مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه
ابن تيمية

فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه[عدل]

وأما من قال: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } [1]: إنه محمد صلي الله عليه وسلم، كما قاله طائفة من السلف، فقد يريدون بذلك التمثيل لا التخصيص، فإن المفسرين كثيرًا ما يريدون ذلك، ومحمد هو أول من كان على بينة من ربه، وتلاه شاهد منه، وكذلك الأنبياء، وهو أفضلهم وإمامهم، والمؤمنون تبع له، وبه صاروا على بينة من ربهم.

والخطاب قد يكون لفظه له ومعناه عام، كقوله: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ } [2]، { لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ } [3]، { فَإِذَا فَرَغْتَ فَانصَبْ } [4]، { قُلْ إِن ضَلَلْتُ فَإِنَّمَا أَضِلُّ عَلَى نَفْسِي } [5]، ونحو ذلك، وذلك أن الأصل فيما خوطب به النبي صلي الله عليه وسلم في كل ما أمر به ونهي عنه وأبيح له سار في حق أمته كمشاركة أمته له في الأحكام وغيرها، حتي يقوم دليل التخصيص، فما ثبت في حقه من الأحكام ثبت في حق الأمة إذا لم يخصص، هذا مذهب السلف والفقهاء، ودلائل ذلك كثيرة كقوله: { فَلَمَّا قَضَى زَيْدٌ مِّنْهَا وَطَرًا زَوَّجْنَاكَهَا } الآية [6]، ولما أباح له الموهوبة قال: { خَالِصَةً لَّكَ مِن دُونِ الْمُؤْمِنِينَ } الآية [7].

فإذا كان هذا مع كون الصيغة خاصة فكيف تجعل الصيغة العامة له وللمؤمنين مختصة به؟ ولفظ { مّن }: أبلغ صيغ العموم، لاسيما إذا كانت شرطًا أو استفهامًا، كقوله: { فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَه } [8]، وقوله: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا } [9]، وقوله { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } [10]، وقوله: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } [11].

وأيضا، فقد ذكر بعد ذلك قوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [12]، وذكر بعد هذا: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ } [13]، وقد تقدم قبل هذا ذكر الفريقين، وقوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } إشارة إلى جماعة، ولم يقدم قبل هذا ما يصلح أن يكون مشارًا إليه إلا { من }، والضمير يعود تارة إلى لفظ: { من }، وتارة إلى معناها، كقوله: { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ } [14]، { وَمِنْهُم مَّن يَسْتَمِعُونَ إِلَيْكَ } [15]، { وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتَ مِن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى } [16]، { مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً } الآية [17].

وأما الإشارة إلى معناها فهو أظهر من الضمير، فقوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } [18]: دليل على أن الذي على بينة من ربه كثيرون لا واحد، قال ابن أبي حاتم: ثنا عامر بن صالح عن أبيه عن الحسن البصري: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } . قال: المؤمن على بينة من ربه، وهذا الذي قاله الحسن البصري هو الصواب، والرسول هو أول المؤمنين، كما قال: { وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [19].

ومن قال: إن الشاهد من الله هو محمد كما رواه ابن أبي حاتم، ثنا الأشَجُّ، ثنا أبو أسامة، عن عوف، عن سليمان الفلاني، عن الحسين بن علي: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } يعني: محمدا شاهدًا من الله، فهنا معنى كونه شاهدًا من الله هو معنى كونه رسول الله، وهو يشهد المؤمنين بأنهم على حق، وإن كان يشهد لنفسه بأنه رسول الله فشهادته لنفسه معلومة، قد علم أنه صادق فيها بالبراهين الدالة على نبوته، وأما شهادته للمؤمنين فهو أنها إنما تعلم من جهته بما بَلَغَه من القرآن، ويخبر به عن ربه، فهو إذا شهد كان شاهدًا من الله.

وأما شهادته عليهم بالإيمان والتصديق وغير ذلك، فكما في قوله: { فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا } [20]، { وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا } [21]، لكن من قال هذا فقد يريد بالبينة القرآن، فإن المؤمن متبع للقرآن، ومحمد شاهد من الله يتلوه كما تلاه جبريل.

ومن قال: إن الشاهد لسان محمد فهو إنما أراد بهذا القول التلاوة أي: أن لسان محمد يقرأ القرآن، وهو شاهد منه أي من نفسه فإن لسانه جزء منه، وهذا القول ونحوه ضعيف، والله أعلم. هذا إن ثبت ذلك عمن نقل عنه، فإن هذا وضده ينقلان عن على بن أبي طالب.

وذلك أن طائفة من جُهَّال الشيعة ظنوا أن عليا هو الشاهد منه، أي من النبي صلي الله عليه وسلم، كما قال له: «أنت مني وأنا منك».

وهذا قاله لغيره أيضا فقد ثبت في الصحيحين أنه قال: «الأشعريون هم مني وأنا منهم»، وقال عن جُلَيبِيبِ: «هذا مني وأنا منه»، وكل مؤمن هو من النبي ﷺ، كما قال الخليل: { فَمَن تَبِعَنِي فَإِنَّهُ مِنِّي } [22]، وقال: { وَمَن لَّمْ يَطْعَمْهُ فَإِنَّهُ مِنِّي } [23]، ورووا هذا القول عن على نفسه، وروي عنه بإسناد أجود منه أنه قال: كذب من قال هذا، قال ابن أبي حاتم: ذكر عن حسين بن زيد الطَّحَّان، ثنا إسحاق ابن منصور، ثنا سفيان، عن الأعمش، عن المِنْهَالِ، عن عبَّاد بن عبد الله قال: قال علي: ما من قريش أحد إلا نزلت فيه آية، قيل: فما أنزل فيك؟ قال: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ } وهذا كذب على على قطعًا. وإن ثبت النقل عن عباد هذا، فإن له منكرات عنه، كقوله: أنا الصديق الأكبر، أسلمت قبل الناس بسبع سنين.

وقد رووا عن على ما يعارض ذلك، قال ابن أبي حاتم، ثنا أبي، ثنا عمرو بن على البَاهِلِي، ثنا محمد بن شِوَاص، ثنا سعيد بن أبي عَرُوبَة، عن قتادة، عن عُرْوَة، عن محمد ابن على يعني ابن الحنفية قال: قلت لأبي: يا أبة { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } : إن الناس يقولون: إنك أنت هو، قال: وددت لو أني أنا هو. ولكنه لسانه. قال ابن أبي حاتم: وروي عن الحسن وقتادة نحو ذلك.

قلت: وقد تقدم عن الحسين ابنه أن «الشاهد منه»: هو محمد صلي الله عليه وسلم، وإنما تكلم علماء أهل البيت في أنه محمد ردًا على من قال من الجهلة: إنه علي؛ فإن هذه السورة نزلت بمكة، وعلى كان إذ ذاك صغيرًا لم يبلغ. وكان ممن اتبع الرسول ولو كان ابن رسول الله ليس ابن عمه لم تكن شهادته تنفع. لا عند المسلمين ولا عند الكفار، بل مثل هذه الشهادة فيها تهمة القرابة.

ولهذا كان أكثر العلماء على أن شهادة الوالد وشهادة الولد لوالده لا تقبل، فكيف يجعل مثل هذا حجة لنبوة محمد صلي الله عليه وسلم مؤكدًا لها؟ ولذلك قالوا في قوله تعالى: { وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } [24]، أنه علي، وهم مع كذبهم هم أجهل الناس، فإنهم نسبوا الله والرسول إلى الاحتجاج بما لا يحتج به إلا جاهل، فأرادوا تعظيم علي، فنسبوا الله والرسول إلى الجهل، وعلى إنما فضيلته باتباعه للرسول، فإذا قدح في الأصل بطل الفرع.

وأما قول من قال من المفسرين: إن الشاهد جبريل عليه السلام فقد روي ذلك عكرمة عن ابن عباس، ذكره ابن أبي حاتم عنه، وعن أبي العالية، وأبي صالح، ومجاهد في إحدى الروايات عنه، وإبراهيم، وعكرمة، والضَّحَّاك، وعطاء الخُرَاسَاِني نحو ذلك. وهؤلاء جعلوا { وَيَتْلُوهُ }: بمعني: يقرأه، أي: ويتلو القرآن الذي هو البينة، شاهد من الله هو، وقيل: بل معنى قولهم: إن القرآن يتلوه جبريل هو شاهد محمد صلي الله عليه وسلم، أي: الذي يتلوه جاء من عند الله.

وقد تقدم بيان ضعف هذا القول، فإن كل من فسر يتلوه بمعنى يقرؤه، جعل الضمير فيه عائدًا إلى القرآن، وجعل الشاهد غير القرآن.

والقرآن لم يتقدم له ذكر، إنما قال: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } [25] والبينة لا يجوز أن يكون تفسيرها بحفظ القرآن، فإن المؤمنين كلهم على بينة من ربهم وإن لم يحفظوا القرآن، بخلاف البصيرة في الدين، فإنه من لم يكن على بصيرة من ربه لم يكن مؤمنًا حقًا، بل من القائلين لمنكر ونكير: آه آه لا أدري، سمعت الناس يقولون شيئًا فقلته.

والقرآن إنما مدح من كان على بينة من ربه، فهو على هدي ونور وبصيرة، سواء حفظ القرآن أو لم يحفظه، وإن أريد اتباع القرآن فهو الإيمان، وأكثر القرآن لم يكن نزل حين نزول هذه الآية، وقد تقدم إنما يختص به جبريل ومحمد، فهو تبليغ الرسالة عن الله وصدقهما في ذلك.

وأما كون رسالة الله حقًا فهذا هو المشهود به من كل رسول، وهما لا يختصان بذلك بل يؤمنان به كما يؤمن بذلك كل ملك وكل مؤمن، وشهادتهما بأن النبي والمؤمنين على حق من هذا الوجه الثاني المشترك، ولو قال: ويبلغه وينزل به رسول من الله لكان ما قالوه متوجهًا، كما قال: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ } [26]، { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [27]، { فَإِنَّهُ نَزَّلَهُ عَلَى قَلْبِكَ بِإِذْنِ اللهِ } [28]. أما كونه شاهدًا يقرؤه فهذا لا نظير له في القرآن.

وأيضا، فالشاهد الذي هو من الله هو الكلام، فإن الكلام نزل منه كما يعلمون أنه منزل من ربك بالحق، ويقال في الرسول: إنه منه، كما قال: رسول من الله، ويقَال في الشخص: الشاهد، فيقال فيه: هو من شهداء الله، وإما كونه يقال فيه: شاهد من الله إنها برهان من الله، وآيات من الله في الآيات التي يخلقها الله تصديقًا لرسوله: فهذا يحتاج استعماله إلى شاهد.

والقرآن نزل بلغة قريش الموجودة في القرآن، فإنها تُفَسَّر بلغته المعروفة فيه، إذا وجدت لا يعدل عن لغته المعروفة مع وجودها، وإنما يحتاج إلى غير لغته في لفظ لم يوجد له نظير في القرآن، كقوله: { وَيْكَأَنَّ اللَّهَ } [29]، { وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ } [30]، { وَكَأْسًا دِهَاقًا } [31]، { وَفَاكِهَةً وَأَبًّا } [32]، و { قِسْمَةٌ ضِيزَى } [33]، ونحو ذلك من الألفاظ الغريبة في القرآن. والذين قالوا هذه الأقوال، إنما أتوا من جهة قوله: { وَيَتْلُوهُ } فظنوا أن تلاوته هي قراءته، ولم يتقدم للقرآن ذكر، ثم جعل هذا يقول: جبريل تلاه، وهذا يقول: محمد، وهذا يقول: لسانه. والتلاوة قد وجدت في القرآن واللغة المشهورة بمعنى الاتباع. وكثير من المفسرين لا يذكر في هذه الآية القول الصحيح، فيبقي الناظر الفطن حائرًا، ولم يذكر في الذي على بَينةِ من ربه إلا أنه الرسول، ويذكر في الشاهد عدة أقوال.

ثم من العجب أنه يقول: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ } أولئك أصحاب محمد.

وقيل: المراد الذين أسلموا من أهل الكتاب، وهو على ما فسره لم يتقدم لهم ذكر، فكيف يشار إليهم بقوله: { يُؤْمِنُونَ بِهِ } وأبو الفرج ذكر قولا: أنهم المسلمون، ولم يذكر أن الآية تعم النبي والمؤمنين، ولما ذكر قول من قال: إنهم المسلمون قال: وهذا يخرج على قول الضحاك في البينة أنها رسول الله.

وقد ذكر في البينة أربعة أقوال: أنها الدين، ذكره أبو صالح عن ابن عباس. وأنها رسول الله، قاله الضحاك. وأنها القرآن، قاله ابن زيد. وأنها البيان، قاله مُقَاتِل.

ثم قال: فإن قلنا: المراد: من كان على بينة من ربه: المسلمون، فالمعني: أنهم يتبعون الرسول وهو البينة، ويتبع هذا النبي شاهد منه يصدقه، والمسلمون إذا كانوا على بينة فهي الإيمان بالرسول، ليست البينة ذات الرسول، والرسول ليس هو مذكورًا في كلامه، فقوله: { وَيَتْلُوهُ } لابد أن يعود إلي { مٌَنًه } لكن إعادته إلى البينة أولي.

وفسر البينة بالرسول، وجعل الشاهد يشهد له بصدقه. ثم الشاهد جبريل أو غيره، فلو قال: الشاهد هو القرآن يشهد للمؤمنين، فإنه يتبعهم كما يتبعونه كان قد ذكر الصواب.

وهو قد ذكر أقوالا كثيرة لم يذكرها غيره، وذكر في يتْلُوه قولين: أحدهما: يتبعه. والثاني: يقرؤه، وهما قولان مشهوران.

وذكر في "ه" [34] يتلوه قولين: أنها ترجع إلى النبي. والثاني: أنها ترجع إلى القرآن.

والتحقيق، أنها ترجع إلى من، أو ترجع إلى البينة، والبينة يراد بها القرآن، فيكون المعنى أن الشاهد من القرآن، وإذا رجع الضمير إلى من، فإن جعل مختصًا بالنبي صلي الله عليه وسلم وهو القول الذي تقدم بيان فساده عاد الضمير إلى البينة، وإن كانت من تتناول كل من كان على بينة من ربه من المؤمنين ورسول الله أولي المؤمنين تناول الجميع.

ومما يوضح ذلك، أن رسول الله جاء بالرسالة من الله، وهذا يختص به، وتصديق هذه الرسالة والإيمان بها واجب على الثقلين، والرسول هو أول من يجب عليه الإيمان بهذه الرسالة التي أرسله الله بها؛ ولهذا قال في سورة يونس: { قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِن كُنتُمْ فِي شَكٍّ مِّن دِينِي فَلاَ أَعْبُدُ الَّذِينَ تَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللهِ وَلَكِنْ أَعْبُدُ اللهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ } [35]، وقال: { قُلْ إِنِّيَ أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ } [36]، إلى غير ذلك من الآيات.

فهو ﷺ يتعلق به أمران عظيمان:

أحدهما: إثبات نبوته وصدقه فيما بلغه عن الله، وهذا مختص به.

والثاني: تصديقه فيما جاء به، وأن ما جاء به من عند الله حق يجب اتباعه، وهذا يجب عليه وعلى كل أحد، فإنه قد يوجد فيمن يرسله المخلوق من يصدق في رسالته، لكنه لا يتبعها، إما لطعنه في المرسل، وإما لكونه يعصه، وإن كان قد أُرْسِل بحق، فالملوك كثيرًا ما يرسلون رسولا بكتب وغيرها يبلغ الرسل رسالتهم، فيصدقون بها. ثم قد يكون الرسول أكثر مخالفة لمرسله من غيره من المرسل إليهم؛ ولهذا ظن طائفة منهم القاضي أبو بكر أن مجرد كونه رسولا لله لا يستلزم المدح، ثم قال: إن هذا قد يقال فيمن قبل الرسالة وبلغها، وفيمن لم يقبل، لكن هذا غلط، فإن الله لا يرسل رسولا إلا وقد اصطفاه، فَيبَلِّغ رسالات ربه. ورسل الله هم أطوع الخلق لله وأعظم إيمانًا بما بعثوا به، بخلاف المخلوق فإنه يرسل من يكذب عليه، ومن يعصيه، ومن لا يعتقد وجوب طاعته والخالق منزه عن ذلك.

لكن هؤلاء الذين قالوا هذا، يجوزون على الرب أن يرسل كل أحد بكل شيء، ليس في العقل عندهم ما يمنع ذلك، وإنما ينزهون الرسل عما أجمع المسلمون على تنزيههم عنه عندهم، مما ثبت بالسمع لا من جهة كونه رسولا، كما قد بُسط هذا في غير هذا الموضع، وبين أن هذا الأصل خطأ.

ولما كان هو صلي الله عليه وسلم يتعلق به الأمران: في الأول: يقال: آمنت له، كما قال تعالى: { فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ } [37]، وقوله: { يُؤْمِنُ بِاللهِ وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ } [38]، { وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا } [39].

وفي الثاني: يقال: آمنت بالله، فعلينا أن نؤمن له ونؤمن بما جاء به، والله تعإلى ذكر هذين. فذكر أولا: ما يثبت نبوته وصدقه بقوله: { أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُواْ بِعَشْرِ سُوَرٍ مِّثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ

وَادْعُواْ مَنِ اسْتَطَعْتُم مِّن دُونِ اللهِ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فَإِن لَّمْ يَسْتَجِيبُواْ لَكُمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّمَا أُنزِلِ بِعِلْمِ اللهِ وَأَن لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ } [40]، كما تقدم التنبيه على ذلك.

ولما كان الذي يمنع الإنسان من اتباع الرسول شيئان: إما الجهل، وإما فساد القصد، ذَكَرَ ما يزيل الجهل، وهو الآيات الدالة على صدقه، ثم ذَكَرَ أهل فساد القصد بقوله: { مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لاَ يُبْخَسُونَ أُوْلَئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الآخِرَةِ إِلاَّ النَّارُ وَحَبِطَ مَا صَنَعُواْ فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُواْ يَعْمَلُونَ } [41]، فهؤلاء أهل فساد القصد.

فهذان الأمران هما المانعان للخلق من اتباع هذا الرسول، كما أنه في البقرة ذكر ما يوجب العلم وحسن القصد، فقال: { وَإِن كُنتُمْ فِي رَيْبٍ مِّمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُواْ بِسُورَةٍ مِّن مِّثْلِهِ وَادْعُواْ شُهَدَاءكُم مِّن دُونِ اللهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ } ، ثم قال: { فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ وَلَن تَفْعَلُواْ فَاتَّقُواْ النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ } [42].

فلما أثبت هذين الأصلين، أخذ بعد هذا في بيان الإيمان به، وحال من آمن ومن كفر، فقال: { أَفَمَن كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } الآية [43]. ثم قال: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللهِ كَذِبًا أُوْلَئِكَ يُعْرَضُونَ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ } [44]، وهذا يتناول كل كافر ممن كَذَبَ على الله بادعاء الرسالة كاذبًا، ويتناول كل من كَذَّبَ رسولا صادقًا، فقال: إن الله لم يرسل هذا، ولم يأمر بهذا، فكَذَبَ على الله، وهذا إنما يقع ممن فسد قصده بحب الدنيا وإرادتها، وممن أحب الرئاسة وأراد العلو في الأرض من أهل الجهل.

وفي الصحيحين عن ابن عمر عن النبي صلي الله عليه وسلم أنه قال: «إن الله يدني المؤمن منه يوم القيامة حتي يلقي عليه كنفه، ويقول: فعلت يوم كذا كذا وكذا، ويوم كذا كذا وكذا، فيقول: نعم، فيقول: إني قد سترتها عليك في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، ثم يعطي كتاب حسناته بيمينه».

وأما الكفار والمنافقون، ف { وَيَقُولُ الأَشْهَادُ هَؤُلاء الَّذِينَ كَذَبُواْ عَلَى رَبِّهِمْ أَلاَ لَعْنَةُ اللهِ عَلَى الظَّالِمِينَ } [45]، ثم ذكر تعإلى الذين آمنوا وعملوا الصالحات، ثم ذكر مثل الفريقين، فمن تدبر القرآن، وتدبر ما قبل الآية وما بعدها، وعرف مقصود القرآن؛ تبين له المراد، وعرف الهدي والرسالة، وعرف السداد من الانحراف والاعوجاج.

وأما تفسيره بمجرد ما يحتمله اللفظ المجرد عن سائر ما يبين معناه، فهذا منشأ الغلط من الغالطين؛ لا سيما كثير ممن يتكلم فيه بالاحتمالات اللغوية. فإن هؤلاء أكثر غلطًا من المفسرين المشهورين، فإنهم لا يقصدون معرفة معناه، كما يقصد ذلك المفسرون.

وأعظم غلطًا من هؤلاء وهؤلاء من لا يكون قصده معرفة مراد الله، بل قصده تأويل الآية بما يدفع خصمه عن الاحتجاج بها، وهؤلاء يقعون في أنواع من التحريف، ولهذا جوز من جوَّز منهم أن تتأول الآية بخلاف تأويل السلف، وقالوا: إذا اختلف الناس في تأويل الآية على قولين، جاز لمن بعدهم إحداث قول ثالث، بخلاف ما إذا اختلفوا في الأحكام على قولين، وهذا خطأ، فإنهم إذا أجمعوا على أن المراد بالآية إما هذا، وإما هذا، كان القول بأن المراد غير هذين القولين خلافًا لإجماعهم، ولكن هذه طريق من يقصد الدفع لا يقصد معرفة المراد، وإلا فكيف يجوز أن تضل الأمة عن فهم القرآن، ويفهمون منه كلهم غير المراد، ويأتي متأخرون يفهمون المراد، فهذا هذا. والله أعلم.

هامش

  1. [محمد: 14]
  2. [يونس: 94]
  3. [الزمر: 65]
  4. [الشرح: 7]
  5. [سبأ: 50]
  6. [الأحزاب: 37]
  7. [الأحزاب: 50]
  8. [الزلزلة: 7، 8]
  9. [فاطر: 8]
  10. [الأنعام: 122]
  11. [محمد: 14]
  12. [هود: 17]
  13. [هود: 24]
  14. [الأنعام: 25]
  15. [يونس: 42]
  16. [النساء: 124]
  17. [النحل: 97]
  18. [هود: 17]
  19. [يونس: 104]
  20. [النساء: 41]
  21. [البقرة: 143]
  22. [إبراهيم: 36]
  23. [البقرة: 249]
  24. [الرعد: 43]
  25. [محمد: 14]
  26. [النحل: 102]
  27. [الشعراء: 139]
  28. [البقرة: 97]
  29. [القصص: 82]
  30. [ص: 3]
  31. [النبأ: 34]
  32. [عبس: 31]
  33. [النجم: 22]
  34. [هاء يتلوه]
  35. [يونس: 104]
  36. [الأنعام: 14]
  37. [يونس: 83]
  38. [التوبة: 61]
  39. [يوسف: 17]
  40. [هود: 13، 14]
  41. [هود: 15، 16]
  42. [البقرة: 23، 24]
  43. [هود: 17]
  44. [هود: 18]
  45. [هود: 18]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق