مجموع الفتاوى/المجلد السادس/سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيمية
سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض
ابن تيمية

سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض[عدل]

سئل الشيخ تقي الدين أبو العباس أحمد بن تيمية رضي الله تعالى عنه: عن قول النبي ﷺ: «الحجر الأسود يمين الله في الأرض»، وقوله: «إني لأجد نفس الرحمن من جهة اليمن»، وقوله: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [1] وقوله: {يَدُ الله فَوْقَ أَيْدِيهِمْ} [2]، وقوله: {وَاصْبِرْ لِحُكْمِ رَبِّكَ فَإِنَّكَ بِأَعْيُنِنَا} [3].

فأجاب رحمه الله ورضي عنه:

أما الحديث الأول، فقد روى عن النبي ﷺ بإسناد لا يثبت، والمشهور إنما هو عن ابن عباس قال: الحجر الأسود يمين الله في الأرض، فمن صافحه وقبَّله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. ومن تدبر اللفظ المنقول تبين له أنه لا إشكال فيه إلا على من لم يتدبره، فإنه قال: يمين الله في الأرض، فقيده بقوله: في الأرض، ولم يطلق، فيقول: يمين الله، وحكم اللفظ المقيد يخالف حكم اللفظ المطلق.

ثم قال: فمن صافحه وقبله فكأنما صافح الله وقبل يمينه. ومعلوم أن المشبه غير المشبه به، وهذا صريح في أن المصافح لم يصافح يمين الله أصلا، ولكن شبه بمن يصافح الله، فأول الحديث وآخره يبين أن الحجر ليس من صفات الله كما هو معلوم عند كل عاقل، ولكن يبين أن الله تعالى كما جعل للناس بيتًا يطوفون به، جعل لهم ما يستلمونه؛ ليكون ذلك بمنزلة تقبيل يد العظماء، فإن ذلك تقريب للمقبل وتكريم له، كما جرت العادة، والله ورسوله لا يتكلمون بما فيه إضلال الناس، بل لابد من أن يبين لهم ما يتقون، فقد بين لهم في الحديث ما ينفى من التمثيل.

وأما الحديث الثاني، فقوله: «من اليمن» يبين مقصود الحديث، فإنه ليس لليمن اختصاص بصفات الله تعالى حتى يظن ذلك، ولكن منها جاء الذين يحبهم ويحبونه، الذي قال فيهم: {مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي الله بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ} [4].

وقد روى أنه لما نزلت هذه الآية: سئل عن هؤلاء، فذكر أنهم قوم أبي موسى الأشعري، وجاءت الأحاديث الصحيحة مثل قوله: «أتاكم أهل اليمن أرقّ قلوبًا، وألين أفئدة، الإيمان يماني، والحكمة يمانية». وهؤلاء هم الذين قاتلوا أهل الردة، وفتحوا الأمصار، فبهم نفَّس الرحمن عن المؤمنين الكربات، ومن خصص ذلك بأوَيْس فقد أبعد.

وأما الآية، فقد استفاض أنه سئل عنها مالك بن أنس، وقال له السائل: {الرَّحْمَنُ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى} [5]، كيف استوى؟ فأطرق مالك برأسه حتى علاه الرُّحَضَا [6]، ثم قال: الاستواء معلوم؛ والكيف مجهول، والإيمان به واجب، والسؤال عنه بدعة، وما أراك إلا مبتدعًا، ثم أمر به فأخرج.

وجميع أئمة الدين؛ كابن الماجشون، والأوزاعي، والليث بن سعد، وحماد بن زيد، والشافعي، وأحمد بن حنبل، وغيرهم، كلامهم يدل على ما دل عليه كلام مالك، من أن العلم بكيفية الصفات ليس بحاصل لنا؛ لأن العلم بكيفية الصفة فرع على العلم بكيفية الموصوف، فإذا كان الموصوف لا تعلم كيفيته امتنع أن تعلم كيفية الصفة،

ومتى جنب المؤمن طريق التحريف والتعطيل، وطريق التمثيل، سلك سواء السبيل، فإنه قد علم بالكتاب والسنة والإجماع، ما يعلم بالعقل أيضا أن الله تعالى {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [7]، لا في ذاته، ولا في صفاته، ولا في أفعاله، فلا يجوز أن يوصف بشيء من خصائص المخلوقين؛ لأنه متصف بغاية الكمال، منزه عن جميع النقائص، فإنه سبحانه غني عما سواه، وكل ما سواه مفتقر إليه، ومن زعم أن القرآن دل على ذلك، فقد كذب على القرآن، ليس في كلام الله سبحانه ما يوجب وصفه بذلك، بل قد يؤتي الإنسان من سوء فهمه، فيفهم من كلام الله ورسوله معاني يجب تنزيه الله سبحانه عنها، ولكن حال المبطل مع كلام الله ورسوله كما قيل:

وكم عائب قولا صحيحًا ** وآفته من الفهم السقيم

ويجب على أهل العلم أن يبينوا نفي ما يظنه الجهال من النقص في صفات الله تعالى وأن يبينوا صون كلام الله ورسوله عن الدلالة على شيء من ذلك، وأن القرآن بيان وهدى وشفاء، وإن ضل به من ضل فإنه من جهة تفريطه، كما قال تعالى: {وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاء وَرَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ وَلاَ يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إَلاَّ خَسَارًا} [8]، وقوله: { قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاء وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ فِي آذَانِهِمْ وَقْرٌ وَهُوَ عَلَيْهِمْ عَمًى} [9].

هامش

  1. [الأعراف: 54، يونس: 3، الرعد: 2، الحديد: 4]
  2. [الفتح: 10]
  3. [الطور: 48]
  4. [المائدة: 54]
  5. [طه: 5]
  6. [أي: العَرَق. انظر: المصباح المنير، مادة: رحض]
  7. [الشورى: 11]
  8. [الإسراء: 82]
  9. [فصلت: 44]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد السادس
فصل: تقرب العبد إلى الله | وقال الشيخ رحمه الله تعالى | فصل: ما قاله الشيخ في إثبات القرب وأنواعه | فصل: هل يتحرك القلب والروح إلى محبوبها | سئل عمن يقول إن النصوص تظاهرت ظواهرها على ما هو جسم | فصل قول القائل: كلما قام دليل العقل على أنه يدل على التجسيم كان متشابها | فصل في جمل مقالات الطوائف في الصفات | فصل الأشياء العينية والعلمية واللفظية والرسمية | فصل طريقة اتباع الأنبياء هي الموصلة إلى الحق | سئل عن تفصيل الإجمال فيما يجب لله من صفات الكمال | المقدمة الأولى أن الكمال ثابت لله | المقدمة الثانية لا بد من اعتبار أمرين | فصل ما جاء به الرسول هو الحق الذي يدل عليه المعقول | فصل قول الملاحدة أن اتصافه بهذه الصفات إن أوجب له كمالا فقد استكمل بغيره | فصل: قول القائل لو قامت به صفات وجودية لكان مفتقرا إليها | فصل: قول القائل الصفات أعراض لا تقوم إلا بجسم مركب | فصل: قول القائل لو قامت به الأفعال لكان محلا للحوادث | فصل: نفي النافي للصفات الخبرية المعينة | فصل: قول القائل المناسبة لفظ مجمل فقد يراد بها التولد والقرابة | فصل قول القائل الرحمة ضعف وخور في الطبيعة | فصل: قول القائل الغضب غليان دم القلب لطلب الانتقام | فصل: قول القائل إن الضحك خفة روح | فصل قول القائل التعجب استعظام للمتعجب منه | فصل قول القائل لو كان في ملكه ما لا يريده لكان نقصا | فصل: قول منكري النبوات ليس الخلق أهلا أن يرسل الله إليهم رسولا | فصل قول المشركين إن عظمته تقتضي ألا يتقرب إليه إلا بواسطة | فصل: قول القائل لو قيل لهم أيما أكمل | فصل: قول القائل الكمال والنقص من الأمور النسبية | فصل قوله تعالى: ولله الأسماء الحسنى | فصل القاعدة العظيمة في مسائل الصفات والأفعال | رد الإمام أحمد على ما أنكرت الجهمية من أن الله كلم موسى | فصل قال القاضي: قال أحمد في رواية حنبل لم يزل الله متكلما عالما غفورا | فصل: ولا خلاف عن أبي عبد الله أن الله كان متكلمًا بالقرآن قبل أن يخلق الخلق | فصل مما يجب على أهل الإيمان التصديق به أن الله ينزل إلى سماء الدنيا | فصل ومما يجب التصديق به مجيئه إلى الحشر يوم القيامة | القول في القرآن | قاعدة في الاسم والمسمى | فصل الذين قالوا إن الاسم غير المسمى | سئل عمن زعم أن الإمام أحمد كان من أعظم النفاة للصفات | فصل في الصفات الاختيارية | فصل في الإرادة والمحبة والرضا | فصل في السمع والبصر والنظر | فصل في دلالة الأحاديث على الأفعال الاختيارية | فصل المنازعون النفاة منهم من ينفي الصفات مطلقا | فصل: رد فحول النظار حجج النفاة لحلول الحوادث | فصل في اتصافه تعالى بالصفات الفعلية | فصل فيما ذكره الرازي في مسألة الصفات الاختيارية | فصل: الرد على الرازي في قصة الخليل إبراهيم وقوله لا أحب الآفلين | قاعدة أن جميع ما يحتج به المبطل من الأدلة إنما تدل على الحق | فصل: مسلك طائفة من أئمة النظار الجمع بين أدلة الأشاعرة والفلاسفة | فصل: الحجة الثانية لمن قال بقدم الكلام | فصل: فيما احتج به الفلاسفة والمتكلمون في مسألة حدوث العالم | فصل في دلالة ما احتجوا به على خلاف قولهم | سئل عن جواب شبهة المعتزلة في نفي الصفات | الرسالة المدنية في الحقيقة والمجاز والصفات | فصل المعترض في الأسماء الحسنى | سئل عن قول النبي: الحجر الأسود يمين الله في الأرض | حديث: رؤية المؤمنين ربهم في الجنة | فصل هل ترى المؤمنات الله في الآخرة | سئل عن لقاء الله سبحانه هل هو رؤيته أو رؤية ثوابه | فصل: قول السائل: كيف يتصور منا محبة ما لا نعرفه | فصل قول السائل إذا كان حب اللقاء لما رآه من النعيم فالمحبة للنعيم | رسالة إلى أهل البحرين في رؤية الكفار ربهم | قوله في حديث: نور أنى أراه | فصل الذي ثبت: رأى محمد ربه بفؤاده | سئل عن أقوام يدعون أنهم يرون الله بأبصارهم في الدنيا | سئل عن حديث إن الله ينادي بصوت | فصل قول القائل لا يثبت لله صفة بحديث واحد | الرسالة العرشية | سئل هل العرش والكرسي موجودان أم مجاز | سئل عن رجلين تنازعا في كيفية السماء والأرض | سئل عن خلق السموات والأرض وتركيب النيرين والكواكب | سئل هل خلق الله السموات والأرض قبل الليل والنهار | سئل عن اختلاف الليل والنهار