مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة
ابن تيمية

فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة[عدل]

قال شيخ الإسلام رَحِمهُ الله:

قال الله تعالى: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } [1]، فأمر بذكر الله في نفسه، فقد يقال: هو ذكره في قلبه بلا لسانه؛ لقوله بعد ذلك: { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } ، وقد يقال: وهو أصح بل ذكر الله في نفسه باللسان مع القلب، وقوله: { وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ } كقوله: { وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلا } [2].

وفى الصحيح عن عائشة قالت: نزلت في الدعاء، وفى الصحيح عن ابن عباس قال: كان النبي ﷺ يجهر بالقرآن، فإذا سمعه المشركون سبوا القرآن ومن أنزله، ومن أُنزل عليه، فقال الله: لا تجهر بالقرآن فيسمعه المشركون فيسبوا القرآن، ولا تخافت به عن أصحابك فلا يسمعوه، فنهاه عن الجهر والمُخافَتة. فالمُخافَتة هي ذكره في نفسه، والجهر المنهى عنه هو الجهر المذكور في قوله: { وَدُونَ الْجَهْرِ } فإن الجهر هو الإظهار الشديد، يقال: رجل جهورى الصوت، ورجل جهير.

وكذلك قول عائشة في الدعاء، فإن الدعاء كما قال تعالى: { ادْعُواْ رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً } [3] وقال: { إِذْ نَادَى رَبَّهُ نِدَاء خَفِيًّا } [4]، فالإخفاء قد يكون بصوت يسمعه القريب وهو المناجاة، والجهر مثل المناداة المطلقة، وهذا كقوله ﷺ لما رفع أصحابه أصواتهم بالتكبير فقال: «أيها الناس، ارْبَعُوا على أنفسكم، فإنكم لا تَدْعُون أصمَّ ولا غائبًا، إنما تدعون سميعًا قريبًا، إن الذي تدعونه أقرب إلى أحدكم من عُنُق راحلته».

ونظير قوله: { وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ } [5]، قوله ﷺ فيما روى عن ربه: «من ذكرنى في نفسه ذكرته في نفسى، ومن ذكرنى في ملأ ذكرته في ملأ خير منه»، وهذا يدخل فيه ذكره باللسان في نفسه، فإنه جعله قسيم الذكر في الملأ، وهو نظير قوله: { دون الجهر من القول }، والدليل على ذلك أنه قال: { بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ } ومعلوم أن ذكر الله المشروع بالغدو والآصال في الصلاة، وخارج الصلاة هو باللسان مع القلب، مثل صلاتى الفجر والعصر، والذكر المشروع عقب الصلاتين، وما أمر به النبي ﷺ وعلَّمه وفعله من الأذكار والأدعية المأثورة من عمل اليوم والليلة المشروعة طرفى النهار بالغدو والآصال.

وقد يدخل في ذلك أيضا ذكر الله بالقلب فقط، لكن يكون الذكر في النفس كاملا وغير كامل، فالكامل باللسان مع القلب، وغير الكامل بالقلب فقط.

ويشبه ذلك قوله تعالى: { وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلَا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ } [6]، فإن القائلين بأن الكلام المطلق كلام النفس استدلوا بهذه الآية، وأجاب عنها أصحابنا وغيرهم بجوابين:

أحدهما: أنهم قالوا بألسنتهم قولا خفيًا.

والثاني: أنه قيده بالنفس، وإذا قيد القول بالنفس فإن دلالة المقيد خلاف دلالة المطلق. وهذا كقوله ﷺ: «إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثَتْ به أنفسها ما لم تتكلم به أو تعمل به» فقوله: حدثت به أنفسها ما لم تتكلم به: دليل على أن حديث النفس ليس هو الكلام المطلق، وأنه ليس باللسان.

وقد احتج بعض هؤلاء بقوله: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } [7]، وجعلوا القول المسر في القلب دون اللسان؛ لقوله: { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } ، وهذه حجة ضعيفة جدًا؛ لأن قوله: { وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ } يبين أن القول يسر به تارة ويجهر به أخرى، وهذا إنما هو فيما يكون في القول الذي هو بحروف مسموعة.

وقوله بعد ذلك: { إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ } من باب التنبيه بالأدنى على الأعلى، فإنه إذا كان عليمًا بذات الصدور، فعلمه بالقول المسر والمجهور به أولى.

ونظيره قوله: { سَوَاء مِّنكُم مَّنْ أَسَرَّ الْقَوْلَ وَمَن جَهَرَ بِهِ وَمَنْ هُوَ مُسْتَخْفٍ بِاللَّيْلِ وَسَارِبٌ بِالنَّهَارِ } [8].

هامش

  1. [الأعراف: 205]
  2. [الإسراء: 110]
  3. [الأعراف: 55]
  4. [مريم: 3]
  5. [الأعراف: 205]
  6. [المجادلة: 8]
  7. [الملك: 13]
  8. [الرعد: 10]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق