مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل في بيان أكبر الكبائر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في بيان أكبر الكبائر
ابن تيمية

فصل في بيان أكبر الكبائر[عدل]

قال شيخ الإسلام رَحِمهُ الله تعالى:

أكبر الكبائر ثلاث: الكفر، ثم قتل النفس بغير الحق، ثم الزنا، كما رتبها الله في قوله: { وَالَّذِينَ لَا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلَهًا آخَرَ وَلَا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ وَلَا يَزْنُونَ } [1]، وفى الصحيحين من حديث عبد الله بن مسعود قال: قلت: يا رسول الله، أي الذنب أعظم؟ قال: «أن تجعل للّه ندا وهو خلقك»، قلت: ثم أي؟ قال: «ثم أن تقتل ولدك خشية أن يُطْعَمَ معك»، قلت: ثم أي؟ قال: «أن تزاني بحليلة جارك».

ولهذا الترتيب وجه معقول، وهو أن قوى الإنسان ثلاث: قوة العقل، وقوة الغضب، وقوة الشهوة. فأعلاها القوة العقلية التي يختص بها الإنسان دون سائر الدواب، وتشركه فيها الملائكة، كما قال أبو بكر عبد العزيز من أصحابنا وغيره: خُلق للملائكة عقول بلا شهوة، وخُلق للبهائم شهوة بلا عقل، وخُلق للإنسان عقل وشهوة، فمن غلب عقله شهوته فهو خير من الملائكة، ومن غلبت شهوته عقله فالبهائم خير منه. ثم القوة الغضبية التي فيها دفع المضرة، ثم القوة الشهوية التي فيها جلب المنفعة.

ومن الطبائعيين من يقول: القوة الغضبية هي الحيوانية، لاختصاص الحيوان بها دون النبات. والقوة الشهوية هي النباتية لاشتراك الحيوان والنبات فيها. واختصاص النبات بها دون الجماد.

لكن يقال: إن أراد أن نفس الشهوة مشتركة بين النبات والحيوان فليس كذلك، فإن النبات ليس فيه حنين ولا حركة إرادية، ولا شهوة ولا غضب. وإن أراد نفس النمو والاغتذاء فهذا تابع للشهوة وموجبها.

وله نظير في الغضب: وهو أن موجب الغضب وتابعه هو الدفع والمنع، وهذا معنى موجود في سائر الأجسام الصلبة القوية، فذات الشهوة والغضب مختص بالحى. وأما موجبهما من الاعتداء والدفع فمشترك بينهما وبين النبات القوى، فقوة الدفع والمنع موجود في النبات الصلب القوى، دون اللين الرطب، فتكون قوة الدفع مختصة ببعض النبات، لكنه موجود في سائر الأجسام الصلبة، فبين الشهوة والغضب عموم وخصوص.

وسبب ذلك، أن قوى الأفعال في النفس إما جذب وإما دفع، فالقوة الجاذبة الجالبة للملائم هي الشهوة وجنسها من المحبة والإرادة ونحو ذلك، والقوة الدافعة المانعة للمنافى هي الغضب وجنسها من البغض والكراهة، وهذه القوة باعتبار القدر المشترك بين الإنسان والبهائم هي مطلق الشهوة والغضب، وباعتبار ما يختص به الإنسان: العقل والإيمان والقوى الروحانية المعترضة.

فالكفر متعلق بالقوة العقلية الناطقة الإيمانية، ولهذا لا يوصف به من لا تمييز له، والقتل ناشئ عن القوة الغضبية، وعدوان فيها. والزنا عن القوة الشهوانية. فالكفر اعتداء وفساد في القوة العقلية الإنسانية، وقتل النفس اعتداء وفساد في القوة الغضبية. والزنا اعتداء وفساد في القوة الشهوانية.

ومن وجه آخر ظاهر، أن الخلق خلقهم الله لعبادته، وقوام الشخص بجسده، وقوام النوع بالنكاح والنسل، فالكفر فساد المقصود الذي له خلقوا، وقتل النفس فساد النفوس الموجودة، والزنا فساد في المنتظر من النوع. فذاك إفساد الموجود، وذاك إفساد لما لم يوجد بمنزلة من أفسد مالا موجودا، أو منع المنعقد أن يوجد. وإعدام الموجود أعظم فسادا، فلهذا كان الترتيب كذلك.

ومن وجه ثالث، أن الكفر فساد القلب والروح الذي هو ملك الجسد، والقتل إفساد للجسد الحامل له، وإتلاف الموجود. وأما الزنا فهو فساد في صفة الوجود لا في أصله، لكن هذا يختص بالزنا، ومن هنا يتبين أن اللواط أعظم فسادا من الزنا.

هامش

  1. [الفرقان: 68]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق