50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثالث/الباب الثامن والثلاثون (16)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في إبطال القياس في أحكام الدين(16)
المؤلف: ابن حزم


ولم يقس بيع البر بالشعير والتمر والملح جزافاً، على بيع الذهب والفضة جزافاً، وأطرف من ذلك أنه لم يقس جواز بيع المصوغ من الذهب والفضة جزافاً على قوله في المنع من بيع المصوغ من الذهب والفضة جزافاً على قوله في المنع من بيع المسكوك منهما جزافاً.. ولم يقس بعضهم من سلم في طعام إلى أجل مسمى، فأتاه به الذي هو عليه قبل الأجل، فقال: لا يجيز على قبوله قبل أجله، على قوله فيمن أقرض آخر طعاماً إلى أجل فأتاه به قبل الأجل، قال: يجيز على قبضه، وقاس غيره منهم أحدهما على الآخر: أن يجيز على القبض قبل الأجل. ولم يقس بعضهم تعين الدنانير والدراهم في المغصوب والبيوع على تعين سائر العروض، وقاس غيره منهم بعض ذلك على بعض في تعيين كل ذلك. ولم يقس بعضهم قوله فيمن ابتاع طعاماً فعاب عليه فأباح الإقامة فيه من جميعه ولم يبح من بعضه، على قوله فيه إذا لم يعب عليه فأجاز الإقالة من كله ومن بعضه. ولم يقس بعضهم قوله في بطلان الصرف التفرق قبل تمام القبض، من قوله في جواز الإقالة مع التفرق قبل القبض التفرق اليسير، ولا قاس إباحة ذلك في الإقالة بالتفرق اليسير على التفرق الكثير. ولم يقس بعضهم منعه من التفاضل في الدقيق بالبر على إباحة التفاضل في السويق بالبر، وكلاهما بُر مطحون، لم يسق الدقيق السويق، ولا السويق الدقيق، وأطرف من هذا أنه لم يقس جواز بيع البلح الصغار بالتمر عنده متفاضلاً على المنع البلح الكبار بالتمر.

ولم يقس بعضهم ما يبس من الزفيرف وعيون البقر والخوخ والكمثرى، في حكم جواز بعضه ببعض من جنس واحد متفاضلاً، على منعه من بيع الزبيب والبر والتين والبلوط بعضه ببعض من جنس واحد متفاضلاً، ثم قاس الأصناف الأول على الأصناف الأُخر في المنع من بيع كل ذلك قبل أن يقبض، وقاس غيره منهم كل ذلك بعضه ببعض، حتى السقمونيا والهليلج. وقاس بعضهم المأكول على المأكول في الربا، ولم يقس المعادن بالمعادن في الربا، فأباحوا رطل حديد برطلي حديد، والحديد بالنحاس والذهب والفضة والرصاص والقصدير والزئبق معدنيات كلها. ولم يقس بعضهم قوله: إن القطنية كلها جنس واحد في الزكاة، على أنها أصناف متفرقة في البيوع. ولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع الزبد باللبن، أو الجبن باللبن، أو السمن باللبن جملة، ولا الزيت بالزيتون جملة، على قوله في جواز بيع البر بالدقيق من البر متماثلاً، ولا على قوله في جواز بيع السويق في البُرِّ بالبُرِّ متفاضلاً.

ولم يقس بعضهم قوله: إن سمن البقر وسمن الغنم صنف وقولهم إن لحم الخروف من الضأن ولحم الحمار الوحشي صنف واحد، وكذلك لحم الأرنب على قوله: إن زيت الزيتون وزيت الجلجلان وزيت الفجل أصناف متفرقة، يجوز بعضها ببعض متفاضلاً يداً بيد، ولا يجوز ذلك في نبيذ التمر بنبيذ الزبيب ولا يجوز ذلك في لحم الجمل بلحم الأرنب، ولا في لحم حمار الوحش بلحم الخروف، ولا فرق بين تعليله بأن كل ذلك ذو أربع وبين تعليل غيره أن كل ذلك من الطير ومن غيره لحم، ومن تعليل غيره بالتأنس في الطير وذي الأربع، والتوحش أيضاً فيهما، لأن الله تعالى جزى الصيد بالأنعام. ولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع العنب بالعصير البتة على قوله في إجازة بيع العنب بخل العنب متفاضلاً، وقد يخرج الخل من العنب دون توسط كونه عصيراً. ولم يقس بعضهم قوله: لا يباع اللبن بالسمن أصلاً، لأنهما صنف واحد مجهول نماثله، ولا الشاة اللبون باللبن أصلاً، على إجازته مع الشاة اللبون بالسمن، ولا اللبن بالقمح إلى أجل على إجازته الشاة اللبون بالقمح إلى أجل.

ولم يقيسوا قولهم في المنع من بيع القمح بالقمح بالتحري دون كيل ولا وزن على جواز ذلك عندهم في اللحم باللحم من صنفه، نعم ولم يجيزوا الذهب بالفضة بالتحري وأجازوه في القمح بالتمر بالتحري. ولم يقس بعضهم جواز القمح بالقمح عنده وزناً على منعه من سحالة الذهب بالذهب كيلاً. وأطرف من هذا أن بعضهم لم يقس منعه من اللحم المشوي باللحم النيء جملة على قول في إباحة اللحم المطبوخ باللحم النيء متماثلاً ومتفاضلاً، وكلاهما يدخله ملح وصنعة وأغرب حكم من ذكرنا بأن اللحم والشحم صنف واحد، وأن لحم النعامة والكركي ولحم الزرزور صنف واحد وأن لحم النعامة المطبوخ ولحمها النيء صنفان يجوز فيهما التفاضل. ولم يقس بعضهم جواز دجاجة بدجاجتين على قوله في لحم دجاجة بلحم دجاجتين. ولم يقس بعضهم منعه من ابتياع شاة واستثناء جلدها في الحضر على قوله في إباحة ذلك في السفر. وأغرب من هذا أن بعضهم لم يقس قوله في إباحة ابتياع شاة واستثناء أرطال خفيفة منها، أو استثناء رأسها، على قوله في التحريم أن يستثني يدها أو رجلها أو فخذها، ولم يقس بعضهم منه من ابتياع لحم هذه الشاة الحية على إباحته ابتياعها، واستثناء البائع جلده، والعجب أن هذا الذي منع هو الذي أباح بعينه ليس هو شيئاً آخر، لأنه في كلتا المسألتين إنما اشترى مسلوخها فقط ولا مزيد. ولم يقس بعضهم قوله في جواز بيع صغار الحيتان جزافاً على منعه من بيع كباره جزافاً وقد يكون تكلف عد الكبار لكثرتها أصعب من عد الصغار لقلتها. ولم يقس بعضهم قوله في المنع من ابتياع رطل لحم من هذه الشاة وإن شرع في ذبحها على قوله في إباحه ابتياع رطل من لبنها إذا شرع في حلبه.

ولم يقس بعضهم قوله في المنع من بيع لبن هذه الشاة شهراً على إباحة بيع لبنها كيلاً، وعلى إباحة بيع لبن هذه الغنم شهراً. ولم يقس بعضهم قوله في منع اقتسام الزرع والقمح بالتحري على قوله في إجازة قسمة اللحم بالتحري. ولم يقس بعضهم بيع بطن بعد بطن جملة، شجر تحمل بطنين في السنة، على قوله في إجازة بيع المقاثي بطناً بعد بطن، والفصيل كذلك. وقاس بعضهم جواز السلم في المعدود والمزروع وغير ذلك على جواز السلم في المكيل والموزون، ولم يقيسوا جواز السلم حالاً على جوازه إلى أجل وقاس بعضهم كل ذلك بالجواز. ولم يقس بعضهم جواز إنكاح اليتيمة بنت عشر سنين للفاقة على منعه في إباحة الفروج للضرورة. وقاس بعضهم فاعل فعل قوم لوط على الزاني، ولم يقس واطىء البهيمة على الزاني، وكلاهما واطىء في مكان محرم. ولم يقيسوا الغاصب على السارق ولا على المحارب، وكلاهما أخذ مالاً بغير حق، والغاصب بالمحارب مستويان في الإخافة وأخذ المال، ولا سيما بعضهم يقول بقياس الشارب على القاذف، فقد بان تناقضهم. فإن قالوا: إن الصحابة قاسوا الشارب على القاذف، فقد تقدم تكذيب هذه الدعوى لا سيما وقد كفانا بعضهم المؤنة في هذا، فنسوا أنفسهم وقالوا: الحدود لا تؤخذ قياساً، وقد علمنا أن كل ما جاز للصحابة فهو جائز لمن بعدهم، وما حدث دين جديد بعد موت النبي وأين الائتساء بالصحابة رضوان الله عليهم حتى يتركوا النصوص لقول بعضهم إذا وافق تقليدهم؟ فيلزمهم أن يوجبوا حدّاً على شارب الدم وأكل الميتة ولحم الخنزير. وقد قاس بعض الفقهاء هؤلاء على شارب الخمر؛ فرأى على كل واحد منهما ثمانين جلدة، وهو الأوزاعي، مع أن قياس شرب الدم على شرب الخمر، لو جاز القياس، أولى من قياس شرب الخمر على قذف محصنة. ووجدنا بعضهم قد قاس من سرق أو شرب أو زنى ثم تاب واعترض على المحارب في سقوط الحد عنه. حدثنا يحيى بن عبد الرحمن، حدثنا أحمد بن دحيم، حدثنا إبراهيم بن حماد، حدثنا إسماعيل بن إسحاق، ثنا نصر بن علي، ثنا محمد بن بكر ــــ هو البُرْساني ــــ عن ابن جريج، عن هشام بن عروة، عن أبيه قال: إذا سرق اللص ثم جاء تائباً فلا قطع عليه. وبعضهم لم يقس هؤلاء على المحارب، وقاسهم على القاتل، والقاتل أبعد شبهاً من الحدود الواجبة من المحارب. وقد قاس بعضهم القاتل إذا عفي عنه على الزاني غير المحصن، ولم يقس المرتد إذا راجع الإسلام، ولا المحارب إذا تاب قبل القدرة عليه، أو إذا عفا الإمام عن قتله، أو اقتصر على ما دون ذلك، وكل هذا تناقض.

وقد ساوى الله تعالى بين الخمر والميسر، والأنصاب والأزلام، فهلا قاسوا وأوجبوا على لاعب القمار والميسر، وعلى المستقسم بالأزلام حدّاً كحد الخمر ثانياً. وبعضهم لم يقس قوله في جواز بيع جزء مشاع على قوله في المنع من جواز رهنه وهبته والصداق به. وأكثرهم قاس البيع حين النداء للجمعة، على النكاح حينئذ والإجازة في جواز ذلك أو في إبطال كل ذلك. وقد قاس بعضهم دخول حمل الجارية من غير سيدها، وابن الشاة، وحمل الشجر في الرهن على كون الحوامل لكل ذلك في الرهن، ولم يقس سقوط ما قابل الحوامل إذا تلفت من الشيء المرتهن فيه على قوله: إنه لا يسقط من الحق شيء يتلف الولد والحمل واللبن.

وبعضهم لم يقس قوله في بيع القاضي دنانير الغرم في ديونه التي هي دراهم أو دراهمه في ديونه التي هي دنانير، على قوله في المنع من بيع ما هذا ما عدا ذلك في ديونه. وبعضهم لم يقس قوله في المنع من بيع مال الحي، على قوله في إباحة بيع مال الميت في ديونهما. وبعضهم لم يقس قوله في جواز النكاح بشهادة حرَّين فاسقين، على قوله في إبطال النكاح بشهادة عبدين عدلين. وأكثرهم لم يقس الكافر الوثني يسلم فيعرض على امرأته الإسلام فتأبى، فيفسخ النكاح عنده، على قوله في امرأة الكافر تسلم فيستأني عنده بفسخ نكاحه ما لم تنقض عدتها، ولم يسلم هو، وبعضهم ساوى بين الأمرين. وبعضهم لم يقس قوله في كل كافر تزوج كافرة على خمر بعينها أو خنزير بعينه، ثم أسلما فلا شيء لها غير ذلك ــــ على قوله: إن أصدقها خمراً بغير عينها، أو خنزيراً بغير عينه، ثم أسلما فقال: لها في الخمر قيمتها، ولها في الخنزير مهر مثلها. وبعضهم لم يقس الحر يتزوج المرأة على خدمته لها شهراً ــــ فقال: لها مهر مثلها ــــ على العبد يتزوجها على ذلك، وقال: ليس لها إلا خدمته لها. ولم يقس بعضهم إيجابه الطلاق على الذمي على قوله في إسقاط العدة عن الذمية يطلقها الذمي.

ولم يقس بعضهم قوله: إن أجل العبد في العنة ستة أشهر، وأجله في الإيلاء شهران، وأجل الأمة في المفقود سنتان، وطلاق العبد تطليقتان، وعدة الأمة حيضتان، على قوله: إن للعبد أن يتزوج أربعاً، وعلى قوله: إن صيامه في الظهار شهران، وفي الوطء في نهار رمضان كذلك، وفي قتل الخطأ كذلك، وشهادة العبد والأمة أربع شهادات في اللعان كالحر والحرة، وعدة المستحاضة الأمة سنة كالحرة. وقاس كل ذلك بعضهم فجعل حكم العبد كل ذلك على نصف حكم الحر.

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثالث

في دليل الخطاب (1) | في دليل الخطاب (2) | في دليل الخطاب (3) | في دليل الخطاب (4) | في دليل الخطاب (5) | في إبطال القياس في أحكام الدين(1) | في إبطال القياس في أحكام الدين(2) | في إبطال القياس في أحكام الدين(3) | في إبطال القياس في أحكام الدين(4) | في إبطال القياس في أحكام الدين(5) | في إبطال القياس في أحكام الدين(6) | في إبطال القياس في أحكام الدين(7) | في إبطال القياس في أحكام الدين(8) | في إبطال القياس في أحكام الدين(9) | في إبطال القياس في أحكام الدين(10) | في إبطال القياس في أحكام الدين(11) | في إبطال القياس في أحكام الدين(12) | في إبطال القياس في أحكام الدين(13) | في إبطال القياس في أحكام الدين(14) | في إبطال القياس في أحكام الدين(15) | في إبطال القياس في أحكام الدين(16) | في إبطال القياس في أحكام الدين(17)