مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه
ابن تيمية

فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه[عدل]

وقال:

وقوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } [1]، وهذا يعم جميع من هو على بينة من ربه، ويتلوه شاهد منه. فالبينة: العلم النافع، والشاهد الذي يتلوه: العمل الصالح، وذلك يتناول الرسول ومن اتبعه إلى يوم القيامة، فإن الرسول على بينة من ربه، ومتبعيه على بينة من ربه.

وقال في حق الرسول: { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي } [2]، وقال في حق المؤمنين: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءهُمْ } [3]، فذكر هذا بعد أن ذكر الصنفين في أول السورة، فقال: { الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَن سَبِيلِ اللَّهِ أَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَآمَنُوا بِمَا نُزِّلَ على مُحَمَّدٍ وَهُوَ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ كَفَّرَ عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَأَصْلَحَ بَالَهُمْ ذَلِكَ بِأَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا اتَّبَعُوا الْبَاطِلَ وَأَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا اتَّبَعُوا الْحَقَّ مِن رَّبِّهِمْ } الآيات، إلى قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } [4].

وقال أبو الدرْدَاء: لا تهلك أمة حتي يتبعوا أهواءهم، ويتركوا ما جاءتهم به أنبياؤهم من البينات والهدي، وقال تعالى: { قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إلى اللهِ على بَصِيرَةٍ أَنَاْ وَمَنِ اتَّبَعَنِي } [5]، فمن اتبعه يدعو إلى الله على بصيرة، والبصيرة هي البينة. وقال: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُورًا يَمْشِي بِهِ فِي النَّاسِ } الآية [6]. فالنور الذي يمشي به في الناس هو البينة والبصيرة، وقال: { اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ } الآية [7].

قال أبي بن كعب وغيره: هو مثل نور المؤمن، وهو نوره الذي في قلب عبده المؤمن الناشئ عن العلم النافع، والعمل الصالح، وذلك بينة من ربه. وقال: { أَفَمَن شَرَحَ اللَّهُ صَدْرَهُ لِلْإِسْلَامِ فَهُوَ على نُورٍ مِّن رَّبِّهِ } [8]، فهذا النور الذي هو عليه وشرح الصدر للإسلام هو البينة من ربه، وهو الهدي المذكور في قوله: { أُوْلَئِكَ على هُدًي مِّن رَّبِّهِمْ } [9] واستعمل في هذا حرف الاستعلاء؛ لأن القلب لا يستقر ولا يثبت إلا إذا كان عالمًا موقنًا بالحق، فيكون العلم والإيمان صبغة له ينصبغ بها، كما قال: { صِبْغَةَ اللهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللهِ صِبْغَةً } [10]، ويصير مكانة له، كما قال: { قُلْ يَا قَوْمِ اعْمَلُواْ على مَكَانَتِكُمْ إِنِّي عَامِلٌ فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ } [11]، والمكان والمكانة: قد يراد به ما يستقر الشيء عليه، وإن لم يكن محيطًا به كالسقف مثلا وقد يراد به ما يحيط به.

فالمهتدون لما كانوا على هدي من ربهم ونور وبينة وبصيرة، صار مكانة لهم استقروا عليها، وقد تحيط بهم، بخلاف الذين قال فيهم: { وَمِنَ النَّاسِ مَن يَعْبُدُ اللَّهَ على حَرْفٍ فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انقَلَبَ على وَجْهِه } [12]، فإن هذا ليس ثابتًا مستقرًا مطمئنًا، بل هو كالواقف على حرف الوادي وهو جانبه، فقد يطمئن إذا أصابه خير، وقد ينقلب على وجهه ساقطًا في الوادي.

وكذلك فرق بين من أسس بنيانه على تقوي من الله ورضوان، وبين من أسس بنيانه على شفا جرف هار فانهار به في نار جهنم، وكذلك الذين كانوا على شفا حفرة من النار فأنقذهم منها، وشواهد هذا كثير.

فقد تبين أن الرسول ومن اتبعه على بينة من ربهم وبصيرة، وهدي ونور، وهو الإيمان الذي في قلوبهم، والعلم والعمل الصالح، ثم قال: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } [13]، والضمير في { مِّنْهُ } عائد إلى الله تعالى أي: ويتلو هذا الذي هو على بينة من ربه شاهد من الله، والشاهد من الله، كما أن البينة التي هو عليها المذكورة من الله أيضا.

وأما قول من قال: «الشاهد» من نفس المذكور وفسره بلسانه، أو بعلى بن أبي طالب، فهذا ضعيف؛ لأن كون شاهد الإنسان منه لا يقتضي أن يكون الشاهد صادقًا، فإنه مثل شهادة الإنسان لنفسه، بخلاف ما إذا كان الشاهد من الله، فإن الله يكون هو الشاهد، وهذا كما قيل في قوله: { قُلْ كَفَى بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } [14]، إنه على فهذا ضعيف؛ لأن شهادة قريب له قد اتبعه على دينه ولم يهتد إلا به لا تكون برهانًا للصدق، ولا حجة على الكفر، بخلاف شهادة من عنده علم الكتاب الأول فإن هؤلاء شهادتهم برهان ورحمة، كما قال في هذه السورة: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَي إِمَامًا وَرَحْمَةً } [15]، وقال: { وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ } [16]، وقال: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إليكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } [17] وقال: { وَالَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } [18]، وهذا الشاهد من الله هو القرآن.

ومن قال: إنه جبريل، فجبريل لم يقل شيئًا من تلقاء نفسه، بل هو الذي بلغ القرآن عن الله، وجبريل يشهد أن القرآن منزل من الله، وأنه حق، كما قال: { لَّكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنزَلَ إليكَ أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلآئِكَةُ يَشْهَدُونَ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا } [19]، والذي قال هو جبريل. قال: يتلوه، أي: يقرؤه، كما قال: { فَإِذَا قَرَأْنَاهُ فَاتَّبِعْ قُرْآنَهُ } [20]، أي: إذا قرأه جبريل فاتبع ما قرأه. وقال: { عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى } [21].

ومن قال: الشاهد لسانه، وجعل الضمير المذكور عائدًا على القرآن ولم يذكر؛ لأنه جعل البينة هي القرآن، ولو كانت البينة هي القرآن لما احتاج إلى ذلك، وقد قال: على بينة من ربه، فقد ذكر أن القرآن من الله، وقد علم أنه نزل به جبريل على محمد، وكلاهما بلغه وقرأه، فقوله: { وَيَتْلُوهُ } جبريل أو محمد، تكرير لافائدة فيه؛ ولهذا لم يذكر مثل ذلك في القرآن.

وأيضا، فكونه على القرآن لم نجد لذلك نظيرًا في القرآن؛ فإن القرآن كلام الله واحد لا يكون عليه، وإذا كان المراد على الإيمان بالقرآن والعمل به، فهذا الذي ذكرناه: إن البينة هي الإيمان بما جاء به الرسول، وهو إخباره أنه رسول الله. وأن الله أنزل القرآن عليه. ولما أنزلت هذه السورة وهي مكية، لم يكن قد نزل من القرآن قبلها إلا بعضه، وكان المأمور به حينئذ هو الإيمان بما نزل منه، فمن آمن حينئذٍ بذلك ومات على ذلك كان من أهل الجنة.

وأيضا، فتسمية جبريل شاهدًا، لا نظير له في القرآن، وكذلك تسمية لسان الرسول شاهدًا، وتسمية على شاهدًا، لا يوجد مثل ذلك في الكتاب والسنة، بخلاف شهادة الله؛ فإن الله أخبر بشهادته لرسوله في غير موضع، وسمي ما أنزله شهادة منه في قوله: { وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَتَمَ شَهَادَةً عِندَهُ مِنَ اللهِ } [22]، فدل على أن كلام الله الذي أنزله وأخبر فيه بما أخبر شهادة منه.

وهو سبحانه يحكم ويشهد، ويفتي ويقص، ويبشر ويهدي بكلامه، ويصف كلامه بأنه يحكم ويفتي، ويقص ويهدي، ويبشر وينذر، كما قال: { قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ } [23]، { قُلِ اللهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ } [24]، وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَقُصُّ على بَنِي إِسْرَائِيلَ أَكْثَرَ الَّذِي هُمْ فِيهِ يَخْتَلِفُونَ } [25]، وقال: { نَحْنُ نَقُصُّ عليكَ أَحْسَنَ الْقَصَصِ } [26]، وقال: { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ مَا عِندِي مَا تَسْتَعْجِلُونَ بِهِ إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِلّهِ يَقُصُّ الْحَقَّ وَهُوَ خَيْرُ الْفَاصلينَ } [27]، وقال: { إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يِهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ } [28].

وكذلك سمي الرسول هاديًا فقال: { وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } [29]، كما سماه بشيرًا ونذيرًا، وسمي القرآن بشيرًا ونذيرًا، فكذلك لما كان هو يشهد للرسول والمؤمنين بكلامه الذي أنزله، وكان كلامه شهادة منه، كان كلامه شاهدًا منه، كما كان يحكم ويفتي، ويقص ويبشر وينذر.

ولما قيل لعلى بن أبي طالب: حَكَّمتَ مخلوقًا. قال: ما حكَّمتُ مخلوقًا، وإنما حكمتُ القرآن. فإن الذي يحكم به القرآن هو حكم الله، والذي يشهد به القرآن هو شهادة الله عز وجل قال عبد الرحمن بن زيد بن أَسْلَم وقد كان إمامًا، وأخذ التفسير عن أبيه زيد، وكان زيد إمامًا فيه، ومالك وغيره أخذوا عنه التفسير، وأخذه عنه عبد الله بن وَهْب [30] صاحب مالك، وأصْبَغ بن الفرج [31] الفقيه، قال: في قوله تعالى: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } [32] قال رسول الله: «كان على بينة من ربه» والقرآن يتلوه شاهد أيضا لأنه من الله.

وقد ذكر الزَجَّاج فيما ذكره من الأقوال: ويتلو رسول الله القرآن، وهو شاهد من الله. وقال أبو العإلىة: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } : هو محمد، { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } : القرآن، قال ابن أبي حاتم: وروي عن ابن عباس، ومحمد بن الحنفية، ومجاهد، وأبي صالح، وإبراهيم، وعِكْرِمَة، والضحاك، وقتادة، والسدِّي، وخَصِيف، وابن عُيينَةَ نحو ذلك. وهذا الذي قالوه صحيح، ولكن لا يقتضي ذلك أن المتبعين له ليسوا على بينة من ربهم، بل هم على بينة من ربهم.

وقد قال الحسن البصري: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } قال: المؤمن على بينة من ربه، ورواه ابن أبي حاتم، وروي عن الحسين بن على { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } يعني: محمدا شاهد من الله، وهي تقتضي أن يكون الذي على البينة من شهد له.

وقول القائل: من قال: هو محمد، كقول من قال: هو جبريل، فإن كلاهما بلَّغ القرآن، والله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس، فاصطفي جبريل من الملائكة، واصطفي محمدا من الناس. وقال في جبريل: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [33]، وقال في محمد: { إِنَّهُ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ } [34] وكلاهما رسول من الله، كما قال: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ يَتْلُو صُحُفًا مُّطَهَّرَةً فِيهَا كُتُبٌ قَيِّمَةٌ } [35] فكلاهما رسول من الله بلغ ما أرسل به، وهو يشهد أن ما جاء به هو كلام الله، وأما شهادتهم بما شهد به القرآن فهذا قدر مشترك بين كل من آمن بالقرآن، فإنه يشهد بكل ما شهد به القرآن؛ لكونه آمن به، سواء كان قد بلغه أو لم يبلغه.

ولهذا كان إيمان الرسول بما جاء به غير تبليغه له، وهو مأمور بهذا وبهذا وله أجر على هذا وهذا، كما قال: { آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إليه مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ } [36]، ولهذا كان يقول: أشهد أني عبد الله ورسوله، فشهادة جبريل ومحمد بما شهد به القرآن من جهة إيمانهما به، لا من جهة كونهما مرسلين به، فإن الإرسال به يتضمن شهادتهما أن الله قاله، وقد يرسل غير رسول بشيء، فيشهد الرسول أن هذا كلام المرسل وإن لم يكن المرسل صادقًا ولا حكيمًا، ولكن علم أن جبريل و محمدا يعلمان أن الله صادق حكيم، فهما يشهدان بما شهد الله به.

وكذلك الملائكة والمؤمنون، يشهدون بأن ما قاله الله فهو حق، وأن الله صادق حكيم، لا يخبر إلا بصدق، ولا يأمر إلا بعدل { وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلا } [37].

فقد تبين أن شهادة جبريل ومحمد هي شهادة القرآن، وشهادة القرآن هي شهادة الله تعالى والقرآن شاهد من الله، وهذا الشاهد يوافق ويتبع ذلك الذي على بينة من ربه، فإن البينة والبصيرة والنور والهدي الذي عليه النبي ﷺ والمؤمنون، قد شهد القرآن المنزل من الله بأن ذلك حق.

و { وَيَتْلُوهُ } معناه: يتبعه، كما قال: { الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ } [38]، أي: يتبعونه حق اتباعه، وقال: { وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا } [39]، أي: تبعها، وهذا قَفَاه إذا تبعه. وقد قال: { وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ } [40]، فهذا الشاهد يتبع الذي على بينة من ربه، فيصدقه ويزكيه، ويؤيده ويثبته، كما قال: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ لِيُثَبِّتَ الَّذِينَ آمَنُواْ } [41]، وقال: { وَكُلاًّ نَّقُصُّ عليكَ مِنْ أَنبَاء الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ } [42]، وقال: { أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ } [43].

وقد سمي الله القرآن سلطانًا في غير موضع، فإذا كان السلطان المنزل من الله يتبع هذا المؤمن، كان ذلك مما يوجب قوته وتسلطه علمًا وعملا، وقال: { وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ } [44]، { وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُم مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هَذِهِ إِيمَانًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُواْ فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا } الآية [45].

وقال جُنْدُب بن عبد الله، وعبد الله بن عمر: تعلَّمنا الإيمان، ثم تعلمنا القرآن فازددنا إيمانًا، فهم كانوا يتعلمون الإيمان، ثم يتعلمون القرآن. وقال بعضهم في قوله: { نُّورٌ على نُورٍ } [46]، قال: نور القرآن على نور الإيمان، كما قال: { وَلَكِن جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } [47]، وقال السُّدِّي في قوله: { نُّورٌ على نُورٍ } نور القرآن ونور الإيمان حين اجتمعا، فلا يكون واحد منهما إلا بصاحبه.

فتبين أن قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } [48]، يعني هدي الإيمان، { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } أي من الله، يعني: القرآن شاهد من الله يوافق الإيمان ويتبعه، وقال: { وَيَتْلُوه } لأن الإيمان هو المقصود؛ لأنه إنما يراد بإنزال القرآن الإيمان وزيادته.

ولهذا كان الإيمان بدون قراءة القرآن ينفع صاحبه ويدخل به الجنة، والقرآن بلا إيمان لا ينفع في الآخرة؛ بل صاحبه منافق؛ كما في الصحيحين عن أبي موسى عن النبي ﷺ أنه قال: «مثل المؤمن الذي يقرأ القرآن كمثل الأُتْرجَّة، طعمها طيب وريحها طيب، ومثل المؤمن الذي لا يقرأ القرآن كمثل التمرة طعمها طيب ولا ريح لها، ومثل المنافق الذي يقرأ القرآن كمثل الريحانة ريحها طيب وطعمها مر، ومثل المنافق الذي لا يقرأ القرآن كمثل الحنظلة طعمها مر ولا ريح لها».

ولهذا جعل الإيمان بينة، وجعل القرآن شاهدًا؛ لأن البينة من البيان، و«البينة»: هي السبيل البينة، وهي الطريق البينة الواضحة، وهي أيضا ما يبين بها الحق، فهي بينة في نفسها مبينة لغيرها، وقد تفسر بالبيان وهي الدلالة والإرشاد، فتكون كالهدي، كما يقال: فلان على هدي وعلى علم، فيفسر بمعنى المصدر والصفة والفاعل. ومنه قوله: { أَوَلَمْ تَأْتِهِم بَيِّنَةُ مَا فِي الصُّحُفِ الْأُولَى } [49]، أي: بيان ما فيها أو يبين ما فيها، أو الأمر البين فيها. وقد سُمِّي الرسول بينة كما قال: { حَتَّى تَأْتِيَهُمُ الْبَيِّنَةُ رَسُولٌ مِّنَ اللَّهِ } [50]، فإنه يبين الحق، والمؤمن على سبيل بينة ونور من ربه، والشاهد المقصود به شهادته للمشهود له، فهو يشهد للمؤمن بما هو عليه، وجعل الإيمان من الله كما جعل الشاهد من الله؛ لأن الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال، كما في الصحيحين عن حُذَيْفَة، عن النبي ﷺ قال: «إن الله أنزل الإيمان في جذر قلوب الرجال، فعلموا من القرآن وعلموا من السنة».

وأيضا، فالإيمان ما قد أمر الله به.

وأيضا، فالإيمان إنما هو ما أخبر به الرسول، وهذا أخبر به الرسول لكن الرسول له وحيان: وحي تكلم الله به يتلي، ووحي لا يتلي فقال: { وَكَذَلِكَ أَوْحَيْنَا إليكَ رُوحًا مِّنْ أَمْرِنَا } الآية [51]، وهو يتناول القرآن والإيمان. وقيل: الضمير في قوله: { جَعَلْنَاهُ نُورًا نَّهْدِي بِهِ مَنْ نَّشَاء مِنْ عِبَادِنَا } [52]، يعود إلى الإيمان، ذكر ذلك عن ابن عباس. وقيل: إلى القرآن. وهو قول السُدِّي، وهو يتناولهما، وهو في اللفظ يعود إلى الروح الذي أوحاه، وهو الوحي الذي جاء بالإيمان والقرآن.

فقد تبين أن كلاهما من الله نور وهدي منه، هذا يعقل بالقلب، لما قد يشاهد من دلائل الإيمان، مثل دلائل الربوبية والنبوة، وهذا يسمع بالآذان، والإيمان الذي جعل للمؤمن هو مثل ما وعد الله به في قوله: { سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الْآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّي يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ } [53]، أي: أن القرآن حق، فهذه الآيات متأخرة عن نزول القرآن، وهو مثل ما فعل من نصر رسوله والمؤمنين يوم بدر، وغير يوم بدر. فإنه آيات مشاهدة، صدقت ما أخبر به القرآن ولكن المؤمنون كانوا قد آمنوا قبل هذا.

وقيل: نزول أكثر القرآن الذي ثبت الله به لنبيه وللمؤمنين؛ ولهذا قال: { أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ على كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ } [54] فهو يشهد لرسوله بأنه صادق بالآيات الدالة على نبوته، وتلك آمن بها المؤمنون ثم أنزل من القرآن شاهدًا له، ثم أظهر آيات معاينة تبين لهم أن القرآن حق.

فالقرآن وافق الإيمان، والآيات المستقبلة وافقت القرآن والإيمان؛ ولهذا قال: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَي إِمَامًا وَرَحْمَةً } [55] فقوله: { وَمِن قَبْلِهِ }: يعود الضمير إلى الشاهد الذي هو القرآن، كما قال تعالى: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ على مِثْلِهِ } الآية [56]، ثم قال: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى إِمَامًا وَرَحْمَةً } الآية. فقوله: { وَمِن قَبْلِهِ } الضمير يعود إلى القرآن. أي: من قبل القرآن، كما قاله ابن زيد. وقيل: يعود إلى الرسول، كما قاله مجاهد، وهما متلازمان.

وقوله: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } فيه وجهان: قيل: هو عطف مفرد، وقيل: عطف جملة. قيل: المعنى: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } ، ويتلوه أيضا من قبله كتاب موسى، فإنه شاهد بمثل ما شهد به القرآن، وهو شاهد من الله، وقيل: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } جملة، ولكن مضمون الجملة فيها تصديق القرآن، كما قال في الأحقاف.

وقوله تعالى: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يدل على أن قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } تتناول المؤمنين، فإنهم آمنوا بالكتاب الأول والآخر، كما تتناول النبي ﷺ، وأولئك يعود إليهم الضمير، فإنهم مؤمنون به بالشاهد من الله، فالإيمان به إيمان بالرسول والكتاب الذي قبله.

ثم قال: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } [57]، وروي الإمام أحمد، وابن أبي حاتم، وغيرهما عن أيوب عن سعيد بن جبير قال: ما بلغني حديث عن رسول الله ﷺ على وجه إلا وجدت تصديقه في كتاب الله، حتي بلغني أنه قال: «لا يسمع بي أحد من هذه الأمة لا يهودي ولا نصراني، ثم لم يؤمن بما أرسلت به إلا دخل النار»، قال سعيد: فقلت: أين هذا في كتاب الله؟ حتي أتيت على هذه الآية: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } قال: الأحزاب: هي الملل كلها.

وقوله تعالى: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أي كل من كان على بينة من ربه، فإنه يؤمن بالشاهد من الله، والإيمان به إيمان بما جاء به موسى، قال: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } وهم المتبعون لمحمد ﷺ من أصحابه وغيرهم إلى قيام الساعة، ثم قال: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ فَالنَّارُ مَوْعِدُهُ } ، والأحزاب هم: أصناف الأمم، الذين تحزبوا وصاروا أحزابًا، كما قال تعالى: { كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ } [58].

وقد ذكر الله طوائف الأحزاب في مثل هذه السورة وغيرها، وقد قال تعالى عن مكذبي محمد ﷺ: { جُندٌ مَّا هُنَالِكَ مَهْزُومٌ مِّنَ الْأَحْزَابِ } [59]، وهم الذين قال فيهم: { فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَةَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عليهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ مُنِيبِينَ إليه وَاتَّقُوهُ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ } [60]، وقال عن أحزاب النصارى: { فَاخْتَلَفَ الْأَحْزَابُ مِن بَيْنِهِمْ فَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِن مَّشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ } الآيات [61].

وأما من قال: الضمير في قوله: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } يعود على أهل الحق قال: إنه موسى وعيسى ومحمد. فإنه إن أراد بهم من كان مؤمنًا بالكتابين قبل نزول القرآن، فلم يتقدم لهم ذكر، والضمير في قوله: { بِهِ } مفرد، ولو آمن مؤمن بكتاب موسى دون الإنجيل بعد نزوله وقيام الحجة عليه به لم يكن مؤمنًا.

وهذان القولان حكاهما أبو الفرج ولم يسم قائلهما، والبغوي وغيره لم يذكروا نزاعًا في أنهم من آمن بمحمد، ولكن ذكروا قولا أنهم من آمن به من أهل الكتاب، وهذا قريب. ولعل الذي حكي قولهم أبو الفرج أرادوا هذا، وإلا فلا وجه لقولهم.

ومن العجب، أن أبا الفرج ذكر بعد هذا في الأحزاب أربعة أقوال:

أحدها: أنهم جميع الملل، قاله سعيد بن جبير.

والثاني: اليهود والنصارى، قاله قتادة.

والثالث: قريش، قاله السدي.

والرابع: بنو أمية وبنو المغيرة، قال: أي: أبي طلحة بن عبد العزي قاله مقاتل.

وهذه الآية تقتضي أن الضمير يعود إلى القرآن في قوله: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ } ، وكذلك: { أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ } أنه القرآن، ودليله قوله تعالى: { فَلاَ تَكُ فِي مِرْيَةٍ مِّنْهُ إِنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ } [62]، وهذا هو القرآن بلا ريب، وقد قيل: هو الخبر المذكور، وهو أنه من يكفر به من الأحزاب، وهذا أيضا هو القرآن، فعلم أن المراد هو الإيمان بالقرآن، والكفر به باتفاقهم، وأنه من قال في أولئك أنهم غير من آمن بمحمد لم يتصور ما قال.

وقد تقدم في قوله: { وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } وجهان: هل هو عطف جملة أو مفرد؟ لَكنْ الأكثرون على أنه مفرد. وقال الزجاج: المعنى: وكان من قبل هذا كتاب موسى. دليل على أمر محمد، فيتلون كتاب موسى عطفًا على قوله: { وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ } أي: ويتلو كتاب موسى؛ لأن موسى وعيسى بُشِّرا بمحمد في التوراة والإنجيل، ونُصِّبَ إماما على الحال.

قلت: قد تقدم أن الشاهد يتلو على من كان على بينة من ربه، أي: يتبعه شاهدًا له بما هو عليه من البينة. وقوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } كمن لم يكن، قال الزجاج: وترك المعادلة؛ لأن فيما بعده دليلا عليه، وهو قوله: { مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالأَعْمَى وَالأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ } [63]، قال ابن قتيبة: لما ذكر قبل هذه الآية قومًا ركنوا إلى الدنيا وأرادوها، جاء بهذه الآية، وتقدير الكلام: أفمن كانت هذه حاله كمن يريد الدنيا؟ فاكتفي من الجواب بما تقدم إذ كان دليلا عليه، وقال ابن الأنباري: إنما حذف لانكشاف المعنى، وهذا كثير في القرآن.

قلت: نظير هذه الآية من المحذوف: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا } [64]، كمن ليس كذلك، وقد قال بعد هذا: { وَمَن يَكْفُرْ بِهِ مِنَ الأَحْزَابِ } ، وهذا هو القسم الآخر المعادل لهذا الذي هو على بينة من ربه، وعلى هذا يكون معناها أفمن كان على بينة من ربه كمن زين له سوء عمله واتبعوا أهواءهم، ويكون أيضا معناها: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ } أي: بصيرة في دينه، كمن يريد الحياة الدنيا وزينتها، وهذا كقوله: { أَوَ مَن كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَاهُ } الآية [65]. وكقوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } [66] وقوله: { أَفَمَن يَهْدِي إلى الْحَقِّ أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ أَمَّن لاَّ يَهِدِّي } الآية [67].

والمحذوف في مثل هذا النظم قد يكون غير ذلك، كقوله: { أَوَمَن يُنَشَّأُ فِي الْحِلْيَةِ } [68] أي: تجعلون له من ينشأ في الحلية، ولابد من دليل على المحذوف، وقد يكون المحذوف مثل أن يقال: أفمن هذه حاله يذم أو يطعن عليه أو يعرض عن متابعته، أو يفتن أو يعذب، كما قال: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ فَرَآهُ حَسَنًا فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء } [69].

وقد قيل في هذه الآية: أن المحذوف: { أَفَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } فرأى الباطل حقًا، والقبيح حسنًا، كمن هداه الله فرأي الحق حقًا والباطل باطلا والقبيح قبيحًا والحسن حسنًا، وقيل: جوابه تحت قوله: { فَلَا تَذْهَبْ نَفْسُكَ عليهِمْ حَسَرَاتٍ } [70]، لكن يرد عليه أن يقال: الاستفهام ما معناه إلا أن تقدر. أي: هذا تقدر أن تهديه، أو ربك؟ أو تقدر أن تجزيه كما قال: { أَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ أَفَأَنتَ تَكُونُ عليه وَكِيلًا } [71]. ولهذا قال: { فَإِنَّ اللَّهَ يُضِلُّ مَن يَشَاء وَيَهْدِي مَن يَشَاء } [72]. وكما قال: { أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ على عِلْمٍ } الآية [73]. وعلى هذا يكون معناها كمعنى قوله: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ كَمَن زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ } [74].

وعلى هذا، فالمعنى هنا: { أَفَمَن كَانَ على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّهِ وَيَتْلُوهُ شَاهِدٌ مِّنْهُ وَمِن قَبْلِهِ كِتَابُ مُوسَى } يذم ويخالف ويكذب ونحو ذلك، كقوله: { قُلْ إِنِّي على بَيِّنَةٍ مِّن رَّبِّي وَكَذَّبْتُم بِهِ } [75]، وحذف جواب الشرط، وكقوله: { أَرَأَيْتَ إِن كَانَ على الْهُدَى أَوْ أَمَرَ بِالتَّقْوَى أَرَأَيْتَ إِن كَذَّبَ وَتَوَلَّى } [76].

فقد تبين أن معنى الآية من أشرف المعاني وهذا هو الذي ينتفع به كل أحد، وأن الآية ذكرت من كان على بينة من ربه، من الإيمان الذي شهد له القرآن، فصار على نور من ربه وبرهان من ربه على مادلت عليه البراهين العقلية والسمعية، كما قال: { وَأَنزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُّبِينًا } [77]، فالنور المبين المنزل يتناول القرآن. قال قتادة: بينة من ربكم، وقال الثَّوْرِي: هو النبي صلي الله عليه وسلم، وقال البغوي: هذا قول المفسرين ولم أجده منقولا عن غير الثاني، ولا ذكره ابن الجوزي عن غيره.

وذكر في البرهان ثلاثة أقوال: أحدها: أنه الحجة. والثاني: أنه الرسول. وذكر أنه القرآن عن قتادة. والذي رواه ابن أبي حاتم عن قتادة بالإسناد الثابت أنه بينة من الله، والبينة والحجة تتناول آيات الأنبياء التي بعثوا بها، فكل ما دل على نبوة محمد صلي الله عليه وسلم فهو برهان. قال تعالى: { فَذَانِكَ بُرْهَانَانِ مِن رَّبِّكَ } [78]، وقال لمن قال: لا يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصاري، قل: هاتوا برهانكم.

ومحمد هو الصادق المصدوق، قد أقام الله على صدقه براهين كثيرة وصار محمد نفسه برهانًا. فأقام من البراهين على صدقه؛ فدليل الدليل دليل، وبرهان البرهان برهان، وكل آية له برهان، والبرهان اسم جنس لا يراد به واحد، كما في قوله: { قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [79]، ولو جاؤوا بعده ببراهين كانوا ممتثلين.

والمقصود أن ذلك البرهان يعلم بالعقل أنه دال على صدقه، وهو بينة من الله، كما قال قتادة، وحجة من الله، كما قال مجاهد والسُّدي: المؤمن على تلك البينة، ويتلوه شاهد من الله وهو النور الذي أنزله مع البرهان. والله أعلم.

هامش

  1. [هود: 17]
  2. [الأنعام: 57]
  3. [محمد: 14]
  4. [محمد: 1 - 14]
  5. [يوسف: 108]
  6. [الأنعام: 122]
  7. [النور: 35]
  8. [الزمر: 22]
  9. [البقرة: 5]
  10. [البقرة: 138]
  11. [الأنعام: 135]
  12. [الحج: 11]
  13. [هود: 17]
  14. [الرعد: 43]
  15. [هود: 17]
  16. [الأحقاف: 10]
  17. [يونس: 94]
  18. [الأنعام: 114]
  19. [النساء: 166]
  20. [القيامة: 18]
  21. [النجم: 5]
  22. [البقرة: 140]
  23. [النساء: 127]
  24. [النساء: 176]
  25. [النمل: 76]
  26. [يوسف: 3]
  27. [الأنعام: 57]
  28. [الإسراء: 9]
  29. [الشورى: 52]
  30. [هو أبو محمد عبد الله بن وهب بن مسلم الفهري، أحد الأثبات والأئمة الأعلام، وصاحب التصانيف، طلب العلم وله سبع عشرة سنة، صحب مالكًا عشرين سنة وصنف الموطأ الكبير والصغير وحدث بمائة ألف حديث]
  31. [هو أبو عبد الله أَصْبَغ بن الفرج بن سعيد بن نافع، الأموي، مفتي الديار المصرية وعالمها، المالكي، وثقه أحمد ابن عبد الله، وقال ابن معين: «كان من أعلم خلق الله برأي مالك، يعرفها مسألة مسألة، متى قالها مالك، ومن خالفه فيها»، وله مصنفات، ولد بعد سنة 051ه، وتوفي في سنة 522هـ]
  32. [هود: 17]
  33. [التكوير: 19]
  34. [الحاقة: 40]
  35. [البينة: 1 3]
  36. [البقرة: 285]
  37. [الأنعام: 115]
  38. [البقرة: 121]
  39. [الشمس: 2]
  40. [الإسراء: 36]
  41. [النحل: 102]
  42. [هود: 120]
  43. [المجادلة: 22]
  44. [الإسراء: 82]
  45. [التوبة: 124]
  46. [النور: 35]
  47. [الشورى: 52]
  48. [هود: 17]
  49. [طه: 133]
  50. [البينة: 1، 2]
  51. [الشورى: 52]
  52. [الشورى: 52]
  53. [فصلت: 53]
  54. [فصلت: 53]
  55. [هود: 17]
  56. [الأحقاف: 10]
  57. [هود: 17]
  58. [غافر: 5]
  59. [ص: 11]
  60. [الروم: 30 - 32]
  61. [مريم: 37]
  62. [هود: 17]
  63. [هود: 24]
  64. [فاطر: 8]
  65. [الأنعام: 122]
  66. [محمد: 14]
  67. [يونس: 35]
  68. [الزخرف: 18]
  69. [فاطر: 8]
  70. [فاطر: 8]
  71. [الفرقان: 43]
  72. [فاطر: 8]
  73. [الجاثية: 23]
  74. [محمد: 14]
  75. [الأنعام: 57]
  76. [العلق: 11 13]
  77. [النساء: 174]
  78. [القصص: 32]
  79. [البقرة: 111، والنمل: 46]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق