مجموع الفتاوى/المجلد الثاني عشر/فصل مسألة التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
مجموع فتاوى ابن تيميةالتفسير
فصل مسألة التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام
ابن تيمية

فصل مسألة التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام[عدل]

إذا تبين ذلك، فاعلم أن مسائل التكفير، والتفسيق هي من مسائل الأسماء والأحكام التي يتعلق بها الوعد والوعيد في الدار الآخرة، وتتعلق بها الموالاة والمعاداة والقتل والعصمة وغير ذلك في الدار الدنيا؛ فإن الله سبحانه أوجب الجنة للمؤمنين، وحرم الجنة على الكافرين، وهذا من الأحكام الكلية في كل وقت ومكان، قال الله تعالى: { وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُودا أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ } [1]. فأمر أن يطالبهم بالبرهان على هذا النفي العام، وما فيه من الإثبات الباطل، ثم قال: { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ فَلَهُ أَجْرُهُ عِندَ رَبِّهِ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ } [2].

فأخبر سبحانه عمن مضى ممن كان متمسكا بدين حق من اليهود والنصارى والصابئين، وعن المؤمنين بعد مبعث محمد ﷺ، أنه من جمع الخصال الثلاث التي هي جماع الصلاح، وهي الإيمان بالخلق، والبعث بالمبدأ والمعاد، والإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح، وهو أداء المأمور به، وترك المنهي عنه، فإن له حصول الثواب وهو أجره عند ربه واندفاع العقاب فلا خوف عليه مما أمامه ولا يحزن على ما وراءه؛ ولذلك قال: { بَلَى مَنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ } إخلاص الدين لله، وهو عبادته وحده لا شريك له، وهو حقيقة قوله: { إِيَّاكَ نَعْبُدُ وإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ } [3]، وهو محسن.

فالأول: وهو إسلام الوجه هو النية، وهذا الثاني وهو الإحسان هو العمل. وهذا الذي ذكره في هاتين الآيتين هو الإيمان العام، والإسلام العام، الذي أوجبه الله على جميع عباده، من الأولين والآخرين.

وهو دين الله العام الذي لا يقبل من أحد سواه، وبه بعث جميع الرسل، كما قال تعالى: { وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَّسُولا أَنِ اعْبُدُواْ اللهَ وَاجْتَنِبُواْ الطَّاغُوتَ } [4]، وقال تعالى: { وَمَا أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ إِلَّا نُوحِي إِلَيْهِ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنَا فَاعْبُدُونِ } [5]، وقال تعالى: { وَاسْأَلْ مَنْ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رُّسُلِنَا أَجَعَلْنَا مِن دُونِ الرَّحْمَنِ آلِهَةً يُعْبَدُونَ } [6]، وقال تعالى: { شَرَعَ لَكُم مِّنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ } [7]، وقال تعالى لبني آدم جميعًا: { قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى } [8]، وقال في الآية الأخرى: { قُلْنَا اهْبِطُواْ مِنْهَا جَمِيعا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ وَالَّذِينَ كَفَرواْ وَكَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ } [9].

فكان من أول البدع والتفرق الذي وقع في هذه الأمة، بدعة الخوارج المكفرة بالذنب؛ فإنهم تكلموا في الفاسق المِلِّيّ، فزعمت الخوارج والمعتزلة أن الذنوب الكبيرة، ومنهم من قال: والصغيرة لا تجامع الإيمان أبدًا، بل تنافيه وتفسده، كما يفسد الأكل والشرب الصيام، قالوا: لأن الإيمان هو فعل المأمور، وترك المحظور، فمتى بطل بعضه بطل كله كسائر المركبات.

ثم قالت الخوارج: فيكون العاصي كافرًا؛ لأنه ليس إلا مؤمن وكافر، ثم اعتقدوا أن عثمان وعليا وغيرهما عصوا، ومن عصى فقد كفر، فكفروا هذين الخليفتين وجمهور الأمة. وقالت المعتزلة بالمنزلة بين المنزلتين، أنه يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر.

وقابلتهم المرجئة، والجهمية، ومن اتبعهم من الأشعرية والكرامية. فقالوا: ليس من الإيمان فعل الأعمال الواجبة، ولا ترك المحظورات البدنية، والإيمان لا يقبل الزيادة والنقصان، بل هو شيء واحد يستوي فيه جميع المؤمنين، من الملائكة، والنبيين، والمقربين، والمقتصدين، والظالمين.

ثم قال فقهاء المرجئة: هو التصديق بالقلب واللسان، وقال أكثر متكلميهم: هو التصديق بالقلب. وقال بعضهم: التصديق باللسان. قالوا: لأنه لو دخلت فيه الواجبات العملية لخرج منه من لم يأت بها كما قالت الخوارج، ونكتة هؤلاء جميعهم: توهمهم أن من ترك بعض الإيمان فقد تركه كله.

وأما أهل السنة والجماعة من الصحابة جميعهم والتابعين، وأئمة أهل السنة وأهل الحديث، وجماهير الفقهاء والصوفية، مثل مالك والثوري، والأوزاعي، وحماد بن زيد، والشافعي، وأحمد بن حنبل وغيرهم، ومحققي أهل الكلام- فاتفقوا على أن الإيمان والدِّين قول وعمل. هذا لفظ السلف من الصحابة وغيرهم، وإن كان قد يعني بالإيمان في بعض المواضع ما يغاير العمل، لكن الأعمال الصالحة كلها تدخل أيضا في مسمى الدين، والإيمان، و يدخل في القول قول القلب واللسان، وفي العمل عمل القلب والجوارح.

وقال المفسرون لمذهبهم: إن له أصولا وفروعا، وهو مشتمل على أركان وواجبات ليست بأركان ومستحبات، بمنزلة اسم الحج والصلاة وغيرهما من العبادات؛ فإن اسم الحج يتناول كل ما يشرع فيه من فعل وترك، مثل الإحرام وترك محظوراته، والوقوف بعرفة ومزدلفة ومنى والطواف ببيت الله الحرام، وبين الجبلين المكتنفين به، وهما الصفا والمروة.

ثم الحج مع هذا مشتمل على أركان، متى تركت لم يصح الحج، كالوقوف بعرفة، وعلى ترك محظور متى فعله فسد الحج، وهو الوطء. ومشتمل على واجبات، من فعل وترك، يأثم بتركها عمدًا، ويجب مع تركها لعذر أوغيره الجبران بدم، كالإحرام من المواقيت المكانية والجمع بين الليل والنهار بعرفة، وكرمي الجمار ونحو ذلك، وكترك اللباس المعتاد، والتطيب والصيد وغير ذلك. ومشتمل على مستحبات من فعل وترك يكمل الحج بها، فلا يأثم بتركها، ولا يجب دم، مثل رفع الصوت بالإهلال والإكثار منه، وسوق الهدى، وذكر الله، ودعائه في الطواف، والوقوف وغيرهما، وقلة الكلام إلا في أمر بمعروف، ونهي عن منكر، أو ذكر الله تعالى فمن فعل الواجب، وترك المحظور، فقد أتم الحج والعمرة لله، وهو مقتصد من أصحاب اليمين في هذا العمل.

لكن من أتى بالمستحب فهو أكمل منه وأتم منه حجًا، وهو سابق مقرب، ومن ترك المأمور، وفعل المحظور، لكنه أتى بركنه، وترك مفسده فهو حاج حجا ناقصا، يثاب على ما فعله من الحج، ويعاقب على ما تركه، وقد سقط عنه أصل الفرض بذلك، مع عقوبته على ما تركه، ومن أخل بركن الحج أو فعل يُفسِده فحجه فاسد لا يسقط به فرض، بل عليه إعادته، مع أنه قد يتنازع في إثابته على ما فعله، وإن لم يسقط به الفرض، والأشبه أنه يثاب عليه.

فصار الحج ثلاثة أقسام: كاملا بالمستحبات، وتاما بالواجبات فقط، وناقصا عن الواجب.

والفقهاء يقسمون الوضوء والغسل إلى كامل ومجزئ، لكن يريدون بالكامل ما أتى بمفروضه ومسنونه، وبالمجزئ ما اقتصر علي واجبه، فهذا في الأعمال المشروعة. وكذلك في الأعيان المشهودة، فإن الشجرة مثلا اسم لمجموع الجذع والورق والأغصان، وهي بعد ذهاب الورق شجرة، وبعد ذهاب الأغصان شجرة؛ لكن كاملة وناقصة، فليفعل مثل ذلك في مسمى الإيمان والدِّين، أن الإيمان ثلاث درجات: إيمان السابقين المقربين، وهو ما أتى فيه بالواجبات والمستحبات، من فعل وترك. وإيمان المقتصدين أصحاب اليمين، وهو ما أتى فيه بالواجبات من فعل وترك، وإيمان الظالمين، وهو ما يترك فيه بعض الواجبات، أو يفعل فيه بعض المحظورات.

ولهذا قال علماء السنة في وصفهم اعتقاد أهل السنة والجماعة: إنهم لا يُكَفِّرون أحدًا من أهل القبلة بذنب، إشارة إلى بدعة الخوارج المكفرة بمطلق الذنوب، فأما أصل الإيمان الذي هو الإقرار بما جاءت به الرسل عن الله تصديقًا به وانقيادًا له، فهذا أصل الإيمان الذي من لم يأت به فليس بمؤمن؛ ولهذا تواتر في الأحاديث: »أخرجوا من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان« »مثقال حبة من إيمان«، وفي رواية الصحيح أيضا: »مثقال حبة من خير« »مثقال ذرة من خير« وقال ﷺ في الحديث المتفق عليه عن أبي هريرة: »الإيمان بضع وستون أو بضع وسبعون شعبة، أعلاها قول لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان«، فعلم أن الإيمان يقبل التبعيض والتجزئة، وأن قليله يخرج الله به من النار من دخلها، ليس هو كما يقوله الخارجون عن مقالة أهل السنة: أنه لا يقبل التبعيض والتجزئة، بل هو شيء واحد، إما أن يحصل كله، أو لا يحصل منه شيء.

ومما يتصل به أن يعرف أن الإيمان هو من الأسماء الكتابية، القرآنية، النبوية، الدينية، الشرعية، فيتنوع مسماها قدرًا ووصفًا بتنوع الكتب الإلهية؛ فمنه ما هو متفق عليه بين جميع المؤمنين، من الأولين والآخرين، وجميع الكتب الإلهية، مثل الإقرار بالله، واليوم الآخر، وعبادة الله وحده لا شريك له، والصدق والعدل.

واعلم أن عامة السور المكية التي أنزلها الله بمكة هي في هذا الإيمان العام المشترك بين الأنبياء جميعهم، والمؤمنين جميعهم. وهذا القدر المشترك هو في بعض الملل أعظم قدرًا ووصفًا؛ فإن ما جاء به محمد ﷺ من أسماء الله وصفاته، ووصف اليوم الآخر أكمل مما جاء به سائر الأنبياء.

ومنه ما تختلف فيه الشرائع والمناهج، كالقبلة والمنسك، ومقادير العبادات، وأوقاتها وصفاتها، والسنن والأحكام وغير ذلك، فمسمى الإيمان والدين في أول الإسلام ليس هو مسماه في آخر زمان النبوة، بل مسماه في الآخر أكمل، كما قال تعالى: { الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ } [10]، وقال في السورة: { وَمَن يَكْفُرْ بِالإِيمَانِ فَقَدْ حَبِطَ عَمَلُهُ } ، [11] ؛ ولهذا قال الإمام أحمد: كان بدء الإيمان في أول الإسلام ناقصًا، فجعل يتم، وهكذا مسمى الإيمان والدين، قد شرع في حق الأشخاص بحسب ما أمر الله به كلا منهم، وبحسب ما فعله مما أمر الله به.

ولهذا كان المؤمنون من الأولين والآخرين، من الذين هادوا، والنصارى، والصابئين، والمؤمنين من أمة محمد ﷺ، مشتركين في الإيمان بالله، واليوم الآخر، والعمل الصالح، كما دل عليه القرآن.

مع أن اليهود كان يجب عليهم الإقرار بما لا يجب علينا الإقرار به، مثل إقرارهم بواجبات التوراة، وبمحرماتها، مثل السبت، وشحم الثَرْب [12] والكليتين [13].. ولا يجب عليهم التصديق المفصل بما لم ينزل عليهم من أسماء الله وصفاته، وصفات اليوم الآخر. ونحن يجب علينا من الإيمان بذلك مالم يجب عليهم، ويجب علينا من الإقرار بالصلوات الخمس، والزكاة المفروضة، وحج البيت، وغير ذلك مما هو داخل في إيماننا وليس داخلا في إيمانهم؛ فإن الإقرار بهذه الأشياء داخل في الإيمان باتفاق الأمة. وكذلك الإقرار بأعيان الأنبياء كان الإقرار بأعيانهم داخلا في إيمان من قبلنا، ونحن إنما يدخل في إيماننا الإقرار بهم من حيث الجملة.

والمنازعون لأهل السنة منهم من يقول: الإيمان في الشرع مبقى على ما كان عليه في اللغة، وهو التصديق، ومنهم من يقول: هو منقول إلى معنى آخر، وهو أداء الواجبات.

وأما أهل السنة فقد يقول بعضهم: هو منقول كالأسماء الشرعية، من الصلاة، والزكاة، وقد يقول بعضهم: بل هو متروك على ما كان، وزادت عليه الشريعة أشياء. ومنهم من يقول: بل هو باق على أصله من التصديق مع دخول الأعمال فيه؛ فإن الأعمال داخلة في التصديق، فالمؤمن يصدق قوله بعمله، كما قال الحسن البصري: ليس الإيمان بالتَّمَنِّى ولا بالتَّحَلِّى؛ ولكن ما وَقر في القلب، وصَدَّقه العمل. ومنه قول النبي ﷺ: «والفَرْج يُصدِّق ذلك أو يُكَذِّبه ». ومنهم من يقول: ليس الإيمان في اللغة هو التصديق، بل هو الإقرار، وهو في الشرع الإقرار أيضا، والإقرار يتناول القول والعمل وليس هذا موضع بسط ذلك، فقد بسطته في غير هذا الموضع.

وإذا عرف مسمى الإيمان، فعند ذكر استحقاق الجنة والنجاة من النار، وذم من ترك بعضه ونحو ذلك يراد به الإيمان الواجب، كقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ } [14]، وقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإِذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إِيمَانًا } الآية [15]، وقوله: { إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ } [16] وقوله في الجنة: { أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ } [17].

وقوله ﷺ: «لا يزنى الزانى حين يزنى وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن»، فنفي عنه الإيمان الواجب الذي يستحق به الجنة ولا يستلزم ذلك نفي أصل الإيمان، وسائر أجزائه وشعبه، وهذا معنى قولهم نفي كمال الإيمان لا حقيقته، أي الكمال الواجب، ليس هو الكمال المستحب، المذكور في قول الفقهاء الغسل كامل ومجزئ.

ومن هذا الباب: قوله ﷺ: «من غَشَّنَا فليس منا»، ليس المراد به أنه كافر، كما تأولته الخوارج، ولا أنه ليس من خيارنا، كما تأولته المرجئة، ولكن المضمر يطابق المظهر، والمظهر هو المؤمنون المستحقون للثواب، السالمون من العذاب، والغاشُّ ليس منا لأنه متعرض لسخط الله وعذابه.

وإذا تبين هذا، فمن ترك بعض الإيمان الواجب لعجزه عنه، إما لعدم تمكنه من العلم، مثل ألا تبلغه الرسالة، أو لعدم تمكنه من العمل لم يكن مأمورًا بما يعجز عنه، ولم يكن ذلك من الإيمان والدين الواجب في حقه، وإن كان من الدين والإيمان الواجب في الأصل، بمنزلة صلاة المريض، والخائف، والمستحاضة، وسائر أهل الأعذار، الذين يعجزون عن إتمام الصلاة، فإن صلاتهم صحيحة بحسب ما قدروا عليه، وبه أمروا إذ ذاك، وإن كانت صلاة القادر على الإتمام أكمل وأفضل، كما قال النبي ﷺ: «المؤمن القوى خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير» رواه مسلم عن أبي هريرة في حديث حسن السياق، وقوله: «صلاة القاعد على النِّصْف من صلاة القائم، وصلاة النائم على النصف من صلاة القاعد» ولو أمكنه العلم به دون العمل لوجب الإيمان به، علمًا واعتقادًا دون العمل.

هامش

  1. [البقرة: 111]
  2. [البقرة: 112]
  3. [الفاتحة: 5]
  4. [النحل: 36]
  5. [الأنبياء: 25]
  6. [الزخرف: 45]
  7. [الشورى: 13]
  8. [طه: 123، 124]
  9. [البقرة: 38، 39]
  10. [المائدة: 3]
  11. [المائدة: 5]
  12. [أي: الكرش والأمعاء]
  13. [أي: الكرش والأمعاء]
  14. [الحجرات: 15]
  15. [الأنفال: 2]
  16. [النور: 62]
  17. [الحديد: 21]


مجموع الفتاوى لابن تيمية: المجلد الثاني عشر
فصل التنازع في الحروف الموجودة في كلام الآدميين | فصل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها | تابع فصل في التنازع في قدم الأحرف وشكلها | فصل في المراد بلفظ الحروف | فصل في بيان أن القرآن العظيم كلام الله | فصل في منشأ النزاع والاشتباه | فصل في معرفة الأصل الذي تفرع منه النزاع | سئل عمن قال اختلاف المسلمين في كلام الله على ثلاثة أنحاء | تابع مسألة أختلاف الناس على ثلاثة أنحاء | سئل عن ما يجب على الإنسان أن يعتقده | فصل في نزول القرآن | سئل عن قوله تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وقوله إنه لقول رسول كريم | فصل عن قوله تعالى إنه لقول رسول كريم | فصل وأما قول القائل أنتم تعتقدون أن موسى سمع كلام الله منه | فصل قول القائل تقولون إن القرآن صفة الله | فصل في قوله تعالى وإن أحد من المشركين استجارك فأجره | سئل عمن يقول كلام الناس قديم | فصل مسألة اللفظ بالقرآن | فصل فيما قاله الكفار في القرآن والنبي صلى الله عليه وسلم | فصل في الذين يقولون بأن حروف القرآن ليست من كلام الله | فصل في الذين غلطوا مذهب اللفظية | فصل في ذكر بعض جهالات اللفظية | فصل رد الإمام أحمد على اللفظية | فصل فيمن أدرك من درجات الكلام بعض الحق | فصل في ذكر نصوص الإمام أحمد في الرد على اللفظية | فصل في العلة من ذكر ابن تيمية لنصوص الإمام أحمد | فصل في ذكر المواضع التي نص فيها الإمام أحمد على هذه المسألة | فصل في ذكر من قال إن الإمام أحمد قال ذلك خوفا من الناس | فصل في ذكر شبهة هؤلاء | فصل في سؤال السائل هل يجب على ولي الأمر زجرهم وردعهم | فصل في تكفير قائل هذا القول | فصل مسألة التكفير والتفسيق من مسائل الأسماء والأحكام | فصل في معرفة مسألة الأحكام | فصل في مسألة تكفير أهل البدع والأهواء | سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما | سئل عن رجل قال إن الله لم يكلم موسى تكليما فقال له آخر بل كلمه تكليما | سئل عن هذا القرآن الذي نتلوه هو كلام الله الذي تكلم به | فصل في أن القرآن الذي نقرأه هو كلام الله | سئل عن رجلين قال أحدهما القرآن كلام الله وقال الآخر هو كلام جبريل | سئل عمن يقول الكلام غير المتكلم | سئل عن المصحف هل هو نفس القرآن | فصل في أن القرآن الذي بين دفتي المصحف متواتر | هل الحروف مخلوقة أو غير مخلوقة | سئل عمن يقول إن الشكل والنقط من كلام الله تعالى | فصل في الكلام في القرآن هل هو حرف وصوت | سئل عن رجلين تباحثا في موضوع الحروف والصوت | سئل عن المصحف العتيق إذا تمزق ما يصنع به