مجموع الفتاوى/المجلد الثاني عشر/فصل السبب في الكفر

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل السبب في الكفر
ابن تيمية

فصل السبب في الكفر[عدل]

والسبب الذي أوقع هؤلاء في الكفر ببعض ما أنزله هو من جنس ما أوقع الأوَّلين في الكفر بجميع ما أنزل الله في كثير من المواضع؛ فإن من تأمَّل وَجَدَ شُبَه اليهود والنصارى ومن تبعهم من الصابئين في الكفر بما أنزل الله على محمد ﷺ هي من جنس شُبَه المشركين والمجوس، ومن معهم من الصابئين في الكفر بجنس الكتاب، وبما أنزل الله على رسله في كثير من المواضع؛ فإنهم يعترضون على آياته، وعلى الكتاب الذي أنزل معه، وعلى الشريعة التي بعث بها، وعلى سيرته، بنحو مما اعترض به على سائر الرسل؛ مثل موسى وعيسى، كما قال الله تعالى في جميعهم: { مَا يُجَادِلُ فِي آيَاتِ اللَّهِ إِلَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَلَا يَغْرُرْكَ تَقَلُّبُهُمْ فِي الْبِلَادِ كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ وَالْأَحْزَابُ مِن بَعْدِهِمْ وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ وَجَادَلُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ } [1] إلى قوله: { كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ وَعِندَ الَّذِينَ آمَنُوا } [2] وفي الآية الأخرى: { إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ } [3] إلى قوله: { أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِالْكِتَابِ وَبِمَا أَرْسَلْنَا بِهِ رُسُلَنَا فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ } [4].

هذا مع أن السلطان الذي أيد الله به رسوله من أنواع الحجج المعجزات، وأنواع القدر الباهرات، أعظم مما أيد به غيره، ونبوته هي التي طبق نورها مشارق الأرض ومغاربها، وبه ثبتت نبوات من تَقَدَّمَه، وتبين الحق من الباطل، وإلا فلولا رسالته لكان الناس في ظلمات بعضها فوق بعض، وأمر مَرِيج [5]، يؤفك عنه من أفك؛ الكتابيون منهم والأميون؛ ولهذا لما كان ما يقال له إلا ما قد قيل للرسل من قبله، أمره الله سبحانه باستشهاد أهل الكتاب على مثل ما جاء به.

وهذا من بعض حكمة إقرارهم بالجزية، كقوله تعالى: { فَإِن كُنتَ فِي شَكٍّ مِّمَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ فَاسْأَلِ الَّذِينَ يَقْرَؤُونَ الْكِتَابَ مِن قَبْلِكَ } [6]، وقوله: { كَفي بِاللهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِندَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ } [7]، وقوله: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلاَّ رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ بِالْبَيِّنَاتِ وَالزُّبُرِ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ } [8]، وفي الآية الأخرى: { وَمَا أَرْسَلْنَا قَبْلَكَ إِلاَّ رِجَالا نُّوحِي إِلَيْهِمْ فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ وَمَا جَعَلْنَاهُمْ جَسَدًا لَّا يَأْكُلُونَ الطَّعَامَ وَمَا كَانُوا خَالِدِينَ } الآية [9]، ومثل قوله: { قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِن كَانَ مِنْ عِندِ اللَّهِ وَكَفَرْتُم بِهِ وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِّن بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى مِثْلِهِ فَآمَنَ وَاسْتَكْبَرْتُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ } [10].

وجماع شبه هؤلاء الكفار: أنهم قاسوا الرسول على من فرق الله بينه وبينه، وكفروا بفضل الله الذي اختص به رسله، فأتوا من جهة القياس الفاسد. ولابد في القياس من قدر مشترك بين المشبه والمشبه به؛ مثل جنس الوحي والتنزيل؛ فإن الشياطين ينزلون على أوليائهم ويوحون إليهم، كقوله { وَإِنَّ الشَّيَاطِينَ لَيُوحُونَ إِلَى أَوْلِيَآئِهِمْ لِيُجَادِلُوكُمْ وَإِنْ أَطَعْتُمُوهُمْ إِنَّكُمْ لَمُشْرِكُونَ } [11]، وقال سبحانه: { هَلْ أُنَبِّئُكُمْ عَلَى مَن تَنَزَّلُ الشَّيَاطِينُ تَنَزَّلُ عَلَى كُلِّ أَفَّاكٍ أَثِيمٍ يُلْقُونَ السَّمْعَ وَأَكْثَرُهُمْ كَاذِبُونَ } [12].

وقال تعالى في ال { طس } وقد افتتح كلا منهن بقصة موسى وتكليم الله إياه، وإرساله إلى فرعون، فإنها أعظم القصص كما قدمناه، فقال في سورة الشعراء المحتوية على قصص المرسلين واحدًا بعد واحد، وهي سبع؛ قصة موسى، وإبراهيم، ونوح، وهود، وصالح، ولوط، وشعيب، ثم قال عن القرآن: { وَإِنَّهُ لَتَنزِيلُ رَبِّ الْعَالَمِينَ نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ } [13] إلى قوله: { وَأَنَّهُمْ يَقُولُونَ مَا لَا يَفْعَلُونَ } [14] فذكر الفرق بينه وبين من تنزل عليه الشياطين من الكهان والمتنبئين ونحوهم، وبين الشعراء؛ لأن الكاهن قد يخبر بغيب بكلام مسجوع، والشاعر أيضا يأتي بكلام منظوم يحرك به النفوس؛ فإن قرين الشيطان مادته من الشيطان، ويعين الشيطان بكذبه وفجوره، والشاعر مادته من نفسه، وربما أعانه الشيطان.

فأخبر أن الشياطين إنما تنزل على من يناسبها، وهو الكاذب في قوله، الفاجر في عمله، بخلاف الصادق البر، وأن الشعراء إنما يحركون النفوس إلى أهوائها فيتبعهم الغاوون، وهم الذين يتبعون الأهواء، وشهوات الغي، فنفي كلا منهما بانتفاء لازمه، وبين ما يجتمع فيه شياطين الإنس والجن.

هامش

  1. [غافر: 4، 5]
  2. [غافر: 34، 53]
  3. [غافر: 56]
  4. [غافر: 69، 70]
  5. [أي: مختلط]
  6. [يونس: 94]
  7. [الرعد: 43]
  8. [النحل: 43، 44]
  9. [الأنبياء: 7، 8]
  10. [الأحقاف: 10]
  11. [الأنعام: 121]
  12. [الشعراء: 221 223]
  13. [الشعراء: 192، 193]
  14. [الشعراء: 226]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثاني عشر
فصل التنازع في الحروف الموجودة في كلام الآدميين | فصل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها | تابع فصل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها | فصل في المراد بلفظ الحروف | فصل في بيان أن القرآن العظيم كلام الله | فصل في منشأ النزاع والاشتباه | فصل في معرفة الأصل الذي تفرع منه النزاع | سئل عمن قال اختلاف المسلمين في كلام الله على ثلاثة أنحاء | تابع مسألة أختلاف الناس على ثلاثة أنحاء | سئل عن ما يجب على الإنسان أن يعتقده | فصل في نزول القرآن | سئل عن قوله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وقوله إنه لقول رسول كريم | فصل عن قوله تعالى إنه لقول رسول كريم | فصل وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه | فصل قول القائل تقولون إن القرآن صفة الله | فصل في قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره | سئل عمن يقول كلام الناس قديم | فصل مسألة اللفظ بالقرآن | فصل فيما قاله الكفار في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم | فصل في الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من كلام الله | فصل في الذين غلطوا مذهب اللفظية | فصل في ذكر بعض جهالات اللفظية | فصل رد الإمام أحمد على اللفظية | فصل فيمن أدرك من درجات الكلام بعض الحق | فصل في ذكر نصوص الإمام أحمد في الرد على اللفظية | فصل في العلة من ذكر ابن تيمية لنصوص الإمام أحمد | فصل في ذكر المواضع التي نص فيها الإمام أحمد على هذه المسألة | فصل في ذكر من قال إن الإمام أحمد قال ذلك خوفا من الناس | فصل في ذكر شبهة هؤلاء | فصل في سؤال السائل هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم | فصل في تكفير قائل هذا القول | فصل مسألة التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام | فصل في معرفة مسألة الأحكام | فصل في مسألة تكفير أهل البدع والأهواء | سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما | سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر بل كلمه تكليما | سئل عن هذا القرآن الذي نتلوه هو كلام الله الذي تكلم به | فصل في أن القرآن الذي نقرأه هو كلام الله | سئل عن رجلين قال أحدهما القرآن كلام الله وقال الآخر هو كلام جبريل | سئل عمن يقول الكلام غير المتكلم | سئل عن المصحف هل هو نفس القرآن | فصل في أن القرآن الذي بين دفتي المصحف متواتر | هل الحروف مخلوقة أو غير مخلوقة | سئل عمن يقول إن الشكل والنقط من كلام الله تعالى | فصل في الكلام في القرآن هل هو حرف وصوت | سئل عن رجلين تباحثا في موضوع الحروف والصوت | سئل عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به