50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني/الباب السادس والثلاثون (2)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في إبطال التقليد (2)
المؤلف: ابن حزم


قال أبو محمد: كل هذا لا حجة لهم فيه، بل الآيات التي ذكرنا حجة عليهم، وأما قوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } وقوله: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } وقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } وقوله تعالى: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ } فإنما هذا كله ثناء عليهم، رضوان الله عليهم، ولم ننازع في الثناء عليهم ولله الحمد، بل نحن أشد توقيراً لهم، وأعلم بحقوقهم من هؤلاء المحتجين بهذه الآية في غير مواضعها. لأننا نحن إنما تركنا أقوال الصحابة لقول محمد الذي يجب من حقه عليهم، كالذي يجب من حقه علينا ولا فرق، والذي ألزموا طاعته كما ألزمناها سواء بسواء، وهم إنما تركوا أقوال الصحابة الذين احتجوا في فضلهم بما ذكرنا، لقول أبي حنيفة ومالك والشافعي. وإنما قلنا نحن: ليس وجوب الثناء عليهم بموجب أن يقلدوا، إذ قد ذكر رسول الله أن أبا بكر وعمر ــــ اللذين هما أفضل رجالهم بعد رسول الله ــــ قد أخطأ.

كما حدثنا حمام بن أحمد، ثنا عبد الله بن إبراهيم، نا أبو زيد المروزي، نا الفربري، نا البخاري، نا إبراهيم بن موسى، نا هشام بن يوسف، أن ابن جريج أخبرهم، عن ابن أبي مليكة، أن عبد الله بن الزبير أخبرهم، أنه قدم ركب من بني تميم عن النبي ، فقال أبو بكر: أمر القعقاع بن معبد بن زرارة، قال عمر: بل أمر الأقرع بن حابس. فقال أبو بكر: ما أردت إلا خلافي، قال عمر: ما أردت خلافك، فتماريا حتى ارتفعت أصواتهما، فنزل في ذلك: {يأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَرْفَعُواْ أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلاَ تَجْهَرُواْ لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَن تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تَشْعُرُونَ } حتى انقضت، يعني الآية. قال البخاري: ثنا محمد بن مقاتل، ثنا وكيع، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذ حدث النبي بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه. قال البخاري: نا بسرة بن صفوان بن جميل، نا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: قال ابن الزبير: فكان عمر بعد إذا حدث النبي بحديث حدثه كأخي السرار، لم يسمعه حتى يستفهمه. قال البخاري: نا بسرة بن صفوان بن جميل، نا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة قال: كاد الخيران يهلكان: أبو بكر وعمر، رفعا أصواتهما عند رسول الله .

وكما حدثنا عبد الله بن ربيع، عن محمد بن إسحاق بن السليم، عن ابن الأعرابي، عن أبي داود، وقال: نا محمد بن يحيى بن فارس، نا عبد الرزاق ــــ كتبته من كتابه ــــ قال: أنا معمر، عن الزهري، عن عبد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود عن ابن عباس قال: كان أبو هريرة يحدث أن رجلاً أتى النبي فقال: إني رأيت الليلة رؤيا، فعبر لها أبو بكر، فقال النبي أصبت بعضاً وأخطأت بعضاً فقال: أقسمت يا رسول الله ــــ بأبي أنت ــــ لتحدثني بالذي أخطأت فيه، فقال النبي : «لاَ تُقْسِمْ» . قال أبو محمد: فمن أخطأ فغير جائز أن يؤخذ قوله بغير برهان يصححه، والنبي إذا كان منه ــــ على طريق إرادة الخبر ــــ ما لا يوافق إرادة ربه تعالى، لم يقره تعالى على ذلك حتى يبين له، وأما أبو بكر رضي الله عنه فقد رام من النبي أن يبين له وجه خطئه فيما عبر، فلم يفعل . وأما ما تعلقوا به بما روي عنه من قوله لأبي بكر وعمر: «لَوْلاَ اخْتَلاَفُكُمَا عَلَيَّ مَا خَالَفْتُكُمَا» فأول ذلك أن هذا خبر لا يصح، ولو صح لكان حجة في إبطال تقليدهما، لأن الأمر الموجود فيهما منع رسول الله من الأخذ برأيهما في أمور الدنيا، ففرض علينا اتباعه ، وألا نأخذ بقولهما في أمور الشريعة، وهذا بيِّن.

وأما قوله : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وَسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ» فقد علمنا أنه لا يأمر بما لا يقدر عليه، ووجدنا الخلفاء الراشدين بعده قد اختلفوا اختلافاً شديداً، فلا بد من أحد ثلاثة أوجه لا رابع لها: إما أن نأخذ بكل ما اختلفوا فيه، وهذا ما لا سبيل إليه، ولا يقدر عليه، إذ فيه الشيء وضده ولا سبيل إلى أن يورث أحد الجد دون الإخوة بقول أبي بكر وعائشة، ويورثه الثلث فقط، وباقي ذلك للإخوة على قول عمر، ويورثه السدس وباقيه للإخوة على مذهب علي. وهكذا في كل ما اختلفوا فيه، فبطل هذا الوجه، لأنه ليس في استطاعة الناس أن يفعلوه فهذا وجه. أو يكون مباحاً لنا بأن نأخذ بأي ذلك شيئاً، وهذا خروج عن الإسلام، لأنه يوجب أن يكون دين الله تعالى موكولاً إلى اختيارنا، فيحرم كل واحد منا ما يشاء، ويحل ما يشاء، ويحرم أحدنا ما يحله الآخر، وقول الله تعالى: {حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالْدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَمَآ أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَآ أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُواْ بِالأَزْلاَمِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ فَلاَ تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الأِسْلاَمَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجَانِفٍ لإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ } وقوله تعالى: {الطَّلاَقُ مَرَّتَانِ فَإِمْسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَسْرِيحٌ بِإِحْسَانٍ وَلاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَأْخُذُواْ مِمَّآ آتَيْتُمُوهُنَّ شَيْئاً إِلاَّ أَن يَخَافَآ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ يُقِيمَا حُدُودَ اللَّهِ فَلاَ جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ فَلاَ تَعْتَدُوهَا وَمَن يَتَعَدَّ حُدُودَ اللَّهِ فَأُوْلَـئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ }

وقوله تعالى: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } يبطل هذا الوجه الفاسد، ويوجب أن ما كان حراماً حينئذ فهو حرام إلى يوم القيامة، وما كان واجباً يومئذ فهو واجب إلى يوم القيامة، وما كان حلالاً يومئذ فهو حلال إلى يوم القيامة.

وأيضاً فلو كان هذا لكنا إذا أخذنا بقول الواحد منهم فقد تركنا قول الآخر منهم، ولا بد من ذلك فلسنا حينئذ متبعين لسنتهم، فقد حصلنا في خلاف الحديث المذكور، وحصلوا فيه شاؤوا أو أبوا. ولقد أذكرنا هذ مفتياً كان عندنا بالأندلس وكان جاهلاً، فكانت عادته أن يتقدمه رجلان، كان مدار الفتيا عليهما في ذلك الوقت، فكان يكتب تحت فتياهما: أقول بما قاله الشيخان، فقضى أن ذينك الشيخين اختلفا، فلما كتب تحت فتياهما ما ذكرنا، قال له بعض من حضر: إن الشيخين اختلفنا؟ فقال: وأنا أختلف باختلافهما. قال أبو محمد: فإذ قد بطل هذان الوجهان فلم يبق إلا الوجه الثالث، وهو أخذ ما أجمعوا عليه، وليس ذلك إلا فيما أجمع عليه سائر الصحابة رضوان الله عليهم معهم، وفي تتبعهم سنن النبي والقول بها. وأيضاً فإن الرسول إذا أمر باتباع سنن الخلفاء الراشدين لا يخلو ضرورة من أحد وجهين: إما أن يكون أباح أن يسنوا سنناً غير سننه، فهذا ما لا يقوله مسلم، ومن أجاز هذا فقد كفر وارتد وحل دمه وماله لأن الدين كله إما واجب أو غير واجب، وإما حرام وإما حلال، لا قسم في الديانة غير هذه الأقسام أصلاً، فمن أباح أن يكون للخلفاء الراشدين سنة لم يسنها رسول الله ، فقد أباح أن يحرموا شيئاً كان حلالاً على عهده إلى أن مات، أو أن يحلوا شيئاً حرمه رسول الله ، أو أن يوجبوا فريضة لم يوجبها رسول الله ، أو أن يسقطوا فريضة فرضها رسول الله ولم يسقطها إلى أن مات، وكل هذه الوجوه من جوز منها شيئاً فهو كافر مشرك بإجماع الأمة كلها بلا خلاف، وبالله تعالى التوفيق، فهذا الوجه قد بطل ولله الحمد. وأما أن يكون أمر باتباعهم في اقتدائهم بسنته ، فهكذا نقول ليس يحتمل هذا الحديث وجهاً غير هذا أصلاً. وقال بعضهم: إنما نتبعهم فيما لا سنة فيه.

قال أبو محمد: وإذ لم يبق إلا هذا فقد سقط شغبهم، وليس في العالم شيء إلا وفيه سنة منصوصة، وقد بينا هذا في باب إبطال القياس من كتابنا هذا، وبالله تعالى التوفيق. واحتجوا بما أخبرناه عبد الله بن ربيع قال: نا محمد بن معاوية، نا أحمد بن شعيب، أنا محمد بن بشار، نا أبو عمر، نا سفيان ــــ هو الثوري ــــ عن الشيباني ــــ هو أبو إسحاق ــــ عن الشعبي، عن شريح أنه كتب إلى عمر يسأله فكتب إليه: أن اقض بما في كتاب الله، فإن لم يكن في كتاب الله فبسنة رسول الله ، فإن لم يكن في كتاب الله ولا في سنة رسول الله فاقض بما قضى به الصالحون، فإن لم يكن في كتاب الله ولا سنة رسول الله ولم يقض فيه الصالحون، فإن شئت فتقدم، وإن شئت فتأخر، ولا أرى التأخر إلا خيراً لك، والسلام عليكم.

قال أبو محمد: وهذا عليهم لا لهم، لأن عمر لم يقل بما قضى به بعض الصالحين وإنما قال: ما قضى به الصالحون فهذا هو إجماع جميع الصالحين، وفي هذا الحديث إباحة عمر ترك الحكم بالقياس واختياره لذلك. ويقال لهم ــــ في احتجاجهم بما روي من الأمر بإلتزام سنة الخلفاء الراشدين المهديين ــــ هذا حجة عليكم، لأن سنة الخلفاء الراشدين المهديين كلهم ــــ بلا خلاف منهم ــــ ألا يقلدوا أحداً، وألا يقلد بعضهم بعضاً، وأن يطلبوا سنن رسول الله حيث وجدوها فينصرفوا إليها ويعملوا بها، وقد أنكر عمر رضي الله عنه أشد الإنكار على رجل سأله عن مسألة في الحج، فلما أفتاه قال له الرجل، هكذا أفتاني رسول الله ، فضربه عمر بالدرة وقال له: سألتني عن شيء قد أفتى فيه رسول الله لعلي أخالفه. رويناه من طريق عبد الرزاق، وقال عمر رضي الله عنه: إن الرأي منا هو التكليف، وإن الرأي من النبي كان حقاً. قال أبو محمد: فمن كان متبعاً لهم فليتبعهم في هذا الذي اتفقوا فيه من ترك التقليد.

وفيما أجمعوا عليه من اتباع سنن النبي ، وفيما نهوا عنه من التكلف، فإنه يوافق بذلك الحق وقول الله تعالى، وقول رسوله ، وهؤلاء الخلفاء قد خالفهم من في عصرهم، فقد خالف عمر زيد وعلي وغيرهما وخالف عثمان وعمر، وخالف عمر أبا بكر في قضايا كثيرة، فما منهم أحد قال لمن خالفه: لم خالفتني وأنا إمام؟ فلو كان تقليدهم واجباً لما تركوا أحداً يعمل بغير الواجب، وأما تمويه من احتج بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } فهذه الآية مبطلة للتقليد إبطالاً لا خفاء به، وهي أعظم الحجج عليهم، لأنه تعالى إنما أمر بطاعتهم فيما نقلوه إلينا عن رسول الله لا في غير ذلك، وإن قالوا: بل فيما قالوه باجتهادهم، قلنا: قد سلف منا إبطال هذا الظن، ثم لو سلم ذلك لما وجب ذلك إلا في جميعهم، لا في بعضهم، لأن الله عز وجل لم يقل وبعض أولي الأمر منكم، وإنما أمرنا باتباع أولي الأمر منا، وهم أهل العلم كلهم فإذا أجمعوا على أمر مَّا فلا خلاف في وجوب اتباعهم، وقد بين تعالى ذلك في الآية نفسها، ولم يدعنا في لبس، فقال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } فأسقط تعالى عند التنازع الرد إلى أولي الأمر، وأوجب الرد إلى القرآن والسنة فقط، وإنما أمر بطاعة أولي الأمر منا ما لم يكن تنازع وهذا هو قولنا، ولله الحمد. وأما الرواية: «إِنَّ مُعَاذاً سَنَّ لَكُمْ» فقد قلنا: إنه حديث لا يصح سنده، ولو صح لما كانت لهم فيه حجة، لأن الدخول مع الإمام كيد وجد ليس من قبل أن معاذاً فعله، لكن من قبل أن النبي صوبه وأمر به فقوله : «مَا أَدْرَكْتُمْ فَصَلُّوا وَمَا فَاتَكُمْ فَأَتِمُّوا» وإلا فقد فعل معاذ في تطويل الصلاة أمراً غضب منه ونهاه عن العودة، فلو كان ما فعل معاذ سنة لكان تطويله الصلاة إذ أمَّ الناس سنة، وهذا خطأ، فصح أنه ليس فعل معاذ ولا غيره سنة إلا حتى يأمر بها النبي ويصححها، وهذا قولنا لا قولهم. وأما الرواية: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي» فحديث لا يصح، لأنه مروي عن مولى لربعي مجهول وعن المفضل الضبي وليس بحجة، كما حدثنا أحمد بن محمد بن الجسور، نا أحمد بن الفضل الدينوري، نا محمد بن جبير، نا عبد الرحمن بن الأسود الطفاوي، نا محمد بن كثير الملائي، نا المفضل الضبي، عن ضرار بن مرة، عن عبد الله بن أبي الهذيل العتري، عن جدته عن النبي قال: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارَ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» . وكما حدثناه أحمد بن قاسم قال: نا أبي قاسم بن محمد بن قاسم بن أصبغ قال: حدثني قاسم بن أصبغ، نا إسماعيل بن إسحاق القاضي، نا محمد بن كثير، أنا سفيان الثوري، عن عبد الملك بن عمير، عن مولى الربعي، عن حذيفة/ قال: قال رسول الله : «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ، وَاهْتَدُوا بِهَدْيِ عَمَّارَ، وَتَمَسَّكُوا بِعَهْدِ ابْنِ أُمِّ عَبْدٍ» .

وأخذناه أيضاً عن بعض أصحابنا، عن القاضي أبي الوليد بن الفرضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، نا محمد بن إسماعيل، نا محمد بن فضيل، نا وكيع، نا سالم المرادي، عن عمرو بن هرم، عن ربعي بن حراش، وأبي عبد الله رجل من أصحاب حذيفة عن حذيفة.

قال أبو محمد: سالم ضعيف/ وقد سمى بعضهم المولى فقال: هلال مولى ربعي، وهو مجهول لا يعرف من هو أصلاً، ولو صح لكان عليهم لا لهم، لأنهم ــــ نعني أصحاب مالك وأبي حنيفة والشافعي ــــ أترك الناس لأبي بكر وعمر، وقد بينا أن أصحاب مالك خالفوا أبا بكر مما رووا في الموطأ خاصة في خمسة مواضع، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ خاصة، وقد ذكرنا أيضاً أن عمر وأبا بكر اختلفا، وأن اتباعهما فيما اختلفا فيه متعذر ممتنع لا يقدر عليه أحد.

وإنما الصحيح في هذا الباب ما ناولنيه بعض أصحابنا، وحدثنيه أيضاً يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري، كلاهما عن أبي الوليد عبد الله بن يوسف القاضي، عن ابن الدخيل، عن العقيلي، نا محمد بن إسماعيل، نا إسماعيل بن أبي أويس، عن عبد الله بن أبي عبد الله البصري، وثور بن يزيد الديلي، عن عكرمة، عن ابن عباس قال: قال النبي : «اعْقَلُوا أَيُّهَا النَّاسُ قَوْلِي، فَقَدْ بَلَّغْتُ، وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ مَا إِنْ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ فَلَنْ تَضِلُّوا: كِتَابَ الله وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ» ، وبه إلى العقيلي، ثنا موسى بن إسحاق، ثنا محمد بن عبيد المحاربي، ثنا صالح بن موسى الطلحي، عن عبد العزيز بن رفيع، عن أبي صالح، عن أبي هريرة/ قال: قال رسول الله : «إِنِّي قَدْ خَلَّفْتُ فِيكُمْ شَيْئَيْنٍ لَنْ تَضِلُّوا بَعْدَهُمَا أَبَداً مَا أَخَذْتُمْ بِهِمَا أَوْ عَمِلْتُمْ بِهِمَا: كِتَابَ الله وَسُنَّتِي، وَلَمْ يَتَفَرَّقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الحَوْضَ» . وأما الرواية: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ» فرواية ساقطة، وهذا حديث حدثنيه أبو العباس أحمد بن عمر بن أنس العذري قال: أنا أبو ذر عبد بن أحمد بن محمد الهروي الأنصاري قال: أنا علي بن عمر بن أحمد الدارقطني، ثنا القاضي أحمد كامل بن كامل خلف، ثنا عبد الله بن روح، ثنا سلام بن سليمان، ثنا الحارث بن غصين، عن الأعمش، عن أبي سفيان، عن جابر قال: قال رسول الله : «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ» .

قال أبو محمد: أبو سفيان ضعيف، والحارث بن غصين هذا هو أبو وهب الثقفي، وسلام بن سليمان يروي الأحاديث الموضوعة، وهذا منها بلا شك، فهذا رواية ساقطة من طريق ضعيف إسنادها. وكتب إلي أبو عمر يوسف بن عبد الله بن عبد البر النمري أن هذا الحديث روي أيضاً من طريق عبد الرحمن بن زيد العمي، عن أبيه، عن سعيد بن المسيب، عن ابن عمر، ومن طريق حمزة الجزري، عن نافع، عن ابن عمر قال: وعبد الرحيم بن زيد وأبوه متروكان، وحمزة الجزري مجهول. وكتب إلي النمري، حدثنا محمد بن إبراهيم بن سعيد، أن أبا عبد الرحمن بن مفرج حدثهم قال: ثنا محمد بن أيوب الصموت قال: قال لنا البزار: وأما ما يروى عن النبي : «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُمُ اهْتَدَيْتُمْ» فهذا كلام لا يصح عن النبي . قال أبو محمد: فقد ظهر أن هذه الرواية لا تثبت أصلاً، بلا شك أنها مكذوبة، لأن الله تعالى يقول في صفة نبيه : {وَمَا يَنطِقُ عَنِ الْهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاَّ وَحْيٌ يُوحَى } فإذا كان كلامه في الشريعة حقّاً كله، فهو من الله تعالى بلا شك، وما كان من الله تعالى فلا اختلاف فيه، بقوله تعالى: {أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُواْ فِيهِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً } .

وقد نهى تعالى عن التفرق والاختلاف بقوله: {وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلاَ تَنَازَعُواْ فَتَفْشَلُواْ وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ وَاصْبِرُواْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ } فمن المحال أن يأمر رسول الله باتباع كل قائل من الصحابة رضي الله عنهم، وفيهم من يحلل الشيء، وغيره منهم يحرمه، ولو كان ذلك لكان بيع الخمر حلالاً اقتداء بسمرة بن جندب، ولكان أكل البرد للصائم حلالاً اقتداء بأبي طلحة، وحراماً اقتداء بغيره منهم، ولكان ترك الغسل من الإكسال واجباً اقتداء بعلي وعثمان وطلحة وأبي أيوب وأبي بن كعب، وحراماً اقتداء بعائشة وابن عمر، ولكان بيع الثمر قبل ظهور الطيب فيها حلالاً اقتداء بعمر، حراماً اقتداء بغيره منهم، وكل هذا مروي عندنا بالأسانيد الصحيحة، تركناها خوف التطويل بها، وقد بينا آنفاً إخباره عليه السلام أبا بكر بأنه أخطأ. وقد كان الصحابة يقولون بآرائهم في عصره ، فيبلغه ذلك فيصوب المصيب ويخطىء المخطىء، فذلك بعد موته أفشى وأكثر، فمن ذلك فتيا أبي السنابل لسبيعة الأسلمية بأن عليها في العدة آخر الأجلين، فأنكر ذلك، وأخبر أن فتياه باطل. وقد أفتى بعض الصحابة ــــ وهو حي ــــ بأن على الزاني غير المحصن الرجم، حتى افتداه والده بمائة شاة ووليدة ــــ فأبطل ذلك الصلح وفسخه، وذكر السبعين ألفاً من أمته يدخلون الجنة وجوههم كالقمر ليلة البدر، فقال بعض الصحابة: هم قوم ولدوا على الإسلام فخطأ النبي قائل ذلك. وقالوا ــــ إذ نام النبي عن صلاة الصبح ــــ: ما كفارة ما صنعنا؟ فأنكر النبي قولهم ذلك، وأراد طلحة بحضرة عمر بيع الذهب بالفضة نسيئة، فأنكر ذلك عمر، وأخبر أن النبي حرم ذلك. وباع بلال صاعين من تمر بصاع من تمر، فأنكر النبي ذلك، وأمره بفسخ تلك البيعة، وأخبره أن هذا عين الربا، وباع بعض الصحابة بريرة واشترط الولاء، فأنكر النبي ذلك، ولام عليه، وقال عمر لأهل هجرة الحبشة: نحن أحق برسول الله منكم، فكذبه النبي في ذلك. وقال جابر: كنا نبيع أمهات الأولاد ورسول الله حي بين أظهرنا، وأخبر أبو سعيد أنهم كانوا يخرجون زكاة الفطر والنبي حي فذكر الأقط والزبيب، وإنما فرض التمر والشعير فقط، وأمر سمرة النساء بإعادة الصلاة أيام الحيض، وقال قوم من الصحابة بحضرة النبي : أما أنا فأفيض على رأسي ــــ يعنون في غسل الجنابة ــــ كذا وكذا مرة فأنكر ذلك النبي وكان علي يغتسل من المذي والنبي حي، فأنكر ذلك النبي .

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني

في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (1) | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (2) | في إبطال التقليد (1) | في إبطال التقليد (2) | في إبطال التقليد (3) | في إبطال التقليد (4) | في إبطال التقليد (5) | في إبطال التقليد (6) | في إبطال التقليد (7) | في إبطال التقليد (8) | في إبطال التقليد (9) | في إبطال التقليد (10)