مقالات مجلة المنار/نظرة في كتب العهد الجديد وفي عقائد النصرانية/4

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجلة المنار
نظرة في كتب العهد الجديد وفي عقائد النصرانية
محمد توفيق صدقي
(( مجلة المنار - المجلد [ 16 ] الجزء [ 7 ] ص 521 - رجب 1331 - يوليو 1913 ))


نظرة في كتب العهد الجديد وفي عقائد النصرانية


ولعل الحكمة في إرادة الله تعالى اختلاف آراء النصارى ومذاهبهم في عقائدهم وغيرها هذا الاختلاف المعروف قبل البعثة المحمدية هي إشباع العقول من كثرة البحث والتفكير [1] وتوسيع معلومات الناس وتكبير مداركهم وترقيتها بذلك حتى تتهيأ لقبول العقائد والتعاليم الإسلامية بعد تشويقها إلى معرفة الحقيقة وتطلبها الوقوف عليها إذا عرفتها، بعد هذا التعب الشديد والضلال عنها، وإن كانت سهلة كما هو شأن الحق دائمًا، عضت عليها بالنواجذ وما فرطت فيها الأمة المحمدية تفريط من قبلها كبني إسرائيل الذين أوحي إليهم الحق رخيصًا فلم يعرفوا قيمته.

ولو ضلت الأمة المحمدية كلها عن الحقيقة وهي آخر الأمم لاحتيج إلى وحي جديد، ولكن أراد الله أن يختم بمحمد النبوة لارتقاء البشر في عهده وكفاية العقل والقرآن لهدايتهم؛ فلذا كان ما كان وصان القرآن.

ولو أراد الله بقاء كتبهم للعمل بها إلى يوم القيامة كما يزعمون لصانها كما صان القرآن الشريف من التحريف والتبديل والضياع، ومع ذلك فقد أبقى الله تعالى فيها من العقائد الصحيحة والحكم والنصائح العالية ما فيه هداية للمفكرين، وما به إظهار كذب أهل الكتاب ودسهم على أنبيائهم ما لم يأتوا به وما لم يقولوه ولذلك تجد - إذا تأملت - ما دسوه قلقا مضطربًا لا يتفق مع تعاليم الأنبياء الأصلية كما سبق تفصيل بعض ذلك في هذه الرسالة، ولكن لا يدرك كل الناس الفرق بين الحق والباطل في هذه الكتب { وَلاَ يَزَالُونَ } ( هود: 118 ) في أمرها { مُخْتَلِفِينَ * إِلاَّ مَن رَّحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ } ( هود: 118-119 )

وما الأديان في هذا العالم إلا كباقي الأشياء الأخرى قابلة للتبديل والتغير الذي به تسترد شبابها وقوتها، ألا ترى أن الأشجار مثلا تذبل وتسقط أوراقها كل سنة في زمن الشتاء حتى تصير كالميتة ثم إذا ذهب الشتاء انتعشت، وأورقت وأزهرت وأثمرت، وصارت أقوى وأبهج مما كانت، فلا يعيق ذلك الذبول المؤقت صحتها وقوتها بل تكتسب به شبابًا جديدًا في كل سنة، فكأنها تكتسب من الضعف قوة ومن الذبول والتغير صحة وشبابًا ورقيًّا [2] .

فكذلك سنة الله في الأديان وغيرها فهي وإن تبدلت وتغيرت في بعض الأوقات إلا أن ذلك يكسبها قوة وتقدمًا ورقيًّا بنهوض العقل البشري للبحث والتفكر فيها، وبما يوحيه الله للناس من جديد فتعود إليها صحتها ويرجع إليها شبابها وتصير أحسن مما كانت بعمل الأنبياء والمصلحين الذين يكونون لها كالشمس والماء للأشجار. ( راجع أيضا هامش صفحة 126 من هذه الرسالة ).

هذا وإنما استعمل الله لفظ الأب في التوراة والإنجيل في حق الله ولفظ الأبناء في حق المخلوقين كما في ( مت 5: 9 ويو20: 17 ) وغيرهما، إذا صحت رواية اليهود والنصارى، ولم يستعمل ذلك في القرآن؛ لأن الناس كانوا في تلك الأعصر الأولى ضعاف العقول حتى إنهم قل أن يفهموا شيئًا بدون ضرب الأمثال والتشبيه لهم؛ فلذا كثرت في كتبهم فلأجل أن يعرفوا أن الله رؤوف رحيم بهم محب لهم كما يحب الأب أبناءه بل أكثر، سماه أنبياؤهم لهم أبًا، وسموهم أبناءه، ولكن بعد زمن المسيح بقليل أي: بعد انقطاع الأنبياء فيهم الذين كانوا دائمًا يحذرونهم من الوثنية صار الناس يحملون كلا من لفظ الأب والابن على معناه الحقيقي وادَّعَوا (كما في كتابات يوستينوس الشهيد [3] المتوفى نحو سنة 166 ميلادية وغيره كثيرون) أن الله ولد الابن ولادة حقيقية أي أنه جزء خرج منه، وفهموا ما جاء في سفر المزامير ( 2: 7 ) ورسالة العبرانيين ( 1: 5 ) [4] [5] [6] [7] ونحوهما فَهْمًا خطأ، ولهم في ذلك سخافات اتصلت إليهم بعد أنبيائهم من الوثنيين والفلسفات الأجنبية كفلسفة سقراط وأفلاطون اللذين قالا بعقيدة الكلمة قبل المسيح بقرون كما اعترف بذلك يوستينوس نفسه في بعض كتبه، وإن كانت عقيدتها طبعًا أبسط من عقيدة النصارى المعروفة.

وقد كان الرومانيون وغيرهم يعبدون بعض قياصرتهم في حياتهم ويألهونهم بعد موتهم ( راجع ص44 من كتاب التوراة غير موثوق بها لمؤلفه Wslter Jekyll ) وكانت عبادة البشر [8] وتأليههم شائعين في المملكة الرومانية، في ذلك الزمن كما يفهم أيضا من نفس سفر الأعمال ( 12: 22 و41: 11 و28: 6 ) فلما فشا في الناس ذلك المعنى الضار في الأب والابن بتأثير الوثنية أبطل الله هذه الاستعمالات المجازية في القرآن الذي هو آخر الكتب بعد أن حصل الناس على الغرض منها، وأصبحت لا فائدة فيها لهم سوى أنها قد تجر بعض سخفاء العقول كما جرتهم من قبل إلى الغلو فتوقعهم في الشرك والوثنية مرة أخرى بعد ختم الوحي والنبوة فلذا استبدلها الله تعالى باستعمالات أخرى أقرب إلى تصوير الحقيقة، وأبعد عن الضرر، وتكفي الناس في ذلك الزمن لفهم المراد ما كفتهم تلك في الأزمنة الأولى والبشر في طور الطفولية، فبين تعالى في كتابه العزيز أن الله رؤوف رحيم ودود لعباده وأنه يحبهم ويحبونه ( قرآن 3: 31 و5: 54 و16: 18 و85: 14 ) وغير ذلك كثير وأنه وليهم ( 2: 257 ) وهم أولياؤه ( 10: 62 ) وبدأ كل سورة منه بـ { بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ } ( الفاتحة: 1 )، وبيَّن رسوله أن الخلق عياله وأنه أشفق عليهم وأرحم من الأم بولدها وبذلك ونحوه حصلوا على فهم ما فهمه الأولون من الأب والأبناء بدون أن يلحقهم ما لحق أولئك من الشرك والوثنية، فإن البشر في زمن البعثة المحمدية كانوا أرقى ممن سبقهم فكانت تكفيهم كما قلنا هذه العبارات لفهم المراد من محبة الله لهم بدون تشبيه ولا تمثيل، ولا تنس أن محمدا هو خاتم النبيين لذلك تركت هذه الاستعمالات المجازية في القرآن لعدم حاجة البشر إليها في فهم المراد؛ ولأنهم إذا وقعوا بسببها في الوثنية تعسر إبعادهم عنها بعد ختم الوحي والنبوة.

هذا وفي قول القرآن الشريف: { رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ } ( المائدة: 119 ) وقوله: { يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ } ( المائدة: 54 ) من التكريم الإلهي والتحبب واللطف ما لا يخفى على متأمل، فكأن الله تعالى { وَلَهُ المَثَلُ الأَعْلَى } ( الروم: 27 ) ساوى عباده به حتى صار يطلب رضاهم عنه وحبهم له كما يطلبون هم ذلك منه، وهو الذي بدأ - كما في هذه الآيات - بالرضا عنهم والحب لهم، فأي رفع لنفوس البشر وجذب لقلوبهم، بعد أن أماتها الشرك والوثنية، أكبر من ذلك؟ فهم وإن كانوا عباده إلا أنه لا يعاملهم معاملة السيد لعبيده بل معاملة الأخلاء بعضهم لبعض كما هو ظاهر من عبارات القرآن، وهي لا شك أدعى لرفع نفوس الناس وتشريفهم وجذب قلوبهم إلى الله تعالى من قول الإنجيل: (أبانا الذي في السموات). فإن الفرق بين درجة الأب مع ابنه ودرجة النظير مع نظيره لا يحتاج لتوضيح. وقول القرآن: { وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ } ( البقرة: 186 ) وقوله: { وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الوَرِيدِ } ( ق: 16 ) ليس كقول الإنجيل: ( هذا إنه في السموات )؛ إذ دلالة الأول على القرب لا تقارن بدلالة الثاني عليه، وشتان بين من يدعو الذي في السموات وبين من يدعو الذي هو أقرب إليه من حبل الوريد، وفرق بين النصراني الذي ينتسب إلى الله ويقول: إنه أبوه وبين المسلم الذي يتقرب إليه الله نفسه ويقول له: إني أقرب إليك من أجزاء جسمك الداخلية، ويخاطب نفسه بقوله: { ارْجِعِي إِلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَّرْضِيَّةً * فَادْخُلِي فِي عِبَادِي * وَادْخُلِي جَنَّتِي } ( الفجر: 28-30 ).

أما قوله تعالى: { وَقَالَتِ اليَهُودُ وَالنَّصَارَى نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم بَلْ أَنتُم بَشَرٌ مِّمَّنْ خَلَقَ يَغْفِرُ لِمَن يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَن يَشَاءُ } ( المائدة: 18 ) فليس المراد به إنكار تسميتهم أبناء الله بمعنى أحبائه بل المراد إنكار اختصاصهم بذلك، كما ادعت اليهود والنصارى [9] ، وبعناية الله بالوحي والنبوة والخير الأكبر، وغير ذلك دون سائر العالمين، فبيَّن تعالى لهم أنهم عنده كسائر الناس خصوصًا في زمن البعثة المحمدية التي ساوت بين جميع العالمين، وإن كانوا فضلوا في بعض الأشياء، وفي بعض الأوقات عن غيرهم إلا أن ذلك لم يكن لكل زمان ولا في كل شيء، ورد عليهم دعواهم المحبة لله بأنهم يعصونه، والمحب لمن يحب مطيع، فهم كاذبون أيضا في دعوى محبتهم له، ولو كان لهم عنده مزية على غيرهم لما ساوى بين الناس جميعًا في العقاب الدنيوي والأخروي؛ ولذلك قال: { يُعَذِّبُكُم بِذُنُوبِكُم } ( المائدة: 18 ) أي كباقي الناس، فالمراد أن الخلق كلهم عياله تعالى وأنه محب لهم جميعًا ولم يبق مزية لكتابي على جاهلي ولا لأبيض على أسود ولا لعربي على عجمي بل الكل عند الله سواء: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } ( الحجرات: 13 ) ويجوز أن مذهب وحدة الوجود كان فاشيًا في نصارى العرب ويهودهم كما كان فاشيًا في أسلافهم الأولين على ما بيَّنا في حاشية (صفحة 141) فيكون مرادهم بقولهم: إنهم أبناء الله أنهم مولودون أي أن مادتهم هي من ذات الله تعالى، فكذبهم القرآن في هذه الدعوى وبين أنهم مخلوقون محدثون هم وسائر الناس بقدرته وصنعه لا مولودون منه، فيجوز عليهم كل ما جاز على سائر الأحياء المخلوقة كالآلام والذل والعذاب وغيره، ولا يعقل أن الله يهين نفسه ويعذبها لو صح قولهم إن ذاتهم هي من ذات الله تعالى، بل له ملك السموات والأرض بالقهر والإيجاد لا بكونهما أجزاء منه، والوجه الأول عندنا أقرب إلى ظاهر الآية فإن المتبادر منها أن العطف في قوله: { نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ } (المائدة: 18) هو للتفسير، فمقصودهم أنهم وحدهم أحب الناس إليه كأنهم أبناؤه؛ لأن ولد الإنسان أحب إليه من كل من سواه كما لا يخفى.

واعلم أن الله تعالى منزه عن الانفعالات النفسية والجولات الفكرية والتأثيرات القلبية ونحوها من صفات الحوادث؛ فوصفه تعالى بالحب والرأفة والرحمة وغير ذلك هو أيضا لا ينطبق تمامًا على صفاته القديمة، وإنما هي ضرورة التعبير ألجأتنا إلى هذه الألفاظ ونحوها لنفهم منها فضله علينا.

أما الحب عندنا في جانب الله فمعناه [10] إفاضته الوجود، وما يلزم له من النعم العديدة التي لا تحصى على جميع المخلوقين ولو كانوا به كافرين مشركين ودوام هذا التفضل والإنعام على عباده المؤمنين إلى الأبد من غير أن يعود عليه تعالى أقل نفع له منهم جميعًا، أو أدنى فائدة ترتجى له؛ إذ هو الغني عن كل ما سواه، المفتقر إليه كل من عداه، فحبه تعالى يمتاز عن حبنا في كونه صفة أزلية له تعالى، وإن تعلق بالموجودات بالفعل في وقت وجودها فهو كباقي الصفات الأخرى، فإن تعلقها بالحوادث هو في غير الأزل مثل القدرة على الخلق، وأيضا فحبه أكبر وأعظم ولا تشوبه أدنى شائبة من الحاجة إلينا أو المنفعة، كما قلنا، لا كالمعتاد الغالب في حبنا مهما خلص، وهو يشمل جميع مخلوقاته حتى أعداءه منهم بالمعنى الذي بيناه هنا، وهو دائم أبدًا لعباده المؤمنين الذين يمدهم بالخير العظيم والفضل العميم، والإحسان الكبير، ومن غير أن يكون شيء من ذلك واجبًا عليه تعالى بل هو كله محض فضل منه ورحمة، وأيضا فقد ينشأ عن حب بعضنا بعضًا شيء من الضرر كحب الأم الجاهلة لولدها حتى تمنعه من كل عمل فيه مشقة ولو كان نافعًا أو ضروريًّا، وأما حب الله لنا فهو خال من كل ضرر، ولا ينشأ عنه إلا النفع المحض قال تعالى: { وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لاَ تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ } (النحل: 18) وأيضا فالله عندنا غفور رحيم للمذنبين مهما كثرت جرائمهم بشرط التوبة الصحيحة بدون انتقام ولا سفك دم (ولا يُكَلَّفُ الإنسانُ ما لا يطيق).

أما أرقى أنواع الحب عند النصارى فهي التي تؤدي إلى الانتحار لخلاص الناس ( كما في كتاب صدق المسيحية لمؤلفه ترتون ص283 ) ولكن مثل هذا الحب هو من شأن الضعفاء العاجزين المختلين الذين لا يقدرون على خلاص محبوبهم؛ فلذا ينتحرون والله منزه عن ذلك وفوق ذلك، على أن مثل هذا الحب مشاهد بين الناس فكثيرًا ما ينتحر العاشق في سبيل معشوقه والأم لأجل ولدها مثلا؛ فحب الله -على قولهم هذا- لا يمتاز عن الحب المعتاد بين ضعاف المخلوقين وشرارهم. ولعل من أسباب كثرة الانتحار بين الإفرنج هذه العقيدة؛ إذ من مقتضاها أن الانتحار ليس بعار ولا عيب فيه ما دام ربهم نفسه قد ارتكبه ولو أن الحامل له عليه غير الحامل لأكثرهم، ولكن الانتحار على كل حال هو مظهر من مظاهر اليأس والضعف والجبن وقلة العقلِ والحيلةِ؛ تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا.

لاحِظْ أيضا أن إلههم هو الذي أباح لهم شرب الخمر وشربها معهم وناولهم إياها بيده كما سنبينه ( مت 26: 27 - 29 ومر 14: 23 - 25 ويو 2: 1 - 11 )، ( راجع كتاب دين الله ص 98 ) فلذا فشا فيهم الانتحار وشرب الخمر وهما من أكبر الموبقات؛ ومع كل ما تقدم فالله تعالى باعترافهم لم ينتحر هو نفسه لخلاصهم بل ضحى بالإنسان يسوع، الذي أكرهه على ذلك إكراهًا كما بيناه في مقالة الصلب وغيره؛ وظلمه وهو بريء ولم يشفق عليه ولم يرحمه كما قال بولس ( رومية 8: 32 ) فأين الثريا من الثرى، وأين السماء من الأرض؟ فإذا لم يحمل الناس على حب الله خلقُه لهم وتفضلُه عليهم بجميع أنواع النعم الصغيرة والكبيرة وهدايته لهم بدون مقابل ورحمته بهم وعفوه عنهم وعدم تكليفهم ما لا يطيقون فهل يحمل على حبه صلبه البريء يسوع؛ لأجل خطيئة آدم وخطيئتهم وهم لم يقعوا في العصيان إلا بعلمه وإرادته وتقديره؟ ومهما بالغ بعضهم في إرادة الإنسان واختياره فإن ذلك مخالف في كتبه ( راجع يو 12: 39 - 41 ورو9: 17 و17 و11: 7 و8 و12: 3 وخر 4: 21 و9: 12 و10: 1 و1 صم 2: 25 وتث 2: 30 واش 6: 10 ويشوع 11: 2 ).

وقد كان يمكنه أن يمنع وقوع الإنسان آدم في هذه الخطيئة أو يمنع نسله من التأثر بخطأ أبيهم الذي أدخل بزعمهم الخطيئة في العالم كما قال بولس ( رومية 5: 12 ) مع أنه لولا خلقه آدم بطبيعته ميالا من قبل للشر والعصيان لما عصاه وخالف أمره ( راجع رسالة الصلب ص 123 - 125 ) ولو أراد أن ينجيهم من العقاب تفضلا منه ورحمة لما عارضه أحد؛ ولما نافى ذلك عدله كما يزعمون وإلا فهل صلب البريء بدون إرادته فداء للمذنبين هو الذي لا ينافي ذلك العدل الذي ما فهموه؟ ( راجع صفحة 11 - 13 من كتابنا دين الله ) وهل إيقاعهم في العصيان بخلق آدم ميالا للشر وخلقهم كذلك ومؤاخذتهم بذنبه وذنوبهم ( انظر مثلاتك 3: 15 - 19 ) وعدم العفو عنهم مطلقًا إلا بسفك الدم هو الذي يحملهم على حبه؟ ولا يحمل المسلمين ما ذكرنا على حب الله الرءوف بهم الرحيم المنعم عليهم بكل شيء الغفور لذنوبهم جميعا بدون سفك دم أحد متى صحت توبتهم ورجعوا إليه وحده مستغفرين خاضعين مطيعين؟ وهو الذي لا يسأل أحدًا منهم إلا عما اكتسبته يداه؟ فتأملوا في ذلك أيها العاقلون واحكموا بيننا وبين القوم الظالمين. وليس غرضنا بهذه العبارة البحث هنا معهم في مسألة القضاء والقدر، فقد وفيناها حقها في بعض أعداد المنار السابقة ( م 10 ص731 ) وإنما الغرض مقارنة العقيدتين وبيان أيهما أشد حملا للناس على حب الله.

وإذا كان المسيح باعتبار ناسوته من نسل آدم؛ لأنه مولود من مريم ومتكون في رحمها من دمها فهو كباقي أولاد آدم واقع في الذنب فهو أيضا يحتاج إلى الكفارة مثلهم، وإذًا يكون غير طاهر ولا معصوم من الذنوب كما تزعمون؛ لأنه ابن الإنسان الخاطئ وناسوته مخلوق من مريم بمقتضى التولد الجثماني، وإن كان لم يتلوث بذنب آدم فلم تلوث غيره ( رومية 5: 12 و17 و1 كو 15 و22 ) وكلنا من نسل آدم وطبيعتنا هي من طبيعته؟ وإن كان الله طهره من الخطيئة بحلوله فيه فإذا يجوز التطهير من الذنوب بدون سفك الدم، وهو خلاف ما تدعون؟ وإن كان حلول الابن مطهرًا من ذلك فلم لم يطهركم حلول روح القدس فيكم وكلكم هيكل الله الحي كما يقول بولس ( 1 كو 3: 16 وأف 4: 6 وراجع أيضا أع 2: 4 ) فإذا كان حلول الله أو أحد أقانيمه في الإنسان مطهرًا من الذنوب فأيُّ حاجة إذًا إلى صلب المسيح؟ ولمَ لمْ يجعل الله موت شهدائهم الكثير بزعمهم كفارة عن باقي النوع الإنساني وكلهم ممتلئون من روح القدس ( رو 5: 5 ) وإن قيل: إنه باعتباره ناسوته واقع مثلنا في خطيئة آدم، ولكن صلبه وهو ابن الله كافٍ لتكفير الخطيئة عن جميع بني آدم، وهو من ضمنهم.

قلت: إن كان صلبه باعتبار أنه إله جاز على الله الموت والألم والجزع والاستغاثة بغيره والضعف، وغير ذلك مما أظن أنكم تنزهون الله تعالى عنه وخصوصًا بعد قول المصلوب: ( إلهي إلهي لماذا تركتني ).

وإن كان صلبه باعتبار أنه إنسان فهو خاطئ مثلنا بمقتضى طبيعته البشرية فلم لا يكون موته مكفرًا عنه وحده؛ ويكون ما ينال كلا منا في هذه الحياة من المشاق والأحزان والموت أو القتل وغير ذلك كفارة له عن ذنبه، وقد كان أصل العقاب على ذنب آدم كما في سفر التكوين الموت والألم والتعب وعداوة الشيطان أو الحية ونحو ذلك ( تك 2: 17 و3: 13 - 19 ) وكل هذه الأشياء واقعة بنا وباقية علينا إلى الآن؟ وإن كان لا بد من سفك الدم فهي دعوى لا دليل لكم عليها ولم يكن موت المسيح بسفك دمه وذبحه، بل إن ما فاض منه من مسامير الصلب لم يكن هو السبب في الموت كما بيناه في كتاب ( دين الله ص 5 و12 ) وفي رسالة الصلب؟ وإذا كان الله لا يكتفي بما حل بالإنسان من المصائب والبلايا والموت وغيره في هذه الحياة، ويصر على الانتقام منه في شخص أحد أفراد هذا النوع المسيح، ويحمله من أنواع الإهانات والفظائع ما جعله يستغيث به فلا يغيثه ولا يرحمه ( لو 22: 39 - 46 ورومية 8: 32 ) مع أنه اتخذه له ابنًا وحل فيه؛ وإذا كان أيضا لا يكتفي بحلول روحه القدس في الناس ولا بتوبتهم واستقامتهم ولا باستشهاد كثير منهم في سبيله إلا بعد سفك دم عيسى، ويحب الضحايا البشرية من قديم الزمان ويتقبلها من مقربيها له ( قض 11: 29 - 40 ) ويأمر أنبياءه بسفك دماء ما لا يحصى من الحيوانات ( 1 مل 8: 63 ) وقتل ما لا يعد من البشر ( تت 20: 16 ) ويسر برائحة المحرقات ( لا 1: 17 ) إذا كانت كل هذه صفات إلههم فهو مجرد من كل رحمة وشفقة وحنان وعدو للإنسان والحيوان.

حتى إنه ندم على خلقه الإنسان ( تك 6: 6 ) لشدة غيظه منه، وبغضه له، وخوفه منه ( تك 3: 22 و11: 6 ) فكيف يمكن للإنسان أن يحبه بعد ذلك؟ مع أن الله وهو أقدر منا طبعًا لم يحب الإنسان؛ ولم يرحم إلا بعض أفراد هذا النوع بعد أن شبع وروي من الدماء التي تملأ الأنهار، فهل يا قوم هذه العقيدة [11] هي التي تدعون أنها الطريقة الوحيدة لإظهار محبة الله للإنسان، وهل هذا إله محبة كما يسميه يوحنا ( 1 يو 4 ت: 16 ) وهل كل هذه الأشياء التي صدرت منه ضد الإنسان تحملنا على حبنا له؛ ولا طريقة تحملنا على حبه غيرها؟ إن هذا لشيء عجيب

. (البقية تأتي)

الدكتور

محمد توفيق صدقي

((يتبع بمقال تالٍ))

هامش

  1. لما آلت إلى النصارى السلطة الدنيوية ورأوا أن البحث العقلي يؤدي الناس إلى رفض عقائدهم التي أكرهوهم عليها حاولوا إخماد ميل الفطرة البشرية إلى ما تشرئب إليه فحرموا من قديم الزمان استعمال العقل في مسائل الدين واعترفوا - ولا يزالون يعترفون - بأنه لا يمكن للعقل البشري إدراكها وأنه لا يجوز له رفضها وإن خالفته وناقضت أحكامه، ولا أدري كيف بعد ذلك يثبتون صحة أصل دينهم مع أن دلالة المعجزة على النبوة أساسها العقل؟ وليس هذا فقط بل كان رؤساؤهم يمنعون الناس من الاطلاع على كتبهم الدينية بأنفسهم قبل الإصلاح البروتستانتي؛ لئلا يقفوا على عيوبها وتضاربها ومناقضتها للعلم والعقل فسدوا بذلك كل منفذ للبحث والتفكر بين أشياعهم؛ ولكن لما أباح البروتستانت قراءة هذه الكتب بفضل ما وصلهم من دين المسلمين وكتبهم اشتغل الإفرنج بالبحث في هذه الكتب؛ وهم الآن على وشك أن يرفضوها كلها، وإن كان بعضهم قد نبذها فعلا وراء ظهره قبل الآن بقليل إلا أن المحامين عنها لا يزالون كثيرين، ولله في خلقه شئون.
  2. حاشية: لما لاحظ القدماء ضعف الشمس في زمن الشتاء وذبول الأشجار وسبات بعض الحيوانات أو موتها المجازي في ذلك الفصل وبعبارة أخرى موت الطبيعة وجزئياتها التي كانوا يعبدونها اعتقدوا جواز الموت على الآلهة وقالوا: إنه بسبب هذا الموت يحصلون على حياة أقوى وأرقى كما يسترد الإنسان قواه بعد النوم فلما عبدوا البشر واتخذوا منهم آلهة قالوا أيضا بموتهم وقيامتهم (بعثهم) وارتفاعهم إلى سماء الكمال والجلال وتغلبهم على الموت الأدبي والحقيقي، ومن ذلك نشأت عقيدة النصارى في موت المسيح وقيامته وصعوده وتغلبه على الموت كما تتغلب الشمس والأشجار وغيرهما على موت الطبيعة ( الكون ) بعد أن تخضع له مدة الشتاء وهي ثلاثة أشهر، فجعل النصارى في مقابلة ذلك مدة موت المسيح ثلاثة أيام؛ لأنه أرقى من تلك الآلهة فتكون مدة خضوعه أقل؛ لتناسب مقامه وعظمه؛ ولكنهم حافظوا على أصل العدد (أي الثلاثة) ومما زاد رغبتهم أيضا في جعل هذه المدة ثلاثة أيام بدل ثلاثة أشهر؛ ورود بعض عبارات في العهد القديم أرادوا أن يجعلوها رمزًا أو نبوة عن مدة موت المسيح (راجع هوشع 6: 2 ويونان 1: 17 مع متى 12: 40) وإلى ذلك المعنى السابق في أصل هذه العقيدة أشار يوحنا (12: 24) في إنجيله بقوله عن لسان المسيح: (الحق الحق أقول لكم: إن لم تقع حبة الحنطة في الأرض وتمت فهي تبقى وحدها ولكن إن ماتت تأت بثمر كثير) ومع ما في ظاهر هذا المثل من الخطأ العلمي كما بيناه في كتاب دين الله صفحة 220 يدلنا على منشأ بعض أفكار النصارى وعقائدهم ولذلك جعلوا يوم 25 ديسمبر، وهو يوم ميلاد الشمس عند الوثنيين أي انقلابها الشتائي أو رجوعها الظاهري من عند مدار الجدي، جعلوه يوم الميلاد للمسيح (انظر رسالة الصلب صفحة 138) وجعلوا عيد قيامته في أول الربيع، وهو وقت قيامة الشمس والأشجار والحيوانات من موت الشتاء أي يوم عيد قيامة آلهة الوثنيين الذي يتغلبون فيه على سلطان الظلمة والبرد وموت الطبيعة فقالوا: إن المسيح تغلب في نفس هذا اليوم على الشيطان وظلمة القبر وعلى الموت الروحاني فخلص هو نفسه من الموت الطبيعي، وخلص أتباعه من الموت الروحاني وجعلوا قيامته في يوم الأحد وهو يوم الشمس Sunday أيضا الذي كانت تعبد فيه، وقد أفاض علماء الإفرنج في هذه المباحث وبينوا اشتقاق عقيدة النصرانية في المسيح من تلك الأفكار الوثنية فانظر وتعجب، (راجع مثلا كتاب الأصول البشرية ص62 وكتاب حكايات من العهد الجديد لمؤلفه جولد صفحة 128 - 130).
  3. حاشية: كان يوستينوس هذا يونانيًّا خاضعًا للرومان ووثنيا وبعد دراسة طويلة للفلسفة اليونانية اعتنق المسيحية مصبوغة بالصبغة اليهودية واليونانية؛ لأن أكثر آرائه الفلسفية كانت مستمدة من كتابات فيلو اليهودي الإسكندري والاطلاع على أقواله في ولادة الله تعالى ابنه قبل جميع المخلوقات راجع كتاب دين الخوارق في الانكليزية (صفحة 456 - 460) والحق أن هؤلاء الوثنية المتنصرين هم الذين حملوا إلى المسيحية وثنيتهم القديمة فبدلوا دين المسيح على الحق وأفسدوه ومنهم انتقل إلى ذراريهم محرفًا مبدلا فاسدًا، واعلم أن أول من أخذ بعقيدة الثالوث من قياصرة الرومان هو ثيودوسيوس Theodosius جلس على سرير الدولة سنة 379 ومات سنة 395 ومنذ جلوسه أخذ في إكراه الناس على هذه العقيدة إكراهًا شديدًا حتى زال التوحيد الحقيقي من بين النصارى وهو الذي كان فاشيًا وقتئذ في نفس عاصمة الدولة (القسطنطينية) وبعد موته مباشرة انقسمت الدولة بين ولديه إلى قسمين، وفي سنة 476 ضاع القسم الغربي من دولة الرومان وانتهى أمره، فترى من هذا أن النصرانية الحالية لم تنتشر بسرعة بين الناس كما يزعم المبشرون ولم تدخل عقيدة الثالوث رسميًّا في الدولة الرومانية إلا في أواخر القرن الرابع مع وجود أمثالها عند كثير من الأمم الوثنية، ولم يكن انتشارها بين النصارى الأولين إلا بالإكراه الشديد، ومنذ دخول هذه النصرانية فيهم أخذت دولتهم في الضعف والاضمحلال كما قلنا حتى تلاشى قسمها الغربي سريعًا بعد ذلك ثم تلاشى القسم الشرقي أيضا بأخذ المسلمين القسطنطينية سنة 1453، ولولا قوة الدولة الأوربية الآن التي بلغتها بأسباب عمرانية اجتماعية عديدة متنوعة لما قامت لهذه العقيدة قائمة، ومع ذلك ترى أكثر العلماء في أوروبا الآن قد أصبحوا ينبذونها نبذ النواة ويسخرون منها ومن معتقديها الذين جلهم من العامة أو من رجال الدين الذين لا صناعة لهم إلا الاحتراف به.
  4. إن شئت أن تعرف ماذا كان كتبة العهدين يريدونه في أكثر المقامات بالولادة من الله فاقرأ مثلا (يع 1: 18 و1 يو 4: 7 و5: 1 و4 و5 و3: 9 و5: 18 و19 و1 بط 1: 22 و 23) و (إنجيل يوحنا 1: 12 و13) ومن أكبر المصادمات للبداهة العقلية في عقائد النصرانية؛ وكلها مصادمات قولهم من غير أن يستندوا على شيء من كتبهم المقدسة إن أقنوم الابن قديم ممتاز عن الأب امتياز الأشخاص بعضها عن بعض منذ الأزل؛ ثم قولهم بعد ذلك كما في كتبهم: إنه مولود منه قبل جميع المخلوقات (كو 1: 15 ومي 5: 2) فلو كان امتياز شخصه أزليًّا لما كان مولودًا ولو كان مولودًا لما كان له وجود مستقل بشخصه منذ الأزل، وإلا فما معنى الولادة إذا وكيف تكون منذ الأزل؟ وما معنى اليوم في قول كتبهم: (أنا اليوم ولدتك) فإن كان شخصه مستقلا أزليًّا فكيف ولد في ذلك اليوم؟ وما معنى خروجه منذ الأزل كما قال ميخا (5: 2) أفلم يكن في الخارج ثم خرج؟ وإذا جاز ذلك فكيف تكون ذات الله عندهم غير قابلة للتفرق والانقسام؟ وكيف يبقى بعد ذلك جوهر الابن وجوهر الأب واحدًا؟ (راجع أيضا كتاب دين الله ص 50) وإذا كان الابن قديمًا والله أب له منذ الأزل فكيف قال بولس عن لسان الله في حقه (عب 1: 5): أنا أكون أي أصير له أبًا وهو يكون لي ابنًا، كما قال ذلك بعينه في سليمان (2 صم 7: 14).
  5. وكيف يقول بولس أيضا (عب 1: 4) صائرًا أعظم من الملائكة بمقدار ما ورث اسمًا أفضل منهم، فهل مثل هذا الكلام يليق أن يقال في حق الله تعالى؛ وهل تصح مقارنته بالملائكة وإظهار أيهما أفضل؟ ألا يدل ذلك وغيره كما قلنا سابقًا على أن كتبة العهد الجديد ما كانوا يعتقدون ألوهية المسيح حقيقة؛ بل ولا وجوده منذ الأزل بمعنى أنه لم يسبق بعدم إلا إذا كانوا يريدون أن جميع المخلوقات صادرة عن ذات الله تعالى أي أنها جزء من جوهره كأصحاب القول بوحدة الوجود Pantheism وذلك حقيقة هو ما يفهم من كثير من نصوص كتبهم إذا قورنت معا مثل (كو 1: 15 ورؤ 3: 14 وأف 4: 6 و1 كو 8: 6 و15: 28 وأع 17: 28 ورو 11: 36) وغيرها وبناء عليه يكون لفظ الولادة في اصطلاحهم مرادفًا للفظ الخلق في هذا المقام، ويكون المسيح في اعتقادهم هو أول المولودات أو الأبناء أو المخلوقات على حد سواء، وهو وحيد (يو 1: 18) في الأولية والعظم والمقام والقدرة وغير ذلك مما أوتيه دون سائر العالمين على ما يزعمون، فكأن الأبناء الآخرين (تك 6: 2 و4 وتث 2: 19 و20) لا يعدون بجانبه شيئًا؛ لأنه هو خالقهم المسيطر الذي سلطه الله عليهم جميعًا كما يدعون (مت 28: 18 ويو 3: 35 و1 كو 15: 27) وعندهم من هذا القبيل أيضا تسمية إسحاق في التوراة بابن إبراهيم الوحيد (تك 22: 2 و16) مع وجود ابنه الآخر إسماعيل ولكنه ابنه من هاجر جارية سارة التي طردتها واعلم أن أمه مريم لم تسم أم الله Theotokos إلا منذ زمن أوريجانوس أي في القرن الثالث، وقد حارب هذه الفكرة في القرن الخامس كل من القس أناسطاسيوس و نسطوربوس أسقف القسطنطينية، ولكن لا يزال بكل أسف هذا الاسم مستعملا إلى الآن عند الكاثوليك الذين يصلون لها ويعبدوها إلى اليوم (راجع كتاب الحقيقة عن يسوع الناصرة ص99 و 210).
  6. وقال بعض ظرفاء اليهود من الإفرنج: لم لا يتيه اليهود عجبًا على سائر الأمم ونصف العالم المتمدن يعبد يهوديًّا والنصف الآخر يعبد يهودية؟ فليضحك القارئون، ولكن من تذكر أن الناس عبدت الحجر والشجر، لا يعجب من عبادتهم للبشر، فإن وثنية هؤلاء لا شك أنها أرقى من وثنية أولئك فليهنأوا بها وليبقوها لهم ليعرض الموحدون عن الضحك منهم، والازدراء بعقولهم، فيريحون ويستريحون، وإلا فليبشروا بالخيبة والفشل في إجابة دعوتهم إلى يوم القيامة، فإن عقول البشر الآن ليست كما كانت في أزمنة الجهل والغفلة وجاء في إنجيل لوقا (3: 22) أن الصوت الذي سمع من السماء بعد معمودية عيسى هو: (أنت ابني الحبيب بك سررت) وفي إنجيل العبرانيين زيادة هذه العبارة: وأنا اليوم ولدتك، ونقل يوستينوس هذا الصوت عن الكتاب الذي كان في زمنه يسمى مذكرات الرسل هكذا: (أنت ابني أنا اليوم ولدتك وذكر القديس أوغسطين المتوفى سنة 430 أن بعض نسخ إنجيل لوقا في زمنه كانت فيها أيضا العبارة هكذا (3: 22) أنت ابني أنا اليوم ولدتك بدل قوله الموجود الآن: أنت ابني الحبيب بك سررت، ولا تزال العبارة الأولى توجد بصورتها المذكورة هنا في نسخة بيزا Bezae وفي الترجمة الإيطالية القديمة توجد عبارة تقرب منها في المعنى، فمن ذلك يعلم أن العبارة كانت في الإنجيل كما نقلها يوستينوس عن المذكرات، ولكن لما استدل بها الموحدون من النصارى على أن المسيح ليس أزليًّا بدليل القول: (أنا اليوم ولدتك) الذي كان في نسخ إنجيل لوقا القديمة، وفي الأناجيل الأخرى الأولية وهو يفيد ولادته في يوم المعمودية لا منذ الأزل كما يزعمون كره النصارى المثلثون هذه العبارة وأبدلوها في الإنجيل بقولهم: (أنت ابني الحبيب بك سررت)، (راجع كتاب دين الخوارق ص202 و204) فإن قيل: إذا صح قولك هذا إن أصل الصوت كان في الأناجيل: (أنت ابني أنا اليوم ولدتك) كما في رسالة بولس إلى العبرانيين (1: 5) فلماذا حرفوه في الأناجيل ولم يحرفوه في هذه الرسالة؟.
  7. قلت: لما كانت هذه الرسالة مكتوبة للعبرانيين أي اليهود كان الغرض من ذكر هذه المسائل فيها بيان نبوات العهد القديم الواردة في المسيح الذي كان ينتظره اليهود وتطبيقها على عيسى، كما هو ظاهر من الإصحاح الأول من هذه الرسالة، وجملة أنا اليوم ولدتك الواردة في هذا الإصحاح المراد بها الإشارة إلى ما في المزمور (2: 7) فإذا حرفها النصارى في هذه الرسالة ضاعت قيمتها؛ لأن لليهود حينئذ أن يقول لهم: (إن هذه الجملة لا وجود لها في كتبنا فهي ليست حجة علينا؛ لأنها من اختراعاتكم، فلذا تركها النصارى في الرسالة العبرانية وحرفوها في الأناجيل؛ لأنها فيها ليست إشارة إلى هذه النبوات القديمة، ولو حذفوا هذه العبارة من الرسالة بالمرة) وكان هذا العمل في الحقيقة خيرًا لهم من إبقائها لو أمكنهم لقال اليهود: إن المزمور الثاني عندنا هو من أهم النبوات عن مسيحنا فأرونا أيها النصارى كيف تطبقونه على مسيحكم؟ وأيضا ربما أن هذه الرسالة كانت كثيرة التداول بين العبرانيين المتنصرين وغيرهم من الفرق الموحدة، وهؤلاء ما كانوا يعتقدون في المسيح الألوهية الحقيقية فلذا لا يهمهم تحريفها بأنفسهم في هذا الموضع؛ ولو حرفها لهم آخر فيه بالحذف لخاف الفضيحة منهم واتضح لهم أمره وغشه وكان بعض النصارى في بعض القرون الأولى يكرهون أيضا وصف المسيح بأنه نجار كما في إنجيل مرقس (6: 3) فحذفوا ذلك منه في كثير من النسخ حتى كان إربجانوس في القرن الثالث يقول: إن المسيح لم يسم نجارًا مطلقًا في أي إنجيل من الأناجيل التي كانت مستعملة في الكنيسة في زمنه، وكذلك توجد بعض نسخ خطية من إنجيل مرقس خالية من هذه التسمية؛ ولكنها توجد في جميع ما عثروا عليه من النسخ الأقدم من هذه النسخ المحذوف منها هذا الاسم (انظر كتاب دين الخوارق في الإنكليزية صفحة 199) فيعلم من ذلك ومما تقدم كله أن نسخ كتبهم كانت قليلة جدًّا لا توجد إلا عند بعض الرؤساء حتى باعتراف متعصبيهم (انظر كتاب الإعلام في حقيقة الإسلام ص65) وأنهم كانوا في كل عصر يتصرفون فيها بحسب ما يبدو لهم من الآراء والأهواء، إلا إذا خافوا في بعض المواضع الشهيرة جدًّا أن يفتضح أمرهم فيتركونها زمنًا ما وهم على مضض منهم، حتى تتيسر لهم فرصة لإزالتها وتحريفها سرًّا أو تدريجيًّا، فلا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
  8. لذلك لا تستبعد على يهود العرب أنهم كانوا يعتقدون أن عزيرا أو عزرا هو ابن الله تعالى كما حكاه القرآن الشريف عنهم (9: 30) فقد كان فيلو اليهودي السكندري المعاصر للمسيح وهو من أكبر فلاسفتهم يعتقد أن لله ابنًا هو كلمته التي خلق بها الأشياء كما سبق، فلذا قال القرآن الشريف بعد أن حكى عنهم قولهم في عزرا ( يُضَاهِئُونَ ) (التوبة: 30) أي يشابهون ( قَوْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِن قَبْلُ قَاتَلَهُمُ اللَّهُ أَنَّى يُؤْفَكُونَ ) (التوبة: 30) ولا تنس ميلهم القديم للكفر والارتداد وعبادة الآلهة من قديم الزمان كما تشهد به كتبهم، (راجع أيضا كتاب دين الله ص39).
  9. راجع صفحة 121 - 125 من هذه الرسالة.
  10. المنار: هذا التفسير غير ظاهر؛ والصواب أن كل ما أطلق على الباري تعالى من الصفات التي يوصف بها الناس والأفعال التي تسند إليهم فإنما تفسر مع التنزيه بروح المعنى المستعمل فنفهم من حبه للصالحين من عباده أنه يعاملهم معاملة المحب لمحبوبه من الرعاية والعناية التي يميزهم بها على الكفرة الفجرة الذين جحدوا فضله وخالفوا شرائعه وسننه مع تنزيهه عما لا يليق به كما أشار إليه الكاتب فحبه تعالى لخلقه شأن من شئونه اللائقة بما يترتب عليها ما ذكر فهو أخص من الفضل العام.
  11. كان من أثر هذه العقيدة في نفوس أتباعها أن الإفرنج أغرقوا في حب سفك دماء مخالفيهم في الدين أو المذهب لعلهم يرضون بذلك إلههم هذا ويريحونه من أعدائه هؤلاء في زعمهم ويسرونه برؤيته لدمائهم مسفوحة تتدفق كالأنهار على وجه الغبراء لأنه لا يمكنه العفو عن أحد إلا بسفك الدماء؛ فأنعم به من إله رؤوف رحيم!!.


مقالات مجلة المنار
مناظرة عالم مسلم لدعاة البروتستانت في بغداد | العالم الإسلامي والاستعمار الأوربي: 1 - 2 | نظرة في كتب العهد الجديد وفي عقائد النصرانية: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 8 | القرابين والضحايا في الأديان | بشائر عيسى ومحمد في العهدين العتيق والجديد: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 | نظريتي في قصة صلب المسيح وقيامته من الأموات: 1 - 2 | إسلام اللورد هدلي وما قاله وكتبه في سببه | الرد المتين على مفتريات المبشرين | مقام عيسى يسوع المسيح عليه السلام في النصرانية والإسلام | أماني المبشرين أو مخادعتهم للموسرين | السفر الجميل في أبناء الخليل | محاضرة الدكتور كريستيان سنوك هرغرنج الهولندي في الإسلام ومستقبل المسلمين | السبي والرق في التوراة والإنجيل | السنة وصحتها والشريعة ومتانتها | شبهات النصارى وحجج المسلمين: 1 - 2 - 2 - 3 - 5 - 6 | شبهات المسيحيين على الإسلام وحجج الإسلام على المسيحيين: 1 - 2 | شبهات المسيحيين وحجج المسلمين: 1 - 2 - 3 - 4 - 5 - 6 - 7 - 7 | سوريا والإسلام: 1 - 2 - 3 | شبهات المسيحيين على الإسلام وشبهات التاريخ على اليهودية والنصرانية | رد الشبهات عن الإسلام السلطتان الدينية والمدنية | شبهات التاريخ على اليهودية والمسيحية وحجج الإسلام على المسيحيين | تنوير الأفهام في مصادر الإسلام | كتاب تنوير الأفهام | الإسلام والمسلمون | كلمة ثانية في أهل الذمة | الإسلام والنصرانية | الإسلام في البلاد المسيحية | مطاعن المبشرين في صاحب الرسالة الإسلامية | التبشير والمبشرون في نظر المسلمين | سبب اتباع المسلم للإسلام ونفوره من دعوة النصرانية | ملك اليهود وهيكلهم ومسيحهم والمسيح الحق | تطور الاعتقاد بألوهية المسيح | ملاحظات على كتاب المسيو درمانغام المعنون بحياة محمد | نموذج من كتاب الإنجيل والصليب: 1 - 2 | استفتاء في مسائل نصرانية في القرآن | تفنيد اعتراض كاتب جزويتي على كتاب الوحي المحمدي | مريم أم عيسى عليه السلام أخوتها لهارون بنوتها لعمران | مثال من أمثلة تسامح الإسلام وضيق صدر المسيحية | مثال من أمثلة تعصب النصرانية على العلم | سخافة بشائر السلام في الجاهلية والإسلام | إحياء الإسلام لمدينة اليونان والرومان والمصريين | دعوى صلب المسيح: 1 - 2 | الإنجيل الصحيح: 1 - 2 - 3 | التعصب الديني في أوروبا | التعصب وأوربا والإسلام | تعصب أوروبا الديني والحج | أي الفريقين المتعصب: المسلمون أم النصارى؟ | التعصب الديني عند الإفرنج | سؤال في التثليث | البابا لاون الثالث عشر – ترجمته | فتنة بيروت | الفداء والقداسة | المسلمون والقبط: 1 - 2 - 3 - 4 - 6 - 7 - 8 | إنجيل برنابا: مقدمة - 1 - 2 - 3 | القرآن ونجاح دعوة النبي عليه الصلاة والسلام | الرد على كتاب لورد كرومر | البرهان الصريح في بشائر النبي والمسيح عليهما السلام | هل يعتد بإيمان أهل الكتاب بعد الإسلام | مشروع إحياء الآداب العربية تقاومه جريدة قبطية | مذكرة عن أعمال المبشرين المسيحيين في السودان