مجموع الفتاوى/المجلد الثامن/فصل في دعاء: اللهم بقدرتك التي قدرت بها

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
فصل في دعاء: اللهم بقدرتك التي قدرت بها
ابن تيمية

فصل في دعاء: اللهم بقدرتك التي قدرت بها[عدل]

قال شيخ الإسلام رحمه الله:

حدثني بعض ثقات أصحابنا، أن شيخنا أبا عبد الله محمد بن عبد الوهاب، عاد شيخنا أبا زكريا بن الصرمي وعنده جماعة فسألوه الدعاء.

فقال في دعائه: اللهم بقدرتك التي قدرت بها أن تقول بها للسموات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا، قالتا أتينا طائعين. افعل كذا وكذا. قال أبو عبد الوهاب: ولم أخاطبه فيه بحضرة الناس حتى خلوت به وقلت له: هذا لا يقال لو قلت: قدرت بها علي خلقك جاز، فأما قدرت بها أن تقول، فلا يجوز؛ لأن هذا يقتضي أن يكون قوله مقدورًا له مخلوقًا، وذكر لي الحاكي وهو من فضلاء أصحاب الشافعي أنه بلغ الإمام أبا زكريا النواوي فلم يتفطن لوجه الإنكار في هذا الدعاء حتي تبين له فعرف ذلك.

قلت: هذه المسألة مثل مسألة المشيئة، وهو قولنا: يتكلم إذا شاء، فإن ما تعلقت به المشيئة تعلقت به القدرة، فإن ما شاء الله كان ولا يكون شيء إلا بقدرته، وما تعلقت به القدرة من الموجودات تعلقت به المشيئة، فإنه لا يكون شيء إلا بقدرته ومشيئته، وما جاز أن تتعلق به القدرة جاز أن تتعلق به المشيئة، وكذلك بالعكس، وما لا فلا؛ ولهذا قال: {إِنَّ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} [1]، والشيء في الأصل مصدر شاء يشاء شيئًا كنال ينال نيلا، ثم وضعوا المصدر موضع المفعول فسموا المشيء شيئًا، كما يسمى المنيل نيلا، فقالوا: نيل المعدن، وكما يسمى المقدور قدرة، والمخلوق خلقا، فقوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ} أي على كل ما يشاء، فمنه ما قد شيء فوجد، ومنه ما لم يشأ لكنه شيء في العلم بمعنى أنه قابل لأن يشاء وقوله: {عَلَى كُلِّ شَيْءٍ}، يتناول ما كان شيئًا في الخارج والعلم، أو ما كان شيئًا في العلم فقط، بخلاف مالا يجوز أن تتناوله المشيئة وهو الحق تعالى وصفاته، أو الممتنع لنفسه، فإنه غير داخل في العموم؛ ولهذا اتفق الناس على أن الممتنع لنفسه ليس بشيء، وتنازعوا في المعدوم الممكن:

فذهب فريق من أهل الكلام من المعتزلة والرافضة، وبعض من وافقهم من ضلال الصوفية، إلي أنه شيء في الخارج لتعلق الإرادة والقدرة به وهذا غلط، وإنما هو معلوم لله ومراد له إن كان مما يوجد، وليس له في نفسه لا موت ولا وجود ولا حقيقة أصلا، بل وجوده وثبوته وحصوله شيء واحد، وماهيته وحقيقته في الخارج هي نفس وجوده، وحصوله وثبوته ليس في الخارج شيئان، وإن كان العقل يميز الماهية المطلقة عن الوجود المطلق.

إذا عرف ذلك فهذه المسألة مبنية على مسألة كلام الله، ونحو ذلك من صفاته، هل هي قديمة لازمة لذاته لا يتعلق شيء منها بفعله وبمشيئته ولا قدرته؟ أو يقال: إنه يتكلم إذا شاء ويسكت إذا شاء، وإنها مع ذلك صفات فعليه؟ وهذا فيه قولان لأصحابنا وغيرهم من أهل السنة. قلت: وهذا الدعاء الذي دعا به الشيخ أبو زكريا مأثور عن الإمام أحمد، ومن هناك حفظه الشيخ، والله أعلم. فإنه كان كثير المحبة لأحمد وآثاره، والنظر في مناقبه وأخباره وقد ذكروه في مناقبه. ورواه الحافظ البيهقي في مناقب أحمد وهي رواية الشيخ أبي زكريا عن الحافظ عبد القادر الرهاوي إجازة، وقد سمعوها عليه عنه إجازة، قال البيهقي: وفيما أنبأني أبو عبد الله الحافظ إجازة. حدثني أبو بكر محمد بن إسماعيل بن العباس، حدثني أبو محمد عبد الله بن إسحاق بن إبراهيم البغوي، حدثنا أبو جعفر محمد ابن يعقوب الصفار قال: كنا عند أحمد بن حنبل فقلنا: ادع الله لنا، فقال: اللهم إنك تعلم أنا نعلم أنك لنا على أكثر ما نحب، فاجعلنا نحن لك علي ما تحب، قال: ثم جلست ساعة، فقيل له: يا أبا عبد الله زدنا، فقال: اللهم إنا نسألك بالقدرة التي قلت للسموات والأرض ائتيا طوعًا أو كرهًا قالتا أتينا طائعين، اللهم وفقنا لمرضاتك، اللهم إنا نعوذ بك من الفقر إلا إليك، ونعوذ بك من الذل إلا لك، اللهم لا تكثر فنطغى، ولا تقل علينا فننسى، وهب لنا من رحمتك، وسعة من رزقك تكون بلاغًا في دنياك وغنى من فضلك. قلت: هذا على المعنى المتقدم موافق لقوله: يتكلم إذا شاء، فجعله معلقًا بالقدرة والمشيئة. وإن جعل القول هنا عبارة عن سرعة التكوين بلا قول حقيقي، فهذا خلاف ما احتج به أحمد في كتاب الرد على الجهمية في هذه، فإنه احتج بهذه الآية على أن الكلام لا يقف على لسان وأدوات.

هامش

  1. [البقرة: 20]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثامن
كتاب القدر | فصل في قدرة الرب عز وجل | سئل عن تفصيل الإرادة والإذن وغير ذلك | سئل عن أقوام يقولون المشيئة مشيئة الله في الماضي والمستقبل | سئل عن جماعة اختلفوا في قضاء الله وقدره | سئل عن حديث: إن الله قبض قبضتين | سئل عن الباري سبحانه هل يضل ويهدي | سئل عن حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام | تابع مسألة حسن إرادة الله تعالى لخلق الخلق وإنشاء الأنام | سئل هل أراد الله تعالى المعصية من خلقه | سئل عن قول علي: لا يرجون عبد إلا ربه | سئل عن قوله تعالى: إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون | فصل في اللام التي في قوله: ليعبدون | فصل فيما ورد من الأخبار والآيات في الرضا بقضاء الله | فصل في قوله تعالى: ادعوني أستجب لكم | سئل عن الأقضية هل هي مقتضية للحكمة أم لا | سئل عن الأقضية هل هي مقتضية للحكمة | قوله في الفروق التي يتبين بها كون الحسنة من الله والسيئة من النفس | سئل عمن يعتقد أن الخير من الله والشر من الشيطان | سئل عن الخير والشر والقدر الكوني، والأمر والنهي الشرعي | قوله في معنى قول علي: إنما أنفسنا بأيديينا | سئل عن القصيدة التائية في القدر | فصل في أصناف القدرية | سئل عن أقوام يحتجون بسابق القدر | فصل احتجاجهم بقوله إن الذين سبقت لهم منا الحسنى | فصل قول القائل: ما لنا في جميع أفعالنا قدرة | فصل قول القائل: الزنا وغيره من المعاصي مكتوب علينا | فصل من قال: إن آدم ما عصى فهو مكذب للقرآن | فصل احتجاجهم بحديث من قال لا إله إلا الله دخل الجنة | سئل عن قوم قد خصوا بالسعادة وقوم قد خصوا بالشقاوة | لو لم يأت العبد بالعمل هل كان المكتوب يتغير | فصل تكليف ما لا يطاق | فصل في قوله فحج آدم موسى لما احتج عليه بالقدر | فصل الصواب في قصة آدم وموسى | فصل آدم حج موسى لما قصد موسى أن يلوم من كان سببا في مصيبتهم | فصل الذين يسلكون إلى الله محض الإرادة والمحبة والدنو | فصل في استطاعة العبد هل هي مع فعله أم قبله | فصل في السؤال عن تعليل أفعال الله | فصل في دعاء: اللهم بقدرتك التي قدرت بها | سئل عن أفعال العبد الاختيارية | سئل عن أفعال العباد هل هي قديمة أم مخلوقة حين خلق الإنسان | فصل الاستثناء في الماضي المعلوم المتيقن | فصل مسألة تحسين العقل وتقبيحه | سئل عن العبد هل يقدر أن يفعل الطاعة إذا أراد أم لا | سئل عن أبيات في الجبر | فصل السلف على أن العباد مأمورون منهيون | فصل أن العباد لهم مشيئة وقدرة وفعل | فصل في إثبات الأمر والنهي والوعد والوعيد لله | فصل قول القائل كيف يكون العبد مختارا لأفعاله وهو مجبور عليها | فصل قول الناظم السائل لأنهم قد صرحوا أنه على الإرادات لمقسور | قول السائل ولم يكن فاعل أفعاله حقيقة والحكم مشهور | قول السائل ومن هنا لم يكن للفعل في ما يلحق الفاعل تأثير | فصل قوله تعالى: وما تشاءون إلا أن يشاء الله | قول السائل وكل شيء ثم لو سلمت لم يك للخالق تقدير | قول السائل أو كان فاللازم من كونه حدوثه والقول مهجور | قول السائل ولا يقال علم الله ما يختار فالمختار مسطور | قول السائل والجبر إن صح يكن مكرها وعندك المكره معذور | سئل عن المقتول هل مات بأجله أم قطع القاتل أجله | سئل عن الغلاء والرخص هل هما من الله تعالى | سئل عما قاله أبو حامد الغزالي في الرزق المضمون والمقسوم | فصل من السالكين طريق الله من يكون مع قيامه بما أمره الله عاجزا عن الكسب | فصل قول القائل: إن الأنبياء والأولياء لم يطلبوا رزقا | سئل عن الرزق هل يزيد أو ينقص وهل هو ما أكل أو ما ملكه العبد | فصل والرزق يراد به شيئان | سئل عن الرجل إذا قطع الطريق وسرق هل هو رزقه الذي ضمنه الله تعالى له | سئل عن الخمر والحرام هل هو رزق الله للجهال | سئل عن قول: نازعت أقدار الحق بالحق للحق | سئل عن قول: أبرأ من الحول والقوة إلا إليه