مجموع الفتاوى/المجلد الخامس عشر/تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق
ابن تيمية

تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق[عدل]

قال شيخ الإسلام:

قوله عز وجل: { قُلْ نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } الآيتين [1]. لفظ: الإنزال في القرآن يرد مقيدًا بأنه منه كالقرآن، وبالإنزال من السماء، ويراد به: العلو كالمطر، ومطلقًا فلا يختص بنوع، بل يتناول إنزال الحديد من الجبال، والإنزال من ظهور الحيوان، وغير ذلك، فقوله: { نَزَّلَهُ رُوحُ الْقُدُسِ مِن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } بيان لنزول جبريل به من الله، كقوله: { نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [2]، أي: أنه مؤتمن لا يزيد ولا ينقص، فإن الخائن قد يغير الرسالة.

وفيها دلالة علي أمور:

منها: بطلان قول من زعم خلقه في جسم كالجهمية من المعتزلة وغيرهم، فإن السلف يسمون من قال بخلقه ونفي الصفات والرؤية جهميا، فإن جهمًا أول من ظهرت عنه بدعة نفي الأسماء والصفات وبالغ في ذلك، فله مزية المبالغة والابتداء بكثرة إظهاره، وإن كان جعد سبقه إلي بعض ذلك، لكن المعتزلة وإن وافقوه في البعض فهم يخالفونه في مثل مسائل الإيمان والقدر وبعض الصفات، وجهم يقول: إن الله لا يتكلم، أو يتكلم مجازا، وهم يقولون: يتكلم حقيقة، ولكن قولهم في المعني قوله، وهو ينفي الأسماء كالباطنية والفلاسفة.

ومنها: بطلان قول من زعم أنه فاض من العقل الفعال أو غيره، وهذا أعظم كفرًا وضلالا من الذي قبله.

ومنها: إبطال قول الأشعرية: إن كلام الله معني وهذا العربي خلق ليدل عليه، سواء قالوا: خلق في بعض الأجسام، أو ألهمه جبريل، أو أخذه من اللوح، فإن هذا لابد له من متكلم تكلم به أولا، وهذا يوافق قول من قال: إنه مخلوق، لكن يفارقه من وجهين:

أحدهما: أن أولئك يقولون: المخلوق كلام الله، وهؤلاء يقولون: إنه كلام مجازًا، وهذا أشر من قول المعتزلة، بل هو قول الجهمية المحضة، لكن المعتزلة يوافقونهم في المعني.

الثاني: أنهم يقولون: لله كلام قائم بذاته، والخلقية يقولون: لا يقوم بذاته؛ فإن الكُلاَّبية خير منهم في الظاهر، لكن في الحقيقة لم يثبتوا كلاما له غير المخلوق.

والمقصود أن الآية تبطل هذا، والقرآن اسم للعربي، لقوله: { فَإِذَا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ } [3]. وأيضا، فقوله: { نَزَّلَهُ } عائد إلي قوله: { وَاللهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ } [4]، فالذي نزله الله هو الذي نزله روح القدس، وأيضا، قال: { وَلَقَدْ نَعْلَمُ أَنَّهُمْ يَقُولُونَ } الآية [5]، وهم يقولون: إنما يعَلِّم هذا القرآن العربي بشر لقوله: { لِّسَانُ الَّذِي يُلْحِدُونَ إِلَيْهِ } [6]... إلخ، فعلم أن محمدا لم يؤلف نظما بل سمعه من روح القدس، وروح القدس الذي نزل به من الله، فعلم أنه سمعه منه، لم يؤلفه هو.

ونظيرها قوله: { وَهُوَ الَّذِي أَنَزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلا } [7] والكتاب: اسم للقرآن بالضرورة والاتفاق؛ فإنهم أو بعضهم يفرقون بين كتاب الله وكلامه، ولفظ «الكتاب»: يراد به المكتوب فيه، فيكون هو الكلام، ويراد به ما يكتب فيه، كقوله: { فِي كِتَابٍ مَّكْنُونٍ } [8]، وقوله: { وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَابًا يَلْقَاهُ مَنشُورًا } [9]، وقوله: { يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مُنَزَّلٌ مِّن رَّبِّكَ بِالْحَقِّ } [10]، إخبار مستشهد بهم، فمن لم يقر به منا فهم خير منه من هذا الوجه.

وهذا لا ينافي ما جاء عن ابن عباس وغيره: أنه أنزل في ليلة القدر إلي بيت العزة في السماء الدنيا، ولا ينافي أنه مكتوب في اللوح قبل نزوله، سواء كتبه الله قبل أن يرسل به جبريل، أو بعده. فإذا أنزل جملة إلي بيت العزة فقد كتبه كله قبل أن ينزله، والله يعلم ما كان وما يكون، وما لا يكون لو كان كيف يكون، وهو قد كتب المقادير وأعمال العباد قبل أن يعملوها، ثم يأمر بكتابتها بعد أن يعملوها، فيقابل بين الكتابة المتقدمة والمتأخرة فلا يكون بينهما تفاوت، هكذا قال ابن عباس وغيره. فإذا كان ما يخلقه بائنًا عنه قد كتبه قبل أن يخلقه، فكيف لا يكتب كلامه الذي يرسل به ملائكته قبل أن يرسلهم؟.

ومن قال: إن جبرائيل أخذه عن الكتاب، لم يسمعه من الله فهو باطل من وجوه:

منها: أنه سبحانه كتب التوراة لموسى بيده، فبنو إسرائيل أخذوا كلامه من الكتاب الذي كتبه ومحمد عن جبريل عن الكتاب فهم أعلي بدرجة، ومن قال: إنه ألقي إلي جبريل معاني وعبر بالعربي فمعناه أنه ألهمه إلهاما، وهذا يكون لآحاد المؤمنين، كقوله: { وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوَارِيِّينَ أَنْ آمِنُواْ بِي وَبِرَسُولِي } [11]، { وَأَوْحَيْنَا إِلَى أُمِّ مُوسَى } [12]، فيكون هذا أعلي من أخذ محمد ﷺ.

وأيضا: فإنه سبحانه قال: { إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ } إلي قوله: { وَكَلَّمَ اللهُ مُوسَى تَكْلِيمًا } [13]، وهذا يدل علي أمور: علي أنه يكلم العبد تكليما زائدًا علي الوحي الذي هو قسيم التكليم الخاص.

فإن لفظ التكليم والوحي كل منهما ينقسم إلي عام وخاص، فالتكليم العام: هو المقسوم في قوله: { وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ اللَّهُ إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ } الآية [14]. فالتكليم المطلق قسيم الوحي الخاص، لا قسمًا منه، وكذلك الوحي يكون عامًا فيدخل فيه التكليم الخاص، كقوله: { فَاسْتَمِعْ لِمَا يُوحَى } [15]، ويكون قسيمًا له كما في الشورى، وهذا يبطل قول من قال: إنه معني واحد قائم بالذت، فإنه لا فرق بين العام وما لموسى. وفرق سبحانه في الشورى بين الإيحاء، وبين التكليم من وراء حجاب، وبين إرسال رسول فيوحي بإذنه ما يشاء.

هامش

  1. [النحل: 102، 103]
  2. [الشعراء: 193]
  3. [النحل: 98]
  4. [النحل: 101]
  5. [النحل: 103]
  6. [النحل: 103]
  7. [الأنعام: 114]
  8. [الواقعة: 78]
  9. [الإسراء: 13]
  10. [الأنعام: 114]
  11. [المائدة: 111]
  12. [القصص: 7]
  13. [النساء: 163، 164]
  14. [الشورى: 51]
  15. [طه: 13]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الخامس عشر
سورة الأعراف | فصل في حجة إبليس | تفسير قوله تعالى إنه يراكم هو وقبيله | تفسير قوله تعالى وإذا فعلوا فاحشة قالوا وجدنا عليها آباءنا | تفسير قوله تعالى ادعوا ربكم تضرعا وخفية | تفسير قوله تعالى قال الملأ الذين استكبروا من قومه | تفسير بعض آيات مشكلة في سورة الأعراف | تفسير قوله تعالى وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون | فصل في تفسير قوله تعالى واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة | سورة الأنفال | فصل في تفسير قوله تعالى إذ تستغيثون ربكم | فصل في تفسير قوله تعالى فلم تقتلوهم | فصل في قوله تعالى وما كان الله ليعذبهم | سورة التوبة | تفسير في قوله لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان | تفسير قوله تعالى وقالت اليهود عزير ابن الله | تفسير قوله تعالى قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزئون | تفسير قوله تعالى لقد تاب الله على النبي | سورة يونس | فصل تفسير قوله تعالى هو الذي جعل الشمس ضياء | تفسير آيات مشكلة في سورة يونس | سورة هود | فصل تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في تفسير قوله تعالى أفمن كان على بينة من ربه | فصل في أن المؤمن على أمر من الله | فصل في تفسير قوله تعالى كتاب أحكمت آياته | سئل عن تفسير قوله تعالى وأما الذين سعدوا ففي الجنة | سورة يوسف | فصل في تفسير قوله تعالى هيت لك قال معاذ الله | فصل في تفسير قوله تعالى رب السجن أحب إلي | فصل في مقارنة حال يوسف عليه السلام بحال محمد | قال شيخ الإسلام لم يفعل يوسف ذنبا الذي نسي ذكر ربه هو الفتى | سئل عن قوله تعالى قل هذه سبيلي أدعو إلى الله | فصل في تفسير قوله تعالى حتى إذا استيأس الرسل | سورة الرعد | فصل في تفسير قوله تعالى وجعلو لله شركاء قل سموهم | سورة الحجر | فصل في تفسير ثلاث آيات متشابهة اللفظ والمعنى | سورة النحل | فصل في منافع اللباس | تفسير قوله تعالى قل نزله روح القدس من ربك بالحق | سورة الإسراء | تفسير قوله تعالى قل ادعوا الذين زعمتم من دونه | سورة الكهف | فصل في تفسير قوله تعالى وكان الإنسان أكثر شيء جدلا | سورة مريم | فصل في بيان مضمون سورة مريم | سئل عن تفسير قوله تعالى فخلف من بعدهم خلف | سورة طه | فصل في بيان مضمون سورة طه | فصل في طريقتي العلم والعمل | فصل في تفسير قوله تعالى إن هذان لساحران | فصل في نكتة الإعراب في قوله تعالى إن هذان لساحران | سورة الأنبياء | فصل في بيان منزلة سورة الأنبياء | سورة الحج | فصل في بيان المكي والمدني من السورة | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يجادل في الله بغير علم | تفسير قوله تعالى ومن الناس من يعبد الله على حرف | سورة المؤمنون | تفسير قوله تعالى أيعدكم أنكم إذا متم وكنتم ترابا وعظاما | سورة النور | فصل في معاني مستنبطة من سورة النور | فصل في ضرورة امتحان من يراد الزواج منه وغيره | فصل في تعظيم الفاحشة بالباطل | فصل في تفسير قوله تعالى والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء | تفسير قوله تعالى إن الذين يرمون المحصنات الغافلات المؤمنات | فصل في تفسير قوله تعالى يا أيها الذين آمنوا لا تدخلوا بيوتا غير بيوتكم | فصل في تفسير قوله تعالى وتوبوا إلى الله جميعا أيها المؤمنون لعلكم تفلحون | سئل عن تفسير قوله تعالى قل للمؤمنين يغضوا من أبصارهم | سورة الفرقان | فصل في بيان أكبر الكبائر | فصل في تقسيم الأمم | فصل في تقسيم الفضائل | فصل في تفضيل الإسلام على سائر الأديان الأخرى | فصل في بيا ن أجناس الناس | فصل في أن فعل المأمور به صادر عن القوة الإرادية | سورة النمل | تفسير بعض الآيات المشكلة في سورة النمل | سورة الأحزاب | تفسير قوله تعالى النبي أولى بالمؤمنين من أنفسهم | فصل في لفظ الطلاق