مقدمة فتح الباري/الفصل الثالث

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث

الفصل الثالث في بيان تقطيعه للحديث واختصاره وفائدة اعادته له في الأبواب وتكراره

قال الحافظ أبو الفضل محمد بن طاهر المقدسي فيما رويناه عنه في جزء سماه جواب المتعنت اعلم أن البخاري رحمه الله كان يذكر الحديث في كتابه في مواضع ويستدل به في كل باب بإسناد آخر ويستخرج طريق واحدة فيتصرف حينئذ فيه فيورده في موضع موصولا وفي موضع معلقا ويورده تارة تاما وتارة مقتصرا على طرفه الذي يحتاج اليه في ذلك الباب فان كان المتن مشتملا على جمل متعددة لا تعلق لإحداها بالأخرى فإنه منه بحسن استنباطه وغزارة فقهه معنى يقتضيه الباب الذي أخرجه فيه وقلما يورد حديثا في موضعين بإسناد واحد ولفظ واحد وإنما يورده من طريق أخرى لمعان نذكرها والله أعلم بمراده منها فمنها أنه يخرج الحديث عن صحابي ثم يورده عن صحابي آخر والمقصود منه أن يخرج الحديث عن حد الغرابة وكذلك يفعل في أهل الطبقة الثانية والثالثة وهلم جرا إلى مشايخه فيعتقد من يرى ذلك من غير أهل الصنعة أنه تكرار وليس كذلك لاشتماله على فائدة زائدة ومنها أنه صحيح أحاديث على هذه القاعدة يشتمل كل حديث منها على معان متغايرة فيورده في كل باب من طريق غير الطريق الأولى ومنها أحاديث يرويها بعض الرواة تامة ويرويها بعضهم مختصرة فيوردها كما جاءت ليزيل الشبهة عن ناقليها ومنها أن الرواة ربما اختلفت عباراتهم فحدث راو بحديث فيه كلمة تحتمل معنى وحدث به آخر فعبر عن تلك الكلمة بعينها بعبارة أخرى تحتمل معنى آخر فيورده بطرقه إذا صحت على شرطه ويفرد لكل لفظه بابا مفردا ومنها أحاديث تعارض فيها الوصل والارسال ورجح عنده الوصل فاعتمده وأورد الإرسال منبها على أنه لا تأثير له عنده في الوصل ومنها أحاديث تعارض فيها الوقف والرفع والحكم فيها كذلك ومنها أحاديث زاد فيها بعض الرواة رجلا في الإسناد ونقصه بعضهم فيوردها على الوجهين حيث يصح عنده أن الراوي سمعه من شيخ حدثه به عن آخر ثم لقي الآخر فحدثه به فكان يرويه على الوجهين ومنها أنه ربما أورد حديثا عنعنه راويه فيورده من طريق أخرى مصرحا فيها بالسماع على ما عرف من طريقته في اشتراط ثبوت اللقاء في المعنعن فهذا جميعه فيما يتعلق بإعادة المتن الواحد في موضع آخر أو أكثر وأما تقطيعه للحديث في الأبواب تارة واقتصاره منه على بعضه أخرى فذلك لأنه إن كان المتن قصيرا أو مرتبطا بعضه ببعض وقد اشتمل على حكمين فصاعدا فإنه يعيده بحسب ذلك مراعيا مع ذلك عدم إخلائه من فائدة حديثية وهي إيراده له عن شيخ سوى الشيخ الذي أخرجه عنه قبل ذلك كما تقدم تفصيله فتستفيد بذلك تكثير الطرق لذلك الحديث وربما ضاق عليه مخرج الحديث حيث لا يكون له إلا يخرج كل جملة منها في باب مستقل فرارا من التطويل وربما نشط فساقه بتمامه فهذا كله في التقطيع وقد حكى بعض شراح البخاري أنه وقع في أثناء الحج في بعض النسخ بعد باب قصر الخطبة بعرفة باب تعجيل الوقوف قال أبو عبد الله يزاد في هذا الباب حديث مالك عن بن شهاب ولكني لا أريد أن أدخل فيه معادا انتهى وهو يقتضي أنه لا يتعمد أن يخرج في كتابه حديثا معادا بجميع إسناده ومتنه وإن كان قد وقع له من ذلك شيء فعن غير قصد وهو قليل جدا سأنبه على مواضعه من الشرح حيث أصل إليها إن شاء الله تعالى وأما اقتصاره على بعض المتن ثم لا يذكر الباقي في موضع آخر فإنه لا يقع له ذلك في الغالب إلا حيث يكون المحذوف موقوفا على الصحابي وفيه شيء قد يحكم برفعه فيقتصر على الجملة التي يحكم لها بالرفع ويحذف الباقي لأنه لا تعلق له بموضوع كتابه كما وقع له في حديث هزيل بن شرحبيل عن عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون هكذا أورده وهو مختصر من حديث موقوف أوله جاء رجل إلى عبد الله بن مسعود فقال إني أعتقت عبدا لي سائبة فمات وترك مالا ولم يدع وارثا فقال عبد الله إن أهل الإسلام لا يسيبون وإن أهل الجاهلية كانوا يسيبون فأنت ولي نعمته فلك ميراثه فإن تأثمت وتحرجت في شيء فنحن نقبله منك ونجعله في بيت المال فاقتصر البخاري على ما يعطي حكم الرفع من هذا الحديث الموقوف وهو قوله إن أهل الإسلام ليسبون لأنه يستدعى بعمومه النقل عن صاحب الشرع لذلك الحكم واختصر الباقي لأنه ليس من موضوع كتابه وهذا من أخفى المواضع التي وقعت له من هذا الجنس وإذا تقرر ذلك اتضح أنه لا يعيد إلا لفائدة حتى لو لم تظهر لإعادته فائدة من جهة الإسناد ولا من جهة المتن لكان ذلك لإعادته لأجل مغايرة الحكم التي تشتمل عليه الترجمة الثانية موجبا لئلا يعد مكررا بلا فائدة كيف وهو لا يخليه مع ذلك من فائدة إسنادية وهي إخراجه للإسناد عن شيخ غير الشيخ الماضي أو غير ذلك على ما سبق تفصيله وهذا بين لمن استقرأ كتابه وأنصف من نفسه والله الموفق لا إله غيره



هدي الساري مقدمة فتح الباري لابن حجر العسقلاني
المقدمة | الفصل الأول في بيان السبب الباعث لأبي عبد الله البخاري على تصنيف جامعه الصحيح وبيان حسن نيته في ذلك | الفصل الثاني في بيان موضوعه والكشف عن مغزاه فيه | الفصل الثالث في بيان تقطيعه للحديث واختصاره وفائدة اعادته له في الأبواب وتكراره | الفصل الرابع في بيان السبب في إيراده للأحاديث المعلقة مرفوعة وموقوفة وشرح أحكام ذلك | الفصل الخامس في سياق ما في الكتاب من الألفاظ الغريبة على ترتيب الحروف مشروحا | الألف | الباء | التاء | الثاء | الجيم | الحاء | الخاء | الدال | الذال | الراء | الزاي | السين | الشين | الصاد | الضاد | الطاء | الظاء | العين | الغين | الفاء | القاف | الكاف | اللام | الميم | النون | الهاء | الواو | الياء | الفصل السادس في بيان المؤتلف والمختلف من الأسماء والكنى والألقاب والأنساب مما وقع في صحيح البخاري على ترتيب الحروف ممن له ذكر فيه أو رواية وضبط الأسماء المفردة فيه | الفصل السابع في تبيين الأسماء المهملة التي يكثر اشتراكها | ذكر من اسمه أحمد | ذكر من اسمه إسحاق | ذكر من اسمه إسماعيل | ذكر من اسمه حبان وغير ذلك | ذكر من اسمه عبدة | ذكر من اسمه عثمان | ذكر من اسمه علي | ذكر من اسمه عمر | ذكر من اسمه عياش | ذكر من اسمه محمد | ذكر من اسمه محمود | ذكر من اسمه مسلم | ذكر من اسمه موسى | ذكر من اسمه هارون | ذكر من اسمه هشام | ذكر من اسمه يحيى | ذكر من اسمه يعقوب | ذكر من اسمه يوسف | ذكر من يكنى أبا أحمد | ذكر من يكنى أبا صالح | ذكر من يكنى أبا معمر | ذكر من يكنى أبا الوليد | فصل في تسمية من اشتهر بالكنية وتكرر اسمه غالبا | فصل فيمن ذكر باسم أبيه أو جده أو نحو ذلك | الفصل الثالث في تسمية من ذكر من الأنساب | الفصل الرابع فيمن يذكر بلقب ونحوه | حسب الكتب والأبواب | الفصل الثامن في سياق الأحاديث التي انتقدها عليه حافظ عصره أبو الحسن الدارقطني وغيره من النقاد وإيرادها حديث حديثا على سياق الكتاب وسياق ما حضر من الجواب عن ذلك | الفصل التاسع في سياق أسماء من طعن فيه من رجال هذا الكتاب مرتبا لهم على حروف المعجم والجواب عن الاعتراضات موضعا موضعا وتمييز من أخرج له منهم في الأصول أو في المتابعات والاستشهادات مفصلا لذلك جميعه | الألف | الباء | التاء | الثاء | الجيم | الحاء | الخاء | الدال | الذال | الراء | الزاي | السين | الشين | الصاد | الطاء | العين | الغين | الفاء | القاف | الكاف | الميم | النون | الهاء | الواو | الياء | فصل في سياق من علق البخاري شيئا من أحاديثهم ممن تكلم فيه | فصل في تمييز أسباب الطعن في المذكورين ومنه يتضح من يصلح منهم للاحتجاج به ومن لا يصلح | الفصل العاشر في عد أحاديث الجامع | ذكر مناسبة الترتيب المذكور بالأبواب المذكورة | ذكر عدة ما لكل صحابي في صحيح البخاري | ذكر مراتب مشايخه الذين كتب عنهم وحدث عنهم | ذكر ثناء الناس عليه وتعظيمهم له | ذكر جمل من الأخبار الشاهدة لسعة حفظه وسيلان ذهنه واطلاعه على العلل