مجموع الفتاوى/المجلد السابع/فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان
ابن تيمية

فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان[عدل]

وأما إذا قُيِّدَ الإيمان، فقرن بالإسلام أو بالعمل الصالح، فإنه قد يراد به ما في القلب من الإيمان باتفاق الناس، وهل يراد به أيضا المعطوف عليه، ويكون من باب عطف الخاص على العام، أو لا يكون حين الاقتران داخلا في مسماه؟ بل يكون لازما له، على مذهب أهل السنة، أو لا يكون بعضا ولا لازما، هذا فيه ثلاثة أقوال للناس، كما سيأتي إن شاء الله، وهذا موجود في عامة الأسماء يتنوع مسماها بالإطلاق والتقييد، مثال ذلك اسم المعروف والمنكر إذا أطلق كما في قوله تعالى: {يَأْمُرُهُم بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنكَرِ} [1]، وقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [2]، وقوله: {وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاء بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} [3]، يدخل في المعروف كل خير، وفي المنكر كل شر.

ثم قد يقرن بما هو أخص منه كقوله: {لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ} [4]، فغاير بين المعروف وبين الصدقة والإصلاح بين الناس كما غاير بين اسم الإيمان والعمل، واسم الإيمان والإسلام وكذلك قوله تعالى: {إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء} [5]، غاير بينهما وقد دخلت الفحشاء في المنكر في قوله: {وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ} ثم ذكر مع المنكر اثنين في قوله: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاء ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ } [6]، جعل البغي هنا مغايرا لهما، وقد دخل في المنكر في ذينك الموضعين.

ومن هذا الباب لفظ العبادة فإذا أمر بعبادة الله مطلقا دخل في عبادته كل ما أمر الله به، فالتوكل عليه مما أمر به والاستعانة به مما أمر به، فيدخل ذلك في مثل قوله: {وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ} [7]، وفي قوله: {وَاعْبُدُواْ الله وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا} [8]، وقوله: {يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ} [9]، وقوله: {إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ الله مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ} [10]، {قُلِ الله أَعْبُدُ مُخْلِصًا لَّهُ دِينِي} [11]، وقوله: {أَفَغَيْرَ الله تَأْمُرُونِّي أَعْبُدُ أَيُّهَا الْجَاهِلُونَ} [12]

ثم قد يقرن بها اسم آخر، كما في قوله: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} [13]، وقوله: {فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ} [14]، وقول نوح: {اعْبُدُوا الله وَاتَّقُوهُ وَأَطِيعُونِ} [15]، وكذلك إذا أفرد اسم "طاعة الله" دخل في طاعته كل ما أمر به وكانت طاعة الرسول داخلة في طاعته، وكذا اسم التقوى إذا أفرد دخل فيه فعل كل مأمور به وترك كل محظور، قال طَلْقُ بن حبيب: التقوى: أن تعمل بطاعة الله على نور من الله، ترجو رحمة الله، وأن تترك معصية الله على نور من الله، تخاف عذاب الله، وهذا كما في قوله: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي جَنَّاتٍ وَنَهَرٍ فِي مَقْعَدِ صِدْقٍ عِندَ مَلِيكٍ مُّقْتَدِرٍ} [16].

وقد يقرن بها اسم آخر، كقوله: {وَمَن يَتَّقِ الله يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى الله فَهُوَ حَسْبُهُ} [17]، وقوله: {إِنَّهُ مَن يَتَّقِ وَيِصْبِرْ فَإِنَّ الله لاَ يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ} [18]، وقوله: {وَاتَّقُواْ الله الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ} [19]، وقوله: {اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا} [20]، وقوله: {اتَّقُواْ الله وَكُونُواْ مَعَ الصَّادِقِينَ} [21]، وقوله: {اتَّقُواْ الله حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ} [22]، وأمثال ذلك.

فقوله: {اتَّقُوا الله وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا}[23]، مثل قوله: {آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [24]، وقوله: {آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ} [25]، فعطف قولهم على الإيمان، كما عطف القول السديد على التقوى، ومعلوم أن التقوى إذا أطلقت دخل فيها القول السديد، وكذلك الإيمان إذا أطلق دخل فيه السمع والطاعة لله وللرسول، وكذلك قوله: {آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ}، وإذا أطلق الإيمان بالله في حق أمة محمد دخل فيه الإيمان بالرسول، وكذلك قوله: {كُلٌّ آمَنَ بِالله وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ}، وإذا أطلق الإيمان بالله دخل فيه الإيمان بهذه التوابع، وكذلك قوله: {والَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنزِلَ مِن قَبْلِكَ} [26]، وقوله: {قُولُواْ آمَنَّا بِالله وَمَآ أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ} الآية [27].

وإذا قيل: {فَآمِنُواْ بِالله وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الأُمِّيِّ}[28]، دخل في الإيمان برسوله الإيمان بجميع الكتب والرسل والنبيين، وكذلك إذا قيل: {وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِن رَّحْمَتِهِ} [29]، وإذا قيل: {آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ وَأَنفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُم مُّسْتَخْلَفِينَ فِيهِ} [30]، دخل في الإيمان بالله ورسوله الإيمان بذلك كله، والإنفاق يدخل في قوله في الآية الأخرى: {آمِنُوا بِالله وَرَسُولِهِ} كما يدخل القول السديد في مثل قوله: {وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَابَ} [31].

وكذلك لفظ البر إذا أطلق تناول جميع ما أمر الله به كما في قوله: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ} [32]، وقوله: {وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنِ اتَّقَى} [33] وقوله: {لَّيْسَ الْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ الْمَشْرِقِ وَالْمَغْرِبِ وَلَكِنَّ الْبِرَّ مَنْ آمَنَ بِالله وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَالْمَلآئِكَةِ وَالْكِتَابِ وَالنَّبِيِّينَ وَآتَى الْمَالَ عَلَى حُبِّهِ ذَوِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَالسَّآئِلِينَ وَفِي الرِّقَابِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَالْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ وَالصَّابِرِينَ فِي الْبَأْسَاء والضَّرَّاء وَحِينَ الْبَأْسِ أُولَئِكَ الَّذِينَ صَدَقُوا وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُتَّقُونَ} [34]، فالبر إذا أطلق كان مسماه مسمى التقوى، والتقوى إذا أطلقت كان مسماها مسمى البر، ثم قد يجمع بينهما كما في قوله تعالى: {وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى} [35].

وكذلك لفظ الإثم إذا أطلق دخل فيه كل ذنب، وقد يقرن بالعدوان، كما في قوله تعالى: {وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} [36]، وكذلك لفظ الذنوب إذا أطلق دخل فيه ترك كل واجب وفعل كل محرم، كما في قوله: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ الله إِنَّ الله يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ} [37]، ثم قد يقرن بغيره كما في قوله{ربَّنَا اغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَإِسْرَافَنَا فِي أَمْرِنَا} [38]، وكذلك لفظ الهدى إذا أطلق تناول العلم الذي بعث الله به رسوله والعمل به جميعا، فيدخل فيه كل ما أمر الله به، كما في قوله: {اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ} [39]، والمراد طلب العلم بالحق والعمل به جميعا، وكذلك قوله: {هُدًى لِّلْمُتَّقِينَ} [40]، والمراد به أنهم يعلمون ما فيه ويعملون به؛ولهذا صاروا مفلحين، وكذلك قول أهل الجنة: {الْحَمْدُ لله الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا} [41]، وإنما هداهم؛ بأن ألهمهم العلم النافع، والعمل الصالح.

ثم قد يقرن الهدى إما بالاجتباء كما في قوله: {وَاجْتَبَيْنَاهُمْ وَهَدَيْنَاهُمْ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [42]، وكما في قوله: {شَاكِرًا لِّأَنْعُمِهِ اجْتَبَاهُ وَهَدَاهُ} [43]، {الله يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاء وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ} [44]، وكذلك قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدَى وَدِينِ الْحَقِّ} [45]، والهدى هنا هو الإيمان ودين الحق هو الإسلام، وإذا أطلق الهدى كان كالإيمان المطلق يدخل فيه هذا وهذا.

ولفظ الضلال إذا أطلق تناول من ضل عن الهدى، سواء كان عمدا أو جهلا، ولزم أن يكون معذبا كقوله: {إِنَّهُمْ أَلْفَوْا آبَاءهُمْ ضَالِّينَ فَهُمْ عَلَى آثَارِهِمْ يُهْرَعُونَ} [46]، وقوله: {رَبَّنَا إِنَّا أَطَعْنَا سَادَتَنَا وَكُبَرَاءنَا فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا رَبَّنَا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذَابِ وَالْعَنْهُمْ لَعْنًا كَبِيرًا } [47]، وقوله: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [48] ثم قد يقرن بالغي والغضب، كما في قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} [49]، وفي قوله: {غَيرِ المَغضُوبِ عَلَيهِمْ وَلاَ الضَّالِّينَ} [50]، وقوله: {إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلَالٍ وَسُعُرٍ} [51].

وكذلك لفظ الغي إذا أطلق تناول كل معصية لله كما في قوله عن الشيطان: {وَلأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ إِلاَّ عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ} [52]، وقد يقرن بالضلال كما في قوله: {مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى} وكذلك اسم الفقير إذا أطلق دخل فيه المسكين، وإذا أطلق لفظ المسكين تناول الفقير، وإذا قرن بينهما فأحدهما غير الآخر، فالأول كقوله: {وَإِن تُخْفُوهَا وَتُؤْتُوهَا الْفُقَرَاء فَهُوَ خَيْرٌ لُّكُمْ} [53]، وقوله: {فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ} [54]، والثاني كقوله: {إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاء وَالْمَسَاكِينِ} [55]

وهذه الأسماء التي تختلف دلالتها بالإطلاق والتقييد والتجريد والاقتران، تارة يكونان إذا أفرد أحدهما أعم من الآخر، كاسم الإيمان والمعروف مع العمل ومع الصدق، وك المنكر مع الفحشاء ومع البغي ونحو ذلك. وتارة يكونان متساويين في العموم والخصوص، كلفظ الإيمان، والبر، والتقوى، ولفظ الفقير، والمسكين. فأيها أطلق تناول ما يتناوله الآخر، وكذلك لفظ التلاوة، فإنها إذا أطلقت في مثل قوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [56]، تناولت العمل به كما فسره بذلك الصحابة والتابعون مثل ابن مسعود وابن عباس ومجاهد وغيرهم، قالوا: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} يتبعونه حق اتباعه، فيحلون حلاله ويحرمون حرامه، ويعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، وقيل: هو من التلاوة بمعنى الاتباع، كقوله: {وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا} [57]، وهذا يدخل فيه من لم يقرأه، بل من تمام قراءته أن يفهم معناه ويعمل به، كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان ابن عفان، وعبد الله بن مسعود، وغيرهما أنهم كانوا إذا تَعَلَّموا من النبي ﷺ عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا ما فيها من العلم والعمل، قالوا: فتعلمنا القرآن والعلم والعمل جميعا.

وقوله: {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} [58] قد فسر بالقرآن وفسر بالتوراة، وروى محمد بن نصر بإسناده الثابت عن ابن عباس: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يتبعونه حق اتباعه. وروي أيضا عن ابن عباس: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يحلون حلاله، ويحرمون حرامه ولا يحرفونه عن مواضعه، وعن قتادة: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ أُوْلَئِكَ يُؤْمِنُونَ بِهِ} قال: أولئك أصحاب محمد آمنوا بكتاب الله وصدقوا به، أحلوا حلاله وحرموا حرامه، وعملوا بما فيه، ذكر لنا أن ابن مسعود كان يقول: إن حق تلاوته: أن يحل حلاله ويحرم حرامه، وأن نقرأه كما أنزل الله، ولا نحرفه عن مواضعه، وعن الحسن: {يَتْلُونَهُ حَقَّ تِلاَوَتِهِ} قال: يعملون بمحكمه ويؤمنون بمتشابهه، ويَكِلُون ما أشكل عليهم إلى عالمه، وعن مجاهد: يتبعونه حق اتباعه، وفي رواية: يعملون به حق عمله.

ثم قد يقرن بالتلاوة غيرها كقوله: {اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنَ الْكِتَابِ وَأَقِمِ الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاء وَالْمُنكَرِ} [59]. قال أحمد بن حنبل وغيره: تلاوة الكتاب: العمل بطاعة الله كلها، ثم خص الصلاة بالذكر، كما في قوله: {وَالَّذِينَ يُمَسَّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ}[60]، وقوله: {فَاعْبُدْنِي وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي} [61]. وكذلك لفظ «اتباع ما أنزل الله» يتناول جميع الطاعات كقوله: {اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء}[62]، وقوله: {فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى} [63]، وقوله: {وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلاَ تَتَّبِعُواْ السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَن سَبِيلِهِ} [64]، وقد يقرن به غيره كقوله{وَهَذَا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ فَاتَّبِعُوهُ وَاتَّقُواْ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ } [65]، وقوله: {اتَّبِعْ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِن رَّبِّكَ لا إِلَهَ إِلاَّ هُوَ وَأَعْرِضْ عَنِ الْمُشْرِكِينَ} [66]، وقوله: {وَاتَّبِعْ مَا يُوحَى إِلَيْكَ وَاصْبِرْ حَتَّىَ يَحْكُمَ الله وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ} [67].

وكذلك لفظ الأبرار إذا أطلق دخل فيه كل تقي من السابقين والمقتصدين، وإذا قرن بالمقربين كان أخص، قال تعالى في الأول: {إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ } [68]، وقال في الثاني: {كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ كِتَابٌ مَّرْقُومٌ يَشْهَدُهُ الْمُقَرَّبُونَ}[69]، وهذا باب واسع يطول استقصاؤه.

ومن أنفع الأمور في معرفة دلالة الألفاظ مطلقا وخصوصا ألفاظُ الكتاب والسنة، وبه تزول شبهات كثيرة كثر فيها نزاع الناس، من جملتها مسألة الإيمان والإسلام، فإن النزاع في مسماهما أول اختلاف وقع، افترقت الأمة لأجله وصاروا مختلفين في الكتاب والسنة، وكَفَّر بعضهم بعضا، وقاتل بعضهم بعضا كما قد بسطنا هذا في مواضع أخر إذ المقصود هنا بيان شرح كلام الله ورسوله على وجه يبين أن الهدى كله مأخوذ من كلام الله ورسوله بإقامة الدلائل الدالة، لا بذكر الأقوال التي تقبل بلا دليل وترد بلا دليل، أو يكون المقصود بها نصر غير الله والرسول، فإن الواجب أن يقصد معرفة ما جاء به الرسول واتباعه بالأدلة الدالة على ما بينه الله ورسوله.

ومن هذا الباب أقوال السلف وأئمة السنة في تفسير الإيمان، فتارة يقولون: هو قول وعمل. وتارة يقولون: هو قول وعمل ونية. وتارة يقولون قول وعمل ونية واتباع السنة. وتارة يقولون: قول باللسان، واعتقاد بالقلب وعمل بالجوارح، وكل هذا صحيح. فإذا قالوا: قول وعمل؛ فإنه يدخل في القول قول القلب واللسان جميعا، وهذا هو المفهوم من لفظ القول والكلام، ونحو ذلك إذا أطلق.

والناس لهم في مسمى الكلام والقول عند الإطلاق أربعة أقوال، فالذي عليه السلف والفقهاء والجمهور أنه يتناول اللفظ والمعنى جميعا، كما يتناول لفظ الإنسان للروح والبدن جميعا. وقيل: بل مسماه هواللفظ، المعنى ليس جزء مُسَمَّاه، بل هو مدلول مسماه، وهذا قول كثير من أهل الكلام من المعتزلة وغيرهم وطائفة من المنتسبين إلى السنة، وهو قول النحاة؛ لأن صناعتهم متعلقة بالألفاظ. وقيل: بل مسماه هو المعنى وإطلاق الكلام على اللفظ مجاز لأنه دال عليه، وهذا قول ابن كُلاَّب ومن اتبعه، وقيل: بل هو مشترك بين اللفظ والمعنى، وهو قول بعض المتأخرين من الكُلابية، ولهم قول ثالث يروى عن أبي الحسن أنه مجاز في كلام الله حقيقة في كلام الآدميين؛ لأن حروف الآدميين تقوم بهم، فلا يكون الكلام قائما بغير المتكلم، بخلاف الكلام القرآني، فإنه لا يقوم عنده بالله، فيمتنع أن يكون كلامه، ولبسط هذا موضع آخر.

والمقصود هنا أن من قال من السلف: الإيمان قول وعمل، أراد قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح، ومن أراد الاعتقاد رأي أن لفظ القول لا يفهم منه إلا القول الظاهر، أو خاف ذلك فزاد الاعتقاد بالقلب، ومن قال: قول وعمل ونية، قال: القول يتناول الاعتقاد وقول اللسان، وأما العمل فقد لا يفهم منه النية فزاد ذلك، ومن زاد اتباع السنة فلأن ذلك كله لا يكون محبوبا لله إلا باتباع السنة، وأولئك لم يريدوا كل قول وعمل، إنما أرادوا ما كان مشروعا من الأقوال والأعمال، ولكن كان مقصودهم الرد على المرجئة الذين جعلوه قولا فقط، فقالوا: بل هو قول وعمل، والذين جعلوه أربعة أقسام فسروا مرادهم، كما سئل سَهْل بن عبد الله التَّسْتُرِي عن الإيمان ما هو؟ فقال: قول وعمل ونية وسنة؛ لأن الإيمان إذا كان قولا بلا عمل فهو كُفْر، وإذا كان قولا وعملا بلا نية فهو نفاق، وإذا كان قولا وعملا ونية بلا سنة فهو بدعة.

هامش

  1. [الأعراف: 157]
  2. [آل عمران: 110]
  3. [التوبة: 71]
  4. [النساء: 114]
  5. [العنكبوت: 45]
  6. [النحل: 90]
  7. [الذاريات: 56]
  8. [النساء: 36]
  9. [البقرة: 21]
  10. [الزمر: 2]
  11. [الزمر: 14]
  12. [الزمر: 64]
  13. [الفاتحة: 5]
  14. [هود: 123]
  15. [نوح: 3]
  16. [القمر: 54، 55]
  17. [الطلاق: 2، 3]
  18. [يوسف: 90]
  19. [النساء: 1]
  20. [الأحزاب: 70]
  21. [التوبة: 119]
  22. [آل عمران: 102]
  23. [الأحزاب: 70]
  24. [الحديد: 7]
  25. [البقرة: 285]
  26. [البقرة: 4]
  27. [البقرة: 136]
  28. [الأعراف: 185]
  29. [الحديد: 28]
  30. [الحديد: 7]
  31. [النساء: 131]
  32. [الإنفطار: 13، 14]
  33. [البقرة: 189]
  34. [البقرة: 177]
  35. [المائدة: 2]
  36. [المائدة: 2]
  37. [الزمر: 53]
  38. [آل عمران: 147]
  39. [الفاتحة: 6]
  40. [البقرة: 2]
  41. [الأعراف: 43]
  42. [الأنعام: 87]
  43. [النحل: 121]
  44. [الشورى: 13]
  45. [الصف: 9]
  46. [الصافات: 69، 70]
  47. [الأحزاب: 67، 68]
  48. [طه: 123]
  49. [النجم: 2]
  50. [الفاتحة: 7]
  51. [القمر: 47]
  52. [الحجر: 39، 40]
  53. [البقرة: 271]
  54. [المائدة: 89]
  55. [التوبة: 60]
  56. [البقرة: 121]
  57. [الشمس: 2]
  58. [البقرة: 121]
  59. [العنكبوت: 45 ]
  60. [الأعراف: 170]
  61. [طه: 14]
  62. [الأعراف: 3]
  63. [طه: 123]
  64. [الأنعام: 153]
  65. [الأنعام: 155]
  66. [الأنعام: 106]
  67. [يونس: 109]
  68. [الإنفطار: 13، 14]
  69. [المطففين: 18: 22]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السابع
كتاب الإيمان الكبير | الفرق بين الإيمان والإسلام | تفسير الإيمان في حديث وفد عبد القيس | تفسير قوله: ألم يأن للذين آمنوا | تفسير قوله: ثم قست قلوبكم | تفسير قوله: إن الذين اتقوا إذا مسهم | فصل: جاءت أحاديث تنازع الناس في صحة الإيمان لأجل ترك واجب | كلام محمد بن نصر المروزي على آية حبب إليكم الإيمان | تفسير آيات فيما أحل وما حرم من الأطعمة | معنى: وليس وراء ذلك من الإيمان مثقال حبة من خردل | فصل: في لفظ الكفر والنفاق | فصل: في لفظ الصالح والشهيد والصديق | فصل: في لفظ المعصية والفسوق والكفر | فصل: في ظلم النفس | فصل: في لفظ الصلاح والفساد | فصل: فإن قيل تنوع دلالة اللفظ بالإطلاق والتقييد لا يمكن دفعه | بحث في الإطلاق والتقييد والكليات والجزئيات في الأمور العقلية | ومن الأمثلة المشهورة لمن يثبت المجاز في القرآن | فإن قيل: الصلاة والحج ونحوهما لو ترك بعضها بطلت بخلاف الإيمان | فصل في أن أبا الحسن الأشعري نصر قول جهم في الإيمان | فصل: الذين نصروا مذهب جهم جعلوا الإيمان خصلة من خصال الإسلام | فصل: ومما يدل من القرآن على أن الإيمان المطلق مستلزم للأعمال | فصل: فيما إذا قرن الإسلام بالإيمان | فصل: عطف الشيء على الشيء في القرآن يقتضي المغايرة | فصل: لفظ الإيمان إذا أطلق يراد به ما يراد بلفظ البر | فصل:هذا النوع من نمط أسماء الله وأسماء كتابه وأسماء رسوله وأسماء دينه | فصل: الوجه الثاني ظنهم أن ما في القلب من الإيمان ليس إلا التصديق فقط | فصل: فإن قيل فإذا كان الإيمان المطلق يتناول جميع ما أمر الله به ورسوله | فصل: زيادة الإيمان تعرف من وجوه | فصل: أثبت الله في القرآن إسلاما بلا إيمان | فصل: الألفاظ الموجودة في القرآن والحديث إذا عرف تفسيرها | فصل: ومما يسأل عنه أنه إذا كان ما أوجبه الله من الأعمال الظاهرة أكثر من هذه الخمس | فصل: قال محمد بن نصر: واستدلوا على أن الإيمان هو ما ذكره بالآيات التي تلوناها | من يختصه الله بفضله | سائر أهل الكبائر إيمانهم ناقص | الذين نفى عنهم الرسول الإيمان | اسم الإسلام يتناول أيضا ما هو أصل الإيمان | وقول القائل: أصل الاستسلام هو الإسلام الظاهر | وقول القائل: الطاعات ثمرات التصديق الباطن | تفريق أحمد بين الإسلام والإيمان | جواب أحمد مما نقل عنه في الرد على طوائف المرجئة | دخل في إرجاء الفقهاء جماعة هم عند الأمة أهل علم ودين | صار الناس في الإيمان والإسلام على ثلاثة أقوال | فصل: الاستثناء في الإيمان | كتاب الإيمان الأوسط | فصل: حديث سؤال النبي عن الإسلام والإيمان والإحسان | فصل: قول الخوارج الذين يكفرون بمطلق الذنوب ويخلدون في النار | فصل: تنازع الناس في اسم المؤمن والإيمان نزاعا كثيرا | الأصل الثاني: أن شعب الإيمان قد تتلازم | فصل: الإيمان تارة يطلق على ما في القلب من الأقوال القلبية | فصل: التفاضل في الإيمان بدخول الزيادة والنقص فيه يكون من وجوه متعددة | فصل: إذا علم أن الإيمان الذي في القلب من التصديق والحب وغير ذلك يستلزم الأمور الظاهرة | فصل: في الجمع بين الأحاديث التي ذكرت فيها أركان الإسلام الخمسة | فصل: في الإحسان وقوله أن تعبد الله كأنك تراه | فصل: فيما تقدم من القواعد | فصل: لفظ الإسلام يستعمل على وحهين | فصل: أصل الإيمان هو الإيمان بالله ورسوله | سئل: عن الإيمان بالله ورسوله هل فوقه مقام من المقامات أو حال من الأحوال | فصل: في قول القائل: هل تكون صفة الإيمان نورا يوقعه الله في قلب العبد | فصل: في قوله: هل يكون لأول حصوله سبب | فصل: قوله: الأسباب التي يقوى بها الإيمان | فصل: في طريق الوصول إلى ذلك | فصل: الإيمان: هل هو مخلوق أو غير مخلوق | فصل: الاستثناء في الإيمان سنة | فصل: سئل عن معنى حديث إذا زنى العبد خرج منه الإيمان | فصل: سئل عن معنى قوله لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كبر | سئل شيخ الإسلام عن بدعة المرازقة