مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية
ابن تيمية

فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية[عدل]

فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية الحبية الشهوية، وترك المنهى عنه صادر عن القوة الكراهية البغضية الغضبية النفرية، والأمر بالمعروف صادر عن المحبة والإرادة، والنهى عن المنكر صادر عن البغض والكراهة، وكذلك الترغيب في المعروف والترهيب عن المنكر، والحض على هذا والزجر عن هذا؛ ولهذا لا تكف النفوس عن الظلم إلا بالقوة الغضبية الدفعية، وبذلك يقوم العدل والقسط في الحكم والقسم وغير ذلك، كما أن الإحسان يقوم بالقوة الجذبىة الشهوىة، فإن اندفاع المكروه بدون حصول المحبوب عدم، إذ لا محبوب ولا مكروه، وحصول المحبوب والمكروه وجود فاسد، إذ قد حصلا معا وهما متقابلان في الترجيح، فربما يختار بعض النفوس هذا ويختار بعضها هذا، وهذا عند التكافؤ، وأما المكروه اليسير مع المحبوب الكثير فيترجح فيه الوجود، كما أن المكروه الكثير مع المحبوب اليسير يترجح فيه العدم.

لكن لما كان المقتضى لكل واحد من المحبوب والمكروه الذي هو الخير والشر موجودا، وبتقدير وجودهما يحصل النصر كالرزق مع الخوف، صار يعظم في الشرع والطبع دفع المكروه. أما في الشرع فبالتقوى، فإن اسمها في الكتاب والسنة والإجماع عظيم، والعاقبة لأهلها والثواب لهم، وأما في الطبع فتعظيم النفوس لمن نصرهم بدفع الضرر عنهم من عدو أو غيره، فإن أهل الرزق معظمون لأهل النصر أكثر من تعظيم أهل النصر لأهل الرزق؛ وذاك - والله أعلم - لأن النصر بلا رزق ينفع، فإن الأسباب الجالبة للرزق موجودة تعمل عملها، وأما الرزق بلا نصر فلا ينفع، فإن الأسباب الناصرة تابعة، وفى هذا نظر فقد يقال: هما متقابلان فإن أهل النصر يحبون أهل الرزق أكثر مما يحب أهل الرزق لأهل النصر، فإن الرزق محبوب والنصر معظم.

وقد يقال: بل النصر أعظم كما تقدم، فإن اندفاع المكروه محبوب أيضا وهو لا يحصل إلا بقوة الدفع التي هي أقوى من قوة الجذب، فاختص الناصر بالتعظيم لدفعه المعارض، وأما الرازق فلا معارض له، بل له موافق، فالناصر محبوب معظم. وقد يقابل هذا بأن يقال: وفوات المحبوب مكروه - أيضا- والمحبوب لا يحصل إلا بقوة الجذب، ولا نسلم أن قوة الدفع أقوى، بل قد يكون الجذب أقوى، بل الجذب في الأصل أقوى، لأنه المقصود بالقصد الأول، والدفع خادم تابع له، وكما أن الدافع دفع المعارض فالجاذب حصل المقتضى، وترجيح المانع على المقتضى غير حق، بل المقتضى أقوى بالقول المطلق، فإنه لابد منه في الوجود.

وأما المانع فإنما يحتاج إليه عند ثبوت المعارض، وقد لا يكون معارض، فالمقتضى والمحبة هو الأصل والعمدة في الحق الموجود والحق المقصود، وأما المانع والبغضة فهو الفرع والتابع.

ولهذا كتب الله في الكتاب الموضوع عنده فوق العرش: «إن رحمتي تغلب غضبي». ولهذا كان الخير في أسماء الله وصفاته، وأما الشر ففى الأفعال، كقوله: { نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمَ } [1]، وقوله { اعْلَمُواْ أَنَّ اللهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ وَأَنَّ اللهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [2].

يبقى أن يقال: فلم عظمت التقوى؟ فيقال: إنها هي تحفظ الفطرة وتمنع فسادها، واحتاج العبد إلى رعايتها؛ لأن المحبة الفطرية لا تحتاج إلى محرك؛ ولهذا كان أعظم ما دعت إليه الرسل الإخلاص والنهى عن الإشراك؛ لأن الإقرار الفطرى حاصل لوجود مقتضيه، وإنما يحتاج إلى إخلاصه ودفع الشرك عنه؛ ولهذا كانت حاجة الناس إلى السياسة الدافعة لظلم بعضهم عن بعض والجالبة لمنفعة بعضهم بعضا، كما أوجب الله الزكاة النافعة وحرم الربا الضار، وأصل الدين: هو عبادة الله الذي أصله الحب والإنابة والإعراض عما سواه، وهو الفطرة التي فطر عليها الناس.

وهذه المحبة التي هي أصل الدين: انحرف فيها فريق من منحرفة الموسوية من الفقهاء والمتكلمين حتى أنكروها، وزعموا أن محبة الله ليست إلا إرادة عبادته، ثم كثير منهم تاركون للعمل بما أمروا به، فيأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، وهذا فاش فيهم، وهو عدم المحبة والعمل، وفريق من منحرفة العيسوية من الصوفية والمتعبدين، خلطوها بمحبة ما يكرهه، وأنكروا البغض والكراهية، فلم ينكروا شيئا ولم يكرهوه أو قصروا في الكراهة والإنكار، وأدخلوا فيها الصور والأصوات ومحبة الأنداد.

ولهذا كان لغواة الأولين وصف الغضب واللعنة الناشئ عن البغض؛ لأن فيهم البغض دون الحب، وكان لضلال الآخرين وصف الضلال والغلو؛ لأن فيهم محبة لغير معبود صحيح، ففيهم طلب وإرادة ومحبة، ولكن لا إلى مطلوب صحيح، ولا مراد صحيح، ولا محبوب صحيح، بل قد خلطوا وغلوا وأشركوه، ففيهم محبة الحق والباطل، وهو وجود المحبوب والمكروه، كما في الآخرين بغض الحق والباطل، وهو دفع المحبوب والمكروه والله سبحانه يهدينا صراطه المستقيم فيحمد من هؤلاء محبة الحق والاعتراف به، ومن هؤلاء بغض الباطل وإنكاره.

هامش

  1. [الحجر: 49، 50]
  2. [المائدة: 98]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق