مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما
ابن تيمية

تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما[عدل]

قاَل شيخ الإسلام رَحِمَهُ الله تعَالى:

فى قوله تعالى: { أَيَعِدُكُمْ أَنَّكُمْ إِذَا مِتُّمْ وَكُنتُمْ تُرَابًا وَعِظَامًا أَنَّكُم مُّخْرَجُونَ } [1]، طال الفصل بين أن واسمها وخبرها، فأعاد "أن" لتقع على الخبر لتأكيده بها، ونظير هذا قوله تعالى: { أَلَمْ يَعْلَمُواْ أَنَّهُ مَن يُحَادِدِ اللهَ وَرَسُولَهُ فَأَنَّ لَهُ نَارَ جَهَنَّمَ } [2]، لما طال الكلام أعاد "أَنّ" هذا قول الزجاج وطائفة، وأحسن من هذا أن يقال: كل واحدة من هاتين الجملتين جملة شرطية مركبة من جملتين جزائيتين، فَأُكِّدَت الجملة الشرطية بأَنّ على حد تأكيدها في قول الشاعر:

إن من يدخل الكنيسة يومًا ** يلق فيها جآذرًا وظباء

ثم أكدت الجملة الجزائىة بـ"أن" إذ هي المقصودة، على حد تأكيدها في قوله تعالى: { وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ إِنَّا لاَ نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ } [3].

ونظير الجمع بين تأكيد الجملة الكبرى المركبة من الشرط والجزاء، وتأكيد جملة الجزاء قوله تعالى: { إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ اللهَ لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } [4]، فلا يقال في هذا: "إنّ" أعيدت لطول الكلام، ونظيره قوله تعالى: { إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِمًا فَإِنَّ لَهُ جَهَنَّمَ لَا يَمُوتُ فِيهَا وَلَا يَحْيى } [5].

ونظيره: { أَنَّهُ مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } [6]، فهما تأكيدان مقصودان لمعنيين مختلفين، ألا ترى تأكيد قوله: { غَفُورٌ رَّحِيمٌ } بـ"أنَّ" غير تأكيد: { مَن عَمِلَ مِنكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِن بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } له بـ"أَنَّ"؟ وهذا ظاهر لا خفاء به، وهو كثير في القرآن وكلام العرب.

وأما قوله تعالى: { وَمَا كَانَ قَوْلَهُمْ إِلاَّ أَن قَالُواْ ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } [7]، فهذا ليس من التكرار في شيء، فإن قولهم: خبر كان قدم على اسمها، و أن قالوا: في تأويل المصدر، وهو الاسم، فهما اسم كان وخبرها، والمعنى: وما كان لهم قول إلا قول: { ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا } ، ونظير هذا قوله تعالى: { وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلاَّ أَن قَالُواْ } [8]، والجواب قول؛ وتقول: ما لفلان قول إلا قول: «لا حول ولاقوة إلا بالله» فلا تكرار أصلا.

وأما قوله تعالى: { وَإِن كَانُوا مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ لَمُبْلِسِينَ } [9]، فهى من أشكل ما أورد، ومما أعضل على الناس فهمها، فقال كثير من أهل الإعراب والتفسير: إنه على التكرير المحض والتأكيد، قال الزمخشرى: { مِّن قَبْلِهِ } من باب التوكيد، كقوله تعالى: { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا } [10]، ومعنى التوكيد فيه: الدلالة على أن عهدهم بالمطر قد تطاول وبَعُدَ فاستحكم يأسهم، وتمادى إبلاسهم، فكان الاستبشار بذلك على قدر اهتمامهم بذلك. هذا كلامه. وقد اشتمل على دعويين باطلتين:

إحداهما: قوله: إنه من باب التكرير.

والثانية: تمثيله ذلك بقوله تعالى: { فَكَانَ عَاقِبَتَهُمَا أَنَّهُمَا فِي النَّارِ خَالِدَيْنِ فِيهَا } [11]، فإن "في" الأولى على حد قولك: زيد في الدار، أي: حاصل أو كائن، وأما الثانية: فمعمولة للخلود وهو معنى آخر غير معنى مجرد الكون، فلما اختلف العاملان ذكر الحرفين، فلو اقتصر على أحدهما كان من باب الحذف لدلالة الآخر عليه، ومثل هذا لا يقال له تكرار، ونظير هذا أن تقول: زيد في الدار نائم فيها، أو ساكن فيها، ونحوه مما هو جملتان مقيدتان بمعنيين.

وأما قوله: { مِن قَبْلِ أَن يُنَزَّلَ عَلَيْهِم مِّن قَبْلِهِ } ، فليس من التكرار بل تحته معنى دقيق، والمعنى فيه: وإن كانوا من قبل أن ينزل عليهم الودق من قبل هذا النزول لمبلسين، فهنا قَبْلِىّتان: قبلية لنزوله مطلقًا، وقبلية لذلك النزول المعين ألا يكون متقدمًا على ذلك الوقت، فيئسوا قبل نزوله يَأْسَينِ: يأسًا لعدمه مرئيًا، ويأسًا لتأخره عن وقته، فقبل الأولى ظرف لليأس، وقبل الثانية ظرف المجىء والإنزال.

ففى الآية ظرفان معمولان، وفعلان مختلفان عاملان فيهما، وهما الإنزال والإبلاس، فأحد الظرفين متعلق بالإبلاس، والثاني متعلق بالنزول؛ وتمثيل هذا: أن تقول إذا كنت معتادًا للعطاء من شخص فتأخر عن ذلك الوقت ثم أتاك به: قد كنت آيسًا.

هامش

  1. [المؤمنون: 35]
  2. [التوبة: 63]
  3. [الأعراف: 170]
  4. [يوسف: 90]
  5. [طه: 74]
  6. [الأنعام: 54]
  7. [آل عمران: 147]
  8. [الأعراف: 82]
  9. [الروم: 49]
  10. [الحشر: 17]
  11. [الحشر: 17]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق