50%

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني/الباب السادس والثلاثون (1)

من ويكي مصدر، المكتبة الحرة
اذهب إلى التنقل اذهب إلى البحث
ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام في إبطال التقليد (1)
المؤلف: ابن حزم


قال أبو محمد علي:علي بن أحمد:علي: اعتقاد المرء قولاً من قولين فصاعداً ممن اختلف فيه أهل التمييز المتكلمون في أفانين العلوم، فإنه لا يخلو في اعتقاده ذلك من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده ببرهان صح عنده أو يكون اعتقده بغير برهان صح عنده، فإن كان اعتقده ببرهان صح عنده، يخلو أيضاً من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده ببرهان حق صحيح في ذاته، وإما أن يكون اعتقده بشيء يظن أنه برهان وليس ببرهان، لكنه شغب وتمويه موضوع وضعاً غير مستقيم. وقد بينا كل برهان حق صحيح في ذاته في كتابنا الموسوم «بالتقريب» وبينا في كتابنا هذا أن البرهان في الديانة إنما هو نص القرآن، أو نص كلام صحيح النقل مسند إلى النبي ، أو نتائج مأخوذة من مقدمات صحاح من هذين الوجهين. وأما القسم الثاني الذي هو شغب يظن أنه برهان وليس برهاناً، فمن أنواعه: القياس والأخذ بالمرسل، والمقطوع، والبلاغ، وما رواه الضعفاء والمنسوخ والمخصص وكل قضية فاسدة قدمت بالوجوه المموهة التي قد بيناها في كتاب التقريب. وأما ما اعتقده المرء بغير برهان صح عنده، فإنه لا يخلو من أحد وجهين: إما أن يكون اعتقده لشيء استحسنه بهواه، وفي هذا القسم يقع الرأي والاستحسان، ودعوى الإلهام، وإما أن يكون اعتقده لأن بعض من دون النبي قال، وهذا هو التقليد، وهو مأخوذ من قلدت فلاناً الأمر، أي جعلته كالقلادة في عنقه، وقد استحى قوم من أهل التقليد من فعلهم فيه، وهم يقرون ببطلان المعنى الذي يقع عليه هذا الاسم، فقالوا: نقلد بل نتبع.

قال أبو محمد: ولم يتخلصوا بهذا التمويه من قبيح فعلهم، لأن الحرم إنما هو المعنى، فليسموه بأي اسم شاؤوا، فإنهم ما داموا آخذين بالقول، لأن فلاناً قاله دون النبي ، فهم عاصون لله تعالى، لأنهم اتبعوا من لم يأمرهم الله تعالى باتباعه. ويكفي من بطلان التقليد أن يقال لمن قلد إنساناً بعينه: ما الفرق بينك وبين من قلد غير الذي قلدته، بل قلد من هو بإقرارك أعلم منه وأفضل منه؟ فإن قال بتقليد كل عالم كان قد جعل الدين هملاً، وأوجب الضدين معاً في الفتيا، هذا ما لا انفكاك منه، لكن شغبوا وأطالوا، فوجب تقصي شغبهم، إذ كتابنا هذا كتاب تقص لا كتاب إيجاز وبالله تعالى نتأيد. قال أبو محمد: ونحن ذاكرون ــــ إن شاء الله ــــ ما موَّه به المتأخرون لنصر قولهم في التقليد، ومبينون بطلان كل ذلك بحول الله وقوته، ثم نذكر البراهين الضرورية الصحاح على إبطال التقليد جملة، وبالله تعالى التوفيق.

فمما شغبوا به أن قال بعضهم: روي أن ابن مسعود كان يأخذ بقول عمر. قال أبو محمد: وهذا باطل، لأن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده، وإنما وافقه كما يتوافق أهل الاستدلال فقط، وما نعرف رواية أن ابن مسعود رجع إلى قول عمر إلا رواية ضعيفة لا تصح في مسألة واحدة، وهي في مقاسمة الجد الأخوة مرة إلى الثلث ومرة إلى السدس، ولعل نظائر هذه الرواية لو تقصيت لم تبلغ أربع مسائل، وإنما جاء فيها أيضاً أن ابن مسعود أنفذها بقول عمر، لأن عمر كان الخليفة. وابن مسعود أحد عماله فقط. وأما اختلافهما فلو تقصي لبلغ أزيد من مائة مسألة، وقد ذكرنا بعد هذا بنحو ورقتين سند الحديث المذكور من اتباع ابن مسعود عمر، وبينا وهي تلك الرواية وسقوطها. ومما حضرنا ذكره من خلاف ابن مسعود لعمل في أعظم قضاياه، وأشهرها ما حدثناه محمد بن سعيد النباتي، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار، نا محمد بن جعفر، نا شعبة، عن الحكم بن عتيبة، عن زيد بن وهب قال: انطلقت أنا ورجل إلى عبد الله بن مسعود نسأله عن أم الولد، وإذا هو يصلي ورجلان قد اكتنفاه عن يمينه وعن يساره، فلما صلى سألاه الخطاب. فقال لأحدهما: من أقرأك؟ قال: أقرأنيها أبو عمرة أو أبو حكم المزني، وقال الآخر: أقرأنيها عمر بن الخطاب، فبكى حتى بل الحصا بدموعه وقال له: اقرأ كما أقرأك عمر، فإنه كان للإسلام حصناً حصيناً يدخل الناس فيه ولا يخرجون منه، فلما أصيب عمر انثلم الحصن فخرج الناس من الإسلام، قال: سألته عن أم الولد، فقال: تعتق من نصيب ولدها. قال أبو محمد: فهذا ابن مسعود بهذا السند العجيب الذي لا مغمز فيه ــــ بعد موت عمر على ما في نص هذا الحديث من ذكره موت عمر ــــ يخالفه في أمهات الأولاد، فلا يراهن حرائر من رأس مال سادتهن، ولكن من نصيب أولادهن كما تعتق على كل أحد أمه إذا ملكها. ومع ذلك أن ابن مسعود ــــ إلى أن مات ــــ كان يطبق في الصلاة، وعمر كان يضع اليدين على الركبتين وينهى عن التطبيق وكان ابن مسعود يضرب الأيدي لوضعها على الركب، وابن مسعود يقول في الحرم هي يمين، وعمر يقول: هي طلقة واحدة. وكان ابن مسعود يقول في رجل زنى بامرأة ثم تزوجها: لا يزالان زانيين ما اجتمعا، وعمر يأمر الزاني أن يتزوج التي زنى بها، وابن مسعود يقول بيع الأمة طلاقها، وعمر لا يرى بيعها طلاقاً ويخالفه في قضايا كثيرة جداً.

والعجب كله ممن يحتج بالكذب، من أن ابن مسعود كان يقلد عمر، وهم لا يرون تقليد عمر ولا ابن مسعود في كل أقوالهما، وإنما يقلدون من لم يقلده قط ابن مسعود ولا رآه، كأبي حنيفة ومالك والشافعي وحسبك بمقدار من يحتج بمثل هذا في الغباوة والجهل، وقوله مخالف لما احتج به.

وكيف يجوز أن يقلد ابن مسعود عمر؟ وقد حدثنا عبد الله بن يوسف، حدثنا أحمد بن فتح، نا عبد الوهاب بن عيسى، نا أحمد بن محمد، نا أحمد بن علي، حدثنا مسلم بن الحجاج، نا إسحاق بن راهويه، نا عبدة بن سليمان، نا الأعمش عن أبي وائل شقيق بن سلمة الأسدي، عن عبد الله بن مسعود قال: لقد علم أصحاب رسول الله ، أني أعلمهم بكتاب الله عز وجل، ولو أعلم أن أحداً أعلم به مني لرحلت إليه، قال شقيق: فجلست في حَلَق أصحاب محمد فما سمعت أحداً يرد ذلك عليه ولا يعيبه. وبه إلى مسلم: نا أبو كريب، نا يحيى بن آدم، نا قطبة عن الأعمش، عن مسلم، عن مسروق، عن عبد الله بن مسعود قال: والذي لا إله غيره ما من كتاب الله تعالى سورة إلا أنا أعلم حيث نزلت، وما من آية إلا أنا أعلم فيما أنزلت، ولو أعلم أحداً هو أعلم بكتاب الله تعالى مني تبلغه الإبل لركبت إليه. قال أبو محمد: وكان ابن مسعود من الملازمة لرسول الله بحيث قال أبو موسى الأشعري: كنا حيناً وما نرى ابن مسعود وأمه إلا من أهل بيت النبي من كثرة دخولهم ولزومهم له. وقال ابن مسعود البدري ــــ وقد قام عبد الله بن مسعود ــــ ما أعلم رسول الله ترك بعده أعلم بما أنزل الله تعالى من هذا القائم، فقال أبو موسى: لقد كان يشهد إذا غبنا، ويؤذن له إذا حججنا. روينا هذا السند المذكور إلى مسلم قال: حدثناه أبو كريب محمد بن العلاء الهمداني، نا يحيى بن آدم، نا قطبة، عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن أبي الأحوص أنه سمع أبا مسعود وأبا موسى يقولان ذلك.

قال أبو محمد: فمن كانت هذه صفته وهو يخبر أنه ما من آية في القرآن إلا وهو يعلم فيما أنزلت، أيجوز أن يظن به ذو عقل أنه يقلد أحداً من الناس؟ هذا محال ممتنع لا سبيل إليه، وإنما يقلد من يجهل الحكم في النازلة، فيأخذ بقول من يقدر أنه يعلمه، وكيف يمكن أن يقلد ابن مسعود عمر؟ وقد كان كما حدثنا محمد بن سعيد، نا أحمد بن عون الله، نا قاسم بن أصبغ، نا محمد بن عبد السلام الخشني، نا محمد بن بشار بندار، نا محمد بن عدي، وأبو داود الطيالسي كلاهما عن شعبة، عن عمرو بن مرة، عن أبي عبيد الله بن عبد الله بن مسعود، عن مسروق قال: ما شهدت أصحاب النبي إلا بالإخاذ فالإخاذة تكفي الواحد والاثنين والثلاثة، والإخاذة تكفي الفئام من الناس، وإني أتيت عبد الله بن مسعود وعمر وعثمان فوجدت عبد الله كفاني، فلزمت عبد الله.

قال أبو محمد: فقد بين مسروق أنه جربهم فوجد ابن مسعود لا يقصر عن عمر في العلم، بل كلام مسروق يدل على تقدم ابن مسعود عنده على عمر في العلم، ولذلك اكتفى به عنه، وقد ذكرنا في باب الإجماع من كتابنا هذا ــــ في باب من ادعى أن الإجماع هو إجماع أهل المدينة ــــ صفة منزلة ابن مسعود عند عمر في العلم في كتابه إلى أهل الكوفة. واحتج بعضهم بأن قال: لا بد من التقليد، لأنك تأتي الجزار فتقلده في أنه سمى الله عز وجل، وممكن أن يكون لم يسم، وهكذا في كل شيء. قال أبو محمد: المحتج بهذا إما كان بمنزلة الحمير في الجهل، وإما كان رقيق الدين لا يستحي ولا يتقي الله عز وجل، فيقال له: إن كان ما ذكرت عندك تقليداً، فقلد كل فاسق وكل قائل، وقلد اليهود والنصارى فاتبع دينهم، لأنا كذلك نبتاع اللحم منهم. ونصدقهم أنهم سموا الله تعالى على ذبائحهم، كما نبتاعه من المسلم الفاضل، ولا فرق، ولا فضل بين ابتياعه من زاهد عابد، وبين ابتياعه من يهودي فاسق، ولا أثرة ولا فضيلة لذبيحة العالم الورع على ذبيحة الفاسق الفاجر، فقلّد كل قائل على ظهر الأرض وإن اختلفوا، كما نأكل ذبيحة كل جزار من مؤمن أو ذمي. فإن قال بذلك خرج عن الإسلام وكفى مؤونته، ولزمه ضرورة ألا يقلد عالماً بعينه دون من سواه، كما أنه لا يقلد جزاراً بعينه دون من سواه، وإن أبى من ذلك فقد أبطل احتجاجه بتقليد الجزار وغيره، وسقط تمويهه. ولكن ليعلم الجاهل أن هذا الذي شغب به هذا المموه ــــ من تصديقنا الجزار والصانع وبائع سلعة بيده ــــ: ليس تقليداً أصلاً، وإنما صدقناهم لأن النص أمر بتصديقهم، وقد سأل أصحاب رسول الله عن هذه بعينها فقالوا: يا رسول الله إنه يأتي قوم حديثو عهد بالكفر بذبائح لا ندري أسموا الله تعالى عليها فقال : «سَمُّوا الله أَنْتُمْ وَكُلُوا» أو كما قال . وأمر تعالى بأكل طعام أهل الكتاب وذبائحهم فإن أتونا في تقليد رجل بعينه بنص على إيجاب تقليده أو بإجماع على إيجاب تقليده صرنا إليه واتبعناهم، ولم يكن ذلك تقليداً حينئد، لأن البرهان كان يكون حينئذ قد قام على وجوب اتباعه. واحتج بعضهم بأن قال: روي عن عمر أنه قال: إني لأستحي من الله عز وجل أن أخالف أبي بكر. قال أبو محمد: وهذا يبطل من خمسة أوجه: أولها: أن هذا حديث مكذوب محذوف، لا يصح منفرداً هذا اللفظ كما أوردوه، وإنما جاء بلفظ إذا حقق فهو حجة عليهم، وسنورده عند الفراغ بذكر حججهم، ثم الابتداء بالاحتجاج عليهم في هذا الباب إن شاء الله تعالى.

والثاني: أن خلاف عمر لأبي بكر أشهر من أن يجهله من له أقل علم بالروايات، فمن ذلك خلافه إياه في سبي أهل الردة، سباهم أبو بكر، وبلغ الخلاف عن عمر له أن نقض حكمه في ذلك، وردهن حرائر إلى أهليهن إلا من ولدت لسيدها منهن، ومن جملتهن كانت خولة الحنفية أم محمد بن علي. وخالفه في قسمة الأرض المفتتحة، فكان أبو بكر يرى قسمتها، وكان عمر يرى إيقافها ولم يقسمها. وخالفه في المفاضلة أيضاً في العطاء، فكان أبو بكر يرى التسوية، وكان عمر يرى المفاضلة وفاضل. ومن أقرب ذلك ما حدثناه عبد الله بن ربيع، ثنا عمر بن عبد الملك، ثنا محمد بن بكر، ثنا سليمان بن الأشعث، حدثنا محمد بن داود بن سفيان، وسلمة بن شبيب قالا: ثنا عبد الرزاق، ثنا معمر عن الزهري، عن سالم، عن ابن عمر قال: قال عمر: إني إن لا أستخلف فإن رسول الله لم يستخلف، وإن استخلف فإن أبا بكر قد استخلف. قال ابن عمر: فوالله ما هو إلا أن ذكر رسول الله وأبا بكر فعلمت أنه لا يعدل برسول الله أحداً. وأنه غير مستخلف. قال أبو محمد: فهذا نص خلاف عمر لأبي بكر فيما ظن أنه فعل النبي وقد خالفه في فرض الجد، وفي غير ذلك كثيراً بالأسانيد الصحاح، المبطلة لقول من قال: إنه كان لا يخالفه. والثالث: أن هذا لو صح كما أوردوه وموهوا به ــــ وهو لا يصح كذلك ــــ لكان غير موجب لتقليد مالك وأبي حنيفة، ولا يتمثل في عقل ذي عقل، إن في تقليد عمر لأبي بكر ما يوجب تقليد أهل زماننا لمالك وأبي حنيفة فبطل تمويههم بما ذكروا.

والرابع: أن المحتج بما ذكرنا عن عمر ينبغي أن يكون أوقح الناس، وأقلهم حياء، لأنه احتج بما يخالفه، وانتصر بما يبطله، لأنه لا يستحي مما استحى منه عمر، لأن المحتجين بهذا يخالفون أبا بكر وعمر في أكثر أقوالهم، وقد ذكرنا خلاف المالكيين لما رووا في الموطأ عن أبي بكر وعمر فيما خلا من كتابنا، فأغنى عن ترداده، وبينا أنهم رووا عن أبي بكر ست قضايا خالفوه منها من خمس، وخالفوا عمر في نحو ثلاثين قضية مما رووا في الموطأ فقط. فهلا استحيا من هذا المحتج مما استحيا منه عمر ويلزمه أن يقلد أبا بكر وعمر، وإلا فقد أقر على نفسه بترك الحق، إذ ترك قول عمر، وهو يحتج بقوله في إثبات التقليد. والخامس: أنه لو صح أن عمر قلد ــــ وقد أعاذه الله من ذلك ــــ لكان هو وسائر من خالفه من الصحابة، وأبطلوا التقليد راجياً أن ترد أقوالهم إلى النص، فلأيها شهد النص أخذ به، والنص يشهد لقول من أبطل التقليد.

واحتجوا بما حدثناه محمد بن سعيد، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة، عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الشعبي، أن جندباً ذكر له قول في مسألة من الصلاة لابن مسعود، فقال جندب: إنه لرجل ما كنت لأدع قوله لقول أحد من الناس. وبه إلى الشعبي عن مسروق قال: كان ستة من أصحاب النبي يفتون الناس: ابن مسعود، وعمر بن الخطاب، وعلي، وزيد بن ثابت، وأبيّ بن كعب، وأبو موسى الأشعري، وكان ثلاثة منهم يدعون قولهم لقول ثلاثة: كان عبد الله يدع قوله لقول عمر، وكان أبو موسى يدع قوله لقول علي، وكان زيد يدع قوله لقول أبيّ بن كعب. قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه لوجوه: أحدها: أن راوي هذين الخبرين جابر الجعفي وهو كذاب، فسقط الاحتجاج به. والثاني: أنه كذب هذا الحديث الأخير بين ظاهر، بما هو في الشهرة والصحة كالشمس، وهو أن خلاف ابن مسعود لعمر أشهر من أن يتكلف إيراده، وخلاف أبي موسى لعلي كذلك، ومن جملة خلافه إياه امتناعه من بيعته ومن حضور مشاهده، وليس في الخلاف أعظم من هذا، وكذلك خلاف زيد لأبي ــــ في القراءات والفرائض وغير ذلك ــــ أشهر من كل مشتهر، فوضح كذب جابر في روايته هذه. والثالث: أنه لو صح كل هذا لكان عليهم لا لهم، لأن الذين كان هؤلاء المذكورون يقلدون بزعمهم، هم غير الذين يقلد هؤلاء المتأخرون اليوم، فلا حجة لمن قلد مالكاً وأبا حنيفة والشافعي فيمن قلد عمر وعليّاً وأبيّاً، بل هو حجة عليهم لأنه إن كان تقليد هؤلاء حقّاً فتقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة باطل، وإن كان تقليد من تقدم باطلاً فتقليد من تأخر أبطل، فمن المحال الباطل أن يقلد ابن مسعود عمر أو غيره مع ما حدثناه المهلب، عن ابن مناس، عن ابن مسرور، عن يونس بن عبد الأعلى، عن ابن وهب قال: سمعت سليمان يحدث عن عاصم بن بهدلة، عن زر بن حبيش، عن عبد الله بن مسعود، أنه كان يقول: اغد عالماً أو متعلماً ولا تغدون إمِّعة، قال ابن وهب: فذكر لي سفيان، عن أبي الزعراء، عن أبي الأحوص، عن ابن مسعود: إنه الإمِّعة فيكم الذي يحقب دينه الرجال. واحتجوا أيضاً بالأعمى يدل على القبلة وبالراكب في السفينة يدله الملاحون على القبلة، وعلى الوقت. قال أبو محمد: وهذا لا حجة لهم فيه، لأنه من باب قبول الخبر، لا من باب قبول الفتيا في الدين بلا دليل، ولا من باب تحريم أمر كان مباحاً، أو إيجاب فرض لم يكن واجباً أو إسقاط فرض قد وجب، وهذا الذي ذكروا ليس تقليداً، وإنما هو إخبار، والناس مجمعون على قبول خبر الواحد في أشياء كثيرة منها الهدية، وحال إدخال الزوج على الزوجة، وقبول قول المرأة الذمية والمسلمة إنها طاهر فيستباح وطؤها بعد تحريمه بالحيض وغير ذلك، فقبول الأعمى لخبر المخبر له عن الوقت والقبلة ــــ إذ وقع به تصديقه ــــ أمر قد قام الدليل على صحته، بل أكثر هذه الأمور توجب العلم الضروري بالجبلة، وبطل أن يكون ما ذكروا تقليداً، واحتج بعضهم بقول الله تعالى: {وَمَنْ أَحْسَنُ دِيناً مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلاً } .

قال أبو محمد: وهذا من القحة ما هو! لأن الشيء الذي يأمر به الله ليس تقليداً، ولكنه برهان ضروري، والتقليد إنما هو اتباع من لم يأمرنا عز وجل باتباعه. وإنما التقليد الذي نخالفهم فيه أخذ قول رجل ممن دون النبي ، لم يأمرنا ربنا باتباعه، بلا دليل يصحح قوله، لكن فلاناً قاله فقط، فهذا هو الذي يبطل، ولكن من لا يتقي الله عز وجل ــــ ممن قد بهره الحق وعجز عن نصره الباطل، وأراد استدامة سوقه، ولا يبالي إلى ما أداه ذلك ــــ أوقع على اعتقاد الحق الذي قد ثبت برهانه اسم التقليد، فسمى الانقياد لخبر الواحد تقليداً، وسمى الإجماع تقليداً وسمى اتباع النبي فيما أمر باتباعه من ملة إبراهيم عليه السلام تقليداً. فإن أرادوا منا تصحيح هذه المعاني فهي صحاح، لقيام النص بوجوبها، وإن أرادوا أن يتطرقوا بذلك إلى تقليد مالك والشافعي وأبي حنيفة فذلك حرام وباطل، وليس في اتباع ملة إبراهيم ما يوجب اتباع مالك وأبي حنيفة والشافعي، لأنهم غير إبراهيم المأمور باتباعه، ولم نؤمر قط باتباع هؤلاء المذكورين، وإنما هذا بمنزلة من سمى الخنزير كبشاً، وسمى الكبش خنزيراً فليس ذلك مما يحل الخنزير ويحرم الكبش. وكذلك إنما نحرم اتباع من دون النبي بغير دليل، ونوجب اتباع ما قام الدليل على وجوب اتباعه، ولا نلتفت إلى من مزج الأسماء، فسمى الحق تقليداً، وسمى الباطل اتباعاً، وقد بينا قبل وبعد أن الآفة العظيمة إنما دخلت على الناس ــــ وتمكن بهم أهل الشر والفسق والتخليط والسفسطة ولبسوا عليهم دينهم ــــ فمن قبل اشتراك الأسماء واشتباكها على المعاني الواقعة تحتها.

ولذلك دعونا في كتبنا إلى تمييز المعاني، وتخصيصها بالأسماء المخلفة، فإن وجدنا في اللغة اسماً مشتركاً حققنا المعاني التي تقع تحته، وميزنا كل معنى منها بحدوده التي هي صفاته التي لا يشاركه فيها سائر المعاني، حتى يلوح البيان، فيهلك من هلك عن بينة، ويحيا من حي عن بينة، والله تعالى يلبس على من على الناس وبالله تعالى التوفيق. واحتجوا بما حدثنا محمد بن سعيد بن نبات، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا الخشني، ثنا بندار، ثنا غندر ثنا شعبة، ثنا عمرو بن مرة، عن حصين، عن ابن أبي ليلى قال: حدثنا أصحابنا أنهم كانوا إذا صلوا مع النبي فدخل الرجل أشاروا إليه فقضى ما سبق به، فكانوا من بين قائم وراكع وقاعد ومصل مع رسول الله ، حتى جاء معاذ فقال: لا أراه على حال إلا كنت معه، فقال رسول الله : «إِنَّ مُعَاذاً قَدْ سَنَّ لَكُمْ سُنَّةً فَكَذَلِكَ فَافْعَلُوا» . قال أبو محمد: وهذا حديث كما ترى، لم يذكر ابن أبي ليلى من حدثه به، والضمير الذي في «كانوا» لا بيان فيه أنه راجع إلى المحدثين لابن أبي ليلى، بل لعله راجع إلى الصحابة غير المحدثين لابن أبي ليلى، ولا تؤخذ الحقائق بالشكوك. وحتى لو صح هذا الحديث لما كانت فيه حجة لوجهين: أحدهما: أن الذين يقلدونهم غير معاذ، فلو صح تقليد معاذ ما كان ذلك إلا مبطلاً لتقليد مالك وأبي حنيفة والشافعي. والثاني: أن فعل معاذ لم يصر سنة إلا حيث أمر به رسول الله وحين أمر به، لا بفعل معاذ، ويكون حينئذ معنى أن معاذاً سن سنة، أي فعل فعلاً جعله الله لكم سنة، فإنما صار سنة حين أمر به عليه السلام فقط، مع أنه حديث مرسل لا يحتج به. وقد روينا عن معاذ ما يبطل ظن الظان في هذا الحديث، وما يبطل به التقليد، وهو ما حدثنا محمد بن سعيد النباتي، ثنا أحمد بن عون الله، ثنا قاسم بن أصبغ، ثنا محمد بن عبد السلام الخشني، ثنا محمد بن بشار بندار، ثنا غندر، ثنا شعبة قال: أنبأني عمرو بن مرة قال: سمعت عبد الله بن سليمة يقول: قال معاذ بن جبل: يا معشر العرب كيف تصنعون بثلاث: دنيا تقطع أعناقكم، وزلة عالم، وجدال المنافق بالقرآن؟ فسكتوا، فقال معاذ: أما العالم فإن اهتدى فلا تقلدوه دينكم، وإن افتتن فلا تقطعوا منه أناتكم، فإن المؤمن ــــ أو قال المسلم ــــ يفتتن ثم يتوب، وأما القرآن فإن له مناراً كمنار الطريق لا يخفى على أحد، فما علمتم منه فلا تسألوا عنه أحداً، وما لم تعلموا فكلوه إلى عالمه، وأما الدنيا فمن جعل الله غناه في قلبه فقد أفلح، ومن لا فليست بنافعته دنياه.

قال أبو محمد: رحم الله معاذاً، لقد صدع بالحق، ونهى عن التقليد في كل شيء، وأمر باتباع ظاهر القرآن، وألا يبالي من خالف فيه، وأمر بالتوقف فيما أشكل. وهذا نص مذهبنا. وبالله تعالى التوفيق.

ومن العجب احتجاجهم بهذا الخبر، ولا يدري أحد لماذا؟ فإن كانوا أرادوا بذلك تقليد معاذ، وأنه كان يسن السنن، فقد جاء عنه أنه كان يورث المسلم من الكافر فيقلدوه، وإلا فقد لعبوا بدينهم، وإن كانوا يحتجون به في إيجاب تقليد أبي حنيفة ومالك والشافعي، فهذا حمق ما سمع بأظرف منه وأين تقليد معاذ من تقليد هؤلاء.

واحتج بعضهم بقوله تعالى: {مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّآءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَآءُ بَيْنَهُمْ تَرَاهُمْ رُكَّعاً سُجَّداً يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَاناً سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِمْ مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَلُهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَلُهُمْ فِي الإِنجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوَى عَلَى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِهِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ مِنْهُم مَّغْفِرَةً وَأَجْراً عَظِيماً } . وبقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً }

وبقوله تعالى: {لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحاً قَرِيباً } وبقوله تعالى: {لاَّ يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُوْلِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُـلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً } وبقوله عز وجل: {وَالسَّابِقُونَ الأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْ عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَآ أَبَداً ذلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ }

فقالوا من أثنى الله تعالى عليه فقوله أبعد من الخطأ وأقرب من الصواب. واحتجوا بقوله : «عَلَيْكُمْ بِسُنَّتِي وسُنَّةِ الخُلَفَاءِ الرَّاشِدِينَ مِنْ بَعْدِي» وبما روي عنه من الحديث الذي فيه: «اقْتَدُوا بِاللَّذَيْنِ مِنْ بَعْدِي أَبِي بَكْرٍ وَعُمَرَ» وقالوا: إن الصحابة رضي الله عنهم شهدوا الوحي فهم أعلم بما شهدوا. وقال بعضهم: قول الخلفاء من الصحابة حكم، وحكمهم لا يجب أن ينقض واحتجوا بقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِن تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِن كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً } وبما روى من: «أَصْحَابِي كَالنُّجُومِ بِأَيِّهِمُ اقْتَدَيْتُم اهْتَدَيْتُمْ» .

ابن حزم - الإحكام في أصول الأحكام/المجلد الثاني/الجزء الثاني

في الاحتياط وقطع الذرائع والمشتبه | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (1) | في الاستحسان والاستنباط في الرأي وإبطال كل ذلك (2) | في إبطال التقليد (1) | في إبطال التقليد (2) | في إبطال التقليد (3) | في إبطال التقليد (4) | في إبطال التقليد (5) | في إبطال التقليد (6) | في إبطال التقليد (7) | في إبطال التقليد (8) | في إبطال التقليد (9) | في إبطال التقليد (10)