انتقل إلى المحتوى

مجموع الفتاوى/المجلد السادس/فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة


فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه

[عدل]

وأما قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه، ولا نطلع عليه؟ إلى آخره.

فيقال له: هذه مسألة أخرى كبيرة، وهي مسألة محبة المؤمن ربه، فإن الكتاب والسنة تنطق بذلك، كقوله: {وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ الله أَندَادا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ الله وَالَّذِينَ آمَنُواْ أَشَدُّ حُبًّا لله}1، وقوله: {قُلْ إِن كُنتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ}2، وقوله: {قُلْ إِن كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَآؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُم مِّنَ الله وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُواْ حَتَّى يَأْتِيَ الله بِأَمْرِهِ وَالله لاَ يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ}3، وقوله تعالى: {فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} الآية 4.

وفي الصحيح عن النبي أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله، ومن كان يكره أن يرجع إلى الكفر كما يكره أن يلقي في النار»، وأمثال ذلك من النصوص.

وهذه المحبة على حقيقتها عند سلف الأمة وأئمتها ومشائخها، وأول من أنكر حقيقتها شيخ الجهمية الجعد بن درهم، فقتله خالد بن عبد الله القسري بواسط يوم النحر، وقال: يا أيها الناس، ضَحُّوا، تقبل الله ضحاياكم، فإني مضَحٍّ بالجعد بن درهم، إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلا، ولم يكلم موسى تكليمًا، تعالى الله عما يقول الجعد علوًا كبيرًا ! ثم نزل فذبحه.

فإن هؤلاء أنكروا حقيقة الخلة؛ لأن الخلة كالمحبة، وأنكروا حقيقة التكليم وجعلوا التكليم ما يخلقه في بعض الأجسام، أو هو من جنس الإلهام، حتى ادعى طوائف منهم أن أحدنا قد يحصل له التكليم كما حصل لموسى عليه السلام بل سمع عين ما سمعه موسى، والله تعالى قد بين اختصاص موسى بذلك عن سائر الأنبياء، فكيف عن سائر المؤمنين والأولياء، كما قال تعالى: {إِنَّا أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ كَمَا أَوْحَيْنَا إِلَى نُوحٍ وَالنَّبِيِّينَ مِن بَعْدِهِ وَأَوْحَيْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإْسْحَقَ وَيَعْقُوبَ وَالأَسْبَاطِ} إلى قوله: {وَكَلَّمَ الله مُوسَى تَكْلِيمًا}5؟ ففرق بين الإيحاء والتكليم، كما فرق بين الإيحاء والتكليم من وراء حجاب في قوله: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلَّا وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاء حِجَابٍ} 6، وكما بين هذه الخاصية في قوله: {تِلْكَ الرُّسُلُ فَضَّلْنَا بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ مِّنْهُم مَّن كَلَّمَ الله وَرَفَعَ بَعْضَهُمْ دَرَجَاتٍ}7.

ثم هؤلاء الذين أنكروا حقيقة المحبة، لم يمكنهم إنكار لفظها؛ لأنه جاء في الكتاب والسنة، ففسروا محبته بعبادته وطاعته، وامتثال أمره، أو محبة أوليائه، ونحو ذلك مما يضاف إليه، ولو علموا أن محبوب الغير لا يكون محبوبًا إلا إذا كان ذلك الغير محبوبًا فيكون هو المحبوب بالذات والوسائل يحبون بالعرض. ولو تدبروا قولهم لعلموا أنه مستحيل أن تحب عبادته أو أولياؤه إذا لم يكن هو محبوبًا، فإذا قدروا أنه هو شيء ليس محبوبًا لذاته، كانت محبة العمل الذي يحصل الأكل والشرب إنما هي في الحقيقة محبة الأكل والشرب والنكاح، وكان ذلك من جنس محبة سائر المشتهيات؛ فإذا تكون محبة الله ورسوله إنما هي في الحقيقة محبة الأكل والشرب، إذا كان الله لا يحب لنفسه على رأي هؤلاء.

وهذه المسألة أصل عبادة الله، كما أن المسألة الأولى أصل الإقرار بالله، فتلك فيها ذهاب النفس والمال، كما قال تعالى: {إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الجَنَّةَ} الآية 8.

ولهذا نعت المحبين المحبوبين بقوله: {أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ الله وَلاَ يَخَافُونَ لَوْمَةَ لآئِمٍ} 9، بل أصل الولاية الحب، وأصل العداوة البغض، وإنكار الحب والبغض يتضمن إنكار ولاية الله وعداوته، كما أنكر بعض الفقهاء قوله: «إنه لا يعزّ من عاديت»، وقوله: {أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاء} 10 وهذا باب طويل. وقد كتبت في هذين الأصلين عددًا يبلغ أكثر من الأسفار، وكلام الأولين والآخرين من أهل العلم والإيمان موجود في هذا.

فقول القائل: كيف نتصور عبادة من لا نعرفه، إذ الإيمان بما لا نعرفه، أو الطاعة لما لا نعرفه، أو التسبيح والتحميد بما لا نعرفه ونحو ذلك من العبادات، فهذه الأمور لا يمكن أن تتعلق بمجهول من كل وجه، إذ ذلك ممتنع لا يجب أن تكون معرفته للمعبود المحبوب كمعرفته بنفسه، بل ليس لنا في الوجود من نحبه أو نبغضه، ونحن نعرفه كمعرفة الله به، والمعرفة قد تكون من جهة الاستدلال والنظر.

ولا ريب أن المؤمنين يعرفون ربهم في الدنيا، ويتفاوتون في درجات العرفان، والنبي أعلمنا بالله. وقد قال: «لا أحصى ثناء عليك، أنت كما أثنيت على نفسك»، وهذا يتعلق بمعرفة زيادة المعرفة ونقصها، المتعلقة بمسألة زيادة الإيمان ونقصه، وهي مسألة كبيرة.

والذي مضى عليه سلف الأمة وأئمتها: أن نفس الإيمان الذي في القلوب يتفاضل، كما قال النبي : «أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان»، وأما زيادة العمل الصالح الذي على الجوارح ونقصانه فمتفق عليه، وإن كان في دخوله في مطلق الإيمان نزاع، وبعضه لفظي، مع أن الذي عليه أئمة أهل السنة والحديث وهو مذهب مالك، والشافعي، وغيرهم: أن الإيمان قول وعمل، يزيد وينقص.

وأئمة المسلمين أهل المذاهب الأربعة وغيرهم مع جميع الصحابة والتابعين لهم بإحسان متفقون على أن المؤمن لا يكفر بمجرد الذنب كما تقوله الخوارج، ولا يسلب جميع الإيمان كما تقوله المعتزلة، لكن بعض الناس قال: إن إيمان الخلق مستوٍ، فلا يتفاضل إيمان أبي بكر وعمر وإيمان الفساق، بناء على أن التصديق بالقلب واللسان، أو بالقلب، وذلك لا يتفاضل.

وأما عامة السلف والأئمة، فعندهم أن إيمان العباد لا يتساوى، بل يتفاضل، وإيمان السابقين الأولين أكمل من إيمان أهل الكبائر المجرمين، ثم النزاع مبني على الأصلين:

أحدهما: العمل، هل يدخل في مطلق الإيمان؟ فإن العمل يتفاضل بلا نزاع، فمن أدخله في مطلق الإيمان قال: يتفاضل، ومن لم يدخله في مطلق الإيمان احتاج إلى الأصل الثاني وهو: أن ما في القلب من الإيمان هل يتفاضل؟ فظن من نفي التفاضل أن ليس في القلب من محبة الله، وخوفه ورجائه، والتوكل عليه وأمثال ذلك مما قد يخرجه هؤلاء عن محض التصديق ما هو متفاضل بلا ريب، ثم نفس التصديق أيضا متفاضل من جهات:

منها: أن التصديق بما جاء به الرسول قد يكون مجملا، وقد يكون مفصلا، والمفصل من المجمل، فليس تصديق من عرف القرآن ومعانيه، والحديث ومعانيه، وصدق بذلك مفصلا، كمن صدق أن محمدا رسول الله ، وأكثر ما جاء به لا يعرفه أو لا يفهمه.

ومنها: أن التصديق المستقر المذكور أتم من العلم الذي يطلب حصوله مع الغفلة عنه.

ومنها: أن التصديق نفسه يتفاضل كنهه، فليس ما أثنى عليه البرهان بل تشهد له الأعيان، وأميط عنه كل أذى وحسبان، حتى بلغ أعلى الدرجات، درجات الإيقان، كتصديق زعزعته الشبهات، وصدفته الشهوات، ولعب به التقليد، ويضعف لشبه المعاند العنيد، وهذا أمر يجده من نفسه كل منصف رشيد.

ولهذا كان المشائخ أهل المعرفة والتحقيق، السالكون إلى الله أقصد طريق متفقين على الزيادة والنقصان في الإيمان والتصديق، كما هو مذهب أهل السنة والحديث في القديم والحديث، وهذه مسائل كبار، لا يمكن فيها إلا الإطناب بمثل هذا الجواب.


هامش

  1. [البقرة: 165]
  2. [آل عمران: 31]
  3. [التوبة: 24]
  4. [المائدة: 54]
  5. [النساء: 163، 164]
  6. [الشورى: 51]
  7. [البقرة: 253]
  8. [التوبة: 111]
  9. [المائدة: 54]
  10. [الممتحنة: 1]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس
فصل: تقرب العبد إلى الله | وقال الشيخ رحمه الله تعالى | فصل: ما قاله الشيخ في إثبات القرب وأنواعه | فصل: هل يتحرك القلب والروح إلى محبوبها | سئل عمن يقول إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم | فصل قول القائل: كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها | فصل في جمل مقالات الطوائف في الصفات | فصل الأشياء العينية والعلمية واللفظية والرسمية | فصل طريقة اتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق | سئل عن تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | المقدمة الأولى أن الكمال ثابت لله | المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين | فصل ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول | فصل قول الملاحدة أن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره | فصل: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها | فصل: قول القائل الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب | فصل: قول القائل لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث | فصل: نفي النافي للصفات الخبرية المعينة | فصل: قول القائل المناسبة لفظ مجمل فقد يراد بها التولد والقرابة | فصل قول القائل الرحمة ضعف وخور في الطبيعة | فصل: قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام | فصل: قول القائل إن الضحك خفة روح | فصل قول القائل التعجب استعظام للمتعجب منه | فصل قول القائل لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا | فصل: قول منكري النبوات ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا | فصل قول المشركين إن عظمته تقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة | فصل: قول القائل لو قيل لهم أيما أكمل | فصل: قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية | فصل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى | فصل القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال | رد الإمام أحمد على ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى | فصل قال القاضي: قال أحمد في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا | فصل: ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق | فصل مما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الله ينزل إلى سماء الدنيا | فصل ومما يجب التصديق به مجيئه إلى الحشر يوم القيامة | القول في القرآن | قاعدة في الاسم والمسمى | فصل الذين قالوا إن الاسم غير المسمى | سئل عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات | فصل في الصفات الاختيارية | فصل في الإرادة والمحبة والرضا | فصل في السمع والبصر والنظر | فصل في دلالة الأحاديث على الأفعال الاختيارية | فصل المنازعون النفاة منهم من ينفي الصفات مطلقا | فصل: رد فحول النظار حجج النفاة لحلول الحوادث | فصل في اتصافه تعالى بالصفات الفعلية | فصل فيما ذكره الرازي في مسألة الصفات الاختيارية | فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين | قاعدة أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة إنما تدل على الحق | فصل: مسلك طائفة من أئمة النظار الجمع بين أدلة الأشاعرة والفلاسفة | فصل: الحجة الثانية لمن قال بقدم الكلام | فصل: فيما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في مسألة حدوث العالم | فصل في دلالة ما احتجوا به على خلاف قولهم | سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات | الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز والصفات | فصل المعترض في الأسماء الحسنى | سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض | حديث: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة | فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة | سئل عن لقاء الله سبحانه هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه | فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه | فصل قول السائل إذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة للنعيم | رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم | قوله في حديث: نور أنى أراه | فصل الذي ثبت: رأى محمد ربه بفؤاده | سئل عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا | سئل عن حديث إن الله ينادي بصوت | فصل قول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد | الرسالة العرشية | سئل هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز | سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض | سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب | سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار | سئل عن اختلاف الليل والنهار