملوك وغيرهما.

وأما دخول هؤلاء في غير هذه الأوقات بغير استئذان، فهو مأخوذ من قوله تعالى: { لَيْسَ عَلَيْكُمْ وَلَا عَلَيْهِمْ جُنَاحٌ بَعْدَهُنَّ طَوَّافُونَ عَلَيْكُم بَعْضُكُمْ عَلَى بَعْضٍ } [4]، وفي ذلك دلالة على أن الطوافين يرخص فيهم ما لا يرخص في غير الطوافين عليكم والطوافات، والطواف من يدخل بغير إذن كما تدخل الهرة، وكما يدخل الصبي والمملوك، وإذا كان هذا في الصبي المميز فغير المميز أولي.

ويرخص في طهارته، كما قال ذلك طائفة من الفقهاء من أصحاب أحمد وغيرهم في الصبيان والهرة وغيرهم: أنهم إن أصابتهم نجاسة أنها تطهر بمرور الريق عليها، ولا تحتاج إلى غسل؛ لأنهم من الطوافين، كما أخبر به الرسول في الهرة مع علمه أنها تأكل الفأرة، ولم تكن بالمدينة مياه تردها السنانير [5]، ليقال: طهر فمها بورودها الماء، فعلم أن طهارة هذه الأفواه لا تحتاج إلى غسل، فالاستئذان في أول السورة قبل دخول البيت مطلقًا، والتفريق في آخرها لأجل الحاجة، لأن المملوك والصغير طواف يحتاج إلى دخول البيت في كل ساعة فشق استئذانه، بخلاف المحتلم.

وقال تعالى: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى } الآية، إلى قوله: { وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ } [6]، فأمر الله سبحانه الرجال والنساء بالغض من البصر وحفظ الفرج، كما أمرهم جميعًا بالتوبة، وأمر النساء خصوصًا بالاستتار، وألاَّ يبدين زينتهن إلا لبعولتهن ومن استثناه الله تعالى في الآية، فما ظهر من الزينة هو الثياب الظاهرة، فهذا لا جناح عليها في إبدائها إذا لم يكن في ذلك محذور آخر، فإن هذه لابد من إبدائها، وهذا قول ابن مسعود وغيره، وهو المشهور عن أحمد. وقال ابن عباس: الوجه واليدين من الزينة الظاهرة، وهي الرواية الثانية عن أحمد، وهو قول طائفة من العلماء كالشافعي وغيره.

وأمر سبحانه النساء بإرخاء الجلابيب لئلا يعرفن ولا يؤذين، وهذا دليل على القول الأول، وقد ذكر عبيدة السلماني [7] وغيره: أن نساء المؤمنين كن يدنين عليهن الجلابيب من فوق رؤوسهن حتي لا يظهر إلا عيونهن لأجل رؤية الطريق، وثبت في الصحيح: أن المرأة المُحْرِمة تنهي عن الانتقاب والقفازين، وهذا مما يدل على أن النقاب والقفازين كانا معروفين في النساء اللاتي لم يحرمن، وذلك يقتضي ستر وجوههن وأيديهن.

وقد نهي الله تعالى عما يوجب العلم بالزينة الخفية بالسمع أو غيره، فقال: { وَلَا يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ } [8]، وقال: { وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ } فلما نزل ذلك عمد نساء المؤمنين إلى خمرهن فشققنهن وأرخينها على أعناقهن. و الجيب: هو شق في طول القميص. فإذا ضربت المرأة بالخمار على الجيب سترت عنقها، وأمرت بعد ذلك أن ترخي من جلبابها، والإرخاء إنما يكون إذا خرجت من البيت، فأما إذا كانت في البيت فلا تؤمر بذلك، وقد ثبت في الصحيح: أن النبي ﷺ لما دخل بصفية قال أصحابه: إن أرخي عليها الحجاب فهي من أمهات المؤمنين، وإن لم يضرب عليها الحجاب فهي مما ملكت يمينه، فضرب عليه الحجاب، وإنما ضرب الحجاب على النساء لئلا تري وجوههن وأيديهن.

والحجاب مختص بالحرائر دون الإماء، كما كانت سنة المؤمنين في زمن النبي ﷺ وخلفائه أن الحرة تحتجب والأمة تبرز، وكان عمر رضي الله عنه إذا رأى أمة مختمرة ضربها، وقال أتتشبهين بالحرائر، أي لَكاعَ [9]، فيظهر من الأمة رأسها ويداها ووجهها.

وقال تعالى: { وَالْقَوَاعِدُ مِنَ النِّسَاء اللَّاتِي لَا يَرْجُونَ نِكَاحًا فَلَيْسَ عَلَيْهِنَّ جُنَاحٌ أَن يَضَعْنَ ثِيَابَهُنَّ غَيْرَ مُتَبَرِّجَاتٍ بِزِينَةٍ وَأَن يَسْتَعْفِفْنَ خَيْرٌ لَّهُنَّ } [10]، فرخص للعجوز التي لا تطمع في النكاح أن تضع ثيابها فلا تلقي عليها جلبابها ولا تحتجب، وإن كانت مستثنةة من الحرائر لزوال المفسدة الموجودة في غيرها، كما استثني التابعين غير أولي الإربة من الرجال في إظهار الزينة لهم، لعدم الشهوة التي تتولد منها الفتنة، وكذلك الأمة إذا كان يخاف بها الفتنة كان عليها أن ترخي من جلبابها وتحتجب، ووجب غض البصر عنها ومنها.

وليس في الكتاب والسنة إباحة النظر إلى عامة الإماء ولا ترك احتجابهن وإبداء زينتهن، ولكن القرآن لم يأمرهن بما أمر الحرائر، والسنة فرقت بالفعل بينهن وبين الحرائر، ولم تفرق بينهن وبين الحرائر بلفظ عام، بل كانت عادة المؤمنين أن تحتجب منهم الحرائر دون الإماء، واستثني القرآن من النساء الحرائر القواعد فلم يجعل عليهن احتجابًا، واستثني بعض الرجال وهم غير أولي الإربة، فلم يمنع من إبداء الزينة الخفية لهم، لعدم الشهوة في هؤلاء وهؤلاء، فأن يستثني بعض الإماء أولي وأحري، وهن من كانت الشهوة والفتنة حاصلة بترك احتجابها وإبداء زينتها.

وكما أن المحارم أبناء أزواجهن ونحوه ممن فيه شهوة وشغف، لم يجز إبداء الزينة الخفية له، فالخطاب خرج عاما على العادة، فما خرج عن العادة خرج به عن نظائره، فإذا كان في ظهور الأمة والنظر إلى ها فتنة وجب المنع من ذلك، كما لو كانت في غير ذلك، وهكذا الرجل مع الرجال والمرأة مع النساء، لو كان في المرأة فتنة للنساء وفي الرجل فتنة للرجال؛ لكان الأمر بالغض للناظر من بصره متوجهًا، كما يتوجه إلى ه الأمر بحفظ فرجه، فالإماء والصبيان إذا كن حسانًا تختشي الفتنة بالنظر إلى هم كان حكمهم كذلك، كما ذكر ذلك العلماء.

قال المروزي: قلت لأبي عبد الله يعني أحمد بن حنبل: الرجل ينظر إلى المملوك، قال: إذا خاف الفتنة لم ينظر إلى ه، كم نظرة ألقت في قلب صاحبها البلاء، وقال المروزي: قلت لأبي عبد الله: رجل تاب، وقال: لو ضُرِب ظهري بالسياط ما دخلت في معصية إلا أنه لا يدع النظر، فقال: أي توبة هذه؟ قال جرير: سألت رسول الله ﷺ عن نظرة الفجأة فقال: «اصرف بصرك»، وقال ابن أبي الدنيا: حدثني أبي وسويد قالا: حدثني إبراهيم بن هِراسة، عن عثمان بن صالح، عن الحسن بن ذكوان، قال: لا تجالسوا أولاد الأغنياء، فإن لهم صورًا كصور النساء، وهم أشد فتنة من العذاري.

وهذا الاستدلال والقياس والتنبيه بالأدني على الأعلي، وكان يقال: لا يبيت الرجل في بيت مع الغلام الأمرد، وقال ابن أبي الدنيا بإسناده عن أبي سهل الصعلوكي، قال: سيكون في هذه الأمة قوم يقال لهم: اللوطيون على ثلاثة أصناف: صنف ينظرون، وصنف يصافحون، وصنف يعملون ذلك العمل، وقال إبراهيم النخعي: كانوا يكرهون مجالسة الأغنياء وأبناء الملوك، وقال: مجالستهم فتنة إنما هم بمنزلة النساء. ووقفت جارية لم ير أحسن وجهًا منها على بشر الحافي فسألته عن باب حرب، فدلها، ثم وقف عليه غلام حسن الوجه فسأله عن باب حرب، فأطرق رأسه، فرد عليه الغلام السؤال فغمض عينيه، فقيل له: يا أبا نصر، جاءتك جارية فسألتك فأجبتها، وجاءك هذا الغلام فسألك فلم تكلمه، فقال: نعم. يروي عن سفيان الثوري أنه قال: مع الجارية شيطان، ومع الغلام شيطانان، فخشيت على نفسي شيطانيه.

وروي أبو الشيخ القزويني بإسناده عن بشر أنه قال: احذروا هؤلاء الأحداث، وقال فتح الموصلي: صحبت ثلاثين شيخًا كانوا يعدون من الأبدال كلهم أوصاني عند مفارقتي له: اتق صحبة الأحداث، اتق معاشرة الأحداث. وكان سفيان الثوري لا يدع أمرد يجالسه، وكان مالك بن أنس يمنع دخول المرد مجلسه للسماع، فاحتال هشام فدخل في غمار الناس مستترًا بهم وهو أمرد فسمع منه ستة عشر حديثًا، فأخبر بذلك مالك فضربه ستة عشر سوطًا، فقال هشام: ليتني سمعت مائة حديث وضربني مائة سوط، وكان يقول: هذا علم إنما أخذناه عن ذوي اللحي والشيوخ فلا يحمله عنا إلا أمثالهم، وقال يحيي بن معين: ما طمع أمرد أن يصحبني ولا أحمد بن حنبل في طريق.

وقال أبو علي الروذباري [11]: قال لي أبو العباس أحمد بن المؤدب: يا أبا علي، من أين أخذ صوفية عصرنا هذا الأنس بالأحداث وقد تصحبهم السلامة في كثير من الأمور؟ فقال: هيهات قد رأينا من هو أقوي منهم إيمانًا إذا رأي الحدث قد أقبل نفر منه كفراره من الأسد، وإنما ذاك على حسب الأوقات التي تغلب الأحوال على أهلها فيأخذها تصرف الطباع، ما أكثر الخطأ، ما أكثر الغلط! قال الجنيد بن محمد: جاء رجل إلى أحمد بن حنبل معه غلام أمرد حسن الوجه، فقال له: من هذا الفتي؟ فقال الرجل: ابني، فقال: لا تجئ به معك مرة أخري، فلامه بعض أصحابه في ذلك، فقال أحمد: على هذا رأينا أشياخنا، وبه أخبرونا عن أسلافهم.

وجاء حسن بن الرازي إلى أحمد ومعه غلام حسن الوجه، فتحدث معه ساعة، فلما أراد أن ينصرف قال له أحمد: يا أبا علي، لا تمش مع هذا الغلام في طريق، فقال: يا أبا عبد الله، إنه ابن أختي، قال: وإن كان لا يأثم الناس فيك، وروي ابن الجوزي بإسناده عن سعيد بن المسيب قال: إذا رأيتم الرجل يلح بالنظر إلى الغلام الأمرد فاتهموه، وقد روي في ذلك أحاديث مسندة ضعيفة، وحديث مرسل أجود منها، وهو ما رواه أبو محمد الخلال، ثنا عمر بن شاهين، ثنا محمد بن أبي سعيد المقري، ثنا أحمد بن حماد المصيصي، ثنا عباس بن مجوز، ثنا أبو أسامة، عن مُجَالد، عن سعيد، عن الشعبي قال: قدم وفد عبد القيس على رسول الله ﷺ وفيهم غلام أمرد ظاهر الوضاءة، فأجلسه النبي ﷺ وراء ظهره، وقال: «كانت خطيئة داود في النظر» هذا حديث منكر.

وأما المسندة فمنها ما رواه ابن الجوزي بإسناده عن أبي هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: «من نظر إلى غلام أمرد بريبة حبسه الله في النار أربعين عامًا»، وروي الخطيب البغدادي بإسناده عن أنس عن رسول الله ﷺ أنه قال: «لا تجالسوا أبناء الملوك، فإن الأنفس تشتاق إلى هم ما لا تشتاق إلى الجواري العواتق»، إلى غير ذلك من الأحاديث الضعيفة.

وكذلك المرأة مع المرأة، وكذلك محارم المرأة: مثل ابن زوجها وابنه وابن أخيها وابن أختها ومملوكها عند من يجعله محرمًا: متي كان يخاف عليه الفتنة أو عليها توجه الاحتجاب بل وجب. وهذه المواضع التي أمر الله تعالى الاحتجاب فيها مظنة الفتنة، ولهذا قال تعالى: { ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } [12] فقد تحصل الزكاة والطهارة بدون ذلك لكن هذا أزكي، وإذا كان النظر والبروز قد انتفي فيه الزكاة والطهارة لما يوجد في ذلك من شهوة القلب واللذة بالنظر، كان ترك النظر والاحتجاب أولي بالوجوب، ولا زكاة بدون حفظ الفرج من الفاحشة، لأن حفظه يتضمن حفظه عن الوطء به في الفروج والأدبار ودون ذلك، وعن المباشرة ومس الغير له وكشفه للغير ونظر الغير إلى ه، فعليه أن يحفظ فرجه عن نظر الغير ومسه.

ولهذا قال ﷺ في حديث بَهْز بن حكيم عن أبيه عن جده لما قال له: يا رسول الله، عوراتنا ما نأتي منها وما نذر، فقال: «احفظ عورتك إلا من زوجتك أو ما ملكت يمينك» قال: فإذا كان القوم بعضهم في بعض؟ قال: «إن استطعت ألا يرينها أحد فلا يرينها»، قال: فإذا كان أحدنا خاليا؟ قال: «فالله أحق أن يسْتَحْيا منه من الناس». وقد نهي النبي ﷺ أن تباشر المرأةُ المرأةَ في شعار واحد، وأن يباشر الرجلُ الرجلَ في شعار واحد. ونهي عن المشي عراة. ونهي عن أن ينظر الرجل إلى عورة الرجل، وأن تنظر المرأة إلى عورة المرأة. وقال: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فلا يدخل الحمام إلا بمئزر». وفي رواية: «من كان يؤمن بالله واليوم الآخر من إناث أمتي فلا تدخل الحمام إلا بمئزر».

وقال العلماء: يرخص للنساء في الحمام عند الحاجة، كما يرخص للرجال مع غض البصر وحفظ الفرج، وذلك مثل أن تكون مريضة أو نفساء، أو عليها غسل لا يمكنها إلا في الحمام. وأما إذا اعتادت الحمام وشق عليها تركه فهل يباح لها؟ على قولين في مذهب أحمد وغيره: أحدهما: لا يباح، والثاني: يباح، وهو مذهب أبي حنيفة واختاره ابن الجوزي.

وكما يتناول غض البصر عن عورة الغير وما أشبهها من النظر إلى المحرمات فإنه يتناول الغض عن بيوت الناس، فبيت الرجل يستر بدنه كما تستره ثيابه، وقد ذكر سبحانه غض البصر وحفظ الفرج بعد آية الاستئذان، وذلك أن البيوت سترة كالثياب التي على البدن، كما جمع بين اللباسين في قوله تعالى: { وَاللهُ جَعَلَ لَكُم مِّمَّا خَلَقَ ظِلاَلا وَجَعَلَ لَكُم مِّنَ الْجِبَالِ أَكْنَانًا وَجَعَلَ لَكُمْ سَرَابِيلَ تَقِيكُمُ الْحَرَّ وَسَرَابِيلَ تَقِيكُم بَأْسَكُمْ } [13]، فكل منهما وقاية من الأذى الذي يكون سمومًا مؤذيا كالحر والشمس والبرد، وما يكون من بني آدم من النظر بالعين واليد وغير ذلك.

وقد ذكر في أول «سورة النحل» أصول النِّعم، وذكر هنا ما يدفع البرد فإنه من المهلكات، وذكر في أثنائها تمام النِّعم وما يدفع الحر فإنه من المؤذيات، ثم قال: { كَذَلِكَ يُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكُمْ لَعَلَّكُمْ تُسْلِمُونَ } [14]، وفي الصحيحين عن أبي هريرة: أنه سمع رسول الله ﷺ يقول: «إذا اطلع في بيتك أحد ولم تأذن له فخذفته بحصاة ففقأت عينه ما كان عليك من جناح». وهذا الخاص يفسر العام الذي في الصحيح عن عبد الله بن مُغَفَّل: أنه رأي رجلا يخذف، قال: لا تخذف، فإن رسول الله ﷺ نهي عن الخذف، وقال: «إنه لا يصاد به صيد ولا ينكأ به عدو، ولكنها تكسر السن وتفقأ العين». وفي الصحيحين عن سهل بن سعد: أن رجلا اطلع في حجرة في باب النبي ﷺ، ومع النبي ﷺ مدري يحك بها رأسه، فقال: «لو أعلم أنك تنظر إلى لطعنت به في عينك؛ إنما جعل الاستئذان من أجل البصر».

وقد ظن طائفة من العلماء أن هذا من باب دفع الصائل؛ لأن الناظر معتد بنظره فيدفع كما يدفع سائر البغاة، ولو كان الأمر كما قالوا؛ لدفع بالأسهل فالأسهل. ولم يجز قلع عينه ابتداء إذا لم يذهب إلا بذلك، والنصوص تخالف ذلك؛ فإنه أباح أن تخذفه حتي تفقأ عينه قبل أمره بالانصراف، وكذلك قوله: «لو أعلم أنك تنظرني لطعنت به في عينك»، فجعل نفس النظر مبيحًا للطعن في العين، ولم يذكر الأمر له بالانصراف، وهذا يدل على أنه من باب المعاقبة له على ذلك، حيث جني هذه الجناية على حرمة صاحب البيت فله أن يفقأ عينه بالحصا والمدري.

والنظر إلى العورات حرام، داخل في قوله تعالى: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ } [15]، وفي قوله: { وَلاَ تَقْرَبُواْ الْفَوَاحِشَ } [16]، فإن الفواحش وإن كانت ظاهرة في المباشرة بالفرج أو الدبر وما يتبع ذلك من الملامسة والنظر وغير ذلك، وكما في قصة لوط: { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُم بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِّن الْعَالَمِينَ } [17]، { أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ } [18]، وقوله: { تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً } [19]، فالفاحشة أيضا تتناول كشف العورة وإن لم يكن في ذلك مباشرة، كما قال تعالى: { وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا } [20]، وهذه الفاحشة هي طوافهم بالبيت عراة، وكانوا يقولون: لا نطوف بثياب عصينا الله فيها، إلا الحُمْسَ فإنهم كانوا يطوفون في ثيابهم، وغيرهم إن حصل له ثياب من الحمس طاف فيها وإلا طاف عريانًا، وإن طاف بثيابه حرمت عليه فألقاها، فكانت تسمي لقاء، وكذلك المرأة إذا لم يحصل لها ثياب جعلت يدها على فرجها ويدها الأخري على دبرها وطافت وتقول:

اليوم يبدو بعضه أو كله ** وما بدا منه فلا أحله

وقد سمي الله ذلك فاحشة، وقوله في سياق ذلك: { قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [21]، يتناول كشف العورة أيضا وإبداءها، ويؤكد ذلك أن إبداء فعل النكاح باللفظ الصريح يسمي فحشاء وتَفَحُّشًا، فكشف الأعضاء والفعل للبصر ككشف ذلك للسمع، وكل واحد من الكشفين يسمي وصفًا، كما قال عليه السلام: «لا تنعت المرأةُ المرأةَ لزوجها حتى كأنه ينظر إليها»، ويقال: فلان يصف فلانًا وثوب يصف البشرة، ثم إن كل واحد من إظهار ذلك للسمع والبصر يباح للحاجة، بل يستحب إذا لم يحصل المستحب أو الواجب إلا بذلك، كقول النبي ﷺ لماعز: «أنكتها»، وكقوله: «من تعزي بعزاء الجاهلية فأعضوه بهن أبيه ولا تكنوا».

والمقصود أن الفاحشة تتناول الفعل القبيح وتتناول إظهار الفعل وأعضاءه، وهذا كما أن ذلك يتناول ما فحش وإن كان بعقد نكاح، كقوله تعالى: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاء سَبِيلا } [22]، فأخبر أن هذا النكاح فاحشة، وقد قيل: إن هذا من الفواحش الباطنة، فظهر أن الفاحشة تتناول العقود الفاحشة، كما تتناول المباشرة بالفاحشة، فإن قوله: { وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُم مِّنَ النِّسَاء } يتناول العقد والوطء، وفي قوله: { مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ } [23]، عموم لأنواع كثيرة من الأقوال والأفعال، وأمر تعالى بحفظ الفرج مطلقًا بقوله: { وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ } [24]، وبقوله: { وَالَّذِينَ هُمْ لِفُرُوجِهِمْ حَافِظُونَ إِلَّا عَلَى أَزْوَاجِهِمْ أوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَإِنَّهُمْ غَيْرُ مَلُومِينَ } الآيات [25]، وقال: { وَالْحَافِظِينَ فُرُوجَهُمْ وَالْحَافِظَاتِ } [26]، فحفظ الفرج مثل قوله: { وَالْحَافِظُونَ لِحُدُودِ اللهِ } [27]، وحفظها هو صرفها عما لا يحل.

وأما الأبصار فلابد من فتحها والنظر بها، وقد يفجأ الإنسان ما ينظر إليه بغير قصد، فلا يمكن غضها مطلقًا؛ ولهذا أمر تعالى عباده بالغض منها، كما أمر لقمان ابنه بالغض من صوته. وأما قوله تعالى: { إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِندَ رَسُولِ اللَّهِ } الآية [28]، فإنه مدحهم على غض الصوت عند رسوله مطلقًا، فهم مأمورون بذلك في مثل ذلك ينهون عن رفع الصوت عنده ﷺ، وأما غض الصوت مطلقًا عند رسول الله صلي الله عليه وآله وسلم فهو غض خاص ممدوح، ويمكن العبد أن يغض صوته مطلقًا في كل حال، ولم يؤمر العبد به، بل يؤمر برفع الصوت في مواضع؛ إما أمر إيجاب أو استحباب؛ فلهذا قال: { وَاغْضُضْ مِن صَوْتِكَ } [29]، فإن الغض في الصوت والبصر جماع ما يدخل إلى القلب ويخرج منه، فبالسمع يدخل القلب، وبالصوت يخرج منه، كما جمع العضوين في قوله: { أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ } [30]، فبالعين والنظر يعرف القلب الأمور، واللسان والصوت يخرجان من عند القلب الأمور، هذا رائد القلب وصاحب خبره وجاسوسه، وهذا ترجمانه.

ثم قال تعالى: { ذَلِكُمْ أَزْكَى لَكُمْ وَأَطْهَرُ } [31]، وقال: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } [32]، وقال: { إِنَّمَا يُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ الرِّجْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا } [33] وقال في آية الاستئذان: { وَإِن قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } [34] وقال: { فَاسْأَلُوهُنَّ مِن وَرَاء حِجَابٍ ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } [35] وقال: { فَقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيْ نَجْوَاكُمْ صَدَقَةً ذَلِكَ خَيْرٌ لَّكُمْ وَأَطْهَرُ } [36]. وقال النبي ﷺ: «اللهم طهر قلبي من خطاياي بالماء والثلج والبرد»، وقال في دعاء الجنازة: «واغسله بماء وثلج وبرد، ونقه من خطاياه كما ينقي الثوب الأبيض من الدنس».

فالطهارة والله أعلم هي من الذنوب التي هي رجس، والزكاة تتضمن معني الطهارة التي هي عدم الذنوب، ومعني النماء بالأعمال الصالحة: مثل المغفرة والرحمة، ومثل النجاة من العذاب والفوز بالثواب، ومثل عدم الشر وحصول الخير، فإن الطهارة تكون من الأرجاس والأنجاس، وقد قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ } [37] وقال: { فّاجًتّنٌبٍوا برٌَجًسّ مٌنّ الأّوًثّان } [38]، وقال: { إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ } [39]، وقال عن المنافقين: { فَأَعْرِضُواْ عَنْهُمْ إِنَّهُمْ رِجْسٌ } [40].

وقال عن قوم لوط: { وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ الْخَبَائِثَ } [41]، وقال اللوطية عن لوط وأهله: { أَخْرِجُوهُم مِّن قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ } [42]، قال مجاهد: عن أدبار الرجال، ويقال في دخول الغائط: أعوذ بك من الخبث والخبائث، ومن الرجس النجس الخبيث المخبث، وهذه النجاسة تكون من الشرك والنفاق والفواحش والظلم ونحوها، وهي لا تزول إلا بالتوبة عن ترك الفاحشة وغيرها، فمن تاب منها فقد تطهر، وإلا فهو متنجس وإن اغتسل بالماء من الجنابة فذاك الغسل يرفع حدث الجنابة، ولا يرفع عنه نجاسة الفاحشة التي قد تنجس بها قلبه وباطنه، فإن تلك نجاسة لا يرفعها الاغتسال بالماء، وإنما يرفعها الاغتسال بماء التوبة النصوح المستمرة إلى الممات.

وهذا معني ما رواه ابن أبي الدنيا وغيره: ثنا سويد بن سعيد، ثنا مسلم بن خالد، عن إسماعيل بن كثير، عن مجاهد، قال: لو أن الذي يعمل يعني عمل قوم لوط اغتسل بكل قطرة في السماء وكل قطرة في الأرض لم يزل نجسًا. ورواه ابن الجوزي، وروي القاسم بن خلف [43] في كتاب ذم اللواط بإسناده عن الفضيل بن عياض أنه قال: لو أن لوطيا اغتسل بكل قطرة نزلت من السماء للقي الله غير طاهر. وقد روي أبو محمد الخلال عن العباس الهاشمي ذلك مرفوعًا. وحديث إبراهيم عن علقمة عن ابن مسعود: اللوطيان لو اغتسلا بماء البحر لم يجزهما إلا أن يتوبا، ورفع مثل هذا الكلام، وإنما هو معروف من كلام السلف.

وكذلك روي عن أبي هريرة وابن عباس قالا: خطبنا رسول الله ﷺ، فقال في خطبته: «من نكح امرأة في دبرها أو غلامًا أو رجلا حشر يوم القيامة أنتن من الجيفة يتأذى به الناس حتي يدخله الله نار جهنم، ويحبط الله عمله، ولا يقبل منه صرفًا ولا عدلا، ويجعل في تابوت من نار، ويسمر عليه بمسامير من حديد، فتشك تلك المسامير في وجهه وجسده» قال أبو هريرة: هذا لمن لم يتب، وذلك أن تارك اللواط متطهر كما دل عليه القرآن، ففاعله غير متطهر من ذلك فيكون متنجسًا، فإن ضد الطهارة النجاسة، لكن النجاسة أنواع مختلفة تختلف أحكامها.

ومن هاهنا غلط بعض الناس من الفقهاء، فإنهم لما رأوا ما دل عليه القرآن من طلب طهارة الجنب بقوله: { وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ } [44]، قالوا: فيكون الجنب نجسًا، وقد ثبت في الصحيح من حديث أبي هريرة: أن النبي ﷺ قال: «إن المؤمن لا ينجس». لما انخنس منه وهو جنب، وكره أن يجالسه، فهذه النجاسة التي نفاها النبي ﷺ هي نجاسة الطهارة بالماء التي ظنها أبو هريرة، والجنابة تمنع الملائكة أن تدخل بيتًا فيه جنب، وقال أحمد: إذا وضع الجنب يده في ماء قليل أنجس الماء، فظن بعض أصحابه أنه أراد النجاسة الحسية، وإنما أراد الحكمية، فإن الفرع لا يكون أقوي من الأصل، ولا يكون الماء أعظم من البدن، بل غايته أن يقوم به المانع الذي قام بالبدن، والجنب ظاهره ممنوع من الصلاة، فيكون الماء كذلك طاهرًا لا يتوضأ به للصلاة.

وأما الزكاة فهي متضمنة النماء والزيادة كالزرع، وإن كانت الطهارة قد تدخل في معناها، فإن الشيء إذا تنظف مما يفسده زكي ونما وصلح وزاد في نفسه، كالزرع ينقي من الدغل، قال الله تعالى: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُزَكِّي مَن يَشَاء } [45]، { قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ } [46]، وقال: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [47]، وقال: { فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ } [48]، فإن الرجوع عمل صالح يزيد المؤمن زكاة وطهارة، وقال: { ذَلِكُمْ أَطْهَرُ لِقُلُوبِكُمْ وَقُلُوبِهِنَّ } [49]، فإن ذلك مجانبة لأسباب الريبة، وذلك من نوع مجانبة الذنوب والبعد عنها ومباعدتها، فأخبر أن ذلك أطهر لقلوب الطائفتين.

وأما الآية التي نحن فيها وهي قوله: { قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا فُرُوجَهُمْ ذَلِكَ أَزْكَى لَهُمْ } [50] فالغض من البصر وحفظ الفرج يتضمن البعد عن نجاسة الذنوب، ويتضمن الأعمال الصالحة التي يزكو بها الإنسان، وهو أزكى، والزكاة تتضمن الطهارة؛ فإن فيها معنى ترك السيئات ومعنى فعل الحسنات؛ ولهذا تفسر تارة بالطهارة وتارة بالزيادة والنماء، ومعناها يتضمن الأمرين، وإن كان قرن الطهارة معها في الذكر مثل قوله: { خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً تُطَهِّرُهُمْ وَتُزَكِّيهِم بِهَا } [51]، فالصدقة توجب الطهارة من الذنوب، وتوجب الزكاة التي هي العمل الصالح، كما أن الغض من البصر وحفظ الفرج هو أزكى لهم، وهما يكونان باجتناب الذنوب وحفظ الجوارح، ويكونان بالتوبة والصدقة التي هي الإحسان، وهذان هما التقوى والإحسان و { إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَواْ وَّالَّذِينَ هُم مُّحْسِنُونَ } [52].

وقد روى الترمذي وصححه أن النبي ﷺ سُئِلَ: ما أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: «الأجوفان: الفم والفرج»، وسُئِلَ عن أكثر ما يدخل الناس الجنة؟ فقال: «تقوى الله وحسن الخلق» فيدخل في تقوى الله حفظ الفرج وغض البصر، ويدخل في حسن الخلق الإحسان إلى الخلق والامتناع من إيذائهم، وذلك يحتاج إلى الصبر، والإحسان إلى الخلق يكون عن الرحمة، والله تعالى يقول: { وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ وَتَوَاصَوْا بِالْمَرْحَمَةِ } [53].

وهو سبحانه ذكر الزكاة هنا، كما قدمها في قوله: { وَلَوْلَا فَضْلُ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ مَا زَكَا مِنكُم مِّنْ أَحَدٍ أَبَدًا } [54]، فإن اجتناب الذنوب يوجب الزكاة التي هي زوال الشر وحصول الخير، والمفلحون: هم الذين أدوا الواجبات وتركوا المحرمات، كما وصفهم في أول سورة البقرة فقال: { الم ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ } الآيات [55]، وقال: { قَدْ أَفْلَحَ مَن زَكَّاهَا } [56]، فإذا كان قد أخبر أن هؤلاء مفلحون، وأخبر أن المفلحين هم المتقون: { الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنفِقُونَ } [57]، وأخبر أن من زَكَّى نفسه فهو مفلح؛ دل ذلك على أن الزكاة تنتظم الأمور المذكورة في أول سورة البقرة.

وقوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُزَكُّونَ أَنفُسَهُمْ } [58]، وقوله: { فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [59]، فالتزكية من العباد لأنفسهم هي إخبارهم عن أنفسهم بكونها زاكية واعتقاد ذلك؛ لأنفس جعلها زاكية، وقال تعالى عن إبراهيم: { رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ } [60]، وقال: { لَقَدْ مَنَّ اللهُ عَلَى الْمُؤمِنِينَ } الآية [61]، وقال: { هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ } الآية [62]، فامتن سبحانه على العباد بإرساله في عدة مواضع، فهذه أربعة أمور أرسله بها: تلاوة آياته عليهم، وتزكيتهم، وتعليمهم الكتاب والحكمة.

وقد أفرد تعليمه الكتاب والحكمة بالذكر مثل قوله: { وَمَا أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّنَ الْكِتَابِ وَالْحِكْمَةِ يَعِظُكُم بِهِ } [63]، وقوله: { وَاذْكُرْنَ مَا يُتْلَى فِي بُيُوتِكُنَّ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ وَالْحِكْمَةِ } [64]، وذلك أن التلاوة عليهم وتزكيتهم أمر عام لجميع المؤمنين؛ فإن التلاوة هي تبليغ كلامه تعالى إليهم وهذا لابد منه لكل مؤمن، وتزكيتهم هو جعل أنفسهم زكية بالعمل الصالح الناشئ عن الآيات التي سمعوها وتليت عليهم، فالأول سمعهم، والثاني طاعتهم، والمؤمنون يقولون: سمعنا وأطعنا. الأول علمهم والثاني عملهم، والإيمان قول وعمل، فإذا سمعوا آيات الله وعوها بقلوبهم وأحبوها وعملوا بها، ولم يكونوا كمن قال فيهم: { وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُواْ كَمَثَلِ الَّذِي يَنْعِقُ بِمَا لاَ يَسْمَعُ إِلاَّ دُعَاء وَنِدَاء صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لاَ يَعْقِلُونَ } [65]، وإذا عملوا بها زكوا بذلك وكانوا من المفلحين المؤمنين.

والله قال: { يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ } [66]، وقال في ضدهم: { الأَعْرَابُ أَشَدُّ كُفْرًا وَنِفَاقًا وَأَجْدَرُ أَلاَّ يَعْلَمُواْ حُدُودَ مَا أَنزَلَ اللهُ عَلَى رَسُولِهِ } [67]، فأخبر أنهم أعظم كفرًا ونفاقًا وجهلا وذلك ضد الإيمان والعلم، فاستماع آيات الله والتزكى بها أمر واجب على كل أحد، فإنه لابد لكل عبد من سماع رسالة سيده التي أرسل بها رسوله إليه، وهذا هو السماع الواجب الذي هو أصل الإيمان، ولابد من التزكى بفعل المأمور وترك المحظور، فهذان لابد منهما.

وأما العلم بالكتاب والحكمة فهو فرض على الكفاية، لا يجب على كل أحد بعينه أن يكون عالمًا بالكتاب: لفظه ومعناه، عالمًا بالحكمة جميعها، بل المؤمنون كلهم مخاطبون بذلك وهو واجب عليهم، كما هم مخاطبون بالجهاد، بل وجوب ذلك أسبق وأوكد من وجوب الجهاد، فإنه أصل الجهاد، ولولاه لم يعرفوا علام يقاتلون؛ ولهذا كان قيام الرسول والمؤمنين بذلك قبل قيامهم بالجهاد، فالجهاد سنام الدين، وفرعه وتمامه، وهذا أصله وأساسه وعموده ورأسه، ومقصود الرسالة فعل الواجبات والمستحبات جميعًا، ولا ريب أن استماع كتاب الله والإيمان به وتحريم حرامه وتحليل حلاله. والعمل بمحكمه والإيمان بمتشابهه واجب على كل أحد، وهذا هو التلاوة المذكورة في: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [68]، فأخبر عن الذين يتلونه حق تلاوته أنهم يؤمنون به، وبه قال سلف الأمة من الصحابة والتابعين وغيرهم، وقوله: { حَقَّ تِلاَوَتِهِ } كقوله: { وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ } [69]، و { اتَّقُواْ اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ } [70].

وأما حفظ جميع القرآن وفهم جميع معانيه ومعرفة جميع السنة فلا يجب على كل أحد، لكن يجب على العبد أن يحفظ من القرآن ويعلم معانيه ويعرف من السنة ما يحتاج إليه، وهل يجب عليه أن يسمع جميع القرآن؟ فيه خلاف، ولكن هذه المعرفة الحكمية التي تجب على كل عبد ليس هو علم الكتاب والحكمة التي علمها النبي ﷺ أصحابه وأمته، بل ذلك لا يكون إلا بمعرفة حدود ما أنزل الله على رسوله من الألفاظ والمعانى والأفعال والمقاصد، ولا يجب هذا على كل أحد.

وقوله تعالى: { فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى } [71]، دليل على أن الزكاة هي التقوى، والتقوى تنتظم الأمرين جميعًا، بل ترك السيئات مستلزم لفعل الحسنات؛ إذ الإنسان حارث هُمَام، ولا يدع إرادة السىئات وفعلها إلا بإرادة الحسنات وفعلها، إذ النفس لا تخلو عن الإرادتين جميعًا، بل الإنسان بالطبع مريد فعال، وهذا دليل على أن هذا يكون سببه الزكاة والتقوى التي بها يستحق الإنسان الجنة، كما في صحيح البخاري عن النبي ﷺ أنه قال: «من تكفل لي بحفظ ما بين لحييه ورجليه أتكفل له بالجنة».

ومن تزكى فقد أفلح فيدخل الجنة، والزكاة متضمنة حصول الخير وزوال الشر، فإذا حصل الخير وزال الشر من العلم والعمل حصل له نور وهدى ومعرفة وغير ذلك، والعمل يحصل له محبة وإنابة وخشية وغير ذلك. هذا لمن ترك هذه المحظورات وأتى بالمأمورات ويحصل له ذلك أيضا قدرة وسلطانًا، وهذه صفات الكمال: العلم، والعمل، والقدرة، وحسن الإرادة، وقد جاءت الآثار بذلك، وأنه يحصل لمن غض بصره نور في قلبه ومحبة، كما جرب ذلك العالمون العاملون. وفى مسند أحمد حدثنا عَتَّابَ عن عبد الله وهو ابن المبارك أنا يحيى بن أيوب، عن عبيد الله بن زَحْر، عن على بن يزيد، عن القاسم، عن أبى أمامة، عن النبي ﷺ قال: «ما من مسلم ينظر إلى محاسن امرأة ثم يغض بصره إلا أخلف الله له عبادة يجد حلاوتها».

ورواه أبو بكر ابن الأنبارى في أماليه من حديث ابن أبى مريم، عن يحيى بن أيوب به، ولفظه: «من نظر إلى امرأة فغض بصره عند أول دفعة رزقه الله عبادة يجد حلاوتها». وقد رواه أبو نعيم في الحلية: حدثنا أبى، حدثنا إبراهيم بن محمد بن الحسن، حدثنا محمد ابن يعقوب: قال: حدثنا أبو اليمان، حدثنا أبو مهدى سعيد بن سنان، عن أبى الزاهِرَّية، عن كُثَير بن مُرَّةَ، عن ابن عمر قال: قال رسول الله ﷺ: «النظرة الأولى خطأ، والثانية عمد، والثالثة تدمر، نظر المؤمن إلى محاسن المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه خشية الله ورجاء ما عنده أثابه الله تعالى بذلك عبادة تبلغه لذتها»، رواه أبو جعفر الخرائطي في كتاب اعتلال القلوب ثنا على بن حرب، ثنا إسحاق بن عبد الواحد، ثنا هُشَىْم، ثنا عبد الرحمن بن إسحاق، عن مُحِارب بن دِثار، عن جَبَلة، عن حذيفة بن اليمان قال: قال رسول الله ﷺ: «النظر إلى المرأة سهم مسموم من سهام إبليس، من تركه خوفًا من الله أثابه الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه».

وقد رواه أبو محمد الخَلاَّل من حديث عبد الرحمن بن إسحاق، عن النعمان بن سعد، عن على، وفيه ذكر السهم. ورواه أبو نعيم: ثنا عبد الله بن محمد هو أبو الشيخ ثنا ابن عفير، قال: ثنا شعيب بن سلمة، ثنا عصمة بن محمد، عن موسى يعنى ابن عقبة عن القاسم بن محمد، عن عائشة قالت: قال رسول الله ﷺ: «ما من عبد يَكُفُّ بصره عن محاسن امرأة ولو شاء أن ينظر إليها لنظر إلا أدخل الله قلبه عبادة يجد حلاوتها»، وروى ابن أبى الفوارس من طريق ابن الجوزى، عن محمد بن المُسَيَّب، ثنا عبد الله، قال: حدثني الحسن، عن مجاهد قال: غض البصر عن محارم الله يورث حب الله. وقد روى مسلم في صحيحه من حديث يونس بن عبيد، عن عمرو بن سعيد، عن أبى زُرْعَة بن عمرو بن جرير، عن جده جرير بن عبد الله البجلى قال: سألت رسول الله ﷺ عن نظر الفجأة فأمرنى أن أصرف بصرى. ورواه الإمام أحمد، عن هشيم، عن يونس به، ورواه أبو داود والترمذي والنسائي من حديثه أيضا وقال الترمذي: حسن صحيح. وفى رواية قال: «أطرق بصرك»، أي: انظر إلى الأرض، والصرف أعم، فإنه قد يكون إلى الأرض أو إلى جهة أخرى.

وقال أبو داود: حدثنا إسماعيل بن موسى الفزارى، حدثنا شَرِيك، عن ربيعة الإيادي، عن عبد الله بن بَرِيدة، عن أبيه قال: قال رسول الله ﷺ لعلي: «يا علي، لا تتبع النظرة النظرة. فإن لك الأولى وليست لك الأخرى» ورواه الترمذي من حديث شَرِيك، وقال: غريب لا نعرفه إلا من حديثه، وفى الصحيح عن أبى سعيد قال: قال رسول الله ﷺ: «إياكم والجلوس على الطرقات»، قالوا: يا رسول الله، ما لنا بد من مجالسنا نقعد فيها، فقال رسول الله ﷺ: «إن أبيتم فأعطوا الطريق حقه»، قالوا: وما حق الطريق يا رسول الله؟ قال: «غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف والنهى عن المنكر»، وروى أبو القاسم البغوى عن أبى أمامة قال: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اكفلوا لي ستًا أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف. غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم».

فالنظر داعية إلى فساد القلب. قال بعض السلف: النظر سهم سم إلى القلب؛ فلهذا أمر الله بحفظ الفروج، كما أمر بغض الأبصار التي هي بواعث إلى ذلك، وفى الطبرانى من طريق عبيد الله بن يزيد عن القاسم عن أبى أمامة مرفوعًا: «لتغضن أبصاركم، ولتحفظن فروجكم، ولتقيمن وجوهكم، أو لتكسفن وجوهكم»، وقال الطبرانى: حدثنا أحمد بن زهير التسترى، قال: قرأنا على محمد بن حفص بن عمر الضرير المقرى: حدثنا يحيى بن أبى كثير، حدثنا هزيم بن سفيان عن عبد الرحمن بن إسحاق، عن القاسم بن عبد الرحمن، عن أبيه، عن ابن مسعود قال: قال رسول الله ﷺ: «إن النظر سهم من سهام إبليس مسموم، فمن تركه من مخافة الله أبدله الله إيمانًا يجد حلاوته في قلبه»، وفى حديث أبى هريرة الصحيح عن النبي ﷺ: «زنا العينين النظر»، وذكر الحديث رواه البخاري تعليقًا ومسلم مسندًا، وقد كانوا ينهون أن يحد الرجل بصره إلى المردان، وكانوا يتهمون مَنْ فعل ذلك في دينه.

وقد ذهب كثير من العلماء إلى أنه لا يجوز للمرأة أن تنظر إلى الأجانب من الرجال بشهوة ولا بغير شهوة أصلا.

قال شيخ الإسلام: وأما النور والعلم والحكمة، فقد دل عليه قوله تعالى في قصة يوسف: { وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ } [72]، فهى لكل محسن. وفى هذه السورة ذكر آية النور بعد غض البصر وحفظ الفرج، وأمره بالتوبة مما لا بد منه أن يدرك ابن آدم من ذلك. وقال أبو عبد الرحمن السلمى [73] سمعت أبا الحسين الوَرَّاق يقول: من غض بصره عن محرم أورثه الله بذلك حكمة على لسانه يهتدى بها، ويهدى بها إلى طريق مرضاته؛ وهذا لأن الجزاء من جنس العمل؛ فإذا كان النظر إلى محبوب فتركه لله عوضه الله ما هو أحب إليه منه، وإذا كان النظر بنور العين مكروهًا أو إلى مكروه فتركه لله، أعطاه الله نورًا في قلبه وبصرًا يبصر به الحق. قال شاه الكرمانى: من غَضَّ بصره عن المحارم، وعَمَّرَ باطنهِ بِدوام المراقبة، وظاهره باتباع السنة، وعَوَّدَ نفسه أكل الحلال، وكَفَّ نفسه عن الشهوات، لم تخطئ له فراسة. وإذا صَلُحَ علم الرجل فعرف الحق وعمله واتبع الحق، صار زكيًا تقيًا مستوجبًا للجنة.

ويؤيد ذلك حديث أبى أمامة المشهور من رواية البغوى: حدثنا طالوت بن عَبَّادُ، حدثنا فَضَالة بن جبير، سمعت أبا أمامة يقول: سمعت رسول الله ﷺ يقول: «اكفلوا لي بست أكفل لكم الجنة: إذا حدث أحدكم فلا يكذب، وإذا اؤتمن فلا يخن، وإذا وعد فلا يخلف، غضوا أبصاركم، وكفوا أيديكم، واحفظوا فروجكم». فقد كفل بالجنة لمن أتى بهذه الست خصال، فالثلاثة الأولى تبرئة من النفاق، والثلاثة الأخرى تبرئة من الفسوق، والمخاطبون مسلمون، فإذا لم يكن منافقًا كان مؤمنًا، وإذا لم يكن فاسقًا كان تقيًا فيستحق الجنة. ويوافق ذلك ما رواه ابن أبى الدنيا: حدثنا أبو سعيد المدنى، حدثني عمر بن سهل المازنى، قال: حدثني عمر بن محمد بن صُهْبَان، حدثني صفوان بن سُلَيم، عن أبى هريرة قال: قال رسول الله ﷺ: «كل عين باكية يوم القيامة إلا عينا غضت عن محارم الله، وعينا سهرت في سبيل الله، وعينا يخرج منها مثل رأس الذباب من خشية الله».

وقوله سبحانه: { وَلَا تَمُدَّنَّ عَيْنَيْكَ إِلَى مَا مَتَّعْنَا بِهِ أَزْوَاجًا مِّنْهُمْ زَهْرَةَ الْحَيَاةِ الدُّنيَا لِنَفْتِنَهُمْ فِيهِ } [74]، يتناول النظر إلى الأموال واللباس والصور وغير ذلك من متاع الدنيا: أما اللباس والصور فهما اللذان لا ينظر الله إليهما، كما في صحيح مسلم عن أبى هريرة عن النبي ﷺ قال: «إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أموالكم، وإنما ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم»، وقد قال تعالى: { وَكَمْ أَهْلَكْنَا قَبْلَهُم مِّن قَرْنٍ هُمْ أَحْسَنُ أَثَاثًا وَرِئْيًا } [75]، وذلك أن الله يمتع بالصور كما يمتع بالأموال، وكلاهما من زهرة الحياة الدنيا، وكلاهما يفتن أهله وأصحابه، وربما أفضى به إلى الهلاك دنيا وأخرى.

والهلكى رجلان: فمستطيع وعاجز، فالعاجز: مفتون بالنظر ومد العين إليه، والمستطيع: مفتون فيما أوتى منه، غارق قد أحاط به ما لا يستطيع إنقاذ نفسه منه. وهذا المنظور قد يعجب المؤمن وإن كان المنظور منافقًا أو فاسقًا كما يعجبه المسموع منهم، قال تعالى: { وَإِذَا رَأَيْتَهُمْ تُعْجِبُكَ أَجْسَامُهُمْ وَإِن يَقُولُوا تَسْمَعْ لِقَوْلِهِمْ كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ يَحْسَبُونَ كُلَّ صَيْحَةٍ عَلَيْهِمْ هُمُ الْعَدُوُّ فَاحْذَرْهُمْ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ } [76]، فهذا تحذير من الله تعالى من النظر إليهم واستماع قولهم، فلا ينظر إليهم ولا يسمع قولهم، فإن الله سبحانه قد أخبر أن رؤياهم تعجب الناظرين إليهم، وأن قولهم يعجب السامعين.

ثم أخبر عن فساد قلوبهم وأعمالهم بقوله: { كَأَنَّهُمْ خُشُبٌ مُّسَنَّدَةٌ } ، فهذا مثل قلوبهم وأعمالهم، وقال تعالى: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يُعْجِبُكَ قَوْلُهُ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا } الآية [77]، وقد قال تعالى في قصة قوم لوط: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } [78]، والتوسم من السمة، وهى العلامة، فأخبر سبحانه أنه جعل عقوبات المعتدين آيات للمتوسمين. وفى الترمذي عن النبي ﷺ قال: «اتقوا فراسة المؤمن، فإنه ينظر بنور الله» ثم قرأ: { إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَاتٍ لِّلْمُتَوَسِّمِينَ } . فدل ذلك على أن من اعتبر بما عاقب الله به غيره من أهل الفواحش كان من المتوسمين.

وأخبر تعالى عن اللوطية أنه طمس أبصارهم، فكانت عقوبة أهل الفواحش طمس الأبصار، كما قد عرف ذلك فيهم وشوهد منهم، وكان ثواب المعتبرين بهم التاركين لأفعالهم إعطاء الأنوار، وهذا مناسب لذكر آية النور عقيب غض الأبصار. وأما القدرة والقوة التي يعطيها الله لمن اتقاه وخالف هواه فذلك حاصل معروف، كما جاء: إن الذي يترك هواه يفرق الشيطان من ظله. وفى الصحيح أن النبي ﷺ قال: «ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب» وفى رواية: أنه مر بقوم يخذفون حجرًا، فقال: «ليس الشدة في هذا، وإنما الشدة في أن يمتلئ أحدكم غيظًا ثم يكظمه لله» أو كما قال.

وهذا ذكره في الغضب؛ لأنه معتاد لبنى آدم كثيرًا، ويظهر للناس. وسلطان الشهوة يكون في الغالب مستورًا عن أعين الناس، وشيطانها خاف، ويمكن في كثير من الأوقات الاعتياض بالحلال عن الحرام، وإلا فالشهوة إذا اشتعلت واستولت قد تكون أقوى من الغضب، وقد قال تعالى: { وَخُلِقَ الإِنسَانُ ضَعِيفًا } [79]، أي: ضعيفا عن النساء لا يصبر عنهن، وفى قوله { رَبَّنَا وَلاَ تُحَمِّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ } [80]، ذكروا منه العشق، والعشق يفضى بأهله إلى الأمراض والإهلاك، وإن كان الغضب قد يبلغ ذلك أيضا وقد دل القرآن على أن القوة والعزة لأهل الطاعة التائبين إلى الله في مواضع كثيرة، كقوله في سورة هود: { وَيَا قَوْمِ اسْتَغْفِرُواْ رَبَّكُمْ ثُمَّ تُوبُواْ إِلَيْهِ يُرْسِلِ السَّمَاء عَلَيْكُم مِّدْرَارًا وَيَزِدْكُمْ قُوَّةً إِلَى قُوَّتِكُمْ } [81]، وقوله: { وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ } [82]، { وَلاَ تَهِنُوا وَلاَ تَحْزَنُوا وَأَنتُمُ الأَعْلَوْنَ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ } [83].

وإذا كان الذي قد يهجر السيئات يغض بصره ويحفظ فرجه وغير ذلك مما نهى الله عنه، يجعل الله له من النور والعلم والقوة والعزة ومحبة الله ورسوله، فما ظنك بالذي لم يَحُمْ حول السيئات، ولم يُعِرْها طرفه قط ولم تحدثه نفسه بها؟ بل هو يجاهد في سبيل الله أهلها ليتركوا السيئات فهل هذا وذاك سواء؟ بل هذا له من النور والإيمان والعزة والقوة والمحبة والسلطان والنجاة في الدنيا والآخرة أضعاف أضعاف ذاك، وحاله أعظم وأعلى، ونوره أتم وأقوى، فإن السيئات تهواها النفوس، ويزينها الشيطان، فتجتمع فيها الشبهات والشهوات.

فإذا كان المؤمن قد حبب الله إليه الإيمان وزينه في قلبه، وكَرَّه إليه الكفر والفسوق والعصيان حتى يعوض عن شهوات الغى بحب الله ورسوله وما يتبع ذلك، وعن الشهوات والشبهات بالنور والهدى، وأعطاه الله من القوة والقدرة ما أيده به، حيث دفع بالعلم الجهل، وبإرادة الحسنات إرادة السيئات، وبالقوة على الخير القوة على الشر في نفسه فقط، والمجاهد في سبيل الله يطلب فعل ذلك في نفسه وغيره أيضا حتى يدفع جهله بالظلم، وإرادته السيئات بإرادة الحسنات ونحو ذلك.

والجهاد تمام الإيمان وسنام العمل، كما قال تعالى: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [84]، وقال: { كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ } الآية [85]، وقال: { أَجَعَلْتُمْ سِقَايَةَ الْحَاجِّ } الآية [86]، فكذلك يكون هذا الجزاء في حق المجاهدين، كما قال تعالى: { وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا } [87]، فهذا في العلم والنور، وقال: { وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ } إلى قوله: { صِرَاطًا مُّسْتَقِيمًا } [88]، فقتل النفوس هو قتل بعضهم بعضًا، وهو من الجهاد، والخروج من ديارهم هو الهجرة، ثم أخبر أنهم إذا فعلوا ما يوعظون به من الهجرة والجهاد كان خيرًا لهم وأشد تثبيتًا، ففى الآية أربعة أمور: الخير المطلق، والتثبيت المتضمن للقوة والمكنة، والأجر العظيم، وهداية الصراط المستقيم. وقال تعالى: { إِن تَنصُرُوا اللَّهَ يَنصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ } [89]، وقال: { وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ } إلى قوله: { عَاقِبَةُ الْأُمُورِ } [90] وقال: { يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللهِ وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ } [91].

وأما أهل الفواحش الذين لا يغضون أبصارهم ولا يحفظون فروجهم، فقد وصفهم الله بضد ذلك: من السكرة، والعمه، والجهالة، وعدم العقل، وعدم الرشد، والبغض، وطمس الأبصار، هذا مع ما وصفهم به من الخبث، والفسوق، والعدوان، والإسراف، والسوء، والفحش، والفساد، والإجرام، فقال عن قوم لوط: { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ } [92]، فوصفهم بالجهل، وقال { لَعَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِي سَكْرَتِهِمْ يَعْمَهُونَ } [93]، وقال: { أَلَيْسَ مِنكُمْ رَجُلٌ رَّشِيدٌ } [94]، وقال: { فَطَمَسْنَا أَعْيُنَهُمْ } [95]، وقال: { بَلْ أَنتُمْ قَوْمٌ مُّسْرِفُونَ } [96]، وقال: { فَانظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ } [97]، وقال: { إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ } [98]، وقال: { أَئِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ وَتَقْطَعُونَ السَّبِيلَ وَتَأْتُونَ فِي نَادِيكُمُ الْمُنكَر } إلى قوله: { انصُرْنِي عَلَى الْقَوْمِ الْمُفْسِدِينَ } إلى قوله: { بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ } [99]، وقوله: { مُسَوَّمَةً عِندَ رَبِّكَ لِلْمُسْرِفِينَ } [100].

هامش

  1. [النور: 27 30]
  2. [النور: 58]
  3. [وقت القيلولة]
  4. [النور: 58]
  5. [السنانير: الهر، والأنثى سنورة]
  6. [النور: 30، 31]
  7. [هو عبيدة بن عمرو السلماني المرادي الكوفي، الفقيه، أسلم في عام فتح مكة بأرض إلى من، ولا صحبة له، برع في الفقه وكان ثبتًا في الحديث، وهاجر إلى المدينة في زمان عمر. وحضر كثيرًا من الوقائع، وكان يوازي شريحًا في القضاء توفي في سنة 72ه]
  8. [النور: 31]
  9. [اللكاع: المرأة اللئيمة]
  10. [النور: 60]
  11. [هو أبو على أحمد بن محمد بن القاسم بن منصور الروذباري، الزاهد المشهور الشافعي، كان فقيهًا نحويا حافظًا للأحاديث، له تصانيف كثيرة، وأصله من بغداد، وسكن بمصر، توفي سنة 322ه]
  12. [النور: 30]
  13. [النحل: 81]
  14. [النحل: 81]
  15. [الأعراف: 33]
  16. [الأنعام: 151]
  17. [الأعراف: 80]
  18. [النمل: 54]
  19. [الإسراء: 32]
  20. [الأعراف: 28]
  21. [الأعراف: 33]
  22. [النساء: 22]
  23. [الأعراف: 33]
  24. [النور: 30]
  25. [المؤمنون: 5، 6]
  26. [الأحزاب: 35]
  27. [التوبة: 112]
  28. [الحجرات: 3]
  29. [لقمان: 19]
  30. [البلد: 8، 9]
  31. [البقرة: 232]
  32. [التوبة: 103]
  33. [الأحزاب: 33]
  34. [النور: 28]
  35. [الأحزاب: 53]
  36. [المجادلة: 12]
  37. [التوبة: 28]
  38. [الحج: 03]
  39. [المائدة: 90]
  40. [التوبة: 95]
  41. [الأنبياء: 74]
  42. [الأعراف: 82]
  43. [هو أبو عبيد قاسم بن خلف بن فتح بن عبد الله بن جبير، قاضٍٍ أندلسي، من علماء المالكية، ولد وتفقه في قرطبة، ولي قضاء بلنسية وطرطوسة زمانًا، له كتاب في التوسط بين مالك وابن القاسم فيما خالف به ابن القاسم مالكًا، ولد سنة 312، وتوفي سجينًا سنة 378ه]
  44. [المائدة: 6]
  45. [النور: 21]
  46. [الكهف: 74]
  47. [الشمس: 9]
  48. [النور: 28]
  49. [الأحزاب: 53]
  50. [النور: 30]
  51. [التوبة: 103]
  52. [النحل: 128]
  53. [البلد: 17]
  54. [النور: 21]
  55. [البقرة: 1، 2]
  56. [الشمس: 9]
  57. [البقرة: 3]
  58. [النساء: 49]
  59. [النجم: 32]
  60. [البقرة: 129]
  61. [آل عمران: 164]
  62. [الجمعة: 2]
  63. [البقرة: 231]
  64. [الأحزاب: 34]
  65. [البقرة: 171]
  66. [المجادلة: 11]
  67. [التوبة: 97]
  68. [البقرة: 121]
  69. [الحج: 78]
  70. [آل عمران: 102]
  71. [النجم: 32]
  72. [يوسف: 22]
  73. [هو أبو عبد الرحمن بن الحسين بن محمد بن موسى الأزدي السلمى النيسابورى، من علماء المتصوفة. إمام حافظ محدث شيخ خراسان، بلغت تصانيفه مائة أو أكثر، منها: حقائق التفسير وطبقات الصوفية وغيرها، ولد سنة 325ه، ومات في شهر شعبان سنة 412 ه، وكانت جنازته مشهودة]
  74. [طه: 131]
  75. [مريم: 74]
  76. [المنافقون: 4]
  77. [البقرة: 204]
  78. [الحجر: 75]
  79. [النساء: 28]
  80. [البقرة: 286]
  81. [هود: 52]
  82. [المنافقون: 8]
  83. [آل عمران: 139]
  84. [الحجرات: 15]
  85. [آل عمران: 110]
  86. [التوبة: 19]
  87. [العنكبوت: 69]
  88. [النساء: 66 68]
  89. [محمد: 7]
  90. [الحج: 40، 41]
  91. [المائدة: 54]
  92. [النمل: 55]
  93. [الحجر: 72]
  94. [هود: 78]
  95. [القمر: 37]
  96. [الأعراف: 81]
  97. [النمل: 69]
  98. [الأنبياء: 74]
  99. [العنكبوت: 29 34]
  100. [الذاريات: 34]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق