مجموع الفتاوى/المجلد السابع/الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم
ابن تيمية

الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم[عدل]

أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة، ولا تتلازم عند الضعف، فإذا قوى ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله، أوجب بغض أعداء الله، كما قال تعالى: {وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء } [1]، وقال: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [2]. وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافرًا، كما حصل من حاطب بن أبي بَلْتَعَة، لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي ﷺ، وأنزل الله فيه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء تُلْقُونَ إِلَيْهِم بِالْمَوَدَّةِ} [3].

وكما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أُبَيّ في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ: كذبت والله، لا تقتله، ولا تقدر على قتله، قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلا صالحًا، ولكن احتملته الحَمِيَّة، ولهذه الشبهة سمى عمر حاطبًا منافقًا، فقال: دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق. فقال: «إنه شهد بَدْرًا» فكان عمر متأولا في تسميته منافقًا للشبهة التي فعلها.

وكذلك قول أسَيْد بن حُضَيْر لسعد بن عبادة، كذبت لعمر الله! لنقتلنه، إنما أنت منافق تجادل عن المنافقين، هو من هذا الباب. وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدُّخْشُم: منافق، وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين.

ولهذا لم يكن المتهمون بالنفاق نوعًا واحدًا، بل فيهم المنافق المحض، وفيهم من فيه إيمان ونفاق، وفيهم من إيمانه غالب، وفيه شعبة من النفاق، وكان كثير ذنوبهم بحسب ظهور الإيمان، ولما قوى الإيمان وظهر الإيمان وقوته عام تبوك، صاروا يعاتبون من النفاق على ما لم يكونوا يعاتبون عليه قبل ذلك. ومن هذا الباب، ما يروي عن الحسن البصري ونحوه من السلف، أنهم سموا الفساق منافقين، فجعل أهل المقالات هذا قولا مخالفًا للجمهور، إذا حكوا تنازع الناس في الفاسق المِلِّي، هل هو كافر؟ أو فاسق ليس معه إيمان؟ أو مؤمن كامل الإيمان؟ أو مؤمن بما معه من الإيمان، فاسق بما معه من الفسق؟ أو منافق، والحسن رحمه الله تعالى لم يقل ما خرج به عن الجماعة، لكن سماه منافقًا على الوجه الذي ذكرناه.

والنفاق كالكفر نفاق دون نفاق؛ ولهذا كثيرًا ما يقال: كفر ينقل عن الملة، وكفر لا ينقل، ونفاق أكبر، ونفاق أصغر، كما يقال: الشرك شركان: أصغر، وأكبر، وفي صحيح أبي حاتم وغيره عن النبي ﷺ أنه قال: «الشرك في هذه الأمة أخفى من دبيب النمل» فقال أبو بكر: يا رسول الله، كيف ننجو منه، وهو أخفى من دبيب النمل؟ فقال: «ألا أعلمك كلمة إذا قلتها نجوت من دقه وجله؟ قل: اللهم إني أعوذ بك أن أشرك بك، وأنا أعلم، وأستغفرك لما لا أعلم»، وفي الترمذي عن النبي ﷺ أنه قال: «من حلف بغير الله فقد أشرك» قال الترمذي: حديث حسن.

وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص، لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه، كما قال: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، ومنه قوله: «من غَشَّنَا فليس مِنَّا، ومن حمل علينا السلاح فليس منا». فإن صيغة أنا ونحن ونحو ذلك من ضمير المتكلم في مثل ذلك، يتناول النبي ﷺ، والمؤمنين معه الإيمان المطلق الذي يستحقون به الثواب، بلا عقاب، ومن هنا قيل: إن الفاسق المِلي يجوز أن يقال: هو مؤمن باعتبار، ويجوز أن يقال: ليس مؤمنًا باعتبار.

وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلمًا لا مؤمنًا، ولا منافقًا مطلقًا، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة، ولهذا أنكر أحمد وغيره من الأئمة على من فسر قوله ﷺ: «ليس منا»: ليس مثلنا، أو ليس من خيارنا، وقال: هذا تفسير المرجئة، وقالوا: لو لم يفعل هذه الكبيرة، كان يكون مثل النبي ﷺ. وكذلك تفسير الخوارج والمعتزلة، بأنه يخرج من الإيمان بالكلية، ويستحق الخلود في النار، تأويل منكر، كما تقدم، فلا هذا ولا هذا.

ومما يبين ذلك أنه من المعلوم أن معرفة الشيء المحبوب تقتضي حبه، ومعرفة المعظم تقتضي تعظيمه، ومعرفة المخوف تقتضي خوفه، فنفس العلم والتصديق بالله وما له من الأسماء الحسنى، والصفات العلى يوجب محبة القلب له وتعظيمه وخشيته، وذلك يوجب إرادة طاعته وكراهية معصيته. والإرادة الجازمة مع القدرة تستلزم وجود المراد ووجود المقدور عليه منه، فالعبد إذا كان مريدًا للصلاة إرادة جازمة مع قدرته عليها صلى، فإذا لم يصل مع القدرة دل ذلك على ضعف الإرادة.

وبهذا يزول الاشتباه في هذا المقام، فإن الناس تنازعوا في الإرادة بلا عمل، هل يحصل بها عقاب؟ وكثر النزاع في ذلك. فمن قال: لا يعاقب احتج بقول النبي ﷺ الذي في الصحيحين: «إن الله تجاوز لأمتي عما حَدَّثَتْ به أنفسها، ما لم تتكلم به أو تعمل به»، وبما في الصحيحين من حديث أبي هريرة وابن عباس رضي الله عنه أن النبي ﷺ قال: «إذا هَمَّ العبد بسيئة لم تكتب عليه، فإن عملها كتبت عليه سيئة واحدة، وإذا هم بحسنة كتبت له حسنة كاملة، فإن عملها كتبت له عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف» وفي رواية: «فإن تركها فاكتبوها له حسنة، فإنما تركها من جَرَّائي».

ومن قال: يعاقب، احتج بما في الصحيح عن النبي ﷺ أنه قال: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار»، قيل: يا رسول الله، هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه أراد قتل صاحبه»، وبالحديث الذي رواه الترمذي وصححه عن أبي كَبْشَةَ الأنماري عن النبي ﷺ: في الرجلين الذين أوتى أحدهما علمًا ومالا فهو ينفقه في طاعة الله، ورجل أوتي علما ولم يؤت مالا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: «فهما في الأجر سواء»، ورجل آتاه الله مالا ولم يؤته علمًا فهو ينفقه في معصية الله، ورجل لم يؤته الله علمًا ولا مالا، فقال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، قال: «فهما في الوِزْر سواء».

والفصل في ذلك أن يقال: فرق بين الهم والإرادة، فالهم قد لا يقترن به شيء من الأعمال الظاهرة، فهذا لا عقوبة فيه بحال، بل إن تركه لله، كما ترك يوسف همه، أثيب على ذلك كما أثيب يوسف؛ ولهذا قال أحمد: الهَمُّ هَمَّانِ: هَمّ خطرات، وهمّ إصرار، ولهذا كان الذي دل عليه القرآن أن يوسف لم يكن له في هذه القضية ذنب أصلا، بل صرف الله عنه السوء والفحشاء إنه من عباده المخلصين، مع ما حصل من المراودة، والكذب، والاستعانة عليه بالنسوة، وحبسه، وغير ذلك من الأسباب التي لا يكاد بشر يصبر معها عن الفاحشة، ولكن يوسف اتقى الله وصبر، فأثابه الله برحمته في الدنيا، {وَلَأَجْرُ الآخِرَةِ خَيْرٌ لِّلَّذِينَ آمَنُواْ وَكَانُواْ يَتَّقُونَ} [4].

وأما الإرادة الجازمة، فلابد أن يقترن بها مع القدرة فعل المقدور ولو بنظرة، أو حركة رأس، أو لفظة، أو خطوة، أو تحريك بدن، وبهذا يظهر معنى قوله ﷺ: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما، فالقاتل والمقتول في النار» فإن المقتول أراد قتل صاحبه فعمل ما يقدر عليه من القتال، وعجز عن حصول المراد، وكذلك الذي قال: لو أن لي مثل ما لفلان لعملت فيه مثل ما يعمل فلان، فإنه أراد فعل ما يقدر عليه وهو الكلام، ولم يقدر على ذلك؛ ولهذا كان من دعا إلى ضلالة، كان عليه مثل أوزار من اتبعه، من غير أن ينقص من أوزارهم شيئًا؛ لأنه أراد ضلالهم ففعل ما يقدر عليه من دعائهم، إذ لا يقدر إلا على ذلك.

وإذا تبين هذا في الإرادة، والعمل، فالتصديق الذي في القلب وعلمه يقتضي عمل القلب، كما يقتضي الحس الحركة الإرادية؛ لأن النفس فيها قوتان: قوة الشعور بالملائم والمنافي والإحساس بذلك، والعمل والتصديق به، وقوة الحب للملائم والبغض للمنافي، والحركة عن الحس بالخوف والرجاء والموالاة والمعاداة، وإدراك الملائم يوجب اللذة، والفرح والسرور، وإدراك المنافي، يوجب الألم والغم، وقد قال النبي ﷺ «كل مولود يولد على الفطرة، فأبواه يُهَوِّدَانِه أو يُنَصِّرَانِه أو يُمَجِّسَانِهِ كما تُنْتِج البهيمةُ بَهِيمةً جَمْعَاء هل تحسون فيها من جَدْعَاء».

فالقلوب مفطورة على الإقرار بالله، تصديقًا به ودينًا له، لكن يعرض لها ما يفسدها، ومعرفة الحق تقتضي محبته، ومعرفة الباطل تقتضي بغضه، لما في الفطرة من حب الحق وبغض الباطل، لكن قد يعرض لها ما يفسدها إما من الشبهات التي تصدها عن التصديق بالحق، وإما من الشهوات التي تصدها عن اتباعه؛ ولهذا أمرنا الله أن نقول في الصلاة: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ صِرَاطَ الَّذِينَ أَنعَمتَ عَلَيهِمْ غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [5]، وقال النبي ﷺ«اليهود مغضوب عليهم، والنصارى ضالون»؛ لأن اليهود يعرفون الحق كما يعرفون أبناءهم، ولا يتبعونه لما فيهم من الكبر والحسد الذي يوجب بغض الحق ومعاداته، والنصارى لهم عبادة، وفي قلوبهم رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها، لكن بلا علم، فهم ضلال. هؤلاء لهم معرفة بلا قصد صحيح، وهؤلاء لهم قصد في الخير بلا معرفة له، وينضم إلى ذلك الظن، واتباع الهوى، فلا يبقى في الحقيقة معرفة نافعة، ولا قصد نافع، بل يكون كما قال تعالى عن مشركي أهل الكتاب: {وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أَصْحَابِ السَّعِيرِ} [6]، وقال تعالى: {وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِّنَ الْجِنِّ وَالإِنسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لاَّ يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لاَّ يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لاَّ يَسْمَعُونَ بِهَا أُوْلَئِكَ كَالأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُوْلَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ} [7].

فالإيمان في القلب لا يكون إيمانًا بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما أنه لا يكون إيمانًا بمجرد ظن وهوى، بل لابد في أصل الإيمان من قول القلب، وعمل القلب.

وليس لفظ الإيمان مرادفًا للفظ التصديق، كما يظنه طائفة من الناس، فإن التصديق يستعمل في كل خبر، فيقال لمن أخبر بالأمور المشهورة مثل: الواحد نصف الاثنين والسماء فوق الأرض، مجيبًا: صدقت، وصدقنا بذلك، ولا يقال: آمنا لك، ولا آمنا بهذا، حتى يكون المخبر به من الأمور الغائبة، فيقال للمخبر: آمنا له، وللمخبر به: آمنا به، كما قال إخوة يوسف: {وَمَا أَنتَ بِمُؤْمِنٍ لِّنَا} [8] أي بمقر لنا، ومصدق لنا، لأنهم أخبروه عن غائب، ومنه قوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لَكَ وَاتَّبَعَكَ الْأَرْذَلُونَ} [9]، وقوله تعالى: {يُؤْمِنُ بِالله وَيُؤْمِنُ لِلْمُؤْمِنِينَ} [10]، وقوله تعالى: {أَنُؤْمِنُ لِبَشَرَيْنِ مِثْلِنَا وَقَوْمُهُمَا لَنَا عَابِدُونَ} [11]، وقوله تعالى: {وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ} [12]، {فَمَا آمَنَ لِمُوسَى إِلاَّ ذُرِّيَّةٌ مِّن قَوْمِهِ} [13] أي: أقر له.

وذلك أن الإيمان يفارق التصديق، أي: لفظًا ومعنى، فإنه أيضا يقال: صدقته، فيتعدى بنفسه إلى المصدق، ولا يقال: أمنته، إلا من الأمان الذي هو ضد الإخافة، بل آمنت له، وإذا ساغ أن يقال: ما أنت بمصدق لفلان، كما يقال: هل أنت مصدق له؟ لأن الفعل المتعدى بنفسه إذا قدم مفعوله عليه، أو كان العامل اسم فاعل، ونحوه مما يضعف عن الفعل، فقد يعدونه باللام تقوية له، كما يقال: عرفت هذا، وأنا به عارف، وضربت هذا، وأنا له ضارب، وسمعت هذا ورأيته، وأنا له سامع، وراء، كذلك يقال: صدقته وأنا له مصدق، ولا يقال: صدقت له به، وهذا خلاف آمن، فإنه لا يقال إذا أردت التصديق: آمنته كما يقال: أقررت له، ومنه قوله: آمنت له كما يقال: أقررت له، فهذا فرق في اللفظ.

والفرق الثاني: ما تقدم من أن الإيمان لا يستعمل في جميع الأخبار، بل في الإخبار عن الأمور الغائبة، ونحوها مما يدخلها الريب، فإذا أقر بها المستمع قيل: آمن، بخلاف لفظ التصديق، فإنه عام متناول لجميع الأخبار.

وأما المعنى: فإن الإيمان مأخوذ من الأمن، الذي هو الطمأنينة، كما أن لفظ الإقرار: مأخوذ من قَرَّ يَقِرُّ، وهو قريب من آمن يأمن، لكن الصادق يطمئن إلى خبره، والكاذب بخلاف ذلك، كما يقال: الصدق طمأنينة والكذب رِيبَةٌ، فالمؤمن دخل في الأمن كما أن المقر دخل في الإقرار، ولفظ الإقرار يتضمن الالتزام ثم إنه يكون على وجهين:

أحدهما: الإخبار، وهو من هذا الوجه كلفظ التصديق، والشهادة ونحوهما. وهذا معنى الإقرار الذي يذكره الفقهاء في كتاب الإقرار.

والثاني: إنشاء الالتزام كما في قوله تعالى: {أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ} [14]. وليس هو هنا بمعنى الخبر المجرد، فإنه سبحانه قال: {وَإِذْ أَخَذَ الله مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} فهذا الالتزام للإيمان والنصر للرسول وكذلك لفظ الإيمان فيه إخبار وإنشاء والتزام، بخلاف لفظ التصديق المجرد، فمن أخبر الرجل بخبر لا يتضمن طمأنينة إلى المخبر؛ لا يقال فيه: آمن له بخلاف الخبر الذي يتضمن طمأنينة إلى المخبر، والمخبر قد يتضمن خبره طاعة المستمع له، وقد لا يتضمن إلا مجرد الطمأنينة إلى صدقه، فإذا تضمن طاعة المستمع لم يكن مؤمنًا للمخبر، إلا بالتزام طاعته مع تصديقه، بل قد استعمل لفظ الكفر المقابل للإيمان في نفس الامتناع عن الطاعة والانقياد، فقياس ذلك أن يستعمل لفظ الإيمان كما استعمل لفظ الإقرار في نفس التزام الطاعة والانقياد؛ فإن الله أمر إبليس بالسجود لآدم، فأبى واستكبر وكان من الكافرين.

وأيضا، فلفظ التصديق إنما يستعمل في جنس الإخبار، فإن التصديق إخبار بصدق المخبر؛ والتكذيب إخبار بكذب المخبر، فقد يصدق الرجل الكاذب تارة، وقد يكذب الرجل الصادق أخرى، فالتصديق والتكذيب نوعان من الخبر، وهما خبر عن الخبر فالحقائق الثابتة في نفسها التي قد تعلم بدون خبر، لا يكاد يستعمل فيها لفظ التصديق والتكذيب إن لم يقدر مخبر عنها، بخلاف الإيمان والإقرار والإنكار والجحود، ونحو ذلك، فإنه يتناول الحقائق والإخبار عن الحقائق أيضا.

وأيضا، فالذوات التي تحب تارة وتبغض أخرى، وتوالى تارة وتعادى أخرى، وتطاوع تارة وتعصى أخرى، ويذل لها تارة ويستكبر عنها أخرى، تختص هذه المعاني فيها بلفظ الإيمان والكفر ونحو ذلك، وأما لفظ التصديق والصدق ونحو ذلك، فيتعلق بمتعلقها كالحب والبغض، فيقال: حب صادق وبغض صادق، فكما أن الصدق والكذب في إثبات الحقائق ونفيها متعلق بالخبر النافي والمثبت دون الحقيقة ابتداء، فكذلك في الحب والبغض ونحوذلك يتعلق بالحب والبغض، دون الحقيقة ابتداء، بخلاف لفظ الإيمان والكفر فإنه يتناول الذوات بلا واسطة إقرار، أو إنكار، أو حب، أو بغض، أو طمأنينة، أو نفور.

ويشهد لهذا الدعاء المأثور المشهور عند استلام الحجر: «اللهم إيمانًا بك، وتصديقًا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعًا لسنة نبيك محمد ﷺ»، فقال: «إيمان بك» ولم يقل: تصديقًا بك، كما قال: «تصديقًا بكتابك». وقال تعالى عن مريم: {وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ} [15]، فجعل التصديق بالكلمات والكتب، ومنه الحديث الذي في الصحيح عن النبي ﷺ: «تَكَفَّل الله لمن خرج في سبيله لا يُخْرِجُه إلا إيمان بي، وتصديق بكلماتي»، ويروى: «إيمان بي، وتصديق برسلي»، ويروى: «لا يخرجه إلا جهاد في سبيل الله وتصديق كلماته». ففي جميع الألفاظ جعل لفظ التصديق بالكلمات والرسل.

وكذلك قوله في الحديث الذي في الصحيح ذكر النبي ﷺ منازل عالية في الجنة، فقيل له: يا رسول الله، تلك منازل لا يبلغها إلا الأنبياء. فقال«بلى والذي نفسي بيده، رجال آمنوا بالله، وصدقوا المرسلين». وما يحصى الآن الاستعمال المعروف في كلام السلف، صدقت بالله، أو فلان يصدق بالله، أو صدق بالله ونحو ذلك، كما جاء: فلان يؤمن وآمن بالله وإيمانًا بالله ونؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله، ونؤمن بالله وحده ونحو ذلك، فإن القرآن والحديث وكلام الخاصة والعامة مملوء من لفظ الإيمان بالله، وآمن بالله، ونؤمن بالله، ويأيها الذين آمنوا، وما أعلم قيل: التصديق بالله، أو صدقوا بالله أو يأيها الذي صدق الله ونحو ذلك، اللهم إلا أن يكون في ذلك شيء لا يحضرني الساعة، وما أظنه.

ولفظ الإيمان يستعمل في الخبر أيضا، كما يقال: كل آمن بالله أي أقر له، والرسول يؤمن له من جهة أنه مخبر، ويؤمن به من جهة أن رسالته مما أخبر بها، كما يؤمن بالله وملائكته وكتبه. فالإيمان متضمن للإقرار بما أخبر به، والكفر تارة يكون بالنظر إلى عدم تصديق الرسول والإيمان به، وهو من هذا الباب يشترك فيه كل ما أخبر به، وتارة بالنظر إلى عدم الإقرار بما أخبر به، والأصل في ذلك هو الإخبار بالله وبأسمائه؛ ولهذا كان جحد ما يتعلق بهذا الباب أعظم من جحد غيره، وإن كان الرسول أخبر بكليهما ثم مجرد تصديقه في الخبر والعلم بثبوت ما أخبر به، إذا لم يكن معه طاعة لأمره، لا باطنًا ولا ظاهرًا ولا محبة لله ولا تعظيم له لم يكن ذلك إيمانًا.

وكفر إبليس وفرعون واليهود ونحوهم لم يكن أصله من جهة عدم التصديق والعلم، فإن إبليس لم يخبره أحد بخبر، بل أمره الله بالسجود لآدم فأبى واستكبر، وكان من الكافرين، فكفره بالإباء والاستكبار وما يتبع ذلك، لا لأجل تكذيب. وكذلك فرعون وقومه جحدوا بها واستيقنتها أنفسهم ظلمًا وعلوًا، وقال له موسى: {لَقَدْ عَلِمْتَ مَا أَنزَلَ هَؤُلاء إِلاَّ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ} [16]، فالذي يقال هنا أحد أمرين:

إما أن يقال: الاستكبار والإباء والحسد ونحو ذلك مما الكفر به مستلزم لعدم العلم، والتصديق الذي هو الإيمان، وإلا فمن كان علمه وتصديقه تامًا أوجب استسلامه وطاعته مع القدرة، كما أن الإرادة الجازمة تستلزم وجود المراد مع القدرة، فعلم أن المراد إذا لم يوجد مع القدرة، دل على أنه ما في القلب همة ولا إرادة، فكذلك إذا لم يوجد موجب التصديق والعلم من حب القلب وانقياده، دل على أن الحاصل في القلب ليس بتصديق ولا علم، بل هنا شبهة وريب، كما يقول ذلك طوائف من الناس، وهو أصل قول جهم والصالحي والأشعري في المشهور عنه وأكثر أصحابه كالقاضي أبي بكر ومن اتبعه، ممن يجعل الأعمال الباطنة والظاهرة من موجبات الإيمان لا من نفسه، ويجعل ما ينتفي الإيمان بانتفائه من لوازم التصديق لا يتصور عنده تصديق باطن مع كفر قط.

أو أن يقال: قد يحصل في القلب علم بالحق وتصديق به، ولكن ما في القلب من الحسد والكبر ونحو ذلك مانع من استسلام القلب وانقياده ومحبته، وليس هذا كالإرادة مع العمل؛ لأن الإرادة مع القدرة مستلزمة للمراد، وليس العلم بالحق والتصديق به مع القدرة على العمل بموجب ذلك العمل، بل لابد مع ذلك من إرادة الحق والحب له.

فإذا قال القائل: القدرة التامة بدون الإرادة الجازمة، مستلزمة لوجود المراد المقدور موجبة لحصول المقدور، لم يكن مصيبًا، بل لابد من الإرادة. وبهذا يتبين خطأ من قال: إن مجرد علم الله بالمخلوقات موجب لوجودها، كما يقول ذلك من يقوله من أهل الفلسفة، كما يغلط الناس من يقول: إن مجرد إرادة الممكنات بدون القدرة موجب وجودها، وكما خطؤوا من قال: إن مجرد القدرة كافية، بل لابد من العلم والقدرة والإرادة في وجود المقدور والمراد، والإرادة مستلزمة لتصور المراد والعلم به، والعلم والإرادة والقدرة، ونحو ذلك؛ وإن كان قد يقال: إنها متلازمة في الحي، أو أن الحياة مستلزمة لهذه الصفات، أو أن بعض الصفات مشروط بالبعض، فلا ريب أنه ليس كل معلوم مرادًا محبوبًا ولا مقدورًا ولا كل مقدور مرادًا محبوبًا، وإذا كان كذلك لم يلزم من كون الشيء معلومًا مصدقًا به أن يكون محبوبًا معبودًا، بل لابد من العلم، وأمر آخر به يكون هذا محبًا وهذا محبوبًا.

فقول من جعل مجرد العلم والتصديق في العبد هو الإيمان، وأنه موجب لأعمال القلب، فإذا انتفت دل على انتفاء العلم، بمنزلة من يقول: مجرد علم الله بنظام العالم موجب لوجوده، بدون وجود إرادة منه، وهو شبيه بقول المتفلسفة: إن سعادة النفس في مجرد أن تعلم الحقائق، ولم يقرنوا ذلك بحب الله تعالى وعبادته التي لا تتم السعادة إلا بها، وهو نظير من يقول: كمال الجسم أو النفس في الحب من غير اقتران الحركة الإرادية به، ومن يقول: اللذة في مجرد الإدراك والشعور، وهذا غلط باتفاق العقلاء، بل لابد من إدراك الملائم، والملائمة لا تكون إلا بمحبة بين المدرك والمدرك، وتلك المحبة والموافقة والملائمة ليست نفس إدراكه والشعور به.

وقد قال كثير من الناس من الفلاسفة والأطباء ومن اتبعهم: إن اللذة إدراك الملائم، وهذا تقصير منهم، بل اللذة حال يعقب إدراك الملائم، كالإنسان الذي يحب الحلو ويشتهيه فيدركه بالذوق والأكل، فليست اللذة مجرد ذوقه، بل أمر يجده من نفسه يحصل مع الذوق، فلابد أولا من أمرين، وآخرًا من أمرين: لابد أولا: من شعور بالمحبوب، ومحبة له، فما لا شعور به لا يتصور أن يشتهى، وما يشعر به وليس في النفس محبة له لا يشتهى، ثم إذا حصل إدراكه بالمحبوب نفسه، حصل عقيب ذلك اللذة والفرح مع ذلك.

ولهذا قال النبي ﷺ في الدعاء المأثور: «اللهم إني أسألك لذَّةَ النَّظَرِ إلى وجهك، والشَّوْقَ إلى لقائك، من غير ضَرَّاءَ مُضِرَّة، ولا فِتْنَةٍ مُضِلَّة»، وفي الحديث الصحيح: «إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة إن لكم عند الله موعدًا يريد أن يُنْجِزكُمُوه، فيقولون: ما هو؟ ألم يُبَيِّضْ وجوهنا، ويُثْقِلْ موازيننا، ويدخلنا الجنة، ويُجَرنَا من النار؟» قال: «فيكشف الحجاب، فينظرون إليه؛ فما أعطاهم شيئًا أحب إليهم من النظر إليه» رواه مسلم وغيره. فاللذة مقرونة بالنظر إليه، ولا أحب إليهم من النظر إليه، لما يقترن بذلك من اللذة، لا أن نفس النظر هو اللذة.

وفي الجملة، فلابد في الإيمان الذي في القلب من تصديق بالله ورسوله، وحب الله ورسوله، وإلا فمجرد التصديق مع البغض لله ولرسوله، ومعاداة الله ورسوله، ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، وليس مجرد التصديق والعلم يستلزم الحب، إلا إذا كان القلب سليمًا من المعارض، كالحسد والكبر؛ لأن النفس مفطورة على حب الحق، وهو الذي يلائمها. ولا شيء أحب إلى القلوب السليمة من الله، وهذا هو الحنيفية ملة إبراهيم عليه السلام الذي اتخذه الله خليلا، وقد قال تعالى: {يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى الله بِقَلْبٍ سَلِيمٍ} [17]. فليس مجرد العلم موجبًا لحب المعلوم، إن لم يكن في النفس قوة أخرى تلائم المعلوم، وهذه القوة موجودة في النفس.

وكل من القوتين تقوى بالأخرى، فالعلم يقوي العمل، والعمل يقوي العلم، فمن عرف الله وقلبه سليم أحبه، وكلما ازداد له معرفة ازداد حبه له، وكلما ازداد حبه له ازداد ذكره له ومعرفته بأسمائه وصفاته، فإن قوة الحب توجب كثرة ذكر المحبوب، كما أن البغض يوجب الإعراض عن ذكر المبغض، فمن عادى الله ورسوله وحاد الله ورسوله كان ذلك مقتضيًا لإعراضه عن ذكر الله ورسوله بالخير، وعن ذكر ما يوجب المحبة، فيضعف علمه به حتى قد ينساه، كما قال تعالى: {وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا الله فَأَنسَاهُمْ أَنفُسَهُمْ} [18]، وقال تعالى: {وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا} [19]، وقد يحصل مع ذلك تصديق وعلم مع بغض ومعاداة، لكن تصديق ضعيف، وعلم ضعيف، ولكن لولا البغض والمعاداة لأوجب ذلك من محبة الله ورسوله ما يصير به مؤمنًا.

فمن شرط الإيمان وجود العلم التام؛ ولهذا كان الصواب: أن الجهل ببعض أسماء الله وصفاته لا يكون صاحبه كافرًا، إذا كان مقرًا بما جاء به الرسول ﷺ، ولم يبلغه ما يوجب العلم بما جهله على وجه يقتضى كفره إذا لم يعلمه، كحديث الذي أمر أهله بتحريقه ثم تذريته، بل العلماء بالله يتفاضلون في العلم به، ولهذا يوصف من لم يعمل بعلمه بالجهل وعدم العلم، قال تعالى: {إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى الله لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ} [20]، قال أبو العالية: سألت أصحاب محمد عن هذه الآية، فقالوا لي: كل من عصى الله فهو جاهل، وكل من تاب قبل الموت فقد تاب من قريب. ومنه قول ابن مسعود: كفى بخشية الله علمًا، وكفى بالاغترار بالله جهلا. وقيل للشعبي: أيها العالم؟ فقال: العالم من يخشى الله، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء } [21].

وقال أبو حَيَّان التَّيْمِيّ: العلماء ثلاثة: عالم بالله وبأمر الله، وعالم بالله ليس عالمًا بأمر الله، وعالم بأمر الله ليس عالمًا بالله، فالعلم بالله الذي يخشاه، والعالم بأمر الله الذي يعلم حدوده وفرائضه، وقد قال تعالى: {إِنَّمَا يَخْشَى الله مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاء}. وهذا يدل على أن كل من خشى الله فهو عالم، وهو حق ولا يدل على أن كل عالم يخشاه، لكن لما كان العلم به موجبًا للخشية عند عدم المعارض كان عدمه دليلا على ضعف الأصل، إذ لو قوى لدفع المعارض.

وهكذا لفظ العقل يراد به الغريزة التي بها يعلم، ويراد بها أنواع من العلم، ويراد به العمل بموجب ذلك العلم.

وكذلك لفظ الجهل يعبر به عن عدم العلم، ويعبر به عن عدم العمل بموجب العلم، كما قال النبي ﷺ: «إذا كان أحدكم صائمًا فلا يَرْفُثْ ولا يَجْهَل، فإن امرؤ شاتمه أو قاتله، فليقل: إني امرؤ صائم». والجهل هنا هو الكلام الباطل، بمنزلة الجهل المركب، ومنه قول الشاعر:

ألا لا يجهلن أحد علينا ** فنجهل فوق جهل الجاهلينا

ومن هذا سميت الجاهلية جاهلية، وهي متضمنة لعدم العلم أو لعدم العمل به، ومنه قول النبي ﷺ لأبي ذر«إنك امرؤ فيك جاهلية» لما سَابَّ رجلا وعَيَّرَهُ بأمِّه، وقد قال تعالى: {إِذْ جَعَلَ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْحَمِيَّةَ حَمِيَّةَ الْجَاهِلِيَّةِ} [22] فإن الغضب والحمية تحمل المرء على فعل ما يضره وترك ما ينفعه، وهذا من الجهل الذي هو عمل بخلاف العلم حتى يقدم المرء على فعل ما يعلم أنه يضره، وترك ما يعلم أنه ينفعه؛ لما في نفسه من البغض والمعاداة الأشخاص وأفعال، وهو في هذه الحال ليس عديم العلم والتصديق بالكلية، لكنه لما في نفسه من بغض وحسد غلب موجب ذلك لموجب العلم، فدل على ضعف العلم لعدم موجبه ومقتضاه. ولكن ذلك الموجب والنتيجة لا توجد عنه وحده، بل عنه وعما في النفس من حب ما ينفعها، وبغض ما يضرها، فإذا حصل لها مرض ففسدت به، أحبت ما يضرها، وأبغضت ما ينفعها، فتصير النفس كالمريض الذي يتناول ما يضره لشهوة نفسه له، مع علمه أنه يضره.

قلت: هذا معنى ما روي عن النبي ﷺ«إن الله يحب البَصَرَ النافذ عند وُرُودِ الشُبُهَات، ويحب العقل الكامل عند حلول الشهوات» رواه البيهقي مرسلا، وقد قال تعالى: {وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاهِيمَ وَإِسْحَقَ وَيَعْقُوبَ أُوْلِي الْأَيْدِي وَالْأَبْصَارِ} [23]، فوصفهم بالقوة في العمل والبصيرة في العلم، وأصل القوة قوة القلب الموجبة لمحبة الخير وبغض الشر، فإن المؤمن قوته في قلبه وضعفه في جسمه، والمنافق قوته في جسمه وضعفه في قلبه، فالإيمان لابد فيه من هذين الأصلين: التصديق بالحق والمحبة له، فهذا أصل القول، وهذا أصل العمل.

ثم الحب التام مع القدرة يستلزم حركة البدن بالقول الظاهر، والعمل الظاهر ضرورة كما تقدم، فمن جعل مجرد العلم والتصديق موجبًا لجميع ما يدخل في مسمى الإيمان، وكل ما سمى إيمانًا فقد غلط بل لابد من العلم والحب، والعلم شرط في محبة المحبوب، كما أن الحياة شرط في العلم، لكن لا يلزم من العلم بالشيء والتصديق بثبوته محبته إن لم يكن بين العالم والمعلوم معنى في المحب أحب لأجله؛ ولهذا كان الإنسان يصدق بثبوت أشياء كثيرة ويعلمها وهو يبغضها كما يصدق بوجود الشياطين والكفار ويبغضهم، ونفس التصديق بوجود الشيء لا يقتضي محبته، لكن الله سبحانه يستحق لذاته أن يحب ويعبد، وأن يحب لأجله رسوله، والقلوب فيها معنى يقتضي حبه وطاعته كما فيها معنى يقتضي العلم والتصديق به، فمن صدق به وبرسوله ولم يكن محبًا له ولرسوله لم يكن مؤمنًا حتى يكون فيه مع ذلك الحب له ولرسوله.

وإذا قام بالقلب التصديق به والمحبة له لزم ضرورة أن يتحرك البدن بموجب ذلك من الأقوال الظاهرة، والأعمال الظاهرة فما يظهر على البدن من الأقوال والأعمال هو موجب ما في القلب ولازمه، ودليله ومعلوله كما أن ما يقوم بالبدن من الأقوال والأعمال له أيضا تأثير فيما في القلب. فكل منهما يؤثر في الآخر، لكن القلب هو الأصل والبدن فرع له والفرع يستمد من أصله والأصل يثبت ويقوى بفرعه، كما في الشجرة التي يضرب بها المثل لكلمة الإيمان، قال تعالى: {ضَرَبَ الله مَثَلا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرةٍ طَيِّبَةٍ أَصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاء تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإِذْنِ رَبِّهَا} [24] وهي كلمة التوحيد والشجرة كلما قوى أصلها وعرق وروي قويت فروعها، وفروعها أيضا إذا اغتذت بالمطر والريح أثر ذلك في أصلها.

وكذلك الإيمان في القلب والإسلام علانية، ولما كانت الأقوال والأعمال الظاهرة لازمة ومستلزمة للأقوال والأعمال الباطنة كان يستدل بها عليها، كما في قوله تعالى: {لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِالله وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ الله وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءهُمْ أَوْ أَبْنَاءهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُوْلَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُم بِرُوحٍ مِّنْهُ} [25]، فأخبر أن من كان مؤمنًا بالله واليوم الآخر لا يوجدون موادين لأعداء الله ورسوله، بل نفس الإيمان ينافي مودتهم فإذا حصلت الموادة دل ذلك على خلل الإيمان وكذلك قوله: {تَرَى كَثِيرًا مِّنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنفُسُهُمْ أَن سَخِطَ الله عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِالله والنَّبِيِّ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاء} [26]

وكذلك قوله: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [27]، فأخبر تعالى أن هؤلاء هم الصادقون في قولهم: آمنا، ودل ذلك على أن الناس في قولهم: آمنا، صادق وكاذب، والكاذب فيه نفاق بحسب كذبه، قال تعالى في المنافقين: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَقُولُ آمَنَّا بِالله وَبِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَا هُم بِمُؤْمِنِينَ} إلى قوله: {وَلَهُم عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ} [28] وفي {يَكْذِبُونَ} قراءتان مشهورتان.

وفي الحديث «أساس النفاق الذي يبني عليه: الكذب»، وقال تعالى: {إِذَا جَاءكَ الْمُنَافِقُونَ قَالُوا نَشْهَدُ إِنَّكَ لَرَسُولُ الله وَالله يَعْلَمُ إِنَّكَ لَرَسُولُهُ وَالله يَشْهَدُ إِنَّ الْمُنَافِقِينَ لَكَاذِبُونَ} [29]، وقال تعالى: {وَمِنْهُم مَّنْ عَاهَدَ الله لَئِنْ آتَانَا مِن فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ فَلَمَّا آتَاهُم مِّن فَضْلِهِ بَخِلُواْ بِهِ وَتَوَلَّواْ وَّهُم مُّعْرِضُونَ فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُواْ الله مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُواْ يَكْذِبُونَ} [30]، وقال: {وَمِنْهُم مَّن يَلْمِزُكَ فِي الصَّدَقَاتِ} [31] ومثل هذا كثير.

وبالجملة، فلا يستريب من تدبر ما يقول، في أن الرجل لا يكون مؤمنًا بمجرد تصديق في القلب مع بغضه لله ولرسوله، واستكباره عن عبادته ومعاداته له ولرسوله؛ ولهذا كان جماهير المرجئة على أن عمل القلب داخل في الإيمان كما نقله أهل المقالات عنهم، منهم الأشعري، فإنه قال في كتابه في المقالات: اختلف المرجئة في الإيمان ما هو؟ وهم اثنتا عشرة فرقة:

الفرقة الأولى منهم: يزعمون أن الإيمان بالله هو المعرفة بالله وبرسوله وبجميع ما جاء من عند الله فقط، وأن ما سوى المعرفة من الإقرار باللسان، والخضوع بالقلب والمحبة لله ولرسوله، والتعظيم لهما والخوف والعمل بالجوارح فليس بإيمان، وزعموا أن الكفر بالله هو الجهل به وهذا قول يحكى عن الجهم بن صفوان، قال: وزعمت الجهمية أن الإنسان إذا أتى بالمعرفة، ثم جحد بلسانه أنه لا يكفر بجحده، وأن الإيمان لا يتبعض ولا يتفاضل أهله فيه، وأن الإيمان والكفر لا يكونان إلا في القلب دون الجوارح، قال:

والفرقة الثانية من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله فقط، والكفر به هو الجهل به فقط، فلا إيمان بالله إلا المعرفة به، ولا كفر بالله إلا الجهل به، وأن قول القائل: {إِنَّ الله ثَالِثُ ثَلاَثَةٍ} [32] ليس بكفر ولكنه لا يظهر إلا من كافر، وذلك أن الله كفر من قال ذلك، وأجمع المسلمون أنه لا يقوله إلا كافر، وزعموا أن معرفة الله هي المحبة له وهي الخضوع لله، وأصحاب هذا القول لا يزعمون أن الإيمان بالله إيمان بالرسول، ويقولون: إنه لا يؤمن بالله إلا من آمن بالرسول، ليس ذلك لأن ذلك مستحيل، ولكن الرسول قال«من لم يؤمن بي فليس بمؤمن بالله»، وزعموا أيضا أن الصلاة ليست بعبادة لله، وأنه لا عبادة إلا الإيمان به، وهو معرفته، والإيمان عندهم لا يزيد ولا ينقص، وهو خصلة واحدة، وكذلك الكفر. والقائل بهذا القول أبو الحسين الصالحي.

وقد ذكر الأشعري في كتابه الموجز قول الصالحي هذا وغيره، ثم قال: والذي أختاره في الأسماء قول الصالحي: وفي الخصوص والعموم إني لا أقطع بظاهر الخبر على العموم، ولا على الخصوص إذ كان يحتمل في اللغة أن يكون خاصًا ويحتمل أن يكون عامًا، وأقف في ذلك ولا أقطع على عموم ولا على خصوص إلا بتوقيف أو إجماع. ثم قال في المقالات:

والفرقة الثالثة من المرجئة: يزعمون أن الإيمان هو المعرفة بالله والخضوع له، وهو ترك الاستكبار عليه والمحبة لله، فمن اجتمعت فيه هذه الخصال، فهو مؤمن، وزعموا أن إبليس كان عارفًا بالله غير أنه كفر باستكباره على الله، وهذا قول قوم من أصحاب يونس السمري.

والفرقة الرابعة: وهم أصحاب أبي شَمِر ويونس: يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله والمحبة له والخضوع له بالقلب والإقرار به أنه واحد ليس كمثله شيء ما لم تقم عليه حجة الأنبياء، وإن كانت قد قامت عليه حجة الأنبياء فالإيمان الإقرار بهم والتصديق لهم، والمعرفة لما جاء من عند الله عنهم داخل في الإيمان، ولا يسمون كل خصلة من هذه الخصال إيمانًا ولا بعض إيمان، حتى تجتمع هذه الخصال، فإذا اجتمعت سموها إيمانًا لاجتماعها، وشبهوا ذلك بالبياض إذا كان في دابة لم يسموها بَلْقاء إلا مع السواد، وجعلوا ترك كل خصلة من هذه الخصال كفرًا ولم يجعلوا الإيمان متبعضًا ولا محتملا للزيادة والنقصان.

وذكر عن الخامسة أصحاب أبي ثَوْبَان: أن الإيمان هو الإقرار بالله وبرسله وما لا يجوز في العقل إلا أن يفعله.

وذكر عن الفرقة السادسة: أن الإيمان هو المعرفة بالله وبرسله وفرائضه المجمع عليها، والخضوع له بجميع ذلك والإقرار باللسان، وزعموا أن خصال الإيمان كل منها طاعة، وأن كل واحدة إذا فعلت دون الأخرى لم تكن طاعة كالمعرفة بلا إقرار، وأن ترك كل خصلة من ذلك معصية، وأن الإنسان لا يكفر بترك خصلة واحدة، وأن الناس يتفاضلون في إيمانهم، ويكون بعضهم أعلم وأكثر تصديقًا له من بعض، وأن الإيمان يزيد ولا ينقص، وهذا قول الحسين بن محمد النجار وأصحابه.

والفرقة السابعة: الغَيْلانِيَّة أصحاب غَيْلان: يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله الثانية، والمحبة والخضوع والإقرار بما جاء به الرسول وبما جاء من عند الله، وذلك أن المعرفة الأولى عنده اضطرار، فلذلك لم يجعلها من الإيمان، وكل هؤلاء الذين حكينا قولهم من الشَّمريَّة والجَهْمِيَّة والغَيْلانيّة والنَّجَّارية ينكرون أن يكون في الكفار إيمان وأن يقال فيهم بعض إيمان إذ كان الإيمان لا يتبعض عندهم.

قال: والفرقة الثامنة من المرجئة أصحاب محمد بن شبيب يزعمون أن الإيمان: الإقرار بالله والمعرفة بأنه واحد ليس كمثله شيء. والإقرار والمعرفة بأنبيائه وبرسله وبجميع ما جاءت به من عند الله مما نص عليه المسلمون ونقلوه عن النبي ﷺ من الصلاة والصيام ونحو ذلك لا نزاع بينهم فيه، والخضوع لله وهو ترك الاستكبار عليه، وزعموا أن إبليس قد عرف الله وأقر به، وإنما كان كافرًا لأنه استكبر، ولولا استكباره ما كان كافرًا، وأن الإيمان يتبعض ويتفاضل أهله، وأن الخصلة من الإيمان قد تكون طاعة وبعض إيمان، ويكون صاحبها كافرًا بترك بعض الإيمان ولا يكون مؤمنًا إلا بإصابة الكل، وكل رجل يعلم أن الله واحد ليس كمثله شيء ويجحد الأنبياء فهو كافر بجحده الأنبياء وفيه خصلة من الإيمان، وهي معرفته بالله سبحانه.

الفرقة التاسعة من المرجئة: المنتسبين إلى أبي حنيفة وأصحابه: يزعمون أن الإيمان المعرفة بالله وبالرسول، والإقرار بما جاء من عند الله في الجملة دون التفسير.

الفرقة العاشرة من المرجئة: أصحاب أبي معاذ التُّوْمَنِيّ، يزعمون أن الإيمان ترك ما عظم من الكبائر، وهو اسم لخصال إذا تركها أو ترك خصلة منها كان كافرًا، فتلك الخصلة التي يكفر بتركها إيمان، وكل طاعة إذا تركها التارك لم يجمع المسلمون على تكفيره، فتلك الطاعة شريعة من شرائع الإيمان، تاركها إن كانت فريضة يوصف بالفسق، فيقال له: إنه يفسق ولا يسمى بالفسق، ولا يقال: فاسق، وليست تخرج الكبائر من الإيمان إذا لم تكن كفرًا، وتارك الفرائض مثل الصلاة والصيام والحج على الجحود بها، والرد لها، والاستخفاف بها كافر بالله، وإنما كفر للاستخفاف والرد والجحود، وإن تركها غير مستحل لتركها متشاغلا مسوفًا، يقول: الساعة أصلي، وإذا فرغت من لهوي وعملي، فليس بكافر، وإن كان يصلي يومًا ووقتًا من الأوقات، ولكن نفسقه. وكان أبو معاذ يقول: من قتل نبيًا أو لطمه كفر، وليس من أجل اللطمة كفر، ولكن من أجل الاستخفاف والعداوة والبغض له.

والفرقة الحادية عشرة من المرجئة: أصحاب بِشْر المْريْسِيّ، يقولون: إن الإيمان هو التصديق؛ لأن الإيمان في اللغة هو التصديق، وما ليس بتصديق فليس بإيمان، ويزعم أن التصديق يكون بالقلب وباللسان جميعًا، وإلى هذا القول كان يذهب ابن الراوندي، وكان ابن الراوندي يزعم أن الكفر هو الجحد، والإنكار والستر والتغطية، وليس يجوز أن يكون الكفر إلا ما كان في اللغة كفرًا، ولا يجوز إيمان إلا ما كان في اللغة إيمانًا، وكان يزعم أن السجود للشمس ليس بكفر، ولا السجود لغير الله كفر، ولكنه علم على الكفر، لأن الله بين أنه لا يسجد للشمس إلا كافر.

قال: والفرقة الثانية عشرة من المرجئة: الكَرَّامِيَّة: أصحاب محمد بن كرام، يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب، وأنكروا أن تكون معرفة القلب، أو شيء غير التصديق باللسان إيمانًا.

فهذه الأقوال التي ذكرها الأشعري عن المرجئة يتضمن أكثرها أنه لابد في الإيمان من بعض أعمال القلوب عندهم وإنما نازع في ذلك فرقة يسيرة؛ كجهم والصالحي.

وقد ذكر أيضا في المقالات جملة قول أصحاب الحديث وأهل السنة. قال:

جملة ما عليه أصحاب الحديث وأهل السنة: الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وما جاء من عند الله وما رواه الثقات عن رسول الله ﷺ، ولا يردون من ذلك شيئًا، وأن الله إله واحد فرد صمد، لم يتخذ صاحبة ولا ولدًا، وأن محمدا عبده ورسوله، وأن الجنة حق والنار حق، وأن الساعة آتية لا ريب فيها، وأن الله يبعث من في القبور، وأن الله على عرشه كما قال: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [33]، وأن له يدين بلا كيف، كما قال: {خَلَقْتُ بِيَدَيَّ} [34]، وكما قال: {بَلْ يَدَاهُ مَبْسُوطَتَانِ} [35]، وأن له عينين، كما قال: {تَجْرِي بِأَعْيُنِنَا} [36]، وأن له وجهًا، كما قال: {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامٌِ} [37]، وأن أسماء الله لا يقال: إنها غير الله، كما قالت المعتزلة والخوارج. إلى أن قال:

ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق والكلام في الوقف واللفظ بدعة، من قال بالوقف أو اللفظ فهو مبتدع عندهم، لا يقال: اللفظ بالقرآن مخلوق، ولا يقال: غير مخلوق. إلى أن قال:

ولا يكفرون أحدًا من أهل القبلة بذنب يرتكبه، كنحو الزنا والسرقة وما أشبه ذلك من الكبائر، وهم بما معهم من الإيمان مؤمنون وإن ارتكبوا الكبائر، والإيمان عندهم: هو الإيمان بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره حلوه ومره، وأن ما أخطأهم لم يكن ليصيبهم، وما أصابهم لم يكن ليخطئهم، والإسلام هو: أن تشهد أن لا إله إلا الله على ما جاء في الحديث، والإسلام عندهم غير الإيمان. إلى أن قال:

ويقرون بأن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص، ولا يقولون: مخلوق ولا غير مخلوق. وذكر كلامًا طويلا ثم قال في آخره:

وبكل ما ذكرناه من قولهم نقول: وإليه نذهب.

فهذا قوله في هذا الكتاب وافق فيه أهل السنة وأصحاب الحديث بخلاف القول الذي نصره في الموجز.

والمقصود هنا أن عامة فرق الأمة تدخل ما هو من أعمال القلوب، حتى عامة فرق المرجئة تقول بذلك، وأما المعتزلة والخوارج وأهل السنة وأصحاب الحديث فقولهم في ذلك معروف، وإنما نازع في ذلك من اتبع جهم بن صفوان من المرجئة، وهذا القول شاذ، كما أن قول الكرامية الذين يقولون: هو مجرد قول اللسان شاذٌّ أيضا.

وهذا أيضا مما ينبغي الاعتناء به، فإن كثيرًا ممن تكلم في مسألة الإيمان: هل تدخل فيه الأعمال؟ وهل هو قول وعمل؟ يظن أن النزاع إنما هو في أعمال الجوارح، وأن المراد بالقول قول اللسان، وهذا غلط؛ بل القول المجرد عن اعتقاد الإيمان ليس إيمانًا باتفاق المسلمين، فليس مجرد التصديق بالباطن هو الإيمان عند عامة المسلمين إلا من شذ من أتباع جهم والصالحي، وفي قولهم من السفسطة العقلية والمخالفة في الأحكام الدينية أعظم مما في قول ابن كرام، إلا من شذ من أتباع ابن كرام، وكذلك تصديق القلب الذي ليس معه حب الله ولا تعظيم، بل فيه بغض وعداوة لله ورسله ليس إيمانًا باتفاق المسلمين.

وقول ابن كرام فيه مخالفة في الاسم دون الحكم، فإنه وإن سمى المنافقين مؤمنين يقول: إنهم مخلدون في النار، فيخالف الجماعة في الاسم دون الحكم، وأتباع جهم يخالفون في الاسم والحكم جميعًا.

هامش

  1. [المائدة: 81]
  2. [المجادلة: 22]
  3. [الممتحنة: 1]
  4. [يوسف: 57]
  5. [الفاتحة: 6، 7]
  6. [الملك: 10]
  7. [الأعراف: 179]
  8. [يوسف: 17]
  9. [الشعراء: 111]
  10. [التوبة: 61]
  11. [المؤمنون: 47]
  12. [الدخان: 21]
  13. [يونس: 83]
  14. [آل عمران: 81]
  15. [التحريم: 12]
  16. [الإسراء: 102]
  17. [الشعراء: 88، 89]
  18. [الحشر: 19]
  19. [الكهف: 28]
  20. [النساء: 17]
  21. [فاطر: 28]
  22. [الفتح: 26]
  23. [ص: 45]
  24. [إبراهيم: 24، 25]
  25. [المجادلة: 22]
  26. [المائدة: 80، 81]
  27. [الحجرات: 15]
  28. [البقرة: 8: 10]
  29. [المنافقون: 1]
  30. [التوبة: 75: 77]
  31. [التوبة: 58]
  32. [ المائدة: 73]
  33. [طه: 5]
  34. [ص: 75]
  35. [المائدة: 64]
  36. [القمر: 14]
  37. [الرحمن: 27]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع
كتاب الإيمان الكبير | الفرق بين الإيمان والإسلام | تفسير الإيمان في حديث وفد عبد القيس | تفسير قوله: ألم يأن للذين آمنوا | تفسير قوله: ثم قست قلوبكم | تفسير قوله: إن الذين اتقوا إذا مسهم | فصل: جاءت أحاديث تنازع الناس في صحة الإيمان لأجل ترك واجب | كلام محمد بن نصر المروزي على آية حبب إليكم الإيمان | تفسير آيات فيما أحل وما حرم من الأطعمة | معنى: وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل | فصل: في لفظ الكفر والنفاق | فصل: في لفظ الصالح والشهيد والصديق | فصل: في لفظ المعصية والفسوق والكفر | فصل: في ظلم النفس | فصل: في لفظ الصلاح والفساد | فصل: فإن قيل تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد لا يمكن دفعه | بحث في الإطلاق والتقييد والكليات والجزئيات في الأمور العقلية | ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن | فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الإيمان | فصل في أن أبا الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان | فصل: الذين نصروا مذهب جهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام | فصل: ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال | فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان | فصل: عطف الشيء على الشيء في القرآن يقتضي المغايرة | فصل: لفظ الإيمان إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر | فصل:هذا النوع من نمط أسماء الله وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه | فصل: الوجه الثاني ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط | فصل: فإن قيل فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله | فصل: زيادة الإيمان تعرف من وجوه | فصل: أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان | فصل: الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها | فصل: ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس | فصل: قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التي تلوناها | من يختصه الله بفضله | سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص | الذين نفى عنهم الرسول الإيمان | اسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان | وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر | وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن | تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان | جواب أحمد مما نقل عنه في الرد على طوائف المرجئة | دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين | صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال | فصل: الاستثناء في الإيمان | كتاب الإيمان الأوسط | فصل: حديث سؤال النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان | فصل: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار | فصل: تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا | الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم | فصل: الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية | فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة | فصل: إذا علم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة | فصل: في الجمع بين الأحاديث التي ذكرت فيها أركان الإسلام الخمسة | فصل: في الإحسان وقوله أن تعبد الله كأنك تراه | فصل: فيما تقدم من القواعد | فصل: لفظ الإسلام يستعمل على وحهين | فصل: أصل الإيمان هو الإيمان بالله ورسوله | سئل: عن الإيمان بالله ورسوله هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الأحوال | فصل: في قول القائل: هل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد | فصل: في قوله: هل يكون لأول حصوله سبب | فصل: قوله: الأسباب التي يقوى بها الإيمان | فصل: في طريق الوصول إلى ذلك | فصل: الإيمان: هل هو مخلوق أو غير مخلوق | فصل: الاستثناء في الإيمان سنة | فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان | فصل: سئل عن معنى قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر | سئل شيخ الإسلام عن بدعة المرازقة