مجموع الفتاوى/المجلد السابع/فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان
ابن تيمية

فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان[عدل]

سئل: عن معنى حديث النبي ﷺ: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان»

سئل: عن معنى حديث النبي ﷺ: «إذا زنى العبد خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة فإذا خرج من ذلك العمل عاد إليه الإيمان» رواه الترمذي وأبو داود. وهل يكون الزاني في حالة الزنا مؤمنا أو غير مؤمن؟ وهل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة أو أجمعوا على تأويله؟

فأجاب: الحمد لله: الناس في الفاسق من أهل الملة مثل الزاني والسارق والشارب ونحوهم ثلاثة أقسام: طرفين ووسط. أحد الطرفين: أنه ليس بمؤمن بوجه من الوجوه ولا يدخل في عموم الأحكام المتعلقة باسم الإيمان ثم من هؤلاء من يقول: هو كافر: كاليهودي والنصراني. وهو قول الخوارج ومنهم من يقول: ننزله منزلة بين المنزلتين؛ وهي منزلة الفاسق وليس هو بمؤمن ولا كافر وهم المعتزلة وهؤلاء يقولون: إن أهل الكبائر يخلدون في النار وإن أحدا منهم لا يخرج منها؛ وهذا من مقالات أهل البدع التي دل الكتاب والسنة وإجماع الصحابة والتابعين لهم بإحسان على خلافها قال الله تعالى: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} - إلى قوله - {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ} [1] فسماهم مؤمنين وجعلهم إخوة مع الاقتتال وبغي بعضهم على بعض وقال الله تعالى: {فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ} [2] ولو أعتق مذنبا أجزأ عتقه بإجماع العلماء. ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية: لا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي ﷺ ولم يحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين بل جلد هذا وقطع هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول: لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم وأحكام الإسلام كلها مرتبة على هذا الأصل. الطرف الثاني: قول من يقول: إيمانهم باق كما كان لم ينقص بناء على أن الإيمان هو مجرد التصديق والاعتقاد الجازم وهو لم يتغير وإنما نقصت شرائع الإسلام وهذا قول المرجئة والجهمية ومن سلك سبيلهم وهو أيضا قول مخالف للكتاب والسنة وإجماع السابقين والتابعين لهم بإحسان. قال الله تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِالله وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ الله أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [3] وقال: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ الله وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ} - إلى قوله - {أُوْلَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا} [4] وقال: {فَزَادَهُمْ إِيمَانا وَقَالُواْ حَسْبُنَا الله} [5] وقال: {ليزدادوا إيمانا مع إيمانهم} [6] وقال: {فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا وَهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [7]. وقال النبي ﷺ: «الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق». وقال لوفد عبد القيس: «آمركم بالإيمان بالله أتدرون ما الإيمان بالله؟ شهادة أن لا إله إلا الله وأن تؤدوا خمس ما غنمتم». وأجمع السلف أن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص ومعنى ذلك أنه قول القلب وعمل القلب ثم قول اللسان وعمل الجوارح. فأما قول القلب فهو التصديق الجازم بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر ويدخل فيه الإيمان بكل ما جاء به الرسول ﷺ. ثم الناس في هذا على أقسام: منهم من صدق به جملة ولم يعرف التفصيل ومنهم من صدق جملة وتفصيلا ثم منهم من يدوم استحضاره وذكره لهذا التصديق ومنهم من يغفل عنه ويذهل ومنهم من استبصر فيه بما قذف الله في قلبه من النور والإيمان ومنهم من جزم به لدليل قد تعترض فيه شبهة أو تقليد جازم وهذا التصديق يتبعه عمل القلب وهو حب الله ورسوله وتعظيم الله ورسوله وتعزير الرسول وتوقيره وخشية الله والإنابة إليه والإخلاص له والتوكل عليه إلى غير ذلك من الأحوال فهذه الأعمال القلبية كلها من الإيمان وهي مما يوجبها التصديق والاعتقاد إيجاب العلة للمعلول. ويتبع الاعتقاد قول اللسان ويتبع عمل القلب الجوارح من الصلاة والزكاة والصوم والحج ونحو ذلك. وعند هذا فالقول الوسط الذي هو قول أهل السنة والجماعة أنهم لا يسلبون الاسم على الإطلاق ولا يعطونه على الإطلاق. فنقول: هو مؤمن ناقص الإيمان أو مؤمن عاص أو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ويقال: ليس بمؤمن حقا أو ليس بصادق الإيمان. وكل كلام أطلق في الكتاب والسنة فلا بد أن يقترن به ما يبين المراد منه. والأحكام منها ما يترتب على أصل الإيمان فقط؛ كجواز العتق في الكفارة وكالموالاة والموارثة ونحو ذلك ومنها ما يترتب على أصله وفرعه: كاستحقاق الحمد والثواب وغفران السيئات ونحو ذلك. إذا عرفت هذه القاعدة. فالذي في الصحيح قوله ﷺ: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن ولا ينتهب نهبة ذات شرف يرفع الناس إليه أبصارهم فيها حين ينتهبها وهو مؤمن» والزيادة التي رواها أبو داود والترمذي صحيحة وهي مفسرة للرواية المشهورة. فقول السائل: هل حمل الحديث على ظاهره أحد من الأئمة؟ لفظ مشترك؛ فإن عنى بذلك أن ظاهره أن الزاني يصير كافرا وأنه يسلب الإيمان بالكلية فلم يحمل الحديث على هذا أحد من الأئمة ولا هو أيضا ظاهر الحديث لأن قوله «خرج منه الإيمان فكان فوق رأسه كالظلة» دليل على أن الإيمان لا يفارقه بالكلية فإن الظلة تظلل صاحبها وهي متعلقة ومرتبطة به نوع ارتباط. وأما إن عنى بظاهره ما هو المفهوم منه كما سنفسره إن شاء الله فنعم؛ فإن عامة علماء السلف يقرون هذه الأحاديث ويمرونها كما جاءت ويكرهون أن تتأول تأويلات تخرجها عن مقصود رسول الله ﷺ وقد نقل كراهة تأويل أحاديث الوعيد: عن سفيان. وأحمد بن حنبل - رضي الله عنهم - وجماعة كثيرة من العلماء ونص أحمد على أن مثل هذا الحديث لا يتأول تأويلا يخرجه عن ظاهره المقصود به وقد تأوله الخطابي وغيره تأويلات مستكرهة مثل قولهم لفظه لفظ الخبر ومعناه النهي: أي ينبغي للمؤمن ألا يفعل ذلك وقولهم: المقصود به الوعيد والزجر دون حقيقة النفي وإنما ساغ ذلك لما بين حاله وحال من عدم الإيمان من المشابهة والمقاربة وقولهم: إنما عدم كمال الإيمان وتمامه أو شرائعه وثمراته ونحو ذلك وكل هذه التأويلات لا يخفى حالها على من أمعن النظر. فالحق أن يقال: نفس التصديق المفرق بينه وبين الكافر لم يعدمه لكن هذا التصديق لو بقي على حاله لكان صاحبه مصدقا بأن الله حرم هذه الكبيرة وأنه توعد عليها بالعقوبة العظيمة وأنه يرى الفاعل ويشاهده؛ وهو سبحانه وتعالى مع عظمته وجلاله وعلوه وكبريائه يمقت هذا الفاعل فلو تصور هذا حق التصور لامتنع صدور الفعل منه ومتى فعل هذه الخطيئة فلا بد من أحد ثلاثة أشياء. إما اضطراب العقيدة؛ بأن يعتقد بأن الوعيد ليس ظاهره كباطنه وإنما مقصوده الزجر كما تقوله: المرجئة. أو أن هذا إنما يحرم على العامة دون الخاصة كما يقوله الإباحية أو نحو ذلك من العقائد التي تخرج عن الملة. وإما الغفلة والذهول عن التحريم وعظمة الرب وشدة بأسه. وإما فرط الشهوة بحيث يقهر مقتضى الإيمان ويمنعه موجبه بحيث يصير الاعتقاد مغمورا مقهورا كالعقل في النائم والسكران وكالروح في النائم. ومعلوم أن الإيمان الذي هو الإيمان ليس باقيا كما كان؛ إذ ليس مستقرا ظاهرا في القلب واسم المؤمن عند الإطلاق إنما ينصرف إلى من يكون إيمانه باقيا على حاله عاملا عمله وهو يشبه من بعض الوجوه روح النائم؛ فإنه سبحانه: يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها؛ فالنائم ميت من وجه حي من وجه وكذلك السكران والمغمى عليه عاقل من وجه وليس بعاقل من وجه فإذا قال قائل: السكران ليس بعاقل فإذا صحا عاد عقله إليه كان صادقا مع العلم بأنه ليس بمنزلة البهيمة إذ عقله مستور وعقل البهيمة معدوم؛ بل الغضبان ينتهي به الغضب إلى حال يعزب فيها عقله ورأيه وفي الأثر «إذا أراد الله نفاذ قضائه وقدره سلب ذوي العقول عقولهم فإذا أنفذ قضاءه. وقدره رد عليهم عقولهم ليعتبروا» فالعقل الذي به يكون التكليف لم يسلب وإنما سلب العقل الذي به يكون صلاح الأمور في الدنيا والآخرة. كذلك الزاني والسارق والشارب والمنتهب لم يعدم الإيمان الذي به يستحق ألا يخلد في النار وبه ترجى له الشفاعة والمغفرة وبه يستحق المناكحة والموارثة لكن عدم الإيمان الذي به يستحق النجاة من العذاب ويستحق به تكفير السيئات وقبول الطاعات وكرامة الله ومثوبته؛ وبه يستحق أن يكون محمودا مرضيا. وهذا يبين أن الحديث على ظاهره الذي يليق به. والله أعلم.

هامش

  1. [الحجرات: 9، 10]
  2. [النساء: 92]
  3. [الحجرات: 15]
  4. [الأنفال: 2: 4]
  5. [آل عمران: 173]
  6. [الفتح: 4]
  7. [التوبة: 124]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع
كتاب الإيمان الكبير | الفرق بين الإيمان والإسلام | تفسير الإيمان في حديث وفد عبد القيس | تفسير قوله: ألم يأن للذين آمنوا | تفسير قوله: ثم قست قلوبكم | تفسير قوله: إن الذين اتقوا إذا مسهم | فصل: جاءت أحاديث تنازع الناس في صحة الإيمان لأجل ترك واجب | كلام محمد بن نصر المروزي على آية حبب إليكم الإيمان | تفسير آيات فيما أحل وما حرم من الأطعمة | معنى: وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل | فصل: في لفظ الكفر والنفاق | فصل: في لفظ الصالح والشهيد والصديق | فصل: في لفظ المعصية والفسوق والكفر | فصل: في ظلم النفس | فصل: في لفظ الصلاح والفساد | فصل: فإن قيل تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد لا يمكن دفعه | بحث في الإطلاق والتقييد والكليات والجزئيات في الأمور العقلية | ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن | فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الإيمان | فصل في أن أبا الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان | فصل: الذين نصروا مذهب جهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام | فصل: ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال | فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان | فصل: عطف الشيء على الشيء في القرآن يقتضي المغايرة | فصل: لفظ الإيمان إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر | فصل:هذا النوع من نمط أسماء الله وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه | فصل: الوجه الثاني ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط | فصل: فإن قيل فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله | فصل: زيادة الإيمان تعرف من وجوه | فصل: أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان | فصل: الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها | فصل: ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس | فصل: قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التي تلوناها | من يختصه الله بفضله | سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص | الذين نفى عنهم الرسول الإيمان | اسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان | وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر | وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن | تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان | جواب أحمد مما نقل عنه في الرد على طوائف المرجئة | دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين | صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال | فصل: الاستثناء في الإيمان | كتاب الإيمان الأوسط | فصل: حديث سؤال النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان | فصل: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار | فصل: تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا | الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم | فصل: الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية | فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة | فصل: إذا علم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة | فصل: في الجمع بين الأحاديث التي ذكرت فيها أركان الإسلام الخمسة | فصل: في الإحسان وقوله أن تعبد الله كأنك تراه | فصل: فيما تقدم من القواعد | فصل: لفظ الإسلام يستعمل على وحهين | فصل: أصل الإيمان هو الإيمان بالله ورسوله | سئل: عن الإيمان بالله ورسوله هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الأحوال | فصل: في قول القائل: هل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد | فصل: في قوله: هل يكون لأول حصوله سبب | فصل: قوله: الأسباب التي يقوى بها الإيمان | فصل: في طريق الوصول إلى ذلك | فصل: الإيمان: هل هو مخلوق أو غير مخلوق | فصل: الاستثناء في الإيمان سنة | فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان | فصل: سئل عن معنى قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر | سئل شيخ الإسلام عن بدعة المرازقة